الفصل الخامس
توثيق الدين المسلم فيه برهن أو كفيل
[م-٧٤٧] أجاز جمهور الفقهاء جواز أخذ الرهن والكفيل في المسلم فيه، وهو رواية في مذهب الحنابلة (١).
وقيل: لا يجوز، وهو قول سعيد بن جبير (٢)، وزفر (٣)، والأوزاعي، وأبي ثور (٤)، والرواية المشهورة في مذهب الحنابلة (٥).
وقيل: يجوز اشتراط الرهن، ولا يجوز اشتراط الكفيل، وهو اختيار ابن حزم (٦).
دليل القائلين بالجواز:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ الآية إلى قوله ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢،٢٨٣].
стр. 3502
وقد ثبت عن ابن عباس ﵄ أنه يرى أن الآية نزلت في السلم (١)، فالآية نص في جواز أخذ الرهن في دين السلم، وعمومها دليل على جواز أخذ الرهن في جميع المداينات.
الدليل الثاني:
(ح-٥٤٠) روى البخاري ومسلم من طريق الأسود.
عن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ اشترى طعامًا من يهودي إلى أجل، ورهنه درعًا من حديد (٢).
وجه الاستدلال:
إذا جاز أن يشتري الرجل طعامًا أو عرضًا بثمن إلى أجل، ويدفع في الثمن رهنًا، كذلك يجوز إذا دفع دراهم في طعام موصوف مؤجل أن يأخذ فيه رهنًا، ولا فرق بينهما، فلما جاز الرهن في الثمن بالسنة المجتمع عليها جاز في المثمن؛ وهو السلم؛ لأنه أحد العوضين.
الدليل الثالث:
(ث-٩٨) روى ابن أبي شيبة من طريق سعيد بن أبي عروبة، وأيوب فرقهما عن قتادة، عن أبي حسان.
عن ابن عباس ﵄ قال: لا بأس بالرهن في السلم (٣).
[حسن].
الدليل الرابع:
قال مالك: لا بأس بالرهن والكفيل في السلم، ولم يبلغني أن أحدًا كرهه غير الحسن البصري (٤).
стр. 3503
وتعقب:
بأنه قد كره الرهن والكفيل في السلم علي بن أبي طالب، وسعيد بن جبير كما سيأتي إن شاء الله تعالى في أدلة المانعين.
دليل من منع الرهن في السلم:
الدليل الأول:
(ث-٩٩) ما رواه ابن أبي شيبة من طريق عبد الله بن أبي زائدة، عن أبي عياض.
أن عليًا كان يكره الرهن والكفيل في السلم (١).
[ضعيف] (٢).
الدليل الثاني:
(ث-١٠٠) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن محمد ابن قيس، قال:
سئل ابن عمر عن الرجل يسلم السلم، ويأخذ الرهن، فكرهه، وقال: ذلك السلف المضمون. يعني الربح (٣).
[ضعيف] (٤).
стр. 3504
الدليل الثالث:
أن المسلم فيه عرضة للانقطاع، فإذا استوفى من الرهن أو من الكفيل صار مستوفيًا لحقه من غير المسلم فيه، وذلك لا يجوز.
والراجح قول الجمهور؛ لأنه لا فرق بين دين السلم وغيره من الديون.
* * *
стр. 3505
الفصل السادس
الإقالة في عقد السلم
[م-٧٤٨] تَرِدَ الإقالة على عقد السلم قبل قبض المسلم فيه وبعده، فترفع أثر العقد بين المتقايلين، وتوجب رد رأس المال إلى المشتري سواء أكان مثليًا أم عينيًا إن كان الثمن في يد المسلم إليه (١)، وحكي فيه الإجماع، حكاه ابن عبد البر وابن قدامة (٢)، وابن القيم في تهذيب السنن.
قال ابن عبد البر: «قد أجمعوا أن الإقالة بيع جائز في السلف برأس المال» (٣).
فإن خرج عن يده بتلف أو غيره.
فقيل: يرد مثله إن كان مثليًا أو قيمته إن كان قيميًا، وهذا مذهب الجمهور (٤).
قال ابن عابدين: «اعلم أنه لا يرد على اشتراط قيام المبيع لصحة الإقالة، إقالة السلم قبل قبض المسلم فيه، فإنها صحيحة، سواء كان رأس المال عينًا، أو دينًا، وسواء كان قائمًا في يد المسلم إليه، أو هالكًا؛ لأن المسلم فيه، وإن كان دينًا حقيقة، فله حكم العين، حتى لا يجوز الاستبدال به قبل قبضه، وإذا
стр. 3506
صحت -يعني الإقالة - فإن كان رأس المال عينًا ردت، وإن كانت هالكة رد المثل إن كان مثليًا، والقيمة إن كان قيميًا .... » (١).
وذهب المالكية إلى أن الثمن إن خرج من يد المسلم إليه فإنه فوت يمنع الإقالة إلا أن يكون الثمن نقدًا فتصح الإقالة (٢).
لأن النقد لا يتعين رد عينه عندهم حتى مع وجوده، فإذا كان له أن يعطيك مثله ولو كان في يده، صح أن يعطيك مثله مع فواته على أن يرد المسلم إليه مثله معجلًا، ولا يؤخره اليومين والثلاثة.
واختار ابن حزم عدم جواز الإقالة في السلم مطلقًا:
واحتج بأن الإقالة بيع، وهي من بيع ما لم يقبض، وقد نهي عنه؛ لأنه غرر (٣).
وهل تصح الإقالة في بعض المسلم فيه؟
فيه خلاف بين أهل العلم:
فقيل: تصح في بعضه كما تصح في جميعه، وهو ما ذهب إليه الحنفية (٤)، والشافعية (٥)، وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد (٦).
стр. 3507
لأن الإقالة مندوب إليها، وكل مندوب إليه جاز في الجميع جاز في البعض كالإبراء والإنظار.
وقيل: لا تصح الإقالة في بعض المسلم فيه، إلا أن يكون رأس المال عرضًا يعرف بعينه، أو كان عينًا (دراهم أو دنانير) أو طعامًا لا يعرف بعينه ولم يقبضه المسلم إليه، أو قبضه ولم يغب عليه. وأما إن كان رأس المال عينًا، أو طعامًا وقبضه المسلم إليه، وغاب عليه لم تجز الإقالة في البعض، هذا مذهب المالكية (١).
لأن الإقالة في البعض تأخذ حكم البيع، وبيع الشيء قبل قبضه لا يجوز، والأول أصح.
وقد عقدت بابًا خاصًا لأحكام الإقالة في المجلد السابع من هذه المنظومة فارجع إليه إن شئت.
* * *
стр. 3508
فرع
في استبدال رأس المال بغيره بعد الإقالة
[م-٧٤٩] إذا أقال أحد العاقدين الآخر، فأتاه المسلم إليه بشيء آخر من غير جنس رأس المال عوضًا عنه إبراء لذمته، فما حكم ذلك؟
فقيل: لا يجوز مطلقًا، وهو مذهب الحنفية (١)، والحنابلة (٢).
وجه المنع:
لما كان استبدال المسلم فيه ممنوعًا مطلقًا عند الحنفية والحنابلة، فإن أخذ عوض جديد برأس مال السلم قد يتخذ حيلة لبيع المسلم فيه قبل قبضه، فإذا أراد العاقدان استبدال المسلم فيه تقايلا، ثم اعتاض عن رأس مال السلم عوضًا آخر، وهو في حقيقته استبدال للمسلم فيه.
وقد ذكرنا أدلة الجمهور في منع استبدال المسلم فيه قبل قبضه، فأغنى عن إعادته.
وقيل: يجوز مطلقًا، وهو اختيار زفر من الحنفية (٣)، ومذهب الشافعية (٤)، واختاره أبو يعلى من الحنابلة (٥).
стр. 3509
وجه القول بالجواز:
القياس على ثمن المبيع في غير السلم، وذلك أنه بالإقالة بطل السلم، وصار رأس مال السلم دينًا عند المسلم إليه، فيصح الاستبدال به كسائر الديون.
وقيل: يجوز في المواضع التي يجوز فيها بيع المسلم فيه قبل القبض، ويمنع في المواضع التي يمنع فيها بيع المسلم فيه قبل القبض. وهذا مذهب مالك (١).
وجهه:
أن المسلم فيه إذا كان مما لا يصح بيعه قبل القبض كالطعام مثلًا، فإن استبدال رأس مال السلم يؤدي إلى الاعتياض عن المسلم فيه قبل قبضه، وهو الطعام، فكأنه باع الطعام قبل قبضه باستبداله بعوض آخر، أما إذا كان المسلم فيه مما يصح بيعه قبل قبضه كما لو كان المسلم فيه عرضًا كالحيوان مثلًا، فإنه يجوز استبدال رأس مال السلم بغيره، لأنه لا محذور هنا في بيع المسلم فيه قبل قبضه، وفقًا لمذهب المالكية، والله أعلم.
الراجح:
أرى أن مذهب الشافعية موافق للقياس، وهو أن رأس مال السلم بعد الإقالة صار دينًا في ذمة البائع، والاعتياض عنه جائز كسائر الديون، والأدلة المرفوعة التي تنهى عن بيع المسلم فيه قبل القبض ليست صحيحة، والله أعلم.
* * *
стр. 3510
الفصل السابع
في تقسيط المسلم فيه على نجوم
قال البهوتي: كل بيع جاز إلى أجل جاز إلى أجلين وآجال إن بَيَّن قسط كل أجل وثمنه (١).
[م-٧٥٠] إذا أسلم الرجل في شيء يستلمه على أقساط معينة، قسط منه يحل في الشهر الأول، وآخر يحل في الشهر الثاني، وهكذا، فهل يجوز ذلك؟
اختلف العلماء فيه:
فقيل: يجوز مطلقًا، وهو مذهب المالكية (٢)، والأظهر عند الشافعية (٣).
وقيل: لا يجوز ذلك، وهو قول في مذهب الشافعية (٤).
وقيل: يصح إن بين قسط كل أجل وثمنه. وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (٥).
стр. 3511
دليل من قال بالجواز:
الدليل الأول:
قوله ﷺ : (إلى أجل معلوم)، ولم يفرق بين أجل وأجلين.
الدليل الثاني:
ولأن كل ما جاز أن يكون في الذمة إلى أجل جاز أن يكون إلى أجلين كالأثمان.
الدليل الثالث:
ولأنه سلم فيما يضبط صفته مما يجوز أن يسلم فيه إلى وقت معلوم يوجد فيه، فأشبه السلم في الشيء الواحد إلى الأجل الواحد.
دليل من قال: لا يجوز مطلقًا:
أن القسط الثاني إذا كان على صفة القسط الأول كان المستأخر منهما أقل قيمة من المتقدم قبله، وبالتالي لا يمكن معرفة حصة كل واحد منهما من الثمن، فيكون مجهولًا، ولأنه لا يؤمن الفسخ بتعذر أحدهما فلا يعرف بما يرجع، وهذا نوع من الغرر.
دليل من قال بالجواز إذا بين قسط كل أجل وثمنه:
أنه إذا بين قسط كل أجل وثمنه أمكن معرفة حصة كل واحد منهما، فلا يكون في ذلك غرر، فلو انفسخ العقد بتعذر أحدهما لم يؤد ذلك في القسط الآخر، والله أعلم.
وقد أجاز المالكية (١)،
стр. 3512
والحنابلة (١)، أن يسلم في شيء كلحم وخبز يأخذ كل يوم جزءًا معلومًا مطلقًا، سواء بين ثمن كل قسط أولا، لدعاء الحاجة إليه.
جاء في كشاف القناع: «(فإن قبض البعض) مما أسلم فيه، ليأخذ منه كل يوم قدرًا معلومًا (وتعذر قبض الباقي رجع بقسطه من الثمن، ولا يجعل الباقي فضلًا على المقبوض)؛لأنه مبيع واحد متماثل الأجزاء، فقسط الثمن على أجزائه بالسوية كما لو اتحد أجله» (٢).
الراجح: القول بالجواز؛ لقوة دليله، والله أعلم.
* * *
стр. 3513
الفصل الثامن
في السلم الموازي
المبحث الأول
في تعريف السلم الموازي
تعريف السلم الموازي:
عرفه بعضهم: بأنه استخدام صفقتي سلم متوافقتين دون ربط بينهما (١).
شرح التعريف:
أن يقوم البنك الإسلامي بالشراء سلمًا لسلعة موصوفة في الذمة بثمن مقدم في مجلس العقد، ثم يقوم بعقد سلم آخر فيما بين تاريخ عقد السلم وتاريخ قبض المسلم فيه دون أن يربط ذلك بالعقد الأول، فيتحول من مشتر إلى بائع، وذلك بأن يبيع سلعة موصوفة في الذمة لصالح تاجر آخر بشروط مماثلة لشروط عقد السلم الأول، وينوي أن يقبضه من تلك السلعة التي أسلم فيها، فإذا وقع البيع على موصوف في الذمة قام البنك بتوكيل المشتري بقبضه من البائع الأول، أو قام البنك بقبضه، ثم سلمه إلى المشتري.
وبناء على هذا التعريف:
فإن السلم الموازي يقوم على عقدين منفصلين، ومن خلالهما يتوصل إلى بيع المسلم فيه قبل قبضه دون الوقوع في خلاف العلماء في النهي عن بيع الشيء قبل
стр. 3514
قبضه، وذلك أن البيع الثاني هو بيع دين في الذمة، وليس بيعًا معينًا، فلم يقع البيع على المسلم فيه، وإنما كانت من نية البائع أن يكون الإيفاء من المسلم فيه.
وقد ظن كثير من الباحثين أن هذه المعاملة محدثة.
والحق أن الشافعي قد نص عليه، وأجازه، ففي كتابه الأم، قال ﵀:
«ومن سلف في طعام، ثم باع ذلك الطعام بعينه قبل أن يقبضه لم يجز، وإن باع طعامًا بصفة، ونوى أن يقبضه من ذلك الطعام فلا بأس .... » (١).
* * *
стр. 3515
المبحث الثاني
في حكم السلم الموازي
[م-٧٥١] أجاز الشافعي في الأم كما سبق السلم الموازي.
واستدل الشافعي على الجواز:
بأن حق المشتري في العقد الثاني لم يتعلق في عين المسلم فيه، وإنما تعلق في ذمة البائع، ولذلك كان له أن يقضيه من أي ماله شاء، فلو قضاه من غير المسلم فيه كان له ذلك، ولا يحق للمشتري أن يطالبه بعين المسلم فيه.
ولأنه غير داخل في النهي عن ربح ما لم يضمن؛ لأن ضمانه على البائع، وليس على المشتري، فلو هلك المسلم فيه لم ينفسخ العقد، بل عليه أن يدفع سلعة تنطبق عليها الشروط، كل هذا دليل على أن حق المشتري لم يتعلق بالمسلم فيه، وإنما تعلق بذمة البائع.
قال الشافعي: «ومن سلف في طعام ثم باع ذلك الطعام بعينه قبل أن يقبضه لم يجز وإن باع طعاما بصفة، ونوى أن يقضيه من ذلك الطعام فلا بأس; لأن له أن يقضيه من غيره; لأن ذلك الطعام لو كان على غير الصفة لم يكن له أن يعطيه منه ولو قبضه، وكان على الصفة كان له أن يحبسه، ولا يعطيه إياه ولو هلك كان عليه أن يعطيه مثل صفة طعامه الذي باعه» (١).
ورأى بعض العلماء المعاصرين أن السلم الموازي لا خلاف فيه بين الفقهاء في جوازه ومشروعيته (٢).
стр. 3516
وخالف في ذلك الشيخ الصديق الضرير، فاختار المنع.
واستدل على ذلك بقوله: «السلم المتوازي في رأيي حيلة لبيع المسلم فيه قبل قبضه، وهي حيلة لا تخلو من شبهة الربا التي أشار إليها ابن عباس بقوله في بيع الطعام قبل قبضه: ذاك دراهم بدراهم والطعام مرجأ، وبخاصة إذا اتخذ هذا الأسلوب من السلم المتوازي بقصد التجارة والربح، وتكرر السلم المتوازي للمعاملة الأولى، ويدخله مانع آخر: هو الضرر الذي يصيب المستهلك من ارتفاع سعر السلعة قبل أن تصل إليه بسبب انتقالها لأكثر من تاجر» (١).
والراجح الأول، وكونه حيلة لبيع المسلم فيه قبل قبضه، فهي حيلة شرعية، كما قال ﷺ في الحيلة في استبدال التمر الرديء بتمر جيد، بأن يبيع التمر الرديء، ويشتري بثمنه تمرًا جيدًا، فكذلك هنا، فالعقد لم يعقد على عين المسلم فيه حتى يقال: إن ذلك يؤدي إلى بيع المسلم فيه قبل قبضه، ولا يتأتى العقد على عينه، وهو دين، والله أعلم.
* * *
стр. 3517
في عقد الاستصناع
تمهيد
في تعريف الاستصناع وبيان مقوماته
تعريف الاستصناع اصطلاحًا (١):
قال الكاساني: هو عقد على مبيع في الذمة، شرط فيه العمل (٢).
شرح التعريف:
فقوله: (عقد) أخرج الوعد، ومعنى ذلك أنه يشترط لانعقاده إيجاب وقبول صحيحان كما يشترط في سائر عقود المعاوضات.
стр. 3518
وقوله: (على مبيع) إشارة إلى أنه من عقود البيع عند الحنفية، وليس من عقود الإجارة، فيشترط له ما يشترط في البيوع من كون المبيع معلومًا، والثمن كذلك، ورضا المتبايعين .. الخ شروط البيع. وهذه المسألة فيها خلاف سيأتي تحريرها إن شاء الله تعالى.
كما يؤخذ منه أن هناك شيئًا يباع، وهو في الاستصناع: المواد الخام والتي يستعملها الصانع في صنعته.
وقوله: (في الذمة) إشارة إلى أن المبيع في شكله النهائي متعلق بالذمة، لأن المواد الخام، وإن وقع عليها البيع إلا أنها مقصودة لغيرها، حيث يحال القماش إلى ثوب، والجلد إلى خف، والحديد إلى سيارة، والخشب إلى سفينة، وهكذا.
وقوله (شرط فيه العمل) أخرج السلم، فإن السلم وإن كان عقدًا على مبيع في الذمة إلا أنه لا تدخله الصنعة.
وفي تعريف آخر:
جاء في مجلة الأحكام العدلية: «الاستصناع: عقد مقاولة مع أهل الصنعة، على يعمل شيئًا، فالعامل: صانع، والمشتري: مستصنع، والشيء: مصنوع» (١).
يضاف إلى ذلك الثمن، لتكتمل مقومات الاستصناع:
صانع: وهو من يقوم بتحضير المواد الخام، ويباشر العمل بنفسه، أو يكلف من ينوب عنه.
стр. 3519
مستصنع: وهو طالب الصنعة.
مصنوع: وهو المبيع.
ثمن: وهو المال الذي يدفعه المستصنع نظير المادة المصنعة.
* * *
стр. 3520
الفصل الأول
في توصيف عقد الاستصناع
حتى نتمكن من توصيف عقد الاستصناع لا بد من الكلام على ذلك من خلال بيان الفرق بينه وبين عقد السلم، وهل هو عقد، أو مجرد وعد؟
وإذا كان عقدًا، فهل هو عقد بيع أو عقد إجارة؟
وإذا كان بيعًا فهل هو بيع عين، أو بيع دين؟
وهل هو عقد لازم أو غير لازم؟
فمن خلال كشف هذه الأمور نستطيع أن نخرج بتصور صحيح عن عقد الاستصناع يكشف حقيقته للقارئ الكريم، وفقنا الله للصواب بمنه وكرمه.
* * *
стр. 3521
المبحث الأول
الفرق بين الاستصناع وبين السلم
[م-٧٥٢] الجمهور لا يذكرون عقد الاستصناع بتعريف مستقل، وإنما يذكرونه في باب السلم: في بيع شيء موصوف في الذمة مما تدخله الصنعة، ويصرحون بعدم جوازه إذا لم تتوفر فيه شروط السلم.
قال في الإنصاف: «ذكر القاضي وأصحابه: أنه لا يصح استصناع سلعة؛ لأنه باع ما ليس عنده على غير وجه السلم، واقتصر عليه في الفروع ... » (١).
стр. 3522
أما الحنفية فهم يعتبرونه عقدًا مستقلًا متميزًا بأحكامه كما يتميز الصرف والسلم، فكما أن الصرف والسلم نوعان من البيوع، وهما عقدان مستقلان، ولهما أحكام خاصة، لا تجري في البيع المطلق العادي، فكذلك الاستصناع (١).
وثمرة الخلاف:
تظهر ثمرة الخلاف بين قول الحنفية وبين قول الجمهور من وجوه:
الأول: أن الجمهور يشترطون تقدم الثمن؛ لأن من شرط صحة السلم أن يقدم الثمن، بينما الحنفية لا يرون هذا الشرط لازمًا في عقد الاستصناع، باعتبار أنه ليس من بيوع السلم، وإنما هو عقد خاص جرى على خلاف القياس استحسانًا، وسيأتي مزيد بحث لهذه المسألة إن شاء الله تعالى.
الثاني: التأجيل شرط في صحة عقد السلم عند الحنفية والمالكية والحنابلة، وأما في عقد الاستصناع فيرى الحنفية أن اشتراط الأجل فيه ليس بشرط، وسيأتي الكلام عن ذلك إن شاء الله في فصل مستقل.
стр. 3523
الثالث: السلم بيع دين في الذمة، وهو غالبًا ما يكون في المثليات فقط، وفي القيمي إذا كان مما يمكن ضبط صفاته، وأما في الاستصناع فإنه بيع عين في الذمة، ويكون في المثلي، وغير المثلي.
الرابع: العقد في السلم عقد لازم، إذا توفرت شروطه، والعقد في الاستصناع عقد غير لازم قبل إتمام العمل، وإذا تم العمل كان عقدًا غير لازم في حق المستصنع، ولازمًا في حق الصانع إذا رآه المستصنع بحسب رأي أبي حنيفة؛ لأن المشتري اشترى ما لم يره، فكان له الخيار.
وقيل إذا تم العمل يكون عقدًا لازمًا حتى في حق المستصنع بشرط أن يكون مطابقًا للمواصفات، وهذا رأي أبي يوسف.
وقد اختارت مجلة الأحكام العدلية أن عقد الاستصناع عقد لازم من العقد. وسيأتي بيانه في مبحث مستقل إن شاء الله تعالى.
الخامس: السلم عقد بالاتفاق، والاستصناع جرى فيه خلاف، هل هو عقد أو وعد كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى في مبحث مستقل.
السادس: السلم عقد بيع، وأما الاستصناع فجرى فيه خلاف، هل هو بيع أو إجارة؟ وسيأتي تحرير الخلاف فيه إن شاء الله تعالى.
ويتفق السلم والاستصناع فيما يأتي:
أولًا: يتفق السلم والاستصناع بأن كلا منهما عقد على موصوف في الذمة.
ثانيًا: لا بد من ضبط كل واحد منهما جنسًا ونوعًا وصفةً وقدرًا، ضبطًا يمنع الجهالة المفضية إلى التنازع.
ثالثًا: ألا يكون الثمن والمثمن في السلم والاستصناع مما يجري فيه ربا النسيئة؛ وذلك لأن التأجيل من طبيعة العقدين.
стр. 3524
رابعًا: ذكر مكان الوفاء إن كان محل العقد لا يصلح للتسليم، وكذا إن كان لحمله مؤونة، فلا بد من تحديد مكان الوفاء منعًا للنزاع.
* * *
стр. 3525
المبحث الثاني
الاستصناع بين العقد والوعد
[م-٧٥٣] سبق لنا تعريف العقد في المجلد الأول من هذه المنظومة، وبينا أن العقد بمعناه الخاص يطلق ويراد به معنى الربط، أي ربط الإيجاب بالقبول على سبيل الإلزام كالبيع والإجارة، وهذا هو الغالب عند الإطلاق.
وأما الوعد، فهو معروف، يقال: وعدت الرجل أعده وعدًا حسنًا من مال وغيره (١).
والفرق بينهما: أن العقد لازم، والوعد على الصحيح غير لازم.
إذا علم ذلك نأتي إلى مسألتنا:
فالراجح عند الحنفية أن الاستصناع عقد، وليس مجرد وعد غير لازم.
جاء في تحفة الفقهاء: «الاستصناع عقد على مبيع في الذمة ... » (٢).
وقد فرق الكاساني بين السلم والاستصناع، بأن كلًا منهما عقد على مبيع في الذمة، إلا أن الاستصناع يشترط فيه العمل (٣).
فنص على أنه عقد، وليس مجرد وعد.
وذهب الحاكم الشهيد والصفار ومحمد بن سلمة وصاحب المنثور من الحنفية إلى أنه مجرد وعد من شخص لآخر، وهو رأي مرجوح.
стр. 3526
قال في تبيين الحقائق: «الصحيح أن الاستصناع يجوز بيعًا، وقال الحاكم الشهيد: إنه وعد، وليس ببيع .. » (١).
وقال الكاساني: «ثم هو بيع - يعني الاستصناع - عند عامة مشايخنا، وقال بعضهم: هو عدة، وليس بسديد ... » (٢).
دليل من قال: إنه عقد:
الدليل الأول:
أثبت فقهاء الحنفية في عقد الاستصناع خيار الرؤية، والخيار إنما يختص بالعقد.
قال محمد بن الحسن كما في فتح القدير: «إذا رآه المستصنع فهو بالخيار؛ لأنه اشترى ما لم يره .. » (٣).
فأثبت الخيار، وسماه شراء، فدل على أنه عقد، وليس وعدًا.
الدليل الثاني:
قال ابن الهمام: «الصانع يملك الدراهم بقبضها، ولو كانت مواعيد لم يقبضها» (٤).
стр. 3527
الدليل الثالث:
استدل الحنفية على أنه عقد عندهم بأن محمدًا ذكر في جوازه القياس والاستحسان، وهما لا يجريان في المواعدة (١).
الدليل الرابع:
أن الاستصناع يجري فيه التقاضي، والتقاضي إنما يجري في الواجب، لا الموعود (٢).
الدليل الخامس:
أن شرط جواز الاستصناع أن يكون مما جرى فيه التعامل بين الناس؛ لأن ثبوته على خلاف القياس. وأما الوعد فيجري فيما تعامل فيه الناس، وفيما ... لا تعامل فيه، فدل على أن هناك فرقًا بين الاستصناع والوعد.
وقولهم: على خلاف القياس باعتبار أنه من قبيل بيع المعدوم عندهم، ومن باب بيع الدين بالدين ابتداء، وهذا الأصل فيه المنع.
وهذه الأدلة كلها أو أغلبها أدلة على أن الحنفية يرون أن الاستصناع عقد، وليست أدلة شرعية على أنه بيع، وبينهما فرق.
دليل من قال: إنه وعد:
الدليل الأول:
يعتبر الحنفية الاستصناع قبل الصنع غير لازم، فلكل من الصانع والمستصنع
стр. 3528
الخيار في الفسخ والإمضاء، وهذا دليل على أنه وعد، وليس بعقد، إذ لو كان عقدًا لكان ملزمًا للطرفين، أو لأحدهما.
ويجاب:
كون العقد غير لازم راجع إلى طبيعة العقد عند الحنفية، فالمشتري قد اشترى ما لم يره، لذلك كان الاستصناع لا يعد عقدًا نافذًا إلى أن يتم الصانع ما طلب منه وفق المواصفات التي طلبها الصانع، فإذا جاء به الصانع إلى المستصنع سقط خيار الصانع، وبقي المستصنع على خياره، فإذا رآه وقبله، عند ذلك يلزم العقد، ولا يكون هناك خيار لواحد منهما، شأنه في ذلك شأن كل مبيع عقد عليه العاقد، وهو لم يره، فيثبت له الخيار إذا رآه، وعند الحنفية الخيار له مطلقًا حتى ولو جاء مطابقًا للمواصفات كما بيناه في خيار الرؤية (١).
الدليل الثاني:
أنه لو كان الاستصناع عقدًا لكان عقدًا على معدوم، وبيع المعدوم ممنوع.
ولكان الاستصناع بيع دين بدين، فالثمن دين في ذمة المستصنع (المشتري)، والمبيع دين في ذمة الصانع (البائع)، وهذا لا يجوز.
ويجاب:
أجاب الحنفية عن ذلك: بأن المعدوم قد يعتبر موجودًا حكمًا للحاجة كطهارة المستحاضة، وقد تحققت الحاجة هنا، إذ كل واحد لا يجد خفًا مصنوعًا يوافق رجله، ولا خاتمًا يوافق أصبعه، وقد يجوز بيع المعدوم للحاجة، أصله بيع المنافع، وكان القياس فساده، ولكنه جوز لجريان العمل به، مثله إجارة الظئر،
стр. 3529
ولذلك قلنا: إنه جائز استحسانًا لا قياسًا، كما جاز بيع السلم، وهو على خلاف القياس (١).
وأما الجواب بناء على القول الراجح، فيقال: إن بيع المعدوم لما كان موصوفًا متعلقًا بالذمة ولم يكن في معين لم يمنع ذلك من بيعه، كما في عقد السلم، فإنه عقد على معدوم، ولكنه موصوف، ومتعلق بالذمة، وقد ناقشت الخلاف في بيع المعدوم، وبينت أنه لا يوجد نص في النهي عن بيعه، وإنما النص في النهي عن بيع الغرر، ومن المعدوم ما لا غرر في بيعه، لضبط أوصافه في العقد، ولوجوده عادة عند التسليم. نعم يوجد نص في النهي عن بيع بعض المعدومات، وليست العلة العدم، وإنما العلة الغرر، فإذا كان المعدوم لا غرر في بيعه، وكان قادرًا على تسليمه لم يمنع ذلك من بيعه، ومن أراد الاستزادة فليرجع إلى بحث بيع المعدوم، حيث فصلنا الخلاف هناك فأغنى عن إعادته هنا.
وأما النهي عن بيع الدين بالدين، فالحديث لا يثبت، وبيع الدين بالدين له صور كثيرة، منها الممنوع، ومنها الجائز، وهذه الصورة تلحق بالصور الجائزة وقد بحثت مسائل بيع الدين بالدين القديم منها والمعاصر، وبينت كلام أهل العلم والراجح فيها، فأغنى عن إعادته هنا.
الدليل الثالث:
لو كان الاستصناع عقدًا لما بطل بموت الصانع، والعقود في المعاملات ... لا يبطلها موت أحد طرفيها.
ويجاب:
بأن الاستصناع إنما بطل بموت الصانع لشبهه بالإجارة، حيث إنه عقد مركب
стр. 3530
من عين، وعمل، فهو لهذا الشبه قلنا: إنه يبطل بموت الصانع، وهذا لا يمنع أن يكون عقدًا.
الراجح:
بعد استعراض أدلة القولين أجد أن القول بأنه عقد أقوى دليلًا من القول بأنه مجرد وعد، وأقوى دليل للمخالفين قولهم: لو كان الاستصناع عقدًا لكان ملزمًا للطرفين؛ لأن عقد البيع من العقود الإلزامية، إلا أننا نقول: بأن القول بعدم اللزوم ليس محل اتفاق عند الحنفية، ففي مذهب الحنفية عدة أقوال:
الأول: قول بعدم اللزوم للطرفين.
والثاني: ملزم للطرفين بمجرد العقد، وهذا ما رجحته مجلة الأحكام العدلية، وقيل: إن أبا يوسف رجع إليه، واختاره مجمع الفقه الإسلامي.
والثالث: ملزم للطرفين بعد إتمام العمل، وهذا هو المشهور عن أبي يوسف.
والرابع بعد إتمام العمل ملزم للصانع، وغير ملزم للمستصنع باعتبار أنه مشتر لما لم يره، وسيأتي ذكر حجة كل قول إن شاء الله تعالى في مبحث مستقل.
* * *
стр. 3531
المبحث الثالث
تردد الاستصناع بين عقد البيع والإجارة
[م-٧٥٤] اختلف الحنفية في عقد الاستصناع، هل يعتبر من عقود البيع، أو من عقود الإجارة بحيث يكون المعقود عليه العمل دون العين؟ أو هو يبتدئ بالإجارة، وينتهي بالبيع؟
والذين قالوا: إنه من عقود البيع اختلفوا: هل هو بيع لما في الذمة لا يشترط فيه العمل؟ أو أن المعقود عليه هو عين شرط فيها العمل؟
القول الأول:
قالوا: هو عقد على مبيع في الذمة، والعمل ليس شرطًا فيه (١).
ودليلهم:
بأن الصانع لو أحضر عينًا كان قد عملها قبل العقد، ورضي بها المستصنع جاز ذلك، ولو كان شرط العمل من نفس العقد لما جاز؛ لأن الشرط يقع على عمل في المستقبل، لا في الماضي.
ويناقش هذا من وجوه:
الأول: أن هذا إنما جاز ليس بالعقد الأول، وإنما جاز ذلك بعقد جديد، وهو التعاطي بالتراضي.
قال الكاساني: «إذا أتى الصانع بعين صنعها قبل العقد، ورضي بها المستصنع، فإنما جاز لا بالعقد الأول، بل بعقد آخر، وهو التعاطي بتراضيهما» (٢).
стр. 3532
الوجه الثاني:
أن المصنوع إذا كان جاهزًا، لا يقال له: عقد استصناع، وإنما هو من قبيل البيع؛ لأن الفرق بين البيع والاستصناع: أن الاستصناع يدخله العمل بخلاف البيع المطلق، ثم إن الاستصناع لو كان بيعًا مطلقًا، لما بطل بموت أحد العاقدين عند الحنفية، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
الوجه الثالث:
إذا كان الاستصناع: هو عقدًا على موصوف في الذمة، فما الفرق بينه وبين السلم، ولوجب تسليم الثمن في مجلس العقد، فلما لم يجب تسليم الثمن، علم أنه يفارق السلم في الأحكام.
القول الثاني:
قالوا: إن المعقود عليه هو العمل (الإجارة) والعين فيه تبع (١).
واستدلوا: بعدة أدلة منها:
الدليل الأول:
الاستصناع: اشتقاق من الصنع، وهو العمل، فتسمية العقد به دليل على أنه هو المعقود عليه، والمادة فيه بمنزلة الآلة للعمل.
الدليل الثاني:
بعض الأجراء العاملين (الأجير المشترك) أصحاب المهن تقتضي طبيعة عمله أن يضع من عنده المادة التي يستلزمها عمله المستأجر عليه كالصباغ، فإنه يدفع
стр. 3533
إليه الثوب، أو الغزل ليصبغه باللون المطلوب بصبغ يضعه من عنده، ولا يقدمه له صاحب الثوب، كما يفعل الصانع في الاستصناع، ولم يخرجه هذا عن أن يكون أجيرًا، وعقد عمله إجارة (١).
وأجيب على هذا:
بأن هناك فرقًا بين الإجارة، وعقد الاستصناع، من وجهين.
الوجه الأول:
يشترط في عقد الاستصناع: أن تكون العين والعمل من الصانع، وفي الإجارة تكون العين من المستصنع.
يقول في الفتاوى الهندية: «أن تكون العين والعمل من الصانع، فأما إذا كانت العين من المستصنع، لا من الصانع، فإنه يكون إجارة، لا يكون استصناعًا، كذا في المحيط» (٢).
وبهذا نعرف، لماذا إذا دفع ثوبه للصباغ، كان العقد عقد إجارة.
الوجه الثاني:
المعقود عليه في الإجارة هو العمل، أما في الاستصناع: فالمعقود عليه، هو عين موصوفة في الذمة.
стр. 3534
الدليل الثالث:
لو كان عقد الاستصناع من عقود البيع، لما بطل العقد بموت الصانع، كما هو مجمع عليه عند الحنفية.
و أجيب:
بأن الاستصناع لما كان فيه شبه بالإجارة، من حيث إن فيه طلب الاستصناع، وهو العمل، وفيه شبه بالبيع، من حيث إن المقصود فيه العين المستصنعة، فلشبهه بالإجارة قلنا: يبطل بموت أحد المتعاقدين، ولشبهه بالبيع أثبتنا فيه خيار الرؤية، وأجرينا فيه القياس، والاستحسان، وهذان الشبهان هما اللذان أوجبا أن يفرد الاستصناع بمسمى خاص، ويكون عقدًا مستقلًا له أحكامه الخاصة، ولا يلحق بالبيع المطلق، ولا بالصرف، ولا بالسلم، ولا بالإجارة، والله أعلم.
القول الثالث:
قالوا: إن عقد الاستصناع هو إجارة ابتداء، وبيع انتهاء، لكن قبل التسليم، لا عند التسليم، بدليل قولهم: إذا مات الصانع يبطل، ولا يستوفى المصنوع من تركته، ذكره محمد في كتاب البيوع (١).
ويجاب:
بأن العقد كونه مركبًا من عين وعمل، لا يعني ذلك أن نجعله تارة إجارة، وتارة بيعًا، وأن العقد بدأ في إجارة، وانتهى في بيع، بل نجعله عقدًا مستقلًا، وهذا ما حملنا على إفراده في باب مستقل، كما استقل الصرف والسلم بأحكام
стр. 3535
خاصة، وأطلقنا عليه مسمى خاصًا، وهو عقد الاستصناع، فتداخل العمل مع العين صيرهما شيئًا واحدًا، وهو بيع عين موصوفة في الذمة يشترط لها العمل، والله أعلم.
القول الرابع:
قالوا: المعقود عليه هو العين دون العمل، وإنما العمل شرط فيه. وهذا هو المذهب عند الحنفية (١).
وقولنا (عين) ليس معناه أنه معين، وإنما هي عين موصوفة في الذمة.
يقول ابن عابدين: «قوله: والمبيع: هو العين لا عمله، أي أنه بيع عين موصوفة في الذمة، لا بيع عمل، أي لا إجارة على العمل .. » (٢).
فقوله: عين موصوفة في الذمة، يبين أن المراد بالعين: ليس ما يقابل الدين، وإنما المراد بالعين ما يقابل العمل، وأن المقصود بالعين ليس هي مواد الخام، وإنما عين سوف تتشكل بعد الاستصناع، والله أعلم.
هذا هو عقد الاستصناع، والذي تميز به عن عقد البيع، وعن عقد السلم، وعن عقد الإجارة، وأصبح له صورة مستقلة عن سائر هذه العقود:
فحين يكون المصنوع جاهزًا، ويأتي به الصانع، فيبيعه، فهذا بيع مطلق، أو يكون المصنوع جاهزًا، ولكنه غائب عن مجلس العقد، فهذا من بيع العين الغائبة، وليس من الاستصناع في شيء.
وكذلك لو صيغ العقد على أساس الإجارة، كما لو جاء شخص بالمواد
стр. 3536
الخام، واستأجر الصانع ليصنع له منها شيئًا، فهذه إجارة، وليست من الاستصناع في شيء.
وكذلك لو طلب شخص من آخر ثمرًا أو حبوبًا موصوفة في الذمة، فهذا من قبيل السلم، يجب فيه تقديم الثمن، وسائر شروط السلم.
فالاستصناع: هو أن يطلب شخص من آخر عينًا ليست موجودة، وسيعمل البائع على صنعها، وجميع مواد الخام من الصانع، فهذا العقد بهذه الصورة ليس بيعًا مطلقًا محضًا، ولا إجارة محضة، ولا سلمًا، وإنما هو عقد مستقل، له شروطه الخاصة.
فالعقد: يقوم على تحويل مواد خام عن طريق العمل، وتحويلها إلى عين، تلك العين بعد الاستصناع هي المعقود عليها، وليس المواد الخام، والعمل في العين ليس معقودًا عليه، وإنما هو شرط في البيع، فما لم يشترط فيها العمل لا يكون استصناعًا، فكان مأخذ الاسم دليلًا عليه، ولأن العقد على مبيع في الذمة يسمى سلمًا، وهذا العقد يسمى استصناعًا، واختلاف الأسامي دليل اختلاف المعاني في الأصل (١).
وقد أشكل على بعض الباحثين كون الحنفية تساءلوا في عقد الاستصناع: هل المعقود عليه العين، أم العمل؟ وقد رجحوا أن المعقود عليه: هو العين، وليس العمل، ووجه الإشكال: إذا كان المستصنع معدومًا، فهو ليس عينًا؛ لأن العين: هو المعين، وهو ما يمكن الإشارة إليه، ويكون له ذات، وحيز من الفراغ، كهذا الكرسي، والبيت، والحصان، بينما العين المستصنعة تعلقها
стр. 3537
بالذمة؛ لكونها ليست موجودة، ولم يتعلق الحق بشيء بعينه، وما كان متعلقًا بالذمة فهو دين، وليس عينًا.
ولذلك لو استصنع النجار الشكل المطلوب، وباعه على آخر لم يمنع ذلك مانع؛ لأن حق المستصنع متعلق بذمة الصانع، وليس في عين المصنوع.
جاء في العناية: «لو باعه الصانع قبل أن يراه المستصنع جاز .. » (١).
وقال السرخسي: «وإن باعه الصانع قبل أن يراه المستصنع، فبيعه جائز؛ لأنه باع ملك نفسه، فالعقد لا يتعين في هذا المصنوع قبل أن يراه المستصنع .. » (٢).
والحق أن هذا الإشكال قائم إلا إذا فهمنا مراد الحنفية بالعين في عقد الاستصناع، فقد يزول الإشكال.
قال السرخسي: «والأصح أن المعقود عليه المستصنع فيه - يعني العين- وذكر الصنعة (العمل) لبيان الوصف ... » (٣).
وجاء في فتح القدير: «المعقود عليه العين دون العمل» (٤).
فالمراد: بالعين عندهم باعتبار ما سيكون، والذي حملهم على هذا: أن كلًا من العمل والعين متعلقان بالذمة، فحتى يبينوا أن المعقود عليه هو العين بعد الاستصناع، وأن العقد عقد بيع، وليس المعقود عليه هو العمل، فيكون العقد عقد إجارة أطلقوا كلمة (عين) على أمر متعلق بالذمة، وهو اصطلاح خاص.
стр. 3538
ولذلك يقول ابن عابدين عن عقد الاستصناع: «بيع عين موصوفة في الذمة، لا بيع عمل، أي لا إجارة على العمل .. » (١).
فقوله: عين موصوفة في الذمة، هذا يفصح عن الموضوع، وأن المراد بالعين: ليس ما يقابل الدين، وإنما المراد بالعين ما يقابل العمل (المنفعة)، وأن المقصود بالعين ليس هي مواد الخام، وإنما عين سوف تتشكل بعد الاستصناع، والله أعلم.
وهذا ما نص عليه قرار مجمع الفقه الإسلامي، حيث جاء فيه:
«عقد الاستصناع عقد وارد على العمل والعين في الذمة، ملزم للطرفين إذا توفرت فيه الأركان، والشروط ... الخ» (٢).
فلو كان المقصود بالعين: المعين لم يكن قوله (في الذمة) مناسبًا؛ لأن ما كان في الذمة لا يكون إلا دينًا، والدين يكون في مقابل العين، والله أعلم.
* * *
стр. 3539
المبحث الرابع
الإستصناع عقد لازم أم جائز
[م-٧٥٥] يعتبر عقد الاستصناع قبل الصنع عقدًا غير لازم في مذهب الحنفية، فالصانع والمستصنع لهما حق الرجوع.
وأما بعد إتمام العمل، ورؤية المشتري له:
فذهب أبو حنيفة إلى أنه يسقط خيار الصانع، ويبقى الخيار للمستصنع باعتبار أنه مشتر لما لم يره.
وذهب أبو يوسف إلى أنه إذا أتم الصانع صنع الشيء، وأحضره للمستصنع موافقًا للمواصفات، فليس لأحد منهما خيار، بل يلزم الصانع بتسليمه، ويلزم المستصنع بقبوله.
وعلل ذلك أبو يوسف: أن الصانع لما أتى به موافقًا تعين حق المستصنع فيه بعينه، بعد أن كان حقه متعلقًا بذمة الصانع، فلم يبق له خيار.
وقيل: إن الاستصناع إذا انعقد صحيحًا كان لازمًا منذ انعقاده، وهذا ما اختارته مجلة الأحكام العدلية.
جاء في المادة (٣٩٢): «إذا انعقد الاستصناع، فليس لأحد العاقدين الرجوع عنه، وإذا لم يكن المصنوع على الأوصاف المطلوبة المبينة، كان المستصنع مخيرًا» (١).
وكنت أرى أن هذا القول ليس له مستند من مذهب الحنفية بناء على ... ما نقله الكاساني، وابن عابدين من مذهب أبي يوسف، ونص عليه فضيلة الشيخ
стр. 3540
مصطفى الزرقاء ﵀ حتى أوقفت على كلام لبرهان الدين ابن مازة ذكره في كتابه المحيط البرهاني، وفيه ما يدل على أن أبا يوسف قد رجع عن قوله إلى القول باللزوم من انعقاد العقد، وهذا نصه:
«قلنا: الروايات في لزوم الاستصناع وعدم اللزوم مختلفة» ثم ذكر الروايات، وقال: «ثم رجع أبو يوسف عن هذا، وقال: لا خيار لواحد منهما، بل يجبر الصانع على العمل، ويجبر المستصنع على القبول.
وجه ما روي عن أبي يوسف، أنه يجبر كل واحد منهما:
أما الصانع فلأنه ضمن العمل، فيجبر عليه، وأما المستصنع فلأنه لو لم يجبر على القبول يتضرر به الصانع؛ لأنه عسى لا يشتريه غيره منه أصلًا، أو لا يشتري بذلك القدر من الثمن، فيجبر على القبول دفعًا للضرر عن البائع ... » (١).
وبهذا نعرف خطأ ابن عابدين ﵀ حين يقول: «ولكل منهما الامتناع عن العمل قبل العمل بالاتفاق» (٢).
وعليه أيضًا يمكننا أن نقول: إن مجلة الأحكام العدلية قد أخذت بهذه الرواية عن أبي يوسف، وهي تخالف ما ذكره ابن عابدين في رأي أبي يوسف، والله أعلم.
وبهذه الأجوبة عن المسائل الأربع نكون قد انتهينا - ولله الحمد والمنة - من توصيف عقد الاستصناع، واتضح لنا، هل هو عقد، أو وعد، وهل هو عقد لازم، أو غير لازم، وهل هو بيع أو إجارة، وما الفرق بينه وبين عقد السلم، وننتقل في المبحث التالي للحديث عن حكم عقد الاستصناع.
* * *