الفرع الثامن
السلم في العقار (الدور والمباني)
[م-٧٢٧] لا يجوز السلم في العقار عند الأئمة الأربعة؛ لعدم ثبوت العقار في الذمة؛ لجهالة المعقود عليه (١).
لأن العقار لا بد أن يبين موضعه لتفاوت قيمته باختلاف موضعه، وتبيين موضعه يعني تعيينه، وإذا تعين خرج من كونه في الذمة، كما أنه إذا عين المسلم فيه أمكن بيعه في الحال، ولا حاجة إلى بيعه عن طريق السلم.
قال في الشرح الكبير: «وعين دار، وحانوت، وحمام، وخان، ونحوها إذ لا يصح أن يكون العقار في الذمة» (٢).
قال في حاشية الدسوقي معلقًا: «لأنه لا بد في إجارته إذا لم يعين بالإشارة إليه، أو بأل العهدية من ذكر موضعه، وحدوده، ونحو ذلك مما تختلف به الأجرة، وهذا يقتضي تعيينه» (٣).
قال في الذخيرة: «يمتنع السلم في الدور، والأرضين؛ لأن خصوص المواضع فيها مقصود للعقلاء، فإن عين لم يكن سلمًا؛ لأن السلم لا يكون إلا في الذمة، وإن لم يعين كان سلمًا في مجهول» (٤).
وعلل الحنفية بأن عقد الإجارة لا بد له من محل، والمنافع معدومة وقت
стр. 3432
العقد، وليست مالًا في نفسها عندهم، وإنما ينعقد بإقامة العين مقام المنفعة، فإذا كانت العين غير موجودة لم يصح العقد، ولهذا منع الحنفية أن يكون العقد على المنافع، فلا يقول: أجرتك منافع هذه الدار، وإنما يصح بإضافته إلى العين، فيقول: أجرتك هذه الدار.
ولأن المباني ليست مثلية، وإذا كانت كذلك لم تثبت في الذمة، فلا يجوز إلا أن تكون معينة، ولهذا منع الحنفية إجارة الحيوان إلا معينًا (١).
* * *
стр. 3433
الفرع التاسع
السلم في الدنانير والدراهم
[م-٧٢٨] اختلف العلماء في السلم في الدنانير، والدراهم على قولين:
القول الأول:
لا يجوز، وهو مذهب الحنفية (١)، ووجه مرجوح في مذهب الشافعية (٢)، وقول في مذهب الحنابلة (٣).
وجه المنع عند الحنفية:
الوجه الأول:
أن من شروط المسلم فيه أن يكون مما يتعين بالتعيين، والدراهم، والدنانير لا تتعين بالتعيين.
ويناقش:
بأنه لا يوجد دليل على هذا الشرط من كتاب، أو سنة، أو إجماع، أو قول صاحب. والأصل الجواز حتى يقوم دليل على المنع.
الوجه الثاني:
النقود لا تقع في عقد المعاوضة إلا على جهة الثمنية، فلا يصح أن تكون مثمنًا، وإذا صححنا أن تكون الدراهم، والدنانير مسلمًا فيها، فقد أصبحت مثمنًا.
стр. 3434
ويناقش:
بأن النقود كما تقع ثمنًا تقع مثمنًا، ففي بيع الأثمان بعضها ببعض كما لو باع دراهم بدنانير، لا بد أن يقع أحدهما مثمنًا.
القول الثاني:
يجوز بشرط أن يكون رأس المال من غيرها، وهو مذهب المالكية (١)، والشافعية (٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٣).
وجه من قال بالجواز:
الوجه الأول:
أن كل ما جاز أن يكون في الذمة ثمنًا جاز أن يكون مثمنًا.
الوجه الثاني:
أن ما جاز اقتراضه جاز السلم فيه، والنقود تثبت في الذمة صداقًا، فتثبت سلمًا كالعروض (٤).
الوجه الثالث:
أنه لا يوجد مانع شرعي يمنع من صحة السلم في النقود، فلا يوجد ربا بينهما لا من حيث التفاضل، ولا من حيث النساء، والأصل صحة السلم.
وهذا القول هو الراجح، والله أعلم.
* * *
стр. 3435
الفرع العاشر
السلم فيما دخلته النار
[م-٧٢٩] اختلف العلماء في السلم فيما دخلته النار، كالخبز، والشواء على قولين:
القول الأول:
لا يصح السلم فيه لا وزنًا، ولا عددًا، وهذا مذهب الحنفية (١)، وعليه أكثر الشافعية (٢).
القول الثاني:
يجوز، وهو قول في مذهب الحنفية، اختاره أبو يوسف (٣)، والمذهب عند المالكية (٤)، ووجه في مذهب الشافعية (٥)، والمذهب عند الحنابلة (٦).
стр. 3436
وجه من قال بالمنع:
أن عمل النار لا يمكن ضبطه؛ إذ النار تختلف قوة وضعفًا، فالخبز مثلًا يختلف بالثخانة، والرقة، والنضج، وعادة الناس فيه مختلفة، فلا يمكن ضبط صفاته.
وجه من قال بالجواز:
أن عمل النار يمكن ضبط صفاته، فالخبز مثلًا يمكن ضبطه بالوزن وبالعدد، وعمل النار فيه معلوم بالعادة.
و الراجح:
القول بالجواز؛ لقوة أدلته، والله أعلم.
* * *
стр. 3437
الشرط الثالث
أن يكون مؤجلًا
ما جاز في المعاوضة مؤجلًا جاز حالًا، وليس العكس.
كل بيع صح مع التأجيل ينبغي أن يصح مع التعجيل.
[م-٧٣٠] اختلف الفقهاء في اشتراط الأجل في السلم على أقوال:
القول الأول:
يشترط لصحة السلم أن يكون مؤجلًا، فإن كان حالًا لم يصح، وهذا مذهب الجمهور (١).
стр. 3438
القول الثاني:
يجوز السلم مطلقًا، حالًا، ومؤجلًا، وسواء أكان المسلم فيه عنده، أم لم يكن عنده، وهذا مذهب الشافعية (١).
القول الثالث:
يجوز السلم الحال بشرط أن يكون المسلم فيه عنده، وهذا اختيار ابن تيمية (٢).
القول الرابع:
يجوز السلم الحال بلفظ البيع، ولا يجوز بلفظ السلم، اختاره القاضي أبو يعلى من الحنابلة (٣).
دليل من قال: لا يجوز السلم حالًا:
الدليل الأول:
(ح-٥٢٧) ما رواه البخاري ومسلم من طريق سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن عبد الله بن كثير، عن أبي المنهال،
عن ابن عباس، قال: قدم النبي ﷺ
стр. 3439
المدينة، وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال: من أسلف في تمر، فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم (١).
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ أوجب مراعاة الأجل في عقد السلم، كما أوجب مراعاة القدر فيه (في كيل معلوم ووزن معلوم)، فإذا كان القدر المعلوم شرطًا في عقد السلم، وجب أن يكون الأجل شرطًا فيه أيضًا.
ويجاب:
بأن ذكر الأجل في الحديث يحتمل أمرين:
إما لأنه قيد أغلبي، إذ غالب ما يحتاج الناس في بيع الموصوف في الذمة (السلم) إلى العقد المؤجل، لأن العقد الحال غالبًا ما يتوجه الناس إلى شراء الشيء المعين، وليس الموصوف، فلما كان الغالب على السلم التأجيل ذكر الأجل في الحديث.
ويحتمل أن يكون ذكر الأجل في الحديث ليس من أجل اشتراط الأجل في العقد، وإنما معناه: إن كان هناك أجل، فليكن معلومًا، كما أن الكيل، والوزن ليسا بشرط، بل يجوز السلم في الثياب بالذراع، وإنما ذكر الكيل بمعنى: أنه إن أسلم في مكيل، فليكن كيله معلومًا، وإن كان في موزون، فليكن وزنه معلومًا، وإن كان مؤجلًا، فليكن أجله معلومًا، ولا يلزم من هذا اشتراط كون السلم مؤجلًا، بل يجوز حالًا (٢).
الدليل الثاني:
السلم عقد لم يشرع إلا رخصة؛ لكونه بيع ما ليس عند الإنسان.
стр. 3440
لما روي عن النبي ﷺ من النهي عن بيع ما ليس عند البائع، ورخص في السلم (١).
فالسلم بيع غائب، ليس عند البائع وقت العقد؛ رخص به ليدفع به حاجة كل من المتعاقدين، فإن صاحب رأس المال محتاج إلى أن يشتري الثمرة بأرخص من قيمتها؛ ليربح فيها، وصاحب الثمرة محتاج إلى ثمنها قبل إبانها لينفقه عليها، فظهر أن بيع السلم من المصالح الحاجية، وقد سماه بعض الفقهاء بيع المحاويج، فإذا جاز حالًا بطلت هذه الحكمة، وارتفعت هذه المصلحة، ولم يكن لاستثنائه من بيع ما ليس عندك فائدة (٢).
يجاب عن ذلك:
أما ما روي عن النبي ﷺ فلم يصح، وقد سبق الكلام عن ذلك.
وأما قولكم: بأن السلم لم يشرع إلا رخصة، إن كنتم تقصدون بذلك كما يقول بعضهم: إن السلم على خلاف القياس؛ لأنه بيع معدوم، وبيع المعدوم لا يجوز، وإذا كان الحال كذلك اقتصر بالسلم على صفته، فلم يجز حالًا، فقد أجبت على ذلك في فصل مستقل، وبينت أن السلم جار على وفق القياس، وذلك أن السلم المؤجل دين من الديون، فكما أن الثمن قد يؤجل في الذمة، وهو أحد العوضين، فكذلك المثمن قد يؤجل في ذمة البائع، فأي فرق بين كون أحد العوضين يصح أن يكون مؤجلًا في الذمة، ولا يصح أن يكون العوض الآخر مؤجلًا في الذمة (٣).
стр. 3441
وأما قولكم: إذا جاز حالًا بطلت الحكمة من مشروعية السلم، فيقال: على التسليم بقولكم، فإن الحكمة إذا بطلت من مشروعية السلم، فلم تبطل حكمة الشرع من مشروعية المعاوضة، فإن البائع انتفع بالثمن، والمشتري انتفع بالمبيع بعد استلامه، وهذا هو المقصود الأعظم للشرع من إباحة تبادل الأموال عن طريق المعاوضة، وما جاز في المعاوضة مؤجلًا جاز حالًا، وليس العكس، فإن هناك من المعاملات ما لا تصح إلا حالة مقبوضة في مجلس العقد.
الدليل الثالث:
الحلول في السلم يخرج العقد عن اسمه ومعناه:
أما إخراجه عن اسمه، فظاهر، فإن معنى السلم والسلف: أن يعجل أحد العوضين، ويتأخر الآخر، فإذا لم يكن هناك تأجيل، وكان حالًا خرج السلم عن اسمه.
وأما خروجه بالتعجيل عن معناه: فإن الشارع إنما أرخص فيه للحاجة الداعية إليه، كما بينت فيما سبق، ومع حضور ما يبيعه حالًا لا حاجة إلى السلم، فإن البائع والحالة هذه لا يبيع إلا معينًا، لا يبيع شيئًا في الذمة، وهذا لا يقال له سلم (١).
ويجاب عنه:
بأن هناك أكثر من فائدة في العدول من البيع المعين إلى السلم الحال من ذلك:
الفائدة الأولى:
في باب الضمان، فإن المشتري إذا اشترى سلعة معينة، ولم تكن بحاجة إلى
стр. 3442
استيفاء من كيل، أو وزن، فهلكت قبل قبضها، فإنها تهلك على المشتري، وإذا اشترى شيئًا موصوفًا في ذمة البائع، فهلكت قبل قبضها كان ضمانها على البائع.
الفائدة الثانية:
أن الشافعية يمنعون بيع العين الغائبة، ولو كانت موصوفة ما دامت معينة، فإذا كانت السلعة المعينة غير حاضرة عند العقد لم يصح العقد عليها عندهم، لكنهم يجوزون السلم الحال مع غيبة المبيع؛ لأن المبيع في مثل هذا لا يكون متعلقًا بسلعة معينة، بل يكون موصوفًا، متعلقًا في ذمة البائع، مضمونًا عليه (١).
دليل الشافعي على جواز السلم حالًا:
الدليل الأول:
قالوا: إذا جاز السلم مؤجلًا مع الغرر، فجواز الحال أولى؛ لأنه أبعد عن الغرر، أو نقول بلفظ آخر: كل بيع صح مع التأجيل، ينبغي أن يصح مع التعجيل؛ لأن التعجيل زيادة مطلوبة، تحقق الغرض من مقصود البيع، وهو انتفاع البائع بالثمن، وانتفاع المشتري بالمبيع.
وأجاب الجمهور:
لا نسلم عدم الغرر مع الحلول؛ لأنه إن كان عنده فهو قادر على بيعه حالًا، فعدوله إلى السلم قصد للغرر، وإن لم يكن عنده، فالأجل يعينه على تحصيله، والحلول يمنع ذلك، فبقي الغرر (٢).
стр. 3443
ويرد على هذا:
بأن يقال: قد أجبنا عن فائدة العدول إلى السلم في بيع الحال، فإن المشتري والبائع مستفيدان من هذه الصيغة، فالمشتري يريد أن يتعلق الضمان بعين موصوفة، ليكون ضمانها على البائع، والبائع إن كانت سلعته موجودة عنده، فقد لا تكون حاضرة في مجلس العقد، وإن كانت ليست عنده كان له من الوقت ما يذهب، ويحضرها، والحلول لا يعني وجوب التقابض في مجلس العقد، كما لو باعه عينًا معينة غائبة موصوفة، فإن البيع يعتبر حالًا، ويعطى من الوقت ما يمكنه من إحضار السلعة، وأخطر ما في ذلك أن يعجز البائع عن تحصيل المبيع، فإن عجز انفسخ العقد، كما أن العقد ينفسخ في السلم المؤجل إذا عجز البائع عن تحصيل المبيع، والضرر في السلم الحال أخف، لأن المشتري في السلم المؤجل قد ينتظر السنة والسنتين، ويعجز البائع عن تسليم المبيع، فيكون البائع مخيرًا بين فسخ العقد، أو الانتظار إلى حين تمكن البائع من تحصيل المبيع، ففي الحالة هذه يكون الضرر أبلغ على المشتري، ومع هذا الاحتمال لم يمنع ذلك من صحة البيع، فكذلك لا يمنع صحته في السلم الحال.
الدليل الثاني:
عقد السلم الحال عقد من عقود المعاوضات، وعقود المعاوضات ليس من شرط صحتها التأجيل كالبيع.
الدليل الثالث:
البيع نوعان: بيع عين، وبيع صفة، وبما أنه يصح بيع العين حالًا، فإنه يجب أن يصح بيع الصفة حالًا مثله، غاية ما في ذلك أن بيع الصفة لا يتعلق المبيع
стр. 3444
بسلعة معينة، وإنما يكون تعلقها بذمة البائع، وهذا لا يوجب فرقًا مؤثرًا في صحة البيع.
دليل ابن تيمية على اشتراط كون المسلم فيه مملوكًا:
الدليل الأول:
(ح-٥٢٨) ما رواه أحمد من طريق أبي بشر، عن يوسف بن ماهك،
عن حكيم بن حزام، قال: قلت يا رسول الله يأتيني الرجل يسألني البيع ليس عندي ما أبيعه، ثم أبيعه من السوق؟ فقال: لا تبع ما ليس عندك (١).
وقد وجه ابن تيمية ﵀ هذا الحديث على تحريم السلم الحال إذا لم يكن عنده بالآتي:
الأول: الحديث ورد في النهي عن بيع شيء في الذمة، وليس النهي عن بيع شيء معين، يملكه زيد، أو عمرو؛ لأن حكيم بن حزام لم يكن يبيع شيئًا معينًا يملكه غيره، ولا كان الذي يأتيه يقول: أريد سلعة فلان، أو سيارة فلان، وإنما كان الذي يأتيه يقول: أريد طعام كذا وكذا، ثم يذهب، فيحصله من غيره.
الثاني: أن حكيم بن حزام ﵁ كان يبيعه حالًا، وليس مؤجلًا، فإنه قال: أبيعه، ثم أذهب فأبتاعه، فقال له: لا تبع ما ليس عندك، فلو كان السلم الحال لا يجوز مطلقًا، لقال له: لا تبع هذا، سواء أ كان عنده، أم لا، فلما قال له: لا تبع ما ليس عندك، كان هذا دليلًا على جواز السلم الحال إذا كان عنده، وكان الحديث دليلًا على اشتراط وجود المسلم فيه مملوكًا له وقت العقد، فهو نهي عن السلم الحال، إذا لم يكن عند المستسلف ما باعه، فيلزم ذمته بشيء حال، ويربح فيه، وليس هو قادرًا على إعطائه.
стр. 3445
المناقشة:
كلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يصح توجيهه لو كان حديث حكيم ابن حزام محفوظًا باللفظ الذي استشهد به ابن تيمية ﵀، وإذا كان المحفوظ في حديث حكيم - كما بينته عند تخريج الحديث - إنما هو بالنهى عن بيع الطعام حتى يستوفى لم يكن فيه دليل على اشتراط وجود المسلم فيه مملوكًا عند البائع، وإنما النهي عن بيع ما ليس عندك ثبت من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وليس فيه القصة التي ذكرها حكيم، وهو مطلق، ويمكن حمله على النهي عن بيع شيء معين لا يملكه، كما حمله الإمام الشافعي رحمه الله تعالى.
وأما قوله «فيربح فيه، وليس هو قادرًا على إعطائه».
فيقال: نحن نشترط ألا يسلم في شيء حال، إلا إذا كان يغلب على ظنه وجوده، وما غلب على الظن وجوده، كان قادرًا على تسليمه.
ولذلك أجاز بعض الفقهاء السلم في الخبز، واللحم يأخذ منه كل يوم أجزاء معلومة، إذا غلب على الظن وجوده عنده، وهذا يمكن إلحاقه بالسلم الحال؛ لأنه يمكن له أن يشرع في قبض الحصة الأولى مع العقد.
وأما قول الشيخ ﵀ «فيربح فيه، وليس هو قادرًا على إعطائه» أما الربح فيه فليس منهيًا عنه ما دام مضمونًا عليه؛ لأن المحذور أن يربح فيما ... لم يضمن، كما لو باعه شيئًا معينًا لم يدخل ملكه، فيربح فيه قبل أن يدخل في ضمانه، وأما السلم الحال، والمؤجل فهو بيع شيء موصوف في ذمته مضمون عليه، فلا حرج في الربح فيه.
وأما قول الشيخ: «وليس هو قادرًا على إعطائه»
إن كان المقصود ليس قادرًا على إعطائه في مجلس العقد فمسلم، وهذا لا يمنع صحة السلم؛ لأن حلول السلم لا يعني وجوب التقابض في مجلس العقد،
стр. 3446
كما لو باعه عينًا معينة غائبة موصوفة، فإن البيع يعتبر حالًا، ويعطى من الوقت ما يمكنه من إحضار السلعة، وإن كان المقصود ليس قادرًا على إعطائه مطلقًا، فغير مسلم؛ لأننا نشترط في السلم الحال أن تكون السلعة موجودة في السوق، فلا يسلم حالًا في وقت الصيف، في فاكهة لا توجد إلا في الشتاء أو العكس.
الدليل الثاني لابن تيمية:
ذكر ﵀ بأن السلعة إذا لم تكن عنده، فقد يحصل عليها، وقد لا يحصل عليها، وهذا نوع من الغرر، وإن حصله، فقد يحصله بثمن أعلى مما تسلفه، فيندم، وقد يحصله بسعر أرخص من ذلك، فيندم المسلف؛ لأنه كان يمكنه أن يشتريه هو بذلك الرخص، فصار هذا من نوع الميسر، والقمار، والمخاطرة، كبيع العبد الآبق، والبعير الشارد،، يباع بدون ثمنه، فإن حصل ندم البائع، وإن لم يحصل ندم المشتري.
المناقشة:
قول ابن تيمية ﵀: السلعة إذا لم تكن عنده فقد يحصل عليها، وقد لا يحصل عليها، وهذا نوع من الغرر:
يقال: هذا الغرر موجود في السلم المؤجل من باب أولى، فإن البائع قد يحصل على المبيع، وقد لا يحصل عليه، والتأجيل: ليس مظنة الحصول عليه، ولأن الشأن في حال السلم المعجل قد يتصل البائع بالمورد، ويسأله عن وجود البضاعة، ويتأكد من وجودها قبل دخوله في الصفقة، بخلاف المؤجل فإنه غيب لا يعلمه إلا الله، وعلى كل حال نحن نشترط لصحة السلم الحال أن تكون البضاعة موجودة، وفرق بين اشتراط وجود البضاعة في السوق، وبين اشتراط وجودها في ملكه.
стр. 3447
وأما قول الشيخ: بأنه قد يحصل عليها بثمن أقل، فيندم المشتري إذ كان يمكنه تحصيل السلعة من المصدر، وقد يحصل عليها بثمن أكثر من قيمتها، فيندم البائع، فيكون هذا كبيع العبد الآبق، والجمل الشارد.
فيقال: قد يكون كلام الشيخ ﵀ مناسبًا للعصر الذي كان فيه، أما اليوم فقد يحرص المشتري أن يحصل على البضاعة من خلال التاجر، ولا يرغب في الحصول عليها من خلال الموزع، وذلك ليستعين بخبرة التاجر من خلال معرفته للسلع الجيدة من السلع المقلدة، فهو يعرف السلع جيدًا والفروق بينها، ومدى جودة كل سلعة، وملاءمتها للظروف، كما يرغب المشتري أن يكون الضامن للسلعة رجلًا معروفًا في السوق يستطيع أن يرجع إليه، إذا تبين وجود عيب، أو خلل، أو قامت حاجة إلى قطع غيار ونحوه، كما أن في الناس من لا يعرف قيمة الأشياء، فيستعين بمن يعرفها، فالتاجر يستطيع أن يشتري البضاعة بأقل سعر ممكن مما لو اشتراها الرجل العادي، فيطيب المشتري نفسًا أن يدفع ربحًا معلومًا فوق الثمن الذي دفعه البائع، ومع كل هذا فإن العرف التجاري اليوم، أن المنتج إذا باع بضاعته على الباعة أعطاهم إياها بسعر الجملة، وإذا باع على الأفراد كان لها سعر آخر، وهو سعر الاستهلاك، فلو رجع المستهلك إلى المصدر وجد تطابقًا بالسعر بين البائع، والمنتج، أو الموزع، وهذا عرف يحترمه التجار بينهم، لينتفع أهل السوق من جهة، ويكون سعر البضاعة موحدًا من جهة أخرى.
دليل من قال: يصح بلفظ البيع، ولا يصح بلفظ السلم.
ربما استدل صاحب هذا القول بأن الألفاظ لها دور كبير في تكييف المعاملة من الإباحة إلى التحريم، فمن دفع درهمًا، وأخذ درهمًا بدلًا عنه: إن كان بلفظ البيع اشترط التقابض في مجلس العقد، وإن كان بلفظ القرض جاز التأجيل،
стр. 3448
والذي فرق بينهما هو اللفظ، فالسلم اسمه ومعناه: أن يسلم الثمن، ويتأخر المثمن، فهو أخص من البيع، فإذا جرت المعاوضة بدفع الثمن، وكان المثمن حالًا، لم يصدق عليه أنه من باب السلَم، وصدق عليه أنه بيع، فنشترط أن يكون بلفظ البيع، ولا يكون بلفظ السلم.
ويجاب عن ذلك:
بأن هناك فرقًا بين عقد القرض، وعقد المعاوضة، فعقد القرض من عقود الإرفاق، والإحسان، لم يقصد به الربح، بخلاف عقود المعاوضات، والسلم والبيع من عقود المعاوضات، فما يشترط في البيع يشترط في السلم، وذلك من العلم في المبيع، والعلم بالثمن، وانتفاء الجهالة والغرر ... الخ شروط البيع، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن العبرة في ألفاظ العقود بمعانيها، لا بألفاظها وقد قدمت فصلًا مستقلًا بأنه: إذا تعارض اللفظ والمعنى، قدم المعنى على الصحيح من أقوال أهل العلم، وقد انتقد ابن تيمية من فرق بين السلم الحال بلفظ البيع، وبين السلم الحال بلفظ السلم، فقال: «مستند هذا الفرق ليس مأخذًا شرعيًا، فإن أحمد لا يرى اختلاف أحكام العقود باختلاف العبارات، كما يراه طائفة من أصحابه .... يُجَوزون بيع ما في الذمة بيعًا حالًا بلفظ البيع، ويمنعونه بلفظ السلم؛ لأنه يصير سلمًا حالًا، ونصوص أحمد، وأصوله تأبى هذا كما قدمناه عنه بصيغ العقود، فإن الاعتبار في جميع التصرفات القولية بالمعاني، لا بما يحمل على الألفاظ، كما تشهد به أجوبته في الأيمان والنذور، والوصايا، وغير ذلك من التصرفات، وإن كان هو قد فرق بينهما، كما فرق طائفة من أصحابه، فيكون هذا التفريق رواية عنه مرجوحة ... » (١).
стр. 3449
الراجح من الخلاف:
بعد استعراض الأقوال أجد أن أقوى الأقوال في المسألة هو مذهب الشافعية، وهو جواز السلم الحال مطلقًا، سواء كان عند البائع، أو ليس عنده، بشرط أن يغلب على الظن وجوده في السوق، وإذا كان السلم المؤجل لا يدخل في قوله: لا تبع ما ليس عندك، لم يدخل السلم الحال من باب أولى، والله أعلم.
стр. 3450
الفرع الأول
أدني مدة الأجل في السلم وأكثره
[م-٧٣١] أما أكثر الأجل فلا حد له، كبيوع الأعيان إلا ما لا يجوز البيع إليه للغرر. قال ابن جزي: ولا حد لأكثره إلا إن كان ما ينتهي إلى الغرر لطوله (١).
[م-٧٣٢] وأما أدنى الأجل الذي لا يصح السلم بأقل منه فاختلف العلماء فيه إلى أقوال، أهمهما:
القول الأول:
قيل أدنى أجل السلم شهر، وهو الأصح في مذهب الحنفية، واختاره محمد بن الحسن (٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٣).
وجه ذلك:
علل الحنفية ذلك بأن الأجل إنما شرط في السلم ترفيهًا وتيسيرًا على المسلم إليه؛ ليتمكن من الاكتساب في المدة، والشهر مدة معتبرة يتمكن فيها من الاكتساب، فيتحقق معنى الترفيه، فأما ما دونه ففي حد القلة، فكان له حكم الحلول.
وعلل الحنابلة ذلك: بأن الأجل ينبغي أن يكون له وقع في الثمن، كالشهر، وما قاربه، وما دون الشهر ليس له وقع في الثمن.
стр. 3451
القول الثاني:
ذهب بعض مشايخ الحنفية بأن أدنى الأجل ثلاثة أيام قياسًا على خيار الشرط (١).
وردَّ: بأن أقل مدة الخيار ليس بمقدر، والثلاث أكثر المدة على أصل أبي حنيفة فلا يستقيم القياس.
القول الثالث:
قيل تقدير الأجل إلى العاقدين حتى لو قدرا نصف يوم جاز، بناء على أن الأجل في حديث ابن عباس مطلق، اختاره بعض الحنفية (٢).
القول الرابع:
قدر المالكية أقل الأجل بخمسة عشر يومًا، فأكثر؛ لأنها مظنة اختلاف الأسواق غالبًا، واختلافها مظنة لحصول المسلم فيه، وهذا هو المعتمد في المذهب (٣).
القول الخامس:
روى ابن وهب عن مالك أنه يجوز اليومان، والثلاثة، وقال ابن عبد الحكم: لا بأس به إلى اليوم الواحد (٤).
стр. 3452
القول السادس:
اختار ابن حزم أن الأجل ساعة، فما فوقها.
يقول ابن حزم: «والأجل في السلم ما وقع عليه اسم أجل كما أمر رسول الله ﷺ ولم يحد أجلًا من أجل، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤] .... فالأجل ساعة فما فوقها (١).
الراجح:
هذا الخلاف في أدنى الأجل دليل على أن اشتراط الأجل في السلم ضعيف، إذ لو كان الأجل شرطًا في السلم لبينت السنة مقدار الأجل الذي يصح فيه السلم، فلما لم تبين مقدار الأجل علم أن الصحيح جواز السلم الحال، والله أعلم.
* * *
стр. 3453
الفرع الثاني
أن يكون الأجل معلومًا
إذا اشترط الأجل في السلم فيجب أن يكون معلومًا (١).
(ح-٥٢٩) لما رواه البخاري من طريق ابن أبي نجيح، عن عبد الله ابن كثير، عن أبي المنهال.
عن ابن عباس ﵄ قال قدم النبي ﷺ المدينة، وهم يسلفون بالتمر السنتين، والثلاث، فقال: من أسلف في شيء، ففي كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم. ورواه مسلم (٢).
ولأن جهالة الأجل تفضي إلى المنازعة.
* * *
стр. 3454
الفرع الثالث
السلم في الحصاد والجذاذ
[م-٧٣٣] اختلف الفقهاء في تأجيل المسلم فيه إلى الحصاد والجذاذ على قولين:
القول الأول:
لا يجوز، وهو مذهب الجمهور (١).
واستدل هذا القول:
الدليل الأول:
(ث-٩٣) ما رواه عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة،
عن ابن عباس أنه كره إلى الأندر، والعصير، والعطاء، أن يسلف إليه، ولكن يسمي شهرًا (٢).
[صحيح] (٣).
стр. 3455
الدليل الثاني:
أن الأجل يجب أن يكون معلومًا، ووقت الحصاد ليس منضبطًا، فقد يتقدم وقد يتأخر، والجهالة في الأجل مفسدة، ولو كانت يسيرة.
القول الثاني:
يجوز، وهو مذهب المالكية (١)، ورواية عن أحمد (٢).
وجه القول بالجواز:
أن وقت الحصاد معلوم، والتفاوت فيه يسير، والغرر اليسير معفو عنه.
الراجح من الخلاف:
أرى أن القول بالجواز هو القول الراجح؛ لقوة دليله، والله أعلم.
* * *
стр. 3456
الشرط الرابع
أن يكون المسلم فيه مقدورًا على تسليمه عند حلول أجله
[م-٧٣٤] اتفق الفقهاء على اشتراط كون المسلم فيه مقدورًا على تسليمه عند حلول أجله، وذلك لأن المسلم فيه واجب التسليم عند الأجل، فلا بد أن يكون تسليمه مقدورًا عليه حينذاك، وإلا كان من الغرر الممنوع.
قال الباجي: «أن يكون المسلم فيه موجودًا حين الأجل، فلا خلاف أن ذلك شرط في صحة السلم؛ لأن حلول الأجل يقتضي تسليم المسلم فيه، فإذا كان معدومًا حين الأجل لم يصح السلم فيه؛ لأن من شرط صحة السلم والبيع التمكن من التسليم» (١).
وقال ابن قدامة: «الشرط الخامس: وهو كون المسلم فيه عام الوجود في محله، ولا نعلم فيه خلافًا، وذلك لأنه إذا كان كذلك أمكن تسليمه عند وجوب تسليمه، وإذا لم يكن عام الوجود لم يكن موجودًا عند المحل بحكم الظاهر، فلم يمكن تسليمه، فلم يصح بيعه، كبيع الآبق بل أولى، فإن السلم احتمل فيه أنواع من الغرر للحاجة، فلا يحتمل فيه غرر آخر؛ لئلا يكثر الغرر فيه» (٢).
فإن كان معدومًا عند حلول الأجل، أو نادر الوجود بطل السلم؛ لأنه لا يمكن تسليمه، ويلحق بذلك ما لا يؤمن انقطاعه عند حلول أجله، كالسلم في ثمر بستان بعينه، أو قرية صغيرة، وإنما يجوز فيما يؤمن انقطاعه كثمار إقليم أو
стр. 3457
قرية كبيرة، وألا يسلم في شيء نفيس عزيز الوجود، مثل درة موصوفة يعز مثلها؛ لأن ذلك قد يؤدي إلى عدم القدرة على التسليم (١).
* * *
стр. 3458
الفرع الأول
السلم في المعدوم وقت العقد
[م-٧٣٥] لم يختلف الفقهاء في أن المسلم فيه لو كان موجودًا وقت العقد، ومنقطعًا عن أيدي الناس عند حلول الأجل، أن هذا لا يجوز السلم فيه؛ لأن مقتضى العقد يلتزم فيه التسليم عند حلول الأجل، فإذا لم يكن مقدورًا على التسليم عند ذلك فلا يجوز العقد، وقد سبق بيانه في المبحث السابق (١).
وأما اشتراط كون المسلم فيه موجودًا عند العقد إلى وقت التسليم، فهذا محل خلاف بين العلماء على قولين:
القول الأول:
يجوز السلم في المعدوم وقت العقد، وفيما ينقطع من أيدي الناس قبل حلول الأجل. وهذا مذهب جمهور الفقهاء من المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). واختيار ابن حزم (٥).
دليل الجمهور:
الدليل الأول:
(ح-٥٣٠) ما رواه البخاري من طريق ابن أبي نجيح، عن عبد الله بن كثير، عن أبي المنهال.
عن ابن عباس ﵄ قال قدم النبي ﷺ المدينة وهم يسلفون في
стр. 3459
الثمار السنتين والثلاث فقال: أسلفوا في الثمار في كيل معلوم، إلى أجل معلوم (١).
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ لم يشترط وجود المسلم فيه عند العقد، ولو كان شرطًا لذكره، ولنهاهم عن السنتين والثلاث؛ لأنه من المعلوم أن الثمر لا يبقى طول هذه المدة.
الدليل الثاني:
أن التسليم قبل حلول الأجل غير مستحق، فلا يلزم وجود السلم فيه؛ إذ لا فائدة من اشتراط وجوده.
القول الثاني:
ذهب الحنفية (٢)، والثوري (٣)، والأوزاعي (٤)، إلى أنه يشترط لصحة السلم وجود المسلم فيه من وقت العقد، إلى وقت الأجل.
فلا يجوز السلم في:
(١) - ما كان منقطعًا وقت العقد، وموجودًا وقت حلول الأجل.
(٢) - وما كان موجودًا عند العقد وعند حلول الأجل، ولكنه ينقطع فيما بينهما.
стр. 3460
دليل الحنفية ومن معهم:
الدليل الأول:
(ح-٥٣١) ما رواه أبو داود من طريق سفيان، عن أبي إسحاق، عن رجل نجراني.
عن ابن عمر أن رجلًا أسلف رجلًا في نخل، فلم تخرج تلك السنة شيئًا، فاختصما إلى النبي ﷺ ، فقال: بم تستحل ماله؟ اردد عليه ماله. ثم قال: لا تسلفوا في النخل حتى يبدو صلاحه (١).
[إسناده ضعيف] (٢).
وأجيب عن الحديث بجوابين:
الأول: أن الحديث في إسناده رجل مجهول، ومثل هذا لا تقوم به حجة.
الثاني: أن هذا الحديث دليل على جواز السلم في النخل المعين من البستان المعين لكن بشرط أن يبدو صلاحه، وهو مذهب المالكية خلافًا لمذهب الجمهور (٣)، ويدل لمذهب المالكية:
(ح-٥٣٢) ما رواه البخاري من طريق أبي البختري، قال:
سألت ابن عمر عن السلم في النخل، فقال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع النخل حتى يصلح (٤).
стр. 3461
فهذا سلم في شيء معين من بستان معين، وهو من بيع المعين، وسمي سلمًا؛ لأنه يقدم الثمن، والمثمن قد يبقى إلى الجذاذ، وشرط جواز هذا أن يبدو صلاحه، وأما إذا كان السلم في شيء غير معين، فلا يشترط ذلك (١).
(ح-٥٣٣) ويؤيده ما رواه ابن حبان وغيره من طريق محمد بن حمزة بن محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أبيه،
عن جده في قصة إسلام زيد بن سعنة، أنه قال لرسول الله ﷺ : هل لك أن تبيعني تمرًا معلومًا من حائط بني فلان، قال: لا أبيعك من حائط مسمى، بل أبيعك أوسقًا مسماة، إلى أجل مسمى (٢).
[ضعيف] (٣).
الدليل الثاني:
أن كل وقت يجوز أن يكون محلًا للتسيلم، وذلك لأن المسلم إليه قد يموت قبل حلول الأجل، فإذا مات حلت الديون التي في ذمته، ووجب عليه وفاؤها قبل قسمة التركة، فاقتضى أن يكون وجود المسلم فيه من حين العقد، إلى وقت التسليم، فلو لم يشترط ذلك ومات المسلم إليه قبل أن يحل الأجل، فربما يتعذر تسليم المسلم فيه، فيؤول ذلك إلى الغرر.
стр. 3462
ويناقش من وجهين:
الوجه الأول:
القول بأن الدين يحل إذا مات المسلم إليه قول مختلف فيه:
فالحنابلة يرون أن الدين لا يحل بموت المدين، بل تبقى إلى آجالها. قال ابن قدامة: «لا نسلم أن الدين يحل بالموت ... » (١).
والمالكية يرون أن المسلم إليه إذا مات، وكان المسلم فيه غير موجود عند الوفاة فإن تركته توقف إلى أن يأتي إبان المسلم فيه، فيقضى، ثم تقسم التركة.
يقول القرافي: «إن وقع الموت وقفت التركة إلى الإبان، فإن الموت لا يفسد البيع» (٢).
الوجه الثاني:
لو سلمنا أن الدين يحل بموت المدين، فلا يلزم منه اشتراط دوام الوجود، إذ لو لزم ذلك لأفضى أن يكون للسلم آجال مجهولة، وهذا مبطل للعقد، فالمحل ما جعله المتعاقدان محلًا، وهاهنا لم يجعلاه (٣).
يقول القرافي: «لو اعتبر لكان الأجل في السلم مجهولًا؛ لاحتمال الموت، فيلزم بطلان كل سلم وكذلك البيع بثمن إلى أجل بل الأصل عدم تغير ما كان عند العقد، وبقاء الإنسان إلى حين التسليم» (٤).
стр. 3463
الدليل الثالث:
إذا كان المسلم فيه معدومًا قبل الأجل وجب أن يكون معدومًا عنده عملًا بالاستصحاب، فيكون غررًا، فيمتنع إجماعًا.
و أجيب:
بأن هذا الاستصحاب معارض بالغالب، فإن الغالب وجود الأعيان في إبانها، ولولاه لما أقدم المسلم على دفع ماله، ولما قبل المسلم إليه إشغال ذمته في المسلم فيه.
الدليل الرابع:
أن ابتداء العقود آكد من انتهائها، وإذا كان معدومًا عند العقد فيمتنع، كما يمتنع بيع المعدوم.
ويناقش:
سبق وأن ناقشنا حكم بيع المعدوم، وبينا أنه لا يوجد دليل في النهي عن بيع المعدوم، فأغنى عن إعادته هنا.
الراجح:
هو قول الجمهور، وأن السلم جائز فيما ليس موجودًا عند العقد، وفيما ينقطع من أيدي الناس إذا كان عام الوجود عند حلول الأجل، والله أعلم.
* * *
стр. 3464
الفرع الأول
جواز السلم لمن ليس عنده أصل المسلم فيه
[م-٧٣٦] لا يشترط فيمن يسلم في التمر أن يكون عنده نخل، ولا يشترط فيمن يسلم في الحبوب، أن يكون عنده زرع، وهكذا.
(ح-٥٣٤) لما رواه البخاري في صحيحه من طريق محمد بن أبي المجالد، قال:
بعثني عبد الله بن شداد، وأبو بردة إلى عبد الله بن أبي أوفى، ﵄، فقالا: سله هل كان أصحاب النبي ﷺ في عهد النبي ﷺ يسلفون في الحنطة؟ قال عبد الله: كنا نسلف نبيط أهل الشام في الحنطة، والشعير، والزيت، في كيل معلوم، إلى أجل معلوم. قلت: إلى من كان أصله عنده؟ قال: ما كنا نسألهم عن ذلك، ثم بعثاني إلى عبد الرحمن بن أبزى، فسألته فقال: كان أصحاب النبي ﷺ يسلفون على عهد النبي ﷺ ، ولم نسألهم، ألهم حرث أم لا؟
وفي رواية للبخاري، قال محمد بن أبي مجالد:
أرسلني أبو بردة، وعبد الله بن شداد إلى عبد الرحمن بن أبزى، وعبد الله ابن أبي أوفى، فسألتهما عن السلف، فقالا: كنا نصيب المغانم مع رسول الله ﷺ ، فكان يأتينا أنباط من أنباط الشام، فنسلفهم في الحنطة، والشعير، والزبيب إلى أجل مسمى، قال: قلت: أكان لهم زرع، أو لم يكن لهم زرع؟ قالا: ما كنا نسألهم عن ذلك.
وحديث ابن عباس المتفق عليه: (من أسلف فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم) (١).
стр. 3465
فلما وردت السنة في السلم بالصفة المعلومة، والكيل والوزن والأجل المعلوم، كان هذا عامًا فيمن عنده أصل، ومن ليس عنده، فلا يشترط فيمن يسلم في التمر أن يكون عنده نخل، ولا يشترط فيمن يسلم في الحبوب أن يكون عنده زرع، وهكذا، إلا أن الحنفية وإن لم يشترطوا أن يكون الأصل مملوكًا للمسلم إليه، فقد اشترطوا وجوده في السوق على سبيل العموم، فيما بين العقد والأجل، وقد سبق بيان ذلك في المبحث السابق، وبيان الراجح.
* * *
стр. 3466
الشرط الخامس
في تعيين مكان الإيفاء
[م-٧٣٧] لما كان تسليم المسلم فيه مؤجلًا، وقد يعقد العاقدان عقد السلم في مكان ليس بلدهما الأصلي، فهل يشترط تعيين مكان الوفاء؟
اختلف الفقهاء في هذه المسألة إلى أقوال:
القول الأول:
ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يجب على العاقدين تعيين مكان التسليم سواء أكان التسليم يحتاج إلى مئونة أم لا، ويكون موضع العقد هو موضع التسليم، فإن كان لا يصلح للتسليم كالبحر والصحراء فإن الوفاء يتعلق بأقرب الأماكن إلى موضع العقد.
وهذا اختيار أبي يوسف، ومحمد بن الحسن من الحنفية (١)، والمذهب عند المالكية (٢)، وقول في مذهب الشافعية (٣)، واختاره القاضي أبو يعلى من الحنابلة (٤)، إلا أن المالكية قالوا يفضل تعيين المكان، ولا يجب.
دليل هذا القول:
الدليل الأول:
حديث ابن عباس المتفق عليه، وفيه: من أسلف في شيء، ففي كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم (٥).
стр. 3467
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ لم يذكر مكان إيفاء المسلم فيه، مع أن الحديث وارد لبيان شروط السلم، فدل على عدم اشتراطه، وإذا لم يجب في المسلم فيه لم يجب في غيره من البيوع المؤجلة.
الدليل الثاني:
إطلاق العقد يقتضي التسليم في الموضع الذي تم به العقد، فتعين مكان العقد موضعًا للوفاء، فإذا كان موضع العقد لا يصلح للتسليم، انتقل الحق إلى أقرب مكان من موضع العقد.
القول الثاني:
ذهب الشافعية في المعتمد أنه لا يجب تعيين مكان التسليم، ويكون التسليم في موضع العقد إلا في حالتين:
الحال الأولى: إذا كان التسليم لحمله مئونة، فيجب ذكر مكان الإيفاء، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة أيضًا (١).
الحال الثانية: إذا كان موضع العقد لا يصلح للتسليم (٢).
ووافق الحنابلة الشافعية فيما إذا كان موضع العقد لا يصلح للتسليم، كالصحراء، والبحر، فيجب عندهم ذكر مكان الإيفاء (٣).
стр. 3468
جاء في الإنصاف: «ولا يشترط ذكر مكان الإيفاء إلا أن يكون موضع العقد لا يمكن الوفاء به» (١).
دليل هذا القول:
وجه اشتراط تعيين مكان الوفاء إذا كان التسليم له حمل مئونة:
يرى الشافعية أن موضع العقد هو محل التسليم، ولكن اشترطنا بيان مكان الوفاء إذا كان لحمله مئونة قطعًا للمنازعة؛ لأن ما لحمله مئونة تختلف قيمته باختلاف الأمكنة، فوجب اشتراط تعيين مكان الإيفاء، بخلاف ما لا حمل له ولا مئونة، فيتعين موضع العقد موضعًا للتسليم.
ويرى أبو حنيفة أن موضع العقد لا يتعين مكانًا للوفاء ولو كان صالحًا للتسليم، فإذا كان المبيع لحمله مئونة وجب تعيين مكان الوفاء، فإذا لم يتعين بقي مكان الوفاء مجهولًا فيؤدي ذلك إلى التنازع، فيفسد العقد.
وجه اشتراط تعيين مكان الوفاء إذا كان موضع العقد لا يصلح للتسليم:
إذا كان موضع العقد لا يصلح للتسليم كالصحراء والجبل تعذر الوفاء في موضع العقد، فيكون محل التسليم مجهولًا، وليس بعض الأماكن أولى من بعض، فاشترط تعيينه بالقول.
القول الثالث:
اختار ابن حزم أن المتعاقدين إذا اشترطا دفعه في مكان بعينه فقد فسد العقد، بناء على مذهبه في الشروط، وأن كل شرط لم ينص الشرع على جواز اشتراطه،
стр. 3469
فاشتراطه باطل مفسد للعقد، وقد أجبنا على مذهبه في باب الشروط الجعلية، فأغنى عن إعادته هنا (١).
الراجح:
أرى أن تعيين مكان الوفاء ليس شرطًا يتوقف عليه صحة العقد؛ لأن مكان الإيفاء أمر خارج عن العقد، وإذا صح العقد تعين موضع العقد مكانًا للإيفاء، فإن كان غير صالح كان أقرب مكان لموضع العقد، على أن المبيع إذا كان لحمله مئونة ينبغي ذكر مكان الإيفاء قطعًا للنزاع، ولا يجب، والله أعلم ..
* * *
стр. 3470
الباب الرابع
في الأحكام المترتبة على عقد السلم
الفصل الأول
في بيع المسلم فيه على غير من هو عليه قبل قبضه
[م-٧٣٨] يقسم الفقهاء الديون قسمين:
(أ) ديون مستقرة، وذلك مثل ثمن المبيع، وبدل القرض، وغرامة المتلف.
وديون غير مستقرة: مثل دين الكتابة، والمهر قبل الدخول، والأجرة قبل استيفاء المنفعة، ويلحقون بها أيضًا المسلم فيه.
فأما دين الكتابة، فلأنه معرض للسقوط بعجز الكاتب، ولا يملك السيد إجبار العبد على أدائه.
وأما المهر قبل الدخول؛ فلأنه قد ينفسخ النكاح بسبب من جهة المرأة، فلا تستحق شيئًا.
والأجرة قبل استيفاء المنفعة: غير مستقرة؛ لأن المنفعة قد تتلف، فتسقط الأجرة.
وأدخلوا في الديون غير المستقرة المسلم فيه؛ لأنه قد لا يستطيع تسليمه، فينفسخ العقد.
وإذا كان دين المسلم فيه من الديون غير المستقرة، فما حكم بيع المسلم فيه لغير من هو عليه قبل قبضه؟