← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.

стр. 3466

الشرط الخامس في تعيين مكان الإيفاء [م-٧٣٧] لما كان تسليم المسلم فيه مؤجلًا، وقد يعقد العاقدان عقد السلم في مكان ليس بلدهما الأصلي، فهل يشترط تعيين مكان الوفاء؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة إلى أقوال: القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يجب على العاقدين تعيين مكان التسليم سواء أكان التسليم يحتاج إلى مئونة أم لا، ويكون موضع العقد هو موضع التسليم، فإن كان لا يصلح للتسليم كالبحر والصحراء فإن الوفاء يتعلق بأقرب الأماكن إلى موضع العقد. وهذا اختيار أبي يوسف، ومحمد بن الحسن من الحنفية (١)، والمذهب عند المالكية (٢)، وقول في مذهب الشافعية (٣)، واختاره القاضي أبو يعلى من الحنابلة (٤)، إلا أن المالكية قالوا يفضل تعيين المكان، ولا يجب. دليل هذا القول: الدليل الأول: حديث ابن عباس المتفق عليه، وفيه: من أسلف في شيء، ففي كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم (٥).

стр. 3467

وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ لم يذكر مكان إيفاء المسلم فيه، مع أن الحديث وارد لبيان شروط السلم، فدل على عدم اشتراطه، وإذا لم يجب في المسلم فيه لم يجب في غيره من البيوع المؤجلة. الدليل الثاني: إطلاق العقد يقتضي التسليم في الموضع الذي تم به العقد، فتعين مكان العقد موضعًا للوفاء، فإذا كان موضع العقد لا يصلح للتسليم، انتقل الحق إلى أقرب مكان من موضع العقد. القول الثاني: ذهب الشافعية في المعتمد أنه لا يجب تعيين مكان التسليم، ويكون التسليم في موضع العقد إلا في حالتين: الحال الأولى: إذا كان التسليم لحمله مئونة، فيجب ذكر مكان الإيفاء، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة أيضًا (١). الحال الثانية: إذا كان موضع العقد لا يصلح للتسليم (٢). ووافق الحنابلة الشافعية فيما إذا كان موضع العقد لا يصلح للتسليم، كالصحراء، والبحر، فيجب عندهم ذكر مكان الإيفاء (٣).

стр. 3468

جاء في الإنصاف: «ولا يشترط ذكر مكان الإيفاء إلا أن يكون موضع العقد لا يمكن الوفاء به» (١). دليل هذا القول: وجه اشتراط تعيين مكان الوفاء إذا كان التسليم له حمل مئونة: يرى الشافعية أن موضع العقد هو محل التسليم، ولكن اشترطنا بيان مكان الوفاء إذا كان لحمله مئونة قطعًا للمنازعة؛ لأن ما لحمله مئونة تختلف قيمته باختلاف الأمكنة، فوجب اشتراط تعيين مكان الإيفاء، بخلاف ما لا حمل له ولا مئونة، فيتعين موضع العقد موضعًا للتسليم. ويرى أبو حنيفة أن موضع العقد لا يتعين مكانًا للوفاء ولو كان صالحًا للتسليم، فإذا كان المبيع لحمله مئونة وجب تعيين مكان الوفاء، فإذا لم يتعين بقي مكان الوفاء مجهولًا فيؤدي ذلك إلى التنازع، فيفسد العقد. وجه اشتراط تعيين مكان الوفاء إذا كان موضع العقد لا يصلح للتسليم: إذا كان موضع العقد لا يصلح للتسليم كالصحراء والجبل تعذر الوفاء في موضع العقد، فيكون محل التسليم مجهولًا، وليس بعض الأماكن أولى من بعض، فاشترط تعيينه بالقول. القول الثالث: اختار ابن حزم أن المتعاقدين إذا اشترطا دفعه في مكان بعينه فقد فسد العقد، بناء على مذهبه في الشروط، وأن كل شرط لم ينص الشرع على جواز اشتراطه،

стр. 3469

فاشتراطه باطل مفسد للعقد، وقد أجبنا على مذهبه في باب الشروط الجعلية، فأغنى عن إعادته هنا (١). الراجح: أرى أن تعيين مكان الوفاء ليس شرطًا يتوقف عليه صحة العقد؛ لأن مكان الإيفاء أمر خارج عن العقد، وإذا صح العقد تعين موضع العقد مكانًا للإيفاء، فإن كان غير صالح كان أقرب مكان لموضع العقد، على أن المبيع إذا كان لحمله مئونة ينبغي ذكر مكان الإيفاء قطعًا للنزاع، ولا يجب، والله أعلم .. * * *

стр. 3470

الباب الرابع في الأحكام المترتبة على عقد السلم الفصل الأول في بيع المسلم فيه على غير من هو عليه قبل قبضه [م-٧٣٨] يقسم الفقهاء الديون قسمين: (أ) ديون مستقرة، وذلك مثل ثمن المبيع، وبدل القرض، وغرامة المتلف. وديون غير مستقرة: مثل دين الكتابة، والمهر قبل الدخول، والأجرة قبل استيفاء المنفعة، ويلحقون بها أيضًا المسلم فيه. فأما دين الكتابة، فلأنه معرض للسقوط بعجز الكاتب، ولا يملك السيد إجبار العبد على أدائه. وأما المهر قبل الدخول؛ فلأنه قد ينفسخ النكاح بسبب من جهة المرأة، فلا تستحق شيئًا. والأجرة قبل استيفاء المنفعة: غير مستقرة؛ لأن المنفعة قد تتلف، فتسقط الأجرة. وأدخلوا في الديون غير المستقرة المسلم فيه؛ لأنه قد لا يستطيع تسليمه، فينفسخ العقد. وإذا كان دين المسلم فيه من الديون غير المستقرة، فما حكم بيع المسلم فيه لغير من هو عليه قبل قبضه؟

стр. 3471

[م-٧٣٩] هذه المسألة اختلف فيها العلماء. فقيل: لا يجوز بيعه، وهذا القول هو مذهب الجمهور من الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). وقيل: يجوز بيعه بمثل ثمنه، أو أقل، أو أكثر، بشرط أن يكون بيعه بالعين، وليس بالدين، واشترط المالكية ألا يكون المسلم فيه طعامًا، وأن يكون المأخوذ مما يباع بالمسلم فيه يدًا بيد، كما لو أسلم دراهم في ثوب مثلًا، فأخذ عنه طست نحاس، إذ يجوز بيع الطست بالثوب يدًا بيد. واحترز بذلك من أخذ اللحم عن الحيوان من جنسه، فإن ذلك لا يجوز؛ لامتناع بيعه يدًا بيد. وهذا مذهب المالكية (٤).

стр. 3472

دليل الجمهور على منع بيع دين السلم . الدليل الأول: (ح-٥٣٥) ما رواه أبو داود من طريق عطية بن سعد. عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره (١). [ضعيف] (٢). الدليل الثاني: ذكر ابن قدامة الإجماع على التحريم، قال ﵀: «أما بيع المسلم فيه قبل قبضه، فلا نعلم في تحريمه خلافًا» (٣). ويناقش: بأن الخلاف في المسألة محفوظ، والإجماع لم يثبت، وكيف تصح دعوى الإجماع مع مخالفة عالم المدينة مالك بن أنس.

стр. 3473

الدليل الثالث: استدل الشافعية بأن دين السلم لم يقبض، وقد جاء النهي عن بيع ما لم يقبض، جاء في نهاية المحتاج: «ولا يصح بيع المثمن الذي في الذمة، نحو المسلم فيه، ولا الاعتياض عنه قبل قبضه، بغير نوعه، أو وصفه؛ لعموم النهي عن بيع ما لم يقبض» (١). ويناقش: بأن بيع ما لم يقبض قد وقع الإجماع على منعه في الطعام الذي يحتاج إلى استيفاء من كيل، أو وزن، واختلفوا فيما عدا ذلك- وقد سبق بحث هذه المسألة في فصل سابق من هذا الكتاب- وقياس مسألتنا هذه على مسألة بيع الدين على غير من هو عليه قياس مع الفارق. الدليل الرابع: علل بعضهم المنع لكون المبيع لم يدخل في ضمان بائعه، فلم يجز بيعه قبل قبضه. قال ابن قدامة: «ولا يجوز بيع السلم قبل قبضه .... لأنه مبيع، لم يدخل في ضمانه، فلم يجز بيعه» (٢). ويناقش من وجهين: الوجه الأول: لا نسلم أن المسْلِم إذا باع المسْلَم فيه على غير من هو عليه، أنه قد باع شيئًا

стр. 3474

لم يدخل في ضمانه، ذلك أنه قد باع دينًا موصوفًا متعلقًا في ذمته، ولم يبع شيئًا معينًا. وإذا كان يصح من المسلم إليه أن تنشغل ذمته بالضمان في بيع الموصوف في الذمة، فما المانع أن يكون المسلم ضامنًا للدين اتجاه المشتري الجديد، كما أن المسلم إليه ضامن للدين اتجاه المسلم، وبهذا لا يوجد مانع من الربح فيه؛ لأن ذمته مشغولة بضمانه، ولهذا قال المالكية: إن باع المسلَّم دين السلم على غير من هو عليه جاز أن يبيعه بأقل، وبأكثر مما اشتراه؛ لأنهم يرون أن ذمته مشغولة بالضمان، فأذنوا له بالربح، وإذا باع دين السلم على من هو عليه، لا يتصور أن يكون ضامنًا له، فاشترطوا ألا يربح فيه. وهذا قوي جدًا (١). الوجه الثاني: على فرض أن يكون دين السلم ليس مضمونًا على المسلم، فإن الحديث إنما تضمن النهي عن ربح ما لم يضمن، وليس فيه النهي عن التصرف فيه، وبينهما فرق، فإذا اشترطنا أن يبيعه بمثل ثمنه، أو أقل، لا أكثر، لم يربح فيما لم يضمن، ولا تلازم بين التصرف، والضمان، بدليل أن المنافع المستأجرة يجوز

стр. 3475

أن يؤجرها المستأجر، وهي مضمونة على المؤجر الأول، والثمر المبيع على شجره، مبقىً إلى الجذاذ، يجوز بيعه، وهو مضمون على البائع الأول (١). الدليل الخامس: أن في بيع المسلم فيه قبل قبضه غررًا، وذلك أنه يحتمل حصول المبيع في المستقبل، وعدم حصوله، فهو مجهول العاقبة، وهذا حقيقة الغرر الممنوع في البيع. ويجاب: بأن بيع الشيء الموصوف في الذمة لا غرر فيه؛ لأنه لم يبع عليه شيئًا معينًا، ولو كان في ذلك غرر لم يصح بيع السلم كله مطلقًا. الدليل التاسع: بيع الدين على غير من هو عليه، يدخل في بيع ما ليس عند الإنسان، وقد نهي عنه. ويجاب: النهي عن بيع ما ليس عند الإنسان، لا يدخل فيه النهي عن بيع الدين؛ بل المقصود: لا تبع معينًا ليس في ملكك، والدين غير معين، ولو كان بيع الدين يدخل في بيع ما ليس عند الإنسان منع بيع السلم كله، والله أعلم. دليل المالكية على جواز بيع المسلم فيه لغير من هو عليه إذا لم يكن طعامًا: (ح-٥٣٦) ما رواه البخاري من طريق شعبة، حدثنا عبد الله بن دينار، قال:

стр. 3476

سمعت ابن عمر ﵄ يقول: قال النبي ﷺ : من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه. ورواه مسلم (١). فإذا كان الدين طعامًا، وباعه صاحبه على من هو عليه، أو على غيره، أدى ذلك إلى بيع الطعام قبل قبضه، وهذا منهي عنه. ومفهوم الحديث أن غير الطعام يجوز بيعه، ولو لم يقبضه. ويناقش: بأن المقصود بالنهي عن بيع الطعام، ذلك الطعام الذي تعلق به حق توفية، وليس الطعام الموصوف في الذمة، والروايات يفسر بعضها بعضا، فبعض الروايات نهت عن بيع الطعام حتى يقبض، وفي بعضها حتى يستوفى، والاستيفاء: هو كيل ما بيع بكيل، ووزن ما بيع بوزن. أما الطعام الموصوف في الذمة فلا مانع من بيعه مطلقًا، سواء كان بيعه على من هو عليه، أو على غيره؛ لأن صاحبه حين يبيعه يبيع دينًا في الذمة ليس معينًا، وذلك يعني أن البائع الثاني ذمته ستكون مشغولة بضمانه. الراجح من الخلاف: بعد استعراض الأدلة أجد أن القول بجواز بيع الدين على غير من هو عليه، طعامًا كان، أو غير طعام، هو الأقوى دليلًا، ولا مانع من الربح فيه إن باعه على غير من هو عليه.

стр. 3477

الفصل الثاني في بيع المسلم فيه على من هو عليه قبل قبضه [م-٧٤٠] هذه المسألة خلاف المسألة الماضية، فالمسألة الماضية في بيع المسلم فيه لغير من هو عليه. أما هذه المسألة فهي في بيع المسلم فيه على من هو عليه، كأن يسلم في قمح، فيأخذ من المسلم إليه حديدًا. فقيل: لا يجوز مطلقًا، سواء كان المسلم فيه موجودًا أو معدومًا، وهذا مذهب الجمهور من الحنفية، والشافعية، والحنابلة (١). دليل الجمهور على تحريم بيع المسلم فيه على من هو عليه قبل قبضه: الدليل الأول: (ح-٥٣٧) ما رواه أبو داود من طريق عطية بن سعد. عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره (٢). [ضعيف] (٣).

стр. 3478

الدليل الثاني: ذكر ابن قدامة الإجماع على التحريم، قال ﵀: «أما بيع المسلم فيه قبل قبضه، فلا نعلم في تحريمه خلافًا» (١). ويناقش: بأن الخلاف في المسألة محفوظ، والإجماع لم يثبت. قال ابن القيم: «كيف يصح دعوى الإجماع، مع مخالفة حبر الأمة ابن عباس، وعالم المدينة مالك بن أنس ... » (٢). الدليل الثالث: استدل الشافعية بأن دين السلم لم يقبض، وقد جاء النهي عن بيع ما لم يقبض، جاء في نهاية المحتاج: «ولا يصح بيع المثمن الذي في الذمة نحو المسلم فيه، ولا الاعتياض عنه قبل قبضه، بغير نوعه، أو وصفه؛ لعموم النهي عن بيع ما لم يقبض» (٣). ويناقش: بأن بيع ما لم يقبض قد وقع الإجماع على منعه في الطعام الذي يحتاج إلى استيفاء من كيل، أو وزن، واختلفوا فيما عدا ذلك- وقد سبق بحث هذه المسألة في فصل سابق من هذا الكتاب- وقياس مسألتنا هذه على مسألة بيع الدين على غير من هو عليه قياس مع الفارق، فهناك فارق بين بيع الدين وبين بيع العين، والله أعلم.

стр. 3479

الدليل الرابع: علل بعضهم المنع لكون المبيع لم يدخل في ضمان بائعه، فلم يجز بيعه قبل قبضه. قال ابن قدامة: «ولا يجوز بيع السلم قبل قبضه .... لأنه مبيع، لم يدخل في ضمانه، فلم يجز بيعه» (١). ويناقش: بأن الحديث إنما تضمن النهي عن ربح ما لم يضمن، وليس فيه النهي عن التصرف فيه، وبينهما فرق، فإذا اشترطنا أن يبيعه بمثل ثمنه، أو أقل، لا أكثر، لم يربح فيما لم يضمن، ولا تلازم بين التصرف، والضمان، بدليل أن المنافع المستأجرة يجوز أن يؤجرها المستأجر، وهي مضمونة على المؤجر الأول، والثمر المبيع على شجره مبقىً يجوز بيعه، وهو مضمون على البائع الأول (٢). الدليل الخامس: (ث-٩٤) روى البيهقي من طريق حصين، عن محمد بن زيد بن خليدة، قال: سألت ابن عمر عن السلف، قلت: إنا نسلف، فنقول: إن أعطيتنا برًا فبكذا، وإن أعطيتنا تمرًا فبكذا، قال: أسلم في كل صنف ورقًا معلومة، فإن أعطاكه، وإلا فخذ رأس مالك، ولا ترده في سلعة أخرى.

стр. 3480

[حسن لغيره] (١). الدليل السادس: (ث-٩٥) ما رواه ابن أبي شيبة، من طريق عطاء بن السائب. عن عبد الله بن مغفل في رجل أسلم مائة درهم في طعام، فأخذ نصف سلمه طعامًا، وعسر عليه النصف، فقال: لا تأخذ إلا سلمك، أو رأس مالك جميعًا (٢). [مغفل تصحيف والصواب معقل، وهو تابعي فلا يكون في هذا حجة] (٣). الدليل السابع: (ث-٩٦) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا محمد بن ميسرة (٤)، عن

стр. 3481

ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه شعيب. أن عبد الله بن عمرو كان يسلف له في الطعام، فقال للذي كان يسلف له: لا تأخذ بعض مالنا، وبعض طعامنا، ولكن خذ رأس مالنا كله، أو الطعام وافيًا (١). [ضعيف جدًا] (٢). الدليل الثامن: أن في بيع المسلم فيه قبل قبضه غررًا، وذلك أنه يحتمل حصول المبيع في المستقبل، وعدم حصوله، فهو مجهول العاقبة، وهذا حقيقة الغرر الممنوع في البيع. ويجاب: بأن الغرر إذا كان يتعلق بالقدرة على التسليم، فإن المشتري هو من عليه الدين، فهو في حكم المقبوض؛ لأن ما في ذمة المدين مقبوض له، فإذا دفع ثمنه للدائن، كان ذلك بيع مقبوض بمقبوض، وهو جائز شرعًا. الدليل التاسع: بيع الدين على من هو عليه، يدخل في بيع ما ليس عند الإنسان، وقد نهي عنه. ويجاب: النهي عن بيع ما ليس عند الإنسان لا يدخل فيه النهي عن بيع الدين على من

стр. 3482

هو عليه؛ بل المقصود لا تبع معينًا ليس في ملكك، وإذا جاز بيع المغصوب على غاصبه، جاز بيع الدين على من هو عليه من باب أولى، والله أعلم. القول الثاني: قيل: يجوز بيع المسلم فيه على من هو عليه بشروط، وهذا مذهب المالكية (١)، ورواية عن أحمد (٢)، اختارها ابن تيمية (٣)، وابن القيم (٤)، وهو قول ابن عباس ﵄ (٥). الشرط الأول: اشترط المالكية أن يكون المسلم فيه مما يجوز بيعه قبل قبضه، احترازًا من طعام السلم، فلا يجوز بيعه؛ لأنه يؤدي إلى بيع الطعام قبل قبضه، وقد سبق الجواب عن دليلهم ومناقشته في المسألة التي قبل هذه. الشرط الثاني: اشترط المالكية أن يعجل البدل، ويقبض في مجلس الاستبدال؛ ليسلم من فسخ الدين بالدين. واشترط ابن تيمية التقابض، إن كان العوضان مما يجري بينهما ربا النسيئة.

стр. 3483

الشرط الثالث: اشترط المالكية أن يكون المأخوذ مما يباع بالمسلم فيه يدًا بيد، كما لو أسلم دراهم في ثوب مثلًا، فأخذ عنه طشت نحاس، إذ يجوز بيع الطشت بالثوب يدًا بيد. واحترز بذلك من أخذ اللحم عن الحيوان من جنسه، فإن ذلك لا يجوز؛ لامتناع بيعه يدًا بيد، وقد سبق مناقشة بيع اللحم بالحيوان في باب الربا، فأغنى عن إعادته هنا. الشرط الرابع: أن يكون المأخوذ مما يجوز أن يسلم فيه رأس المال، كما لو أسلم دراهم في حيوان، فأخذ عن ذلك الحيوان ثوبًا، فإن ذلك جائز؛ إذ يجوز أن يسلم الدراهم في الثوب، واحترز بذلك من أخذ الدراهم عن الذهب، وعكسه، إذ لا يجوز أن تسلم الدراهم في الدنانير، ولا عكسه؛ لأنه يؤدي إلى الصرف المستأخر. وسبق أن بينا أن هذا مجمع على منعه عند الكلام عن شروط المسلم فيه (١). الشرط الخامس: اشترط المالكية، وابن تيمية، وابن القيم: أن يبيعه بمثل ثمنه، أو أقل، لا أكثر؛ وعلل المالكية المنع: لأن بيع الدين على من هو عليه بزيادة يؤدي إلى سلف جر نفعًا، وهذا ممنوع. وعلل ابن تيمية المنع حتى لا يربح فيما لم يضمن (٢).

стр. 3484

واستدلوا بأدلة منها: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [ا لبقرة: ٢٧٥]. فالأصل في البيع الحل إلا ما دل على تحريمه دليل من كتاب، أو سنة، أو إجماع، ولا دليل على التحريم، ولم يرد في منع الاعتياض عن الدين المسلم فيه نص صحيح، ولا يتضمن بيعه على من هو عليه بمثل ثمنه، أو أقل محذور شرعي يقتضي المنع منه. الدليل الثاني: (ث-٩٧) روى عبد الرزاق في المصنف، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو تبن دينار، عن طاووس، عن ابن عباس، قال: إذا أسلفت في طعام، فحَلَّ الأجل، فلم تجد طعامًا، فخذ منه عرضًا بأنقص، ولا تربح عليه مرتين (١). [صحيح]. قال ابن القيم: فهذا قول صحابي، وهو حجة ما لم يخالف (٢). الدليل الثالث: ولأن المانع من بيع الدين، هو خوف العجز عن التسليم، ولا مانع هنا؛ لأن ما في ذمة المدين مقبوض له، فإذا دفع ثمنه للدائن، كان ذلك بيع مقبوض

стр. 3485

بمقبوض، وهو جائز شرعًا، خاصة أن القبض لم يرد له في الشرع حد معين، وإنما مرد ذلك إلى العادة والعرف. الدليل الرابع: أن دين السلم دين ثابت في الذمة، فجاز الاعتياض عنه كغيره، فإذا جاز على الصحيح بيع الدين على من هو عليه، إذا كان المبيع بدل قرض، أو ثمن مبيع، ونحوهما، جاز ذلك في دين السلم. (ح-٥٣٨) فقد روى أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن سعيد بن جبير. عن ابن عمر، قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير، وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم، وآخذ الدنانير، فأتيت رسول الله ﷺ ، وهو يريد أن يدخل بيت حفصة، فقلت: يا رسول الله، إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير، وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم، وآخذ الدنانير؟ فقال رسول الله ﷺ : لا بأس أن تأخذها بسعر يومها، ما لم تتفرقا، وبينكما شيء (١). [اختلف في رفعه ووقفه، ورجح شعبة والدارقطني وقفه] (٢). فالحديث دليل على جواز بيع ما في الذمة على من هو عليه، وإذا جاز ذلك في ثمن المبيع جاز ذلك في دين السلم، حيث لا فرق. وهو دليل أيضًا على أنه لا فرق بين كون الدين حالًا، أو كونه مؤجلًا؛ لأنه لما لم يسأله رسول الله ﷺ عن الدين، هل كان حالًا، أو مؤجلًا؟ ولو كان بينهما فرق في الشرع، لبينه ﵊، وفي ذلك رد على المالكية الذين اشترطوا أن يكون الدين حالًا.

стр. 3486

وهو دليل أيضًا على اشتراط أن يكون البيع بسعر يومه، بحيث لا يربح فيه؛ لئلا يربح فيما لم يضمن؛ لأنه ﷺ قال: لا بأس أن تأخذها بسعر يومها. (ح-٥٣٩) ولما رواه أبو داود الطيالسي من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، قال: نهى رسول الله ﷺ عن ربح ما لم يضمن (١). [إسناده حسن] (٢). وهو دليل أيضًا على اشتراط التقابض، إذا كان العوضان مما يجري فيهما ربا النسيئة؛ لأنه قال: ما لم تتفرقا وبينكما شيء. وعلى القول بأن الأثر موقوف، فإن ابن عمر صحابي جليل، من كبار فقهاء الصحابة، فيكون قوله حجة، ما دام لم يخالف الكتاب، ولا السنة، ولا قول صحابي أقوى منه، والله أعلم. الراجح: أن استبدال المسلم فيه بيع للمسلم فيه قبل قبضه، وقد تكلمنا عنه في المسألة السابقة، وما رجحناه هناك نرجحه هنا، والله أعلم. * * *

стр. 3487

الفصل الثالث في حكم الشركة والتولية في بيع المسلم فيه قبل قبضه [م-٧٤١] اختلف العلماء في حكم الشركة والتولية في بيع المسلم فيه قبل قبضه. فقيل: لا يجوز، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة. وقيل: يجوز بيع المسلم فيه شركة وتولية قبل قبضه، وهذا مذهب المالكية. والخلاف في ذلك راجع إلى الخلاف في تكييف الشركة والتولية. فذهب جمهور أهل العلم إلى أن عقد التولية والشركة بيع مبتدأ، لا يجوز في شيء منه إلا ما يجوز في سائر البيوع (١)، ورجحه ابن حزم (٢). وذهب مالك وربيعة، وطاووس (٣)، إلى أن عقد التولية والشركة من عقود الإرفاق، ويقصد بها المعروف كالإقالة، ولهذا ذهب الإمام مالك إلى جواز بيع الطعام تولية قبل قبضه، مع أن الإجماع على أن بيع الطعام قبل قبضه منهي عنه (٤).

стр. 3488

قال مالك: «أجمع أهل العلم أنه لا بأس بالشركة، والتولية، والإقالة في الطعام قبل أن يستوفى إذا انتقد الثمن ممن يشركه، أو يقيله، أو يوليه» (١). وفي حكاية الإجماع نظر كبير، إذ لو قيل: إن أكثر أهل العلم يرى أن التولية بيع لم يكن ذلك بعيدًا. قال ابن عبد البر: «وقد قال بهذا القول - يعني قول الإمام مالك - طائفة من أهل المدينة، وقال سائر الفقهاء، وأهل الحديث لا يجوز بيع شيء من الطعام قبل أن يستوفى، ولا تجوز فيه الإقالة، ولا الشركة، ولا التولية عندهم قبل أن يستوفى بوجه من الوجوه، والإقالة، والشركة، والتولية عندهم بيع ... » (٢). وهذه شهادة من ابن عبد البر أن سائر الفقهاء ـ غير مالك ـ لا يرون بيع الطعام قبل قبضه شركة وتولية، وهو ينقض دعوى الإجماع، والله أعلم. وقال ابن حزم: «ما نعلم روي هذا إلا عن ربيعة، وعن طاووس فقط، وقوله عن الحسن في التولية قد جاء عنه خلافها ... » (٣). قال ابن ر شد في بداية المجتهد: «العقود تنقسم أولًا إلى قسمين: قسم يكون بمعاوضة. وقسم يكون بغير معاوضة كالهبات والصدقات. والذي يكون بمعاوضة ينقسم ثلاثة أقسام: أحدها: يختص بقصد المغابنة والمكايسة، وهي البيوع، والإجارات، والمهور، والصلح، والمال المضمون بالتعدي وغيره.

стр. 3489

والقسم الثاني: لا يختص بقصد المغابنة، وإنما يكون على جهة الرفق، وهو القرض. والقسم الثالث: فهو ما يصح أن يقع على الوجهين جميعا. أعني على قصد المغابنة، وعلى قصد الرفق كالشركة والإقالة والتولية .... وأما العقود التي تتردد بين قصد الرفق والمغابنة وهي التولية والشركة والإقالة. فإذا وقعت على وجه الرفق من غير أن تكون الإقالة أو التولية بزيادة أو نقصان، فلا خلاف أعلمه في المذهب أن ذلك جائز (يعني التولية والشركة) قبل القبض وبعده ..... (١). وقد فصلت أدلة الأقوال في عقد البيع عند الكلام عن بيوع الأمانة، فأغنى عن إعادته هنا، والحمد لله. * * *

стр. 3490

الفصل الرابع في إيفاء المسلم فيه إذا أحضر المسلم إليه المسلم فيه، ودفعه إلى ربه، تنفيذا للاتفاق القائم بينهما، وإبراء لذمته، فهل يجب على رب السلم قبوله وقبضه مطلقًا، أم أنه يجب عليه قبوله في حالات، ولا يجب في حالات. هذا ما سوف نكشف عنه من خلال البحث التالي. أولًا: الحالات التي يجب على المسلم قبول المسلم فيه: يجب على المسلم قبول المسلم فيه إذا أحضره المسلم إليه في الحالات التالية: الحال الأولى: [م-٧٤٢] إذا أحضر المسلم إليه المسلم فيه عند حلول الأجل وفق صفاته المشروطة في العقد والمتفق عليها بينهما في عقد السلم، فإنه يجب على المسلم قبوله، فإذا أسلم بطعام جيد فأتاه بطعام يقع عليه اسم الجيد، وإن كان غيره أجود منه لزمه قبوله، وإن تضمن ضررًا عليه في قبضه؛ لأنه حقه فوجب عليه قبوله كالوديعة، ولأن الضرر لا يزال بالضرر، ولأن في ذلك إبراء لذمة المسلم إليه، وهذا بالاتفاق (١). الحال الثانية: إذا تم تسليم المسلم فيه بصفة أجود من المتفق عليها، فلا خلاف بين الفقهاء في جواز قبوله، واختلفوا في وجوب ذلك على رب السلم:

стр. 3491

فقيل: يجب على المسلم قبوله. وهذا مذهب الجمهور (١). وعللوا ذلك: الأول: أنه من باب حسن القضاء. الثاني: أن الامتناع عن قبوله عناد؛ لأنه قد زاده خيرًا. الثالث: أن قبوله لا يفوت عليه أي غرض يبتغيه. وقيل: يجوز قبول الأجود عن الأدنى، ولا يجب؛ لما في ذلك من المنة. وقياسًا على زيادة العدد. وهو مذهب المالكية (٢)، وقول مرجوح في مذهب الشافعية (٣). ورد: بأن الجودة والرداءة لا يمكن فصلها، بخلاف الزيادة في العدد فإنها من قبيل الهبة فلم يلزمه قبولها. وقيل: إن دفع ذلك على وجه التفضيل لا يلزم المسلم القبول، وإن دفعه لأجل أن يدفع عن نفسه مشقة تعويضه بمثل ما اشترط لزم قبوله، وهذا قول في مذهب المالكية (٤). الحال الثالثة: إذا أحضر المسلم إليه المسلم فيه على صفته المشروطة قبل حلول أجله،

стр. 3492

وليس في قبوله ضرر على رب السلم، وليس له غرض صحيح في تأخير استلامه، فهل يلزمه قبوله؟ قيل: يلزمه قبوله؛ لأن غرضه حاصل مع زيادة تعجيل المنفعة، فجرى مجرى زيادة الصفة، وتعجيل الدين المؤجل، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة (١). وقيل: يجوز قبوله ولا يجب؛ بشرط أن يأتي به على صفته المتفق عليها لا أجود، ولا أردأ، ولا أقل، ولا أكثر؛ لأن الأجل حق لهما، وهذا مذهب المالكية (٢). وهو الصحيح؛ لأنه خلاف ما اتفق عليه. الحال الرابعة: إذا أحضر المسلم فيه بعد حلوله، ولكن في غير محل التسليم المتفق عليه، ولم يكن لحمله مؤونة، فهل يلزم المسلم قبوله؟ قيل: يلزمه وهذا مذهب الشافعية والحنابلة (٣). وقيل: إن كان المسلم فيه عينًا (دراهم أو دنانير) لزمه قبوله، وإن كان عرضًا، ولو لم يكن لحمله مئونة كجوهر لم يلزمه قبوله، وهو مذهب المالكية (٤). وأرى أنه لا يلزمه قبوله مطلقًا؛ لأنه خلاف ما اتفق عليه في العقد.

стр. 3493

هذه هي الحالات التي قيل بأنه يلزم المسلم قبول المسلم فيه إذا أحضره المسلم إليه، وهي في أكثرها مختلف فيها. فإن امتنع المسلم من قبض حقه فيلزم بالقبض أو الإبراء فيقال له: إما أن تقبض، وإما أن تبرئ منه، فإن لم يفعل دفعه إلى الحاكم وبرئ لذلك، ويقوم الحاكم مقامه في القبض بحكم ولايته العامة (١). [م-٧٤٣] ثانيًا: الحالات التي يجوز قبول المسلم فيه، ولا يلزم: الحال الأولى: أن يأتي به قبل حلوله، ويكون في قبضه ضرر على ربه، أو كان له غرض صحيح في تأخير استلامه، فإنه يجوز له أن يقبضه ولكن لا يلزمه قبوله. الحال الثانية: أن يأتي به دون صفته المتفق عليها، فإنه يجوز أخذه إذا تراضيا على ذلك، ولا يلزمه القبول (٢). الحال الثالثة: [م-٧٤٤] أن يكون أجود مما اتفق عليه، ولكنه من نوع آخر، كمن أسلم في تمر برني، فجاءه بمعقلي أجود منه، فإنه يجوز له قبوله، ولا يلزمه، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعي، والمشهور من مذهب الحنابلة (٣). وقيل: يجب عليه قبوله، وهو أحد الوجهين في مذهب الإمام الشافعي (٤).

стр. 3494

وجهه: أنه أعطاه من جنس حقه، وفيه زيادة لا تتميز، فأشبه ما لو أسلم في نوع رديء فأعطاه من ذلك النوع جيدًا، فإنه يلزمه قبوله. وقيل: يحرم، وهو الأظهر عند الشافعية (١). لأنه يشبه الاعتياض عن المسلم فيه، وهو غير جائز. والأظهر أن ذلك جائز، وليس بواجب. هذه هي الحالات التي يجوز لرب السلم قبول المسلم فيه، ولا يلزمه، والله أعلم. * * *

стр. 3495

الفرع الأول حكم الاعتياض عن صفة الجودة والرداءة [م-٧٤٥] إذا أحضر المسلم إليه المسلم فيه، وكان أعلى جودة مما اتفق عليه، وطلب المسلم إليه عوضًا عن زيادة الصفة، ومثله لو دفع المسلم إليه أردأ مما طلب، وقال للمسلم خذه وأعطيك عوضًا عن ما فقدته من الجودة، فهل يجوز الاعتياض عن صفة الجودة والرداءة؟ اختلف الفقهاء في ذلك: فقيل: يجوز الاعتياض عن الجودة والرداءة؛ وهذا مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢). وجه القول بالجواز: الأصل أن تكون الجودة متقومة في الأموال كلها؛ لأنها صفة مرغوبة يبذل الناس الأموال في طلبها والحصول عليها، ولم يسقط الشرع قيمتها إلا في الأموال الربوية عند مقابلتها بجنسها، فبقيت متقومة في غيرها على الأصل، فيصح الاعتياض عنها.

стр. 3496

وقيل: لا يجوز الاعتياض عن الجودة، ويجوز الاعتياض عن الزيادة في المقدار، وهو مذهب الشافعية (١)، والحنابلة (٢). وجه القول بالمنع: الوجه الأول: أن الجودة صفة، فلا يجوز إفرادها في العقد بخلاف الزيادة في القدر فإنه يجوز الاعتياض عنها؛ لأن الزيادة يجوز إفرادها بالبيع. الوجه الثاني: أن هذا من باب بيع المسلم فيه قبل قبضه، وهذا لا يجوز. والأول أصح بشرطين: الأول: ألا يوقع ذلك في ربا الفضل، فلا يجوز الاستعاضة عن صفة الجودة والرداءة بما هو من جنس المسلم فيه إذا كان مالًا ربويًا، فلو أسلم في قمح جيد، ولم يكن عند المسلم إليه إلا الرديء جاز أن يأخذ فرق الجودة من غير الجنس، كأن يأخذ نقودًا مثلًا، أما إذا أعطاه القمح الرديء وزاده في الكمية مقابل الرداءة فلا يجوز منعًا لربا الفضل، فكأنه أبدل ما وجب له من القمح بقمح أكثر منه، وأخذ زيادة في مقابل الجودة. الشرط الثاني: أن تكون فروق الأسعار بين الجيد والرديء معلومة على سبيل القطع

стр. 3497

للمتعاقدين، أو يمكن الرجوع فيها إلى أهل الخبرة في معرفة درجة الجودة والرداءة، بحيث يأخذ مقدار ما نقصه من غير زيادة؛ لأن الربح في هذه المعاوضة غير جائز؛ لأنه لا يجوز أن يربح فيما لم يدخل ضمانه، لأن المسلم فيه لم يقبض بعد، فضمانه على البائع، وليس على المشتري، فلا يجوز للمشتري أن يربح فيه، والله أعلم. * * *

стр. 3498

الفرع الثاني إذا تعذر المسلم فيه عند حلول الأجل [م-٧٤٦] اختلف الفقهاء فيما إذا حان وقت تسلم المسلم فيه، ولم يوجد المسلم فيه لسبب من الأسباب، ولم يكن التأخير بسبب مطل المسلم إليه. فقيل: يخير المشتري بين فسخ العقد، والرجوع بالثمن إن كان موجودًا، وإن كان غير موجود رجع بمثله إن كان مثليًا، أو بقيمته إن كان قيميًا. أو الانتظار والتربص إلى وقت وجود المسلم فيه. ويختص الخيار بالمشتري وهذا مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والأرجح عند الشافعية (٣)، والحنابلة (٤). وجه القول بأن العقد لا ينفسخ: أن المعقود عليه ثابت في الذمة، وما ثبت في الذمة لا يلحقه تلف، وقد انعقد السلم صحيحًا مستجمعًا لشروطه، وتعذر التسليم لا يوجب الفسخ؛ لأن المسلم فيه قد يوجد فيما بعد، ولكن تأخر التسليم يعطي المشتري حق الفسخ، فإذا قبل بالانتظار فهو حقه. وقيل: إذا تعذر التسليم عند حلول الأجل انفسخ العقد، وهو اختيار زفر من

стр. 3499

الحنفية (١)، وقول أشهب من المالكية (٢)، وقول في مذهب الشافعية (٣)، ووجه عند الحنابلة (٤). وجه القائلين بالفسخ: قالوا ينفسخ السلم ضرورة، ولا يجوز التأخير، وكأنهم رأوا أن تأخيره من باب الكالئ بالكالئ (٥). وقيل: ينفسخ العقد إلا أن يتفقا على الانتظار. وهو اختيار أصبغ من المالكية (٦). وجهه: أننا اشترطنا الاتفاق على التأخير لشمول الضرر لهما. وقيل: من طلب التأخير منهما فله ذلك إلا أن يجتمعا على المحاسبة، وهو قول سحنون من المالكية (٧). ولم يذكر المالكية دليل سحنون، ولم أقف له على ما يمكن أن يستدل له. واختار ابن حزم بأنه مخير بين أن يصبر حتى يوجد، وبين أن يأخذ قيمته لو وجد في ذلك الوقت (٨). واشترطنا أن يكون التأخير بسبب انقطاع المسلم فيه احترازًا من أن يكون

стр. 3500

التأخير بسبب من المسلم إليه كأن يكون موسرًا مماطلًا فإن حكمه حكم المدين المماطل. فلا يجوز شرعًا المطالبة بتعويض بسبب التأخر في السداد، وقد تكلمنا على هذه المسألة في مسألة مستقلة فأغنى عن إعادته هنا. وقول ابن حزم ـ عندي ـ أقوى؛ لأن الرجوع بالثمن فيه خسارة على المشتري بعد كل هذا الانتظار، وقد استفاد المسلم إليه في الثمن طيلة هذه المدة، ووجب في ذمته المسلم فيه دينًا عليه، وقد تعذر فيرجع إلى قيمة المسلم فيه عند التعذر، ويدفع إلى المسلم. هذا هو القول العدل عندي، والله أعلم. * * *

стр. 3501

الفصل الخامس توثيق الدين المسلم فيه برهن أو كفيل [م-٧٤٧] أجاز جمهور الفقهاء جواز أخذ الرهن والكفيل في المسلم فيه، وهو رواية في مذهب الحنابلة (١). وقيل: لا يجوز، وهو قول سعيد بن جبير (٢)، وزفر (٣)، والأوزاعي، وأبي ثور (٤)، والرواية المشهورة في مذهب الحنابلة (٥). وقيل: يجوز اشتراط الرهن، ولا يجوز اشتراط الكفيل، وهو اختيار ابن حزم (٦). دليل القائلين بالجواز: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ الآية إلى قوله ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢،٢٨٣].

стр. 3502

وقد ثبت عن ابن عباس ﵄ أنه يرى أن الآية نزلت في السلم (١)، فالآية نص في جواز أخذ الرهن في دين السلم، وعمومها دليل على جواز أخذ الرهن في جميع المداينات. الدليل الثاني: (ح-٥٤٠) روى البخاري ومسلم من طريق الأسود. عن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ اشترى طعامًا من يهودي إلى أجل، ورهنه درعًا من حديد (٢). وجه الاستدلال: إذا جاز أن يشتري الرجل طعامًا أو عرضًا بثمن إلى أجل، ويدفع في الثمن رهنًا، كذلك يجوز إذا دفع دراهم في طعام موصوف مؤجل أن يأخذ فيه رهنًا، ولا فرق بينهما، فلما جاز الرهن في الثمن بالسنة المجتمع عليها جاز في المثمن؛ وهو السلم؛ لأنه أحد العوضين. الدليل الثالث: (ث-٩٨) روى ابن أبي شيبة من طريق سعيد بن أبي عروبة، وأيوب فرقهما عن قتادة، عن أبي حسان. عن ابن عباس ﵄ قال: لا بأس بالرهن في السلم (٣). [حسن]. الدليل الرابع: قال مالك: لا بأس بالرهن والكفيل في السلم، ولم يبلغني أن أحدًا كرهه غير الحسن البصري (٤).

стр. 3503

وتعقب: بأنه قد كره الرهن والكفيل في السلم علي بن أبي طالب، وسعيد بن جبير كما سيأتي إن شاء الله تعالى في أدلة المانعين. دليل من منع الرهن في السلم: الدليل الأول: (ث-٩٩) ما رواه ابن أبي شيبة من طريق عبد الله بن أبي زائدة، عن أبي عياض. أن عليًا كان يكره الرهن والكفيل في السلم (١). [ضعيف] (٢). الدليل الثاني: (ث-١٠٠) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن محمد ابن قيس، قال: سئل ابن عمر عن الرجل يسلم السلم، ويأخذ الرهن، فكرهه، وقال: ذلك السلف المضمون. يعني الربح (٣). [ضعيف] (٤).

стр. 3504

الدليل الثالث: أن المسلم فيه عرضة للانقطاع، فإذا استوفى من الرهن أو من الكفيل صار مستوفيًا لحقه من غير المسلم فيه، وذلك لا يجوز. والراجح قول الجمهور؛ لأنه لا فرق بين دين السلم وغيره من الديون. * * *

стр. 3505

الفصل السادس الإقالة في عقد السلم [م-٧٤٨] تَرِدَ الإقالة على عقد السلم قبل قبض المسلم فيه وبعده، فترفع أثر العقد بين المتقايلين، وتوجب رد رأس المال إلى المشتري سواء أكان مثليًا أم عينيًا إن كان الثمن في يد المسلم إليه (١)، وحكي فيه الإجماع، حكاه ابن عبد البر وابن قدامة (٢)، وابن القيم في تهذيب السنن. قال ابن عبد البر: «قد أجمعوا أن الإقالة بيع جائز في السلف برأس المال» (٣). فإن خرج عن يده بتلف أو غيره. فقيل: يرد مثله إن كان مثليًا أو قيمته إن كان قيميًا، وهذا مذهب الجمهور (٤). قال ابن عابدين: «اعلم أنه لا يرد على اشتراط قيام المبيع لصحة الإقالة، إقالة السلم قبل قبض المسلم فيه، فإنها صحيحة، سواء كان رأس المال عينًا، أو دينًا، وسواء كان قائمًا في يد المسلم إليه، أو هالكًا؛ لأن المسلم فيه، وإن كان دينًا حقيقة، فله حكم العين، حتى لا يجوز الاستبدال به قبل قبضه، وإذا
следующие страницы →