← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.

стр. 3396

المطلب الثاني السلم في المعدود المتفاوت قال الزيلعي: «الأصل أن كل معدود تتفاوت آحاده في المالية، لا يجوز السلم فيه» (١). وقال في حاشية تبيين الحقائق: «ما اختلفت آحاده في القيمة، واتفقت أجناسه، فلا يجوز السلم فيه» (٢). [م-٧١٥] علمنا في المبحث السابق حكم السلم في المعدود المتماثل، وأما السلم في المعدود المتفاوت الآحاد، فقد اختلف العلماء في السلم فيه: فقيل: العددي المتفاوت لا يجوز السلم فيه عددًا، وهذا مذهب الحنفية (٣). وجه من قال: لا يجوز السلم في العددي المتفاوت . الوجه الأول: أن العددي المتفاوت لا يمكن ضبطه بالوصف؛ إذ يبقى فيه جهالة فاحشة

стр. 3397

مفضية إلى المنازعة ولو بينا جنسه، ونوعه، وصفته، وقدره (١). الوجه الثاني: أن من شرط المسلم فيه أن يثبت دينًا في الذمة، والمتفاوت الآحاد لا يمكن أن يكون دينًا في الذمة، ولا يصح قرضه، فلا يصح السلم فيه. وقيل: يقدر بالعدد، أو بالوزن، تبعًا لعرف أهل بلد محل العقد، ويقاس بخيط لمعرفة محيطها، ويوضع هذا الخيط عند أمين. وهذا مذهب المالكية (٢). أما كون التقدير بالعدد، أو بالوزن، فإن الرجوع فيه إلى ما تعارف عليه أهل بلد محل العقد، فما اعتادوا بيعه بالعدد، كان تقديره بالعدد، وما اعتادوا بيعه بالوزن، كان تقديره بالوزن. وأما القياس بالخيط بالإضافة إلى العدد، أو الوزن فلضبط الحجم من صغر، وكبر مما تختلف فيه أغراض الناس، وتتفاوت فيه القيمة. وقيل: يقدر بالوزن، وهذا مذهب الشافعية (٣)، والراجح في مذهب الحنابلة (٤). وجه من قال: يقدر بالوزن فقط: أن العددي المتفاوت لا يمكن ضبطه بالعدد؛ لأن آحاده متفاوتة، فلا ينضبط

стр. 3398

قدره بالعدد. ولا يمكن ضبطه بالمكيال؛ لأنه يتجافى بالمكيال، فلم يبق إلا الوزن. الراجح: أن المعدود إذا كانت آحاده متفاوتة، ويشكل هذا التفاوت فرقًا مقصودًا، فإن السلم ينبغي أن يكون في الوزن، أو في الكيل، إن كان يمكن ضبطه بذلك مع وصف الحجم وصفًا يقطع النزاع، فإن لم يمكن ضبط صفاته بذلك لم يجز السلم فيه. * * *

стр. 3399

المطلب الثالث السلم في المعدود كيلًا أو وزنًا [م-٧١٦] إذا جاز السلم في المعدود؛ لكون آحاده متماثلة، أو متقاربة، فهل يجوز السلم فيه كيلًا، أو وزنًا؟ اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: ما جاز السلم فيه عددًا جاز ضبطه كيلًا، ووزنًا، إن أمكن ضبطه بذلك، وهذا مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣). القول الثاني: اختار بعض الشافعية عدم جواز السلم في المعدود كيلًا، بل يقدر المعدود بالوزن فقط (٤)، وهو قول في مذهب الحنابلة (٥). وجهه: أن المعدود لما كان يدخله التباين في حجمه، وفي وزنه، كان تقديره بالوزن أضبط، ولأنه يتجافى بالمكيال، فلا يمكن ضبطه بالكيل.

стр. 3400

والجمهور يشترطون أن يمكن ضبطه بالكيل، فإذا كان يتجافى في المكيال لم يمكن ضبطه بالكيل، فلا بد من الوزن. القول الثالث: سبق لنا أن ابن حزم لا يرى السلم في غير المكيل، والموزون، وقد ذكرنا دليله، وأجبنا عليه في المسألة السابقة، فأغنى عن إعادته، والحمد لله. * * *

стр. 3401

الفرع الثاني يجب أن تكون وحدة الكيل معلومة عند العامة شرط صحة السلم أن يكون المسلم فيه معلوم القدر بمعيار يؤمن فقده (١). [م-٧١٧] أشار الفقهاء إلى أن المعيار يجب أن يكون معلومًا، ومعتادًا عند عامة الناس، سواء أ كان ميزانًا، أم مكيالًا، أم ذرعًا؛ لإمكان الرجوع إليه. ويفسد السلم بتقدير المسلم فيه بمقياس غير معتاد، ككوز، أو إناء، أو صنجة، أو غير ذلك مما هو غير معتاد؛ لأنه قد يهلك، أو يضيع، فيؤدي إلى المنازعة. قال ابن قدامة: «ويجب أن يقدره بمكيال، أو أرطال معلومة عند العامة، فإن قدره بإناء معلوم، أو صنجة معينة غير معلومة لم يصح؛ لأنه يهلك، فيتعذر قدر المسلم فيه، وهذا غرر لا يحتاج إليه العقد. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، على أن المسلم في الطعام لا يجوز بقفيز لا يعلم عياره، ولا في ثوب بذراع فلان؛ لأن المعيار لو تلف، أو مات فلان بطل السلم» (٢). وقال في منح الجليل: «وفسد السلم إن ضبط فيه بشيء مجهول، من كيل، أو وزن، أو عدد، كملء هذا الوعاء حنطة، أو وزن هذا الحجر زيتًا، أو عدد هذا الحصى بيضًا» (٣). وقال في نهاية المطلب: «إن وقعت الإشارة إلى قصعة ما، جرى العرف في الكيل بها، وبأمثالها، فقد اتفق الأئمة على بطلان السلم. والسبب فيه: أن ملأه

стр. 3402

مجهول ... وينضم إلى ذلك أن القصعة عرضة للتلف ... ولو تلفت القصعة لم يدر المتعاقدان إلى ماذا رجوعهما. وإن أشار إلى مكيال ملؤه معلوم، وشرط أن يقع الكيل به دون غيره، ففي المسألة وجهان مشهوران: أحدهما: أن العقد يفسد؛ لإلزام ما لا يلزم، مع تعرض ذلك المعين للتلف كما قدمناه. والوجه الثاني: أن السلم يصح، والمعقود عليه ملء ذلك الصاع، وتعيين ذلك فاسد لا يتعلق بغرض العقد، وقد ذكرنا أن الشرائط التي لا تتعلق بغرض العقد ملغاة، لا حكم لها» (١). وقال في كشف المخدرات: «ولا يصح شرط صنجة، أو مكيال، أو ذراع لا عرف له، لكن لو عين مكيال رجل بعينه، أو ميزانه، أو صنجته، أو ذراعه، صح العقد دون التعيين» (٢).

стр. 3403

الفرع الثالث الإسلام بالمكيل وزنًا والعكس ما كان اشتراط المعيار فيه لضبط القدر، لا لتحقيق المساواة، صح ضبط المكيل بالوزن، والموزون بالكيل، بخلاف الربويات. [م-٧١٨] لا خلاف بين الفقهاء أن المكيلات تقدر بالكيل، والموزونات تقدر بالوزن، واختلفوا هل يقدر المكيل وزنًا، أو الموزون كيلًا؟ فقيل: يصح، وهو مذهب الحنفية، والشافعية (١)، وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد (٢). وجه القول بالجواز: أن المطلوب في السلم هو معرفة المقدار، وهذا حاصل في كيل الموزون، أو وزن المكيل، بخلاف الربويات، فإن المطلوب تحقيق المماثلة، ولهذا اعتبر المعيار الشرعي.

стр. 3404

وقيل: يضبط المسلم فيه بما جرت العادة بضبطه في بلد السلم، بصرف النظر عن معياره الشرعي من كيل، أو وزن. وهذا مذهب المالكية (١). وقيل: لا يصح أن يسلم في المكيل وزنًا، ولا في الموزون كيلًا، وهو رواية في مذهب الحنفية (٢)، وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد، وعليه أكثر الأصحاب، وهو المذهب (٣). وجه المنع: أن معرفة مقدار الشيء يجب أن تكون بمعياره الشرعي، كيلًا فيما يكال، ووزنًا فيما يوزن، فما يشترط معرفة قدره، لم يجز بغير ما هو مقدر به في الأصل، كبيع الربويات بعضها ببعض. وقيل: لا يجوز في الموزون كيلًا، يعني، ويجوز في المكيل وزنًا؛ لأن الوزن أضبط من الكيل. وهو وجه ضعيف عند الشافعية (٤). والراجح مذهب الحنفية، والشافعية، وأن استخدام أي وحدة قياسية عرفية يتفق عليها المتعاقدان، ويمكن أن تضبط لنا مقدار المسلم فيه، ولو كانت غير مستعملة في زمن النبوة، فإن هذا كاف في رفع الجهالة عن المسلم فيه، والتفاوت اليسير لا يضر، والقياس على بيع الربوي بجنسه قياس غير صحيح؛ لأن الربوي إذا بيع بجنسه اشترط فيه التماثل، والتقابض، وهذا غير معتبر في عقد السلم، والله أعلم. * * *

стр. 3405

المبحث الثاني العلم بالمسلم فيه بضبط صفاته قال القاضي عبد الوهاب المالكي: «ما تتعذر رؤيته تقوم الصفة فيه مقام الرؤية كالسلم» (١). [م-٧١٩] علمنا من خلال الشرط الأول، أن المسلم فيه لا بد أن يكون دينًا، فلا يجوز السلم في شيء معين. وقد تكلمنا في الشرط السابق عن العلم بقدر المسلم فيه، وفي هذا المبحث نتكلم عن العلم بالمسلم فيه بضبط صفاته. فمن المعلوم أن العلم بالمبيع شرط لصحة البيع، ومنه عقد السلم، وطريق العلم بالمبيع: إما الرؤية، وإما الوصف. ورؤية المبيع في عقد السلم متعذرة؛ لكون المسلم فيه موصوفًا في الذمة، فيتعين الوصف طريقًا لمعرفة المسلم فيه. قال القاضي عبد الوهاب المالكي: «ما تتعذر رؤيته تقوم الصفة فيه مقام الرؤية، كالسلم» (٢). وإذا كان بيع السلم من بيع الموصوف، فإنه يشترط فيه أن يكون مما ينضبط بالصفة التي يختلف الثمن باختلافها اختلافًا ظاهرًا، كالمكيلات، والموزونات، والمذروعات. وما لا يمكن ضبطه بالصفة لا يصح السلم فيه (٣)؛ لأن البيع يقع فيه على مجهول، وبيع المجهول لا يجوز (٤).

стр. 3406

(ح-٥٢١) لما رواه البخاري من طريق ابن أبي نجيح، عن عبد الله بن كثير، عن أبي المنهال. عن ابن عباس ﵄ قال قدم النبي ﷺ المدينة، وهم يسلفون بالتمر السنتين، والثلاث، فقال: من أسلف في شيء ففي كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم. ورواه مسلم (١). والصفات الواجب ذكرها بالاتفاق: هي الجنس، والنوع، والجودة، أو الرداءة، وهذه لا بد من ذكرها في السلم. قال ابن قدامة: «لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في اشتراطها» (٢). واختلفوا في وجوب ذكر غيرها معها، كاللون، والبلد ونحو ذلك. فالحنفية نصوا في كتبهم على ذكر الأوصاف الثلاثة: الجنس، والنوع والصفة (جيد، رديء، وسط) ولم يذكروا غيرها اكتفاء بها (٣). وأما غير الحنفية فذكروا أوصافًا أخرى زائدة على الأوصاف الثلاثة، وهي تختلف باختلاف المسلم فيه، كلونه، وبلده، وحداثته، وقدمه، وكل وصف يختلف به الغرض، والثمن، فيجب ذكره. وهذا مذهب المالكية (٤)،

стр. 3407

والشافعية (١)، والحنابلة (٢). وجه قول الحنفية: بأن الأوصاف الثلاثة تكفي في ضبط المسلم فيه: فإذا ذكر الجنس، كأن يقول: حنطة، شعير، تمر. وذكر النوع، كأن يقول: تمر برني، سكري. وذكرت الصفة، كقولك: جيد، وسط، رديء. فهذه الأوصاف اشتملت على ما وراءها من الصفات. ولأن استقصاء جميع الصفات يتعذر، وربما يفضي الحال إلى عدم القدرة على تسليم المسلم فيه عند الأجل، فيجب الاكتفاء بالأوصاف الظاهرة التي يختلف الثمن بها اختلافًا ظاهرًا. وجه قول الجمهور: أن هذا يختلف باختلاف المسلم فيه، فبعض المسلم فيه قد يكفي في وصفه ذكر الصفات الثلاث: الجنس، والنوع، والصفة. وبعض المسلم فيه لا بد فيه من ذكر اللون، والبلد، والحداثة، والقدامة، باعتبار أن هذه الأوصاف مؤثرة في قيمة المسلم فيه، وتختلف فيها أغراض المتعاقدين، وبناء عليه فلا بد من ذكر مثل هذه الصفات قطعًا للنزاع والاختلاف.

стр. 3408

فكل جنس لا أثر للحدوث والعتق فيه، لا حاجة إلى التعرض لذكره، وكل جنس يكون للحداثة، والقدامة أثر، فلا بد من التعرض لذلك، خذ مثلًا التمر، فإذا كان المسلم فيه تمرًا، فلا بد من ذكر كونه حديثًا أو عتيقًا؛ لاختلاف الثمن، والغرض. وأما لو أسلم في الرطب فلا حاجة للتعرض للحداثة، والعتق. ومثله العسل، فلا بد من ذكر كونه جبليًا، أو بلديًا، وهكذا. وأما دعوى أن استقصاء جميع الصفات متعذر، ويفضي إلى عدم القدرة على التسليم، فهذا غير مسلم، بل ذلك أضبط، وأبعد عن الاختلاف. وهذا القول هو الراجح، والله أعلم. وهذا بيان لبعض السلع مما اشترط فيه الجمهور بيان صفات زائدة على الجنس، والنوع، والجودة. ففي القمح: يوصف بذكر نوعه، وبلده، وجودته، ورداءته، ولونه، وجدته (١). وفي الحيوان: يذكر النوع، واللون، والذكورة، والأنوثة، والسن، والسمن، والهزل (٢). وفي الثياب: يذكر النوع، والبلد التي نسجت فيه، والطول، والعرض، والدقة، والغلظة بالنسبة لغزله، والصفاقة، والرقة بالنسبة لنسجه، والنعومة والخشونة. وفي العسل: يذكر أنه جبلي، أو بلدي، ويذكر الزمان، ربيعي، أو خريفي، واللون، أبيض، أو أحمر (٣). وهذه نماذج يقاس عليها غيرها، والله أعلم. * * *

стр. 3409

الفرع الأول في اشتراط الأجود أو الأردأ قال السرخسي: صفة الجودة لا تستحق بالشرط (١). وقال السبكي: صفة الجودة لا تستحق بالعقد، إلا بالشرط (٢). [م-٧٢٠] اختلف الفقهاء فيما إذا اشترط المسلم الأجود. فقيل: لا يصح اشتراط الأجود، ويصح اشتراط جيد، ورديء، ويجزئ ما يصدق عليه أنه جيد، ورديء. وهذا مذهب الشافعية (٣)، والحنابلة (٤). وجه المنع: عدم انضباط الوصف؛ لأنه ما من جيد إلا ويمكن وجود أجود منه. قال الشافعي: «ولا يجوز أن يقول: أجود ما يكون من الطعام؛ لأنه لا يوقف على حده .. » (٥). وقيل: يصح اشتراط الأجود، والأردأ، وهو مذهب المالكية (٦). وجه القول بالجواز: أنه غير متعذر، بل معلوم، ومتيسر عند الناس.

стр. 3410

واختلف الفقهاء في اشتراط الأردأ: فقيل: يصح. وهو قول في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (١). وجه الصحة: قال الشيرازي: «لأنه إن كان ما يحضره هو الأردأ، فهو الذي أسلم فيه، وإن كان دونه أردأ منه، فقد تبرع بما أحضره، فوجب قبوله، فلا يتعذر التسليم» (٢). وقال زفر: لا يجبر على قبوله؛ لأنه متبرع به، ولو تبرع عليه بزيادة قدر، كان له ألا يقبل تبرعه، فكذلك إذا تبرع بالجودة (٣). ونوقش: بأن هذا من باب حسن القضاء، وإيفاء الحق بكماله، وقد قال ﷺ : خيركم أحسنكم قضاء (٤). وقيل: إن كانت رداءة النوع صح؛ لانضباط ذلك، وإن كانت رداءة العيب لم يصح؛ لأنها لا تنضبط. وهذا التفصيل لبعض الشافعية (٥). وقيل: لا يصح، وهو نص الشافعي في الأم، والمشهور من مذهب الحنابلة (٦). وجه المنع: أنه ما من رديء إلا ويوجد رديء آخر، أقل منه.

стр. 3411

قال الشافعي: «ولا أردأ ما يكون (أي لا يجوز أن يقول: أردأ ما يكون) لأنه لا يوقف على حده، فإن الرديء يكون بالغرق، وبالسوس، وبالقدم، فلا يوقف على حده» (١). وقد ساق شيخنا ابن عثيمين في شرحه لنا لزاد المستقنع قولًا آخر، وهو أنه يصح شرط الأجود والأردأ، ويحمل على ما يكون في سوق البلد، أي أجود ما يكون في السوق، وأردأ ما يكون في السوق. وهذا معروف عند أهل العرف، والاختلاف الذي يمكن أن يقع فيه اختلاف لا يضر (٢). الراجح: بعد استعراض الأقوال والأدلة أجد أن القول الوسط هو القول بصحة شرط الأردأ دون شرط الأجود. قال شيخنا ابن عثيمين ﵀: وهذا القول أقطعها للنزاع، وأقربها للصواب. * * *

стр. 3412

الفرع الثاني إقامة الأنموذج مقام وصف السلم المشاهدة أبلغ من الوصف، وترفع الغرر. [م-٧٢١] الأنموذج: هو مثال الشيء الدال على صفته، فهل يمكن أن يقوم الأنموذج مقام وصف المسلم فيه، خاصة أن مسألة الأنموذج مفروضة في المتماثلات، والتي آحاده متساوية كالمكيل، والموزون؟ في ذلك خلاف بين أهل العلم: فقيل: لا يقوم الأنموذج مقام الوصف في السلم، وهذا مذهب الشافعية (١)، والمذهب عند الحنابلة (٢)، واختيار ابن القاسم من المالكية (٣). وقيل: يصح، ويقوم مقام الوصف. وهو مذهب الحنفية (٤)، وهو نص

стр. 3413

المدونة (١)، وقول في مذهب الشافعية (٢)، وقول في مذهب الحنابلة (٣). والمسألة مبنية على مسألة سابقة سبق تحرير الخلاف فيها، فمن منع بيع الأنموذج في البيع المطلق، فهو سيمنعه في باب السلم؛ لأنه مثله، أو أولى منه، ومن صحح البيع برؤية الأنموذج، فقد اختلفوا في تصحيحه في وصف المسلم فيه، بناء على أن الأنموذج قد يتعرض للتلف فيحصل النزاع. قال النووي: «ولو قال: أسلمت إليك في ثوب كهذا الثوب، أو مائة صاع حنطة، كهذه الحنطة، قال العراقيون: لا يصح ... لأن هذه الحنطة، والثوب قد يتلفان. وقال في التهذيب: يصح، ويقوم مقام الوصف» (٤). ولأنه من الممكن حفظ الأنموذج وضبطه، والمشاهدة أبلغ من الوصف، والله أعلم. وقد تكلمنا عن بيع الأنموذج في البيع المطلق في عقد البيع، فارجع إليه إن شئت. * * *

стр. 3414

الفرع الثالث السلم في الجواهر [م-٧٢٢] اختلف الفقهاء ﵏ في السلم في الجواهر. فقيل: لا يجوز، وهو مذهب الجمهور (١). وقيل: السلم جائز إذا اشترط من ذلك شيئًا معروفًا، وصفة معروفة. وهذا مذهب مالك (٢)، وقول في مذهب الحنابلة (٣)، واختيار أبي ثور (٤). وجه قول الجمهور: أن الجواهر لا يمكن أن تنضبط بالوصف؛ لأن آحادها تختلف اختلافًا متباينًا بالصغر، والكبر، وحسن التدوير، وزيادة الصفاء، وبعضها قد يتحد وزنًا، ويختلف قيمة، وما كان هذا شأنه، لا يمكن أن يسلم فيه. وجه قول المالكية: أن الجواهر يمكن لأهل الخبرة أن يضبطوا صفاتها، وما أمكن ضبط صفته جاز السلم فيه.

стр. 3415

الراجح: الخلاف بين الجمهور والمالكية هو في تحقيق المناط، هل الجواهر يمكن ضبط صفاتها أو لا يمكن؟ فإن قال أهل الخبرة: إن ذلك ممكن، ويعلمه غالب الناس، دون آحادهم جاز السلم، وما كان مختصًا بأهل الخبرة، ولا يضبطه آحاد الناس، لم يجز السلم فيه. * * *

стр. 3416

الفرع الرابع السلم في الأواني المختلفة الرؤوس والأوساط [م-٧٢٣] اختلف الفقهاء في السلم في الأواني المختلفة الرؤوس: فقيل: يجوز السلم في هذه الأواني؛ لأنه يمكن ضبطها، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية، وقول في مذهب الشافعية (٢)، وقول في مذهب الحنابلة (٣). وجه القول بالجواز: أن ضبط صفاتها ممكن، وذلك ببيان ارتفاعها، ودور أسفلها وأعلاها ... وقيل: لا يجوز، وهو قول في مذهب الحنفية (٤)، والمذهب عند الشافعية (٥)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٦). وجه المنع: قالوا: لأنه لا يمكن ضبط صفاتها؛ لاختلاف رؤوسها وأوساطها. الراجح: الخلاف بين القولين هو اختلاف في تحقيق المناط، هل هذه الأواني يمكن ضبط صفاتها أو لا يمكن؟ والقول بأنه لا يمكن ضبط صفاتها، إذا كان ذلك

стр. 3417

يصدق في الوقت الماضي عندما كانت الصناعة يدوية، وليست متماثلة، فإنه لا يصدق في هذا الزمن، حين أصبحت الآلة هي التي تتحكم في صناعة الأواني، وأصبحت مثلية من كل وجه، حيث تصدر عن قالب واحد، لا تختلف طولًا، وعرضًا، ووزنًا، والله أعلم. * * *

стр. 3418

الفرع الخامس السلم في اللحم [م-٧٢٤] اختلف العلماء في السلم في اللحم: فقيل: لا يجوز مطلقًا، وهذا مذهب أبي حنيفة (١). وجه المنع: وجود الجهالة في المسلم فيه من وجهين: الوجه الأول: تفاوت اللحم بتفاوت الحيوان المأخوذ منه اللحم من ناحية الهزال والسمن، وذلك يختلف باختلاف فصول السنة، وبقلة الكلأ وكثرته، والسلم لا يكون إلا مؤجلًا، فلا يدرى عند حلول الحول على أي صفة تكون؟ وهذه الجهالة لا ترتفع بذكر الوصف. الوجه الثاني: أن اللحم يشتمل على ما هو المقصود منه، وعلى ما ليس بمقصود، وهو العظم، فيتفاوت، فيحصل المماكسة بين البائع والمشتري في ذلك، فالمشتري يطالب بالنزع، والبائع يدسه فيه؟ وهذا نوع من الجهالة، والمنازعة، لا ترتفع ببيان الموضع (٢). وقيل: يجوز السلم في منزوع العظم، وهو رواية عن أبي حنيفة (٣).

стр. 3419

وقيل: يصح السلم في اللحم، وهو مذهب الجمهور (١)، واختيار أبي يوسف، ومحمد بن الحسن من الحنفية (٢). وجه القول بجواز السلم في اللحم: الوجه الأول: حديث ابن عباس المتفق عليه (فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم) وسبق تخريجه. وجه الاستدلال: أن الحديث دل على جواز السلم في الوزن المعلوم، واللحم مما يضبط بالوزن. الوجه الثاني: إذا كان السلم في الحيوان جائزًا، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، فالسلم في اللحم من باب أولى. الوجه الثالث: أن وجود العظم لا يمنع من السلم فيه؛ لأن وجوده راجع إلى أصل الخلقة، كما لا يمنع النوى من السلم في التمر. وأجاز المالكية السلم في اللحم بوزن، وبغير وزن عن طريق التحري إن كان لذلك قدر قد عرفوه (٣).

стр. 3420

وجه القول بالجواز: أن اللحم يباع بعضه ببعض عن طريق التحري. واختلف المالكية في صورة التحري الجائزة، فقيل: هي أن يقول له: آخذ منك كل يوم ما إذا تحرى كان وزنه كرطل، أو رطلين مثلًا ونحو ذلك كما قاله ابن يونس. وقال ابن زرب: معناه أن يعرض عليه قدرًا من اللحم ويقول: آخذ منك كل يوم مثل هذا ويشهد على المثال وأما على التحري فلا يجوز؛ لأن إدراك الصواب بتحري موجود يشار إليه حسًا، أقرب من إدراكه مشارًا إليه في الذهن موصوفًا (١). بينما نص الإمام الشافعي، والحنابلة، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن من الحنفية، على اشتراط الوزن، وهذا أضبط (٢). لأن جواز بيع اللحم بالتحري هذا مشروط في المعين المشاهد، أما ما يثبت في الذمة فلا بد من معرفة وزنه.

стр. 3421

وهل يذكر موضع اللحم من الحيوان أم لا؟ فقيل: ليس عليه ذلك، وهو اختيار ابن حبيب، وابن المواز من المالكية (١). وقيل: يعتبر موضع اللحم، وهذا مذهب الحنابلة (٢). وقيل: إن اختلفت الأغراض بمواضع من الشاة، من صدر، أو فخذ، أو جنب ذكره، وإلا فلا. وهو اختيار القاضي عبد الوهاب البغدادي من المالكية (٣). وهذا أقرب، والله أعلم. * * *

стр. 3422

الفرع السادس السلم في الأكارع والرؤوس [م-٧٢٥] اختلف العلماء في السلم في الرؤوس، والأكارع: فقيل: لا يجوز، وهو مذهب الحنفية (١)، والأظهر عند الشافعية (٢)، والحنابلة (٣). وقيل: يجوز، وهو مذهب المالكية (٤)، ورواية عند الحنابلة (٥)، وأجازه الشافعية على قول، بشرط أن تكون الرؤوس منقاة من الشعر، والصوف، وأن يسلم فيها وزنًا (٦)، وهو اختيار أبي ثور (٧). وجه من قال بالمنع: الوجه الأول: عدم انضباط صفات الرؤوس، والأكارع، فلا يمكن ضبطها عن طريق العدد؛ لأنها متفاوتة، فيها الكبير، وفيها الصغير، ولا يمكن انضباط صفاتها بالوزن؛ لأنها غير موزونة.

стр. 3423

الوجه الثاني: أن العظم في الرؤوس، والأكارع أكثر من اللحم، أو مساو له، فلا يمكن أن يجعل تبعًا للحم فبقي معتبرًا، ولا يدرى قدره، فيصير قدر المسلم فيه ـ وهو اللحم ــ مجهولًا، بخلاف العظم الذي في اللحم فقليل، فأمكن جعله تبعًا للحم لقلته. وجه من قال بالجواز: أن الرؤوس، والأكارع معلومة، والسلم فيها من باب السلم في اللحم، ووجود العظم في هذه الأشياء لا يمنع من السلم فيها، والتفاوت الموجود بينها ممكن ضبطه عن طريق الوصف. وهذا القول هو الراجح، والله أعلم. * * *

стр. 3424

الفرع السابع السلم في الحيوان [م-٧٢٦] اختلف العلماء في السلم في الحيوان: فقيل: لا يجوز، وهو مذهب الحنفية (١)، ورواية عند الحنابلة (٢)، واختيار ابن حزم (٣). وقيل: يجوز، وهو مذهب المالكية (٤)، والشافعية (٥)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٦). دليل من قال بالجواز: الدليل الأول: الأصل إباحة السلم في الحيوان، ولو كان السلم فيه محرمًا لنهى عنه الشارع، وما لم يثبت نهي عنه فالأصل جوازه، كيف وقد ثبت الدليل الإيجابي على صحة جعل الحيوان دينًا في الذمة؟

стр. 3425

الدليل الثاني: (ح-٥٢٢) ما رواه مسلم من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار. عن أبي رافع أن رسول الله ﷺ استسلف من رجل بكرًا، فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره، فرجع إليه أبو رافع، فقال: لم أجد فيها إلا خيارًا رباعيًا، فقال: أعطه إياه، إن خيار الناس أحسنهم قضاء (١). وجه الاستدلال: إذا جاز بهذا الحديث قرض الحيوان، وجعله دينًا في الذمة، صح السلم فيه، وأنه يمكن ضبط صفته. الدليل الثالث: (ح-٥٢٣) ما رواه أحمد من طريق جرير - يعني ابن حازم - عن محمد - يعني ابن إسحاق- عن أبي سفيان، عن مسلم بن جبير، عن عمرو بن حريش، قال: سألت عبد الله بن عمرو بن العاص، فقلت: إنا بأرض ليس بها دينار، ... ولا درهم، وإنما نبايع بالإبل، والغنم إلى أجل، فما ترى في ذلك؟ قال: على الخبير سقطت، جهز رسول الله ﷺ جيشًا على إبل من إبل الصدقة، فنفدت، وبقي ناس، فقال: رسول الله ﷺ : اشتر لنا إبلًا بقلائص من إبل الصدقة إذا جاءت، حتى نؤديها إليهم، فاشتريت البعير بالاثنين، والثلاث من قلائص، حتى فرغت، فأدى ذلك رسول الله ﷺ من إبل الصدقة (٢). وفي لفظ أبي داود: فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة (٣).

стр. 3426

[حسن] (١). وجه الاستدلال: أن معاوضة البعير بالبعيرين تعتبر سلمًا، وليست قرضًا؛ لما فيه من الأجل والفضل. الدليل الرابع: (ح-٥٢٤) ما رواه البخاري من طريق منصور، عن أبي وائل. عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: قال النبي ﷺ : لا تباشر المرأة المرأة، فتنعتها لزوجها، كأنه ينظر إليها (٢). وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ جعل وصف المرأة يقوم مقام رؤيتها، وهذا دليل على أن وصف الحيوان يقوم مقام الرؤية، وأن الحيوان يمكن ضبطه بالوصف. الدليل الخامس: وصف النبي ﷺ إبل الدية في قتل الخطأ، وجعلها أخماسًا: هي عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن لبون، وعشرون حقة وعشرون جذعة .. وهذا دليل على إمكانية ضبط الحيوان بالصفة (٣).

стр. 3427

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3428

الدليل السادس: وصف الله البقرة لبني إسرائيل حين أمر موسى أن يأمرهم بأن يذبحوا بقرة لمعرفة القاتل، ولو كان الحيوان لا ينضبط بالصفة، لما أمكن وصف البقرة. دليل من قال: لا يجوز السلم في الحيوان: الدليل الأول: (ح-٥٢٥) ما رواه البخاري من طريق ابن أبي نجيح، عن عبد الله ابن كثير، عن أبي المنهال. عن ابن عباس ﵄ قال: قدم النبي ﷺ المدينة، وهم يسلفون بالتمر السنتين والثلاث، فقال: من أسلف في شيء ففي كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم. ورواه مسلم (١). وجه الاستدلال: أن الحديث نص على اشتراط الكيل، أو الوزن في الشيء المسلم فيه، والحيوان ليس مما يكال، ولا يوزن. ويجاب عن الحديث: لا يؤخذ من الحديث اشتراط كون المسلم فيه مكيلًا، أو موزونًا، وإنما الحديث معناه: «من أسلم في مكيل فليكن كيله معلومًا، ومن أسلم في موزون فليكن وزنه معلومًا، فالمراد ضبط صفة المسلم فيه قطعًا للنزاع، والحنفية لا يأخذون بظاهر الحديث، فهم يجيزون السلم في البيض، وهو غير مكيل، ولا

стр. 3429

موزون، ويجيزون السلم في المعدود إذا كان مما ينضبط وصفه، ولو لم يكن من المكيلات، والموزونات. الدليل الثالث: (ح-٥٢٦) ما رواه الدارقطني من طريق إسحاق بن إبراهيم بن جوني، أخبرنا عبد الملك الذماري، أخبرنا سفيان الثوري، حدثني معمر، عن يحيى ابن أبي كثير، عن عكرمة. عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ نهى عن السلف في الحيوان (١). [ضعيف جدًا] (٢). الدليل الرابع: الحيوان يتفاوت آحاده، فالضأن من الغنم إذا كانت قيمته غير متساوية فآحاده غير متماثلة، ورب حيوان زادت قيمته كثيرًا إما لسرعته، أو للونه، أو لكونه معلمًا، أو لجماله، أو لسمنه، أو لغير ذلك، فالحيوان عددي متفاوت، لا مقدار له، ولا ينضبط بالصفة، ويتفاوت بالسمن والهزال، والسن، والنوع، وشدة العدو والهملجة، وهو سير سهل للبراذين، وقد يجد فرسين مستويين في السن، والصفة ثم يشترى أحدهما بأضعاف ما يشترى به الآخر للتفاوت بينهما في المعاني الباطنة، وهذا أيضا في بني آدم لا يخفى، فإن العبدين، والأمتين يتساويان سنًا، وصفة، ويختلفان في العقل والأخلاق والمروءة.

стр. 3430

ويمكن أن يدفع هذا: بأن الحيوان لابد من ذكر كل صفة تزيد في قيمته، وليس المطلوب فقط هي الصورة الظاهرة، فالتعليم، والسمن، والسن، والجنس والنوع والذكورة والأنوثة، وذكر البلد إذا كان ذلك مما يزيد في قيمته، وبهذا تكون الصفة مضبوطة قدر الإمكان، كما قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. [الأنعام ١٥٢]. فأشار إلى أن التكليف قدر الاستطاعة الراجح: أرى أن القول الراجح هو قول الجمهور، وأن الحيوان كما جاز استقراضه فإنه يجوز السلم فيه، ويجب ضبط كل صفة يمكن أن تؤثر في الثمن والله أعلم. * * *

стр. 3431

الفرع الثامن السلم في العقار (الدور والمباني) [م-٧٢٧] لا يجوز السلم في العقار عند الأئمة الأربعة؛ لعدم ثبوت العقار في الذمة؛ لجهالة المعقود عليه (١). لأن العقار لا بد أن يبين موضعه لتفاوت قيمته باختلاف موضعه، وتبيين موضعه يعني تعيينه، وإذا تعين خرج من كونه في الذمة، كما أنه إذا عين المسلم فيه أمكن بيعه في الحال، ولا حاجة إلى بيعه عن طريق السلم. قال في الشرح الكبير: «وعين دار، وحانوت، وحمام، وخان، ونحوها إذ لا يصح أن يكون العقار في الذمة» (٢). قال في حاشية الدسوقي معلقًا: «لأنه لا بد في إجارته إذا لم يعين بالإشارة إليه، أو بأل العهدية من ذكر موضعه، وحدوده، ونحو ذلك مما تختلف به الأجرة، وهذا يقتضي تعيينه» (٣). قال في الذخيرة: «يمتنع السلم في الدور، والأرضين؛ لأن خصوص المواضع فيها مقصود للعقلاء، فإن عين لم يكن سلمًا؛ لأن السلم لا يكون إلا في الذمة، وإن لم يعين كان سلمًا في مجهول» (٤). وعلل الحنفية بأن عقد الإجارة لا بد له من محل، والمنافع معدومة وقت

стр. 3432

العقد، وليست مالًا في نفسها عندهم، وإنما ينعقد بإقامة العين مقام المنفعة، فإذا كانت العين غير موجودة لم يصح العقد، ولهذا منع الحنفية أن يكون العقد على المنافع، فلا يقول: أجرتك منافع هذه الدار، وإنما يصح بإضافته إلى العين، فيقول: أجرتك هذه الدار. ولأن المباني ليست مثلية، وإذا كانت كذلك لم تثبت في الذمة، فلا يجوز إلا أن تكون معينة، ولهذا منع الحنفية إجارة الحيوان إلا معينًا (١). * * *

стр. 3433

الفرع التاسع السلم في الدنانير والدراهم [م-٧٢٨] اختلف العلماء في السلم في الدنانير، والدراهم على قولين: القول الأول: لا يجوز، وهو مذهب الحنفية (١)، ووجه مرجوح في مذهب الشافعية (٢)، وقول في مذهب الحنابلة (٣). وجه المنع عند الحنفية: الوجه الأول: أن من شروط المسلم فيه أن يكون مما يتعين بالتعيين، والدراهم، والدنانير لا تتعين بالتعيين. ويناقش: بأنه لا يوجد دليل على هذا الشرط من كتاب، أو سنة، أو إجماع، أو قول صاحب. والأصل الجواز حتى يقوم دليل على المنع. الوجه الثاني: النقود لا تقع في عقد المعاوضة إلا على جهة الثمنية، فلا يصح أن تكون مثمنًا، وإذا صححنا أن تكون الدراهم، والدنانير مسلمًا فيها، فقد أصبحت مثمنًا.

стр. 3434

ويناقش: بأن النقود كما تقع ثمنًا تقع مثمنًا، ففي بيع الأثمان بعضها ببعض كما لو باع دراهم بدنانير، لا بد أن يقع أحدهما مثمنًا. القول الثاني: يجوز بشرط أن يكون رأس المال من غيرها، وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٣). وجه من قال بالجواز: الوجه الأول: أن كل ما جاز أن يكون في الذمة ثمنًا جاز أن يكون مثمنًا. الوجه الثاني: أن ما جاز اقتراضه جاز السلم فيه، والنقود تثبت في الذمة صداقًا، فتثبت سلمًا كالعروض (٤). الوجه الثالث: أنه لا يوجد مانع شرعي يمنع من صحة السلم في النقود، فلا يوجد ربا بينهما لا من حيث التفاضل، ولا من حيث النساء، والأصل صحة السلم. وهذا القول هو الراجح، والله أعلم. * * *

стр. 3435

الفرع العاشر السلم فيما دخلته النار [م-٧٢٩] اختلف العلماء في السلم فيما دخلته النار، كالخبز، والشواء على قولين: القول الأول: لا يصح السلم فيه لا وزنًا، ولا عددًا، وهذا مذهب الحنفية (١)، وعليه أكثر الشافعية (٢). القول الثاني: يجوز، وهو قول في مذهب الحنفية، اختاره أبو يوسف (٣)، والمذهب عند المالكية (٤)، ووجه في مذهب الشافعية (٥)، والمذهب عند الحنابلة (٦).
следующие страницы →