الخام، واستأجر الصانع ليصنع له منها شيئًا، فهذه إجارة، وليست من الاستصناع في شيء.
وكذلك لو طلب شخص من آخر ثمرًا أو حبوبًا موصوفة في الذمة، فهذا من قبيل السلم، يجب فيه تقديم الثمن، وسائر شروط السلم.
فالاستصناع: هو أن يطلب شخص من آخر عينًا ليست موجودة، وسيعمل البائع على صنعها، وجميع مواد الخام من الصانع، فهذا العقد بهذه الصورة ليس بيعًا مطلقًا محضًا، ولا إجارة محضة، ولا سلمًا، وإنما هو عقد مستقل، له شروطه الخاصة.
فالعقد: يقوم على تحويل مواد خام عن طريق العمل، وتحويلها إلى عين، تلك العين بعد الاستصناع هي المعقود عليها، وليس المواد الخام، والعمل في العين ليس معقودًا عليه، وإنما هو شرط في البيع، فما لم يشترط فيها العمل لا يكون استصناعًا، فكان مأخذ الاسم دليلًا عليه، ولأن العقد على مبيع في الذمة يسمى سلمًا، وهذا العقد يسمى استصناعًا، واختلاف الأسامي دليل اختلاف المعاني في الأصل (١).
وقد أشكل على بعض الباحثين كون الحنفية تساءلوا في عقد الاستصناع: هل المعقود عليه العين، أم العمل؟ وقد رجحوا أن المعقود عليه: هو العين، وليس العمل، ووجه الإشكال: إذا كان المستصنع معدومًا، فهو ليس عينًا؛ لأن العين: هو المعين، وهو ما يمكن الإشارة إليه، ويكون له ذات، وحيز من الفراغ، كهذا الكرسي، والبيت، والحصان، بينما العين المستصنعة تعلقها
стр. 3537
بالذمة؛ لكونها ليست موجودة، ولم يتعلق الحق بشيء بعينه، وما كان متعلقًا بالذمة فهو دين، وليس عينًا.
ولذلك لو استصنع النجار الشكل المطلوب، وباعه على آخر لم يمنع ذلك مانع؛ لأن حق المستصنع متعلق بذمة الصانع، وليس في عين المصنوع.
جاء في العناية: «لو باعه الصانع قبل أن يراه المستصنع جاز .. » (١).
وقال السرخسي: «وإن باعه الصانع قبل أن يراه المستصنع، فبيعه جائز؛ لأنه باع ملك نفسه، فالعقد لا يتعين في هذا المصنوع قبل أن يراه المستصنع .. » (٢).
والحق أن هذا الإشكال قائم إلا إذا فهمنا مراد الحنفية بالعين في عقد الاستصناع، فقد يزول الإشكال.
قال السرخسي: «والأصح أن المعقود عليه المستصنع فيه - يعني العين- وذكر الصنعة (العمل) لبيان الوصف ... » (٣).
وجاء في فتح القدير: «المعقود عليه العين دون العمل» (٤).
فالمراد: بالعين عندهم باعتبار ما سيكون، والذي حملهم على هذا: أن كلًا من العمل والعين متعلقان بالذمة، فحتى يبينوا أن المعقود عليه هو العين بعد الاستصناع، وأن العقد عقد بيع، وليس المعقود عليه هو العمل، فيكون العقد عقد إجارة أطلقوا كلمة (عين) على أمر متعلق بالذمة، وهو اصطلاح خاص.
стр. 3538
ولذلك يقول ابن عابدين عن عقد الاستصناع: «بيع عين موصوفة في الذمة، لا بيع عمل، أي لا إجارة على العمل .. » (١).
فقوله: عين موصوفة في الذمة، هذا يفصح عن الموضوع، وأن المراد بالعين: ليس ما يقابل الدين، وإنما المراد بالعين ما يقابل العمل (المنفعة)، وأن المقصود بالعين ليس هي مواد الخام، وإنما عين سوف تتشكل بعد الاستصناع، والله أعلم.
وهذا ما نص عليه قرار مجمع الفقه الإسلامي، حيث جاء فيه:
«عقد الاستصناع عقد وارد على العمل والعين في الذمة، ملزم للطرفين إذا توفرت فيه الأركان، والشروط ... الخ» (٢).
فلو كان المقصود بالعين: المعين لم يكن قوله (في الذمة) مناسبًا؛ لأن ما كان في الذمة لا يكون إلا دينًا، والدين يكون في مقابل العين، والله أعلم.
* * *
стр. 3539
المبحث الرابع
الإستصناع عقد لازم أم جائز
[م-٧٥٥] يعتبر عقد الاستصناع قبل الصنع عقدًا غير لازم في مذهب الحنفية، فالصانع والمستصنع لهما حق الرجوع.
وأما بعد إتمام العمل، ورؤية المشتري له:
فذهب أبو حنيفة إلى أنه يسقط خيار الصانع، ويبقى الخيار للمستصنع باعتبار أنه مشتر لما لم يره.
وذهب أبو يوسف إلى أنه إذا أتم الصانع صنع الشيء، وأحضره للمستصنع موافقًا للمواصفات، فليس لأحد منهما خيار، بل يلزم الصانع بتسليمه، ويلزم المستصنع بقبوله.
وعلل ذلك أبو يوسف: أن الصانع لما أتى به موافقًا تعين حق المستصنع فيه بعينه، بعد أن كان حقه متعلقًا بذمة الصانع، فلم يبق له خيار.
وقيل: إن الاستصناع إذا انعقد صحيحًا كان لازمًا منذ انعقاده، وهذا ما اختارته مجلة الأحكام العدلية.
جاء في المادة (٣٩٢): «إذا انعقد الاستصناع، فليس لأحد العاقدين الرجوع عنه، وإذا لم يكن المصنوع على الأوصاف المطلوبة المبينة، كان المستصنع مخيرًا» (١).
وكنت أرى أن هذا القول ليس له مستند من مذهب الحنفية بناء على ... ما نقله الكاساني، وابن عابدين من مذهب أبي يوسف، ونص عليه فضيلة الشيخ
стр. 3540
مصطفى الزرقاء ﵀ حتى أوقفت على كلام لبرهان الدين ابن مازة ذكره في كتابه المحيط البرهاني، وفيه ما يدل على أن أبا يوسف قد رجع عن قوله إلى القول باللزوم من انعقاد العقد، وهذا نصه:
«قلنا: الروايات في لزوم الاستصناع وعدم اللزوم مختلفة» ثم ذكر الروايات، وقال: «ثم رجع أبو يوسف عن هذا، وقال: لا خيار لواحد منهما، بل يجبر الصانع على العمل، ويجبر المستصنع على القبول.
وجه ما روي عن أبي يوسف، أنه يجبر كل واحد منهما:
أما الصانع فلأنه ضمن العمل، فيجبر عليه، وأما المستصنع فلأنه لو لم يجبر على القبول يتضرر به الصانع؛ لأنه عسى لا يشتريه غيره منه أصلًا، أو لا يشتري بذلك القدر من الثمن، فيجبر على القبول دفعًا للضرر عن البائع ... » (١).
وبهذا نعرف خطأ ابن عابدين ﵀ حين يقول: «ولكل منهما الامتناع عن العمل قبل العمل بالاتفاق» (٢).
وعليه أيضًا يمكننا أن نقول: إن مجلة الأحكام العدلية قد أخذت بهذه الرواية عن أبي يوسف، وهي تخالف ما ذكره ابن عابدين في رأي أبي يوسف، والله أعلم.
وبهذه الأجوبة عن المسائل الأربع نكون قد انتهينا - ولله الحمد والمنة - من توصيف عقد الاستصناع، واتضح لنا، هل هو عقد، أو وعد، وهل هو عقد لازم، أو غير لازم، وهل هو بيع أو إجارة، وما الفرق بينه وبين عقد السلم، وننتقل في المبحث التالي للحديث عن حكم عقد الاستصناع.
* * *
стр. 3541
الفصل الثاني
خلاف الفقهاء في عقد الإستصناع
[م-٧٥٦] اختلف العلماء في عقد الاستصناع.
فذهب جمهور الحنفية إلى القول بجوازه، ولم يخالف في ذلك إلا زفر (١).
وقيل: لا يجوز إلا بشروط السلم، وهذا مذهب الجمهور (٢)،
وهذا ذهاب منهم إلى عدم الجواز بالصيغة التي يجيزها الحنفية.
стр. 3542
ويمكن لي بإيجاز أن أبين أن الجمهور لا يوافقون الحنفية بالقول بعقد الاستصناع ليس من جهة الاسم، وإنما من جهة المعنى، فمثلًا:
ــ يجيز الحنفية أن يكون الثمن مؤجلًا كله أو بعضه في عقد الاستصناع، وبالتالي يكون العقد: بيع دين بدين، وفي السلم يشترط الجميع بما فيهم الحنفية تقديم الثمن، وهذا فرق جوهري جدًا.
ــ العقد في السلم عقد لازم، إذا توفرت شروطه، والعقد في الاستصناع عقد غير لازم قبل إتمام العمل، وإذا تم العمل كان عقدًا غير لازم في حق المستصنع، ولازمًا في حق الصانع بحسب رأي أبي حنيفة، لأن المشتري اشترى ما لم يره، فكان له الخيار.
стр. 3543
وقيل: إذا تم العمل يكون عقدًا لازمًا حتى في حق المستصنع بشرط أن يكون مطابقًا للمواصفات، وهذا القول القديم من قولي أبي يوسف.
وقيل: الاستصناع عقد لازم من العقد، وهو ما رجع إليه أبو يوسف، واختارته مجلة الأحكام العدلية، وبناء عليه لا يكون بينه وبين السلم فرق في هذه الجزئية، وهذا ما اختاره مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وسيأتي نص قراره إن شاء الله في نهاية البحث.
ــ الاستصناع لا يكون في الثمار والبقول والفواكه واللحوم وسائر الحبوب. فلا يجري الاستصناع إلا فيما تدخله الصنعة، بينما يدخل السلم في المنتوجات الزراعية مما سبق ذكره، ويدخل السلم في المصنوعات مما ينضبط بالصفة.
إلا أن المنتوجات الطبيعية اليوم أصبح بعضها يحفظ معلبًا، وبعضها يحفظ مجمدًا، وتغلف إما في علب أو أكياس بلاستيكية، فربما يقول قائل: إنها إذا دخلتها الصنعة جاز أن تدخل في عقد الاستصناع، والله أعلم.
دليل الحنفية على جواز عقد الاستصناع:
الدليل الأول:
(ح-٥٤١) ما رواه البخاري من طريق جويرية، عن نافع.
أن عبد الله حدثه، أن النبي ﷺ اصطنع خاتمًا من ذهب، فجعل فصه في بطن كفه إذا لبسه .... الحديث (١).
وجه الاستدلال:
قال ابن الأثير: «اصطنع رسول الله ﷺ خاتمًا من ذهب، أي أمر أن يصنع
стр. 3544
له، كما تقول: اكتتب، أي أمر أن يكتب له .... » (١).
وله شاهد من حديث أنس عند البخاري، بلفظ: (أنه رأى في يد رسول الله ﷺ خاتمًا من ورق يومًا، ثم إن الناس اصطنعوا الخواتيم من ورق فلبسوها) (٢).
ويناقش:
هذا الدليل يتطرق إليه احتمال، وهو أن يكون الرسول ﷺ قد دفع ثمنه مقدمًا، فيكون سلمًا، والسلم جائز عند الجميع، والاحتمال إذا ورد على الدليل لم يكن حجة، خاصة أن من هديه ﷺ النهي عن بيع الدين بالدين، وابتداء الدين بالدين قد نقل الإجماع على منعه كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
ويجاب:
بأن تقديم الثمن لو كان شرطًا لصحة العقد لبينه النبي ﷺ ، ولو دفع النبي ﷺ ثمن الخاتم مقدمًا لنقل ذلك إلينا باعتبار أن حفظ ذلك من حفظ الشريعة، والتي تعهد الله بحفظها، فلما لم ينقل علم أنه ليس بشرط.
الدليل الثاني:
(ح-٥٤٢) ما رواه البخاري من طريق أبي حازم بن دينار،
أن رجالًا أتوا سهل بن سعد الساعدي، وقد امتروا في المنبر، مم عوده؟ فسألوه عن ذلك، فقال: والله إني لأعرف مما هو، ولقد رأيته أول يوم وضع، وأول يوم جلس عليه رسول الله ﷺ . أرسل رسول الله ﷺ إلى فلانة امرأة قد سماها سهل: مري غلامك النجار أن يعمل لي أعوادًا أجلس عليهن إذا كلمت الناس، فأمرته،
стр. 3545
فعملها من طرفاء الغابة، ثم جاء بها، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ ، فأمر بها فوضعت هاهنا ... الحديث (١).
الدليل الثالث:
استدل الحنفية بالإجماع العملي على جوازه، وعندي أن هذا الدليل من أقوى الأدلة على الجواز، فإن المسلمين اليوم حتى أولئك الذين يصرحون بعدم جواز عقد الاستصناع هم يمارسونه عمليًا في حياتهم، فيذهب الواحد منهم إلى الخياط، ويقاوله على خياطة ثوب، ويكون الثوب والعمل من لدن الخياط، ويذهب الرجل اليوم، فيقاول على أرضه ليبني له بيتًا، على أن المواد من المقاول، وهو ما يسمى في عصرنا اليوم بتسليم المفتاح، ويذهب الرجل إلى أصحاب المجالس والستائر، فيقاوله على أن يصنع له مجلسًا أو أكثر، وتكون المواد من المحل نفسه، ويذهب إلى الحذاء، ليصنع له حذاء، وهكذا تجد المعاملة منتشرة على مستوى الدول، والشركات والأفراد يمارس عقد الاستصناع يوميًا من غير نكير.
قال الكاساني: «ويجوز ـ يعني الاستصناع ـ استحسانًا لإجماع الناس على ذلك؛ لأنهم يعملون ذلك في سائر الأعصار من غير نكير ... » (٢).
وقال ابن نجيم: «دليله - يعني على جواز الاستصناع - وهو الإجماع العملي» (٣).
وقال الزيلعي: «وأما الاستصناع فللإجماع الثابت بالتعامل من لدن النبي ﷺ إلى يومنا هذا، وهذا من أقوى الحجج» (٤).
стр. 3546
وكذا نقل الإجماع العملي على جوازه السرخسي في المبسوط (١).
قال الزرقاء: «وقد أشرنا سابقًا إلى أن الحنفية يدعون الإجماع على جوازه للحاجة، ودعوى الحاجة مستفيضة في كتب المذهب الأساسية: المبسوط للسرخسي، والبدائع للكاساني، والهداية للمرغياني، وسواها، وقد تبدو هذه الدعوى غريبة، فأي إجماع مع أن مذاهب عديدة منها: الشافعي، والحنبلي لا تجيزه إلا بشروط السلم كاملة؟
ولكن الإجماع الذي يستند إليه الحنفية صحيح، ولا تتنافى مع هذا الخلاف بين المذاهب في جواز الاستصناع، فإن الإجماع الذي يدعيه الحنفية هو الإجماع العملي، فهم يقولون: إن العمل بالاستصناع فيما يحتاج إليه متعارف، ومستمر من عصر الرسول ﷺ دون نكير» (٢).
الدليل الثالث:
قال الكاساني: «الحاجة تدعو إليه; لأن الإنسان قد يحتاج إلى خف أو نعل من جنس مخصوص ونوع مخصوص على قدر مخصوص، وصفة مخصوصة وقلما يتفق وجوده مصنوعًا; فيحتاج إلى أن يستصنع فلو لم يجز; لوقع الناس في الحرج» (٣).
الدليل الرابع:
عقد الاستصناع فيه معنى عقدين جائزين، وهما السلم والإجارة، وذلك أن
стр. 3547
السلم عقد على مبيع في الذمة، واستئجار الصناع يشترط فيه العمل، وما اشتمل على معنى عقدين جائزين كان جائزًا (١).
دليل من قال: بالمنع:
الدليل الأول:
عقد الاستصناع يشتمل على تأجيل البدلين: المبيع والثمن، وهذا يعني: أنه بيع دين بدين ابتداء، وهذا مجمع على منعه.
قال ابن قدامة في المغني «قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن بيع الدين بالدين لا يجوز، وقال أحمد: إنما هو إجماع .. » (٢).
فلو كان عقد الاستصناع صحيحًا لكان اشتراط تعجيل الثمن في السلم ليس بلازم، وهو مجمع عليه والشريعة لا يمكن أن تفرق بين متماثلين، ولا تجمع بين متفرقين، والنظير يجب أن يأخذ حكم النظير، والاستصناع فيه شبه جدًا بالسلم، اللهم إلا أن السلم غالبًا في المطعومات، وهذا في المصنوعات، وهو ليس بالفارق الجوهري الذي يختلف معه الحكم.
ويناقش:
إذا كان الاعتراض على عقد الاستصناع إنما هو لعدم تقديم الثمن؛ لأنه بيع دين بدين، فالجواب على هذا من وجهين:
الوجه الأول:
أن عقد الاستصناع مركب من عقدين: بيع وإجارة.
стр. 3548
والإجارة إذا كانت في الذمة لا يجب تسليم أجرة العامل حتى يتم تسلمه على الصحيح، ولم يمنع ذلك من صحة العقد، وعقد الاستصناع فيه شبه بالإجارة حيث يتضمن العقد عمل الصانع مضافًا إليه العين المصنوعة، ولهذا جاز فيه الدين بالدين، وبه يفارق عقد الاستصناع عقد السلم، والله أعلم (١).
الوجه الثاني:
أن تأجيل الثمن اليوم قد يعد ضرورة؛ لحماية الأموال، فعقد الاستصناع لم يعد يتعلق بسيف يصنعه الحداد، أو سرج، أو باب يصنعه النجار، وإنما يتعلق اليوم بمصانع ضخمة مبالغها تتجاوز الملايين إن لم نقل البلايين من الدولارات، كما في صناعة الطائرات، والسفن الفضائية، والبحرية، والقطارات، والمطارات، والأبراج السكنية، وصناعة السلاح المتقدم، ومولدات الطاقة، ومصانع التكرير ونحوها، وهذه المصانع والمعدات لا يمكن أن يوقف على صلاحيتها إلا بعد إنتاجها، وهل كانت على وفق الشروط، أو مخالفة لما هو مطلوب، فكيف يجبر المستصنع على دفع الثمن كاملًا، مع احتمال أن يكون المنتج ليس مطابقًا للمواصفات، وقد يتعرض المنتج للغش والتزوير، وقد تكون الشركات وهمية، فإذا دفع المبلغ كاملًا ذهب المال هدرًا، وهذه المبالغ إن دفعت مقدمًا قد تؤذي ليس بنكًا واحدًا، وإنما عدة بنوك، وقد تتسبب في خسارات جسيمة، إن لم تكن سببًا في الإفلاس، وقد يخضع الأمر إلى المرافعات الشرعية والمحاكمات التي تأخذ وقتًا طويلًا، تعطل فيها
стр. 3549
المصالح، وتهدر فيها الأوقات، وتنفق عليها الأموال، مع ما فيها من حرج ومشقة، فإذا علم المستصنع أن ثمن صناعته يتوقف على التزامه بالعقد، ومدى مطابقته للمواصفات، والتزامه بتنفيذ العقد في حينه، كان أحرص من المستصنع على إتقان صنعته، ولهذا كان من المصلحة عدم تسليم كامل الثمن للمستصنع، ويستطيع المستصنع أن يطلب تعهدًا بنكيًا يحفظ حقه من الضياع، بعد الفراغ من الاستصناع، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(ح-٥٤٣) ما رواه أحمد من طريق أبي بشر، عن يوسف بن ماهك،
عن حكيم بن حزام، قال: قلت يا رسول الله يأتيني الرجل يسألني البيع ليس عندي ما أبيعه، ثم أبيعه من السوق؟ فقال: لا تبع ما ليس عندك.
[المحفوظ في إسناده أن النبي ﷺ نهى عن بيع الطعام حتى يستوفى] (١).
وجه الاستدلال:
أن الرجل في عقد الاستصناع يبيع شيئًا لم يصنع بعد، وقد تكون مواده الخام ليست عند البائع، فيذهب، ويبحث عنها، وقد يجدها في السوق، وقد لا يجدها، وكل هذا يدل على أن عقد الاستصناع ينطبق عليه أنه بيع ما ليس عند الإنسان، وهو منهي عنه.
ويناقش:
بأن الممنوع في بيع ما ليس عند الإنسان، هو بيع الأعيان التي ليست للبائع، وأما بيع شيء موصوف في الذمة، فلا حرج في ذلك، ولذلك جاز بيع السلم،
стр. 3550
وهو ينطبق عليه أنه بيع ما ليس عند الإنسان، بل ربما لم يخلق بعد، وقد سبق لنا كلام أهل العلم في حديث حكيم، ونقلنا الخلاف في معناه، ورجحنا كلام الشافعي ﵀، وأن المقصود منه النهي عن بيع شيء معين، والله أعلم.
الدليل الثالث:
أن عقد الاستصناع يدخل في بيع المعدوم، وهو منهي عنه للغرر في حصوله، والنهي عن بيع الغرر ثابت في السنة من حديث أبي هريرة.
قال النووي: «وأما النهي عن بيع الغرر، فهو أصل عظيم من أصول كتاب البيوع .... ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة، كبيع الآبق والمعدوم والمجهول ... » (١).
وإذا كان بيع الموجود غير المملوك لا يجوز، فمن باب أولى لا يجوز بيع المعدوم؛ لأنه غير مملوك حتمًا.
ويناقش:
بأننا نسلم أن المعدوم الذي فيه غرر لا يجوز بيعه، ولكن ليس كل معدوم يخفى علينا عاقبته، لأن من المعدوم ما لا غرر في بيعه، ولا تخفى علينا عاقبته، كما في بيع الأشياء المعدومة وقت العقد، ولكنها متحققة الوجود في المستقبل بحسب العادة، كما في السلم والاستصناع، وبيع الأشياء المتلاحقة الوجود (٢).
وأما قياسكم بيع المعدوم على بيع الموجود غير المملوك فقياس مع الفارق،
فإن في بيع غير المملوك تعديًا على صاحبه المالك، ومن شروط
стр. 3551
البيع أن يكون صادرًا من مالك أو من يقوم مقامه، فهناك فرق كبير بين بيع ما لا يملكه الإنسان، ولا هو قادر على تسليمه، وبين بيع معدوم موصوف في ذمته، قادر في العادة على تسليمه في وقته، فالمعدوم إذا كان غير مقدور على تسليمه لم يجز بيعه كذلك، وأما إذا كان قادرًا على تسليمه جاز بيعه، ولا إشكال فيه.
الراجح من أقوال أهل العلم:
بعد استعراض أدلة الفريقين أجد أن مذهب الحنفية هو القول الراجح، إذا أخذنا بمذهب المجلة، وهو أن عقد الاستصناع عقد لازم من العقد، يضاف إليه أن ذكر الأجل فيه لازم قطعًا للنزاع، وهذا ما ذهب إليه مجمع الفقه الإسلامي، فقد صدر قرار من مجمع الفقه الإسلامي بجواز عقد الاستصناع، وهذا نصه:
قرار رقم: ٦٧/ ٣/٧: «إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السابع بجدة في المملكة العربية السعودية من ٧ إلى ١٢ ذو القعدة ١٤١٢ هـ الموافق ٩ - ١٤ مايو ١٩٩٢ م.
بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: (عقد الاستصناع).
وبعد استماعه للمناقشات التي دارت حوله، ومراعاة لمقاصد الشريعة في مصالح العباد والقواعد الفقهية في العقود والتصرفات، ونظرًا لأن عقد الاستصناع له دور كبير في تنشيط الصناعة، وفي فتح مجالات واسعة للتمويل والنهوض بالاقتصاد الإسلامى، قرر:
١ - إن عقد الاستصناع - وهو عقد وارد على العمل والعين في الذمة - ملزم للطرفين إذا توفرت فيه الأركان والشروط.
стр. 3552
٢ - يشترط في عقد الاستصناع ما يلي:
(أ) بيان جنس المستصنع، ونوعه، وقدره، وأوصافه المطلوبة.
(ب) أن يحدد فيه الأجل.
٣ - يجوز في عقد الاستصناع تأجيل الثمن كله، أو تقسيطه إلى أقساط معلومة لآجال محددة.
٤ - يجوز أن يتضمن عقد الاستصناع شرطًا جزائيًا بمقتضى ما اتفق عليه العاقدان، ما لم تكن هناك ظروف قاهرة. والله أعلم.
ومن خلال عقد الاستصناع تستطيع مراكز المال في السوق الإسلامية أن تؤدي دورها في تنشيط الصناعة، والزارعة، والحرف، كما يجوز للمصارف الإسلامية، والتي تتعاقد مع عميل ما لبناء مساكن، أو إقامة مصانع، أو توريد بضائع، حسب الشروط الموجودة بين الطرفين بالضوابط الشرعية، أن تقوم بعقد استصناع مواز، وذلك بالتقاول مع مقاول آخر بنفس الشروط السابقة على تنفيذ العقد، بسعر أقل، ويكون ربحها مقدار الفرق بين العقدين، والله أعلم.
* * *
стр. 3553
الفصل الثالث
في شروط عقد الإستصناع
الشرط الأول
ذكر الجنس والنوع والقدر
[م-٧٥٧] هذا الشرط يرجع إلى اشتراط كون المبيع معلومًا، وهو شرط في كل مبيع، وليس خاصًا في عقد الاستصناع.
جاء في درر الحكام: «يلزم في الاستصناع وصف المصنوع وصفًا يمنع حدوث أي نزاع لجهالة شيء من أوصافه، وتعريفه تعريفًا يتضح به جنسه ونوعه على الوجه المطلوب، ولما كان المصنوع بيعًا ... كان من اللازم العلم به تماما» (١).
وقال الكاساني: «وأما شرائط جوازه، فمنها: بيان جنس المصنوع، ونوعه، وقدره، وصفته؛ لأنه لا يصير معلومًا بدونه» (٢).
* * *
стр. 3554
الشرط الثاني
أن يكون مما يجري فيه التعامل بين الناس
[م-٧٥٨] اشترط الحنفية أن يكون عقد الاستصناع في الأمور التي يجري فيها التعامل بين الناس، وهذا الشرط محل اتفاق بينهم.
وعللوا ذلك: بأن جوازه كان على خلاف القياس، وإنما ثبت جوازه بتعامل الناس فيه، فيختص حكمه بما لهم فيه تعامل، وأما ما لا تعامل لهم فيه فيبقى على وفق القياس، وهو المنع إلا بصورة السلم وشروطه، والله أعلم.
قال الكاساني في بدائع الصنائع: «وأما شرائط جوازه .... منها: أن يكون ما للناس فيه تعامل كالقلنسوة والخف .... لأن جوازه - مع أن القياس يأباه- ثبت بتعامل الناس، فيختص بما لهم فيه تعامل، ويبقى الأمر فيها وراء ذلك موكولًا إلى القياس» (١).
وجاء في درر الحكام «يلزم أن يكون الاستصناع في الأشياء المتعامل فيها، أما التي لم يجر التعامل فيها، فالعقد فيها فاسد ... » (٢).
وجاء في الهداية: «بخلاف ما لا تعامل فيه؛ لأنه استصناع فاسد، فيحمل على السلم الصحيح» (٣).
وإذا كان مرد ذلك إلى تعامل الناس، فإن تعامل الناس يختلف من عصر إلى
стр. 3555
عصر، ومن بلد إلى آخر، وإذا كان الحنفية يمنعون الاستصناع في الثياب في عصرهم، فإنه لا يمكن أن يمنع من ذلك في عصرنا، لجريان التعامل بين الناس في عصرنا على الذهاب إلى الخياط، وتحديد القماش، ثم يقوم البائع بخياطة القماش إلى ثوب، أو إلى غيره مما يلبس، وهكذا إذا تعامل الناس فيما لم يجر فيه التعامل من قبل، أمكن أن يجري فيه عقد الاستصناع، والله أعلم، وهذا لا إشكال فيه بحسب مذهب الحنفية، والذين وضعوا هذا الشرط، وهو أن يجري الاستصناع بما جرى فيه التعامل بين الناس.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه، كيف نفتح أمام الاستصناع هذا الباب الواسع في كل ما تدخله الصنعة، فإننا بهذا التوسع نكون قد خالفنا المذاهب الأربعة جميعًا: الثلاثة الذين لم يقبلوا عقد الاستصناع من الأصل إلا إذا توفرت فيه شروط السلم، وفي مقدمها: تعجيل الثمن، والحنفية الذين لم يجيزوه مستقلًا عن السلم إلا بشرط أن يجري فيما تعارف الناس على التعامل فيه؛ لأن العمل فيه من لدن الناس جعله مستثنى من الأصل، فما لم يتعارف الناس على التعامل فيه، لا يصح فيه الاستصناع، تمسكًا بالأصل، وهو عدم جواز بيع المعدوم، ومن ثم قيدوا القول بالجواز بالمتعارف؟
قال الشيخ مصطفى الزرقاء:
«هذه ملاحظة واردة بالنظر الفقهي، وتحتاج إلى جواب.
ويبدو لنا في الجواب: أن تنوع الحاجات، والصناعات، واختلاف الأشكال، والأوصاف، والخصائص في أصناف النوع الواحد، إلى درجة كبيرة مما تفتقت عنه أذهان المخترعين في عصر الانفجار الصناعي هذا، قد أدى إلى أن يصبح طريق الاستصناع متعارفًا عليه في كل ما يصنع بوجه عام» (١).
стр. 3556
وعندي أن هذا الجواب لا يشفي الصدر، والجواب أن يقال: الأصل في المصانع اليوم أنها لا تقوم بصناعة شيء بناء على حاجة خاصة، أو على طلب مجموعة من الأفراد؛ لأن آلية المصانع إنما تقوم على أساس حاجة السوق إلى هذه الصناعة، فما لم تكن صناعته مربحة ومطلوبة بشكل واسع، فإن المصانع لا تتجه إلى العمل فيها؛ لأن بناء المصانع مكلف جدًا، فإذا علم أن هناك طلبًا كبيرًا على تلك الصناعة، فإن هذا يعني: أن التعامل فيها يجري بشكل واسع، ومتعارف عليه، وبهذا يتحقق شرط الجواز عند الحنفية، والله أعلم.
* * *
стр. 3557
الشرط الثالث
في ذكر الأجل فيه
[م-٧٥٩] يذهب الجمهور إلى اشتراط الأجل في السلم، لقوله ﷺ : (من أسلف فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم) (١).
فهل يشترط الأجل في عقد الاستصناع، باعتبار أنه عقد على مبيع موصوف في الذمة، يتطلب وقتًا؛ ليتمكن الصانع من صناعته، وتجهيزه، ومن ثم تسليمه؟
فهل يحتاج إلى اشتراط أن يذكر فيه أجل معلوم، بحيث لو لم يذكر الأجل أدى ذلك إلى الجهالة المفسدة للعقد، لعدم العلم بوقت التسليم، أو لا يشترط أن ينص فيه على الأجل ومدته؟
وللجواب على هذا يمكن أن يقال: إن كان الاستصناع مما لم يجر فيه التعامل فهو سلم قولًا واحدًا، يحتاج إلى ذكر الأجل، وتسليم الثمن في مجلس العقد، والعقد فيه لازم، ويحتاج إلى ذكر جنسه، ونوعه وصفته، وقدره، وكل ما يؤدي إلى ضبطه كما هو الحال في شروط السلم (٢).
وإن كان المتعاقدان قد ذكرا الأجل، وكان المستصنع مما يجري فيه التعامل،
فيرى أبو حنفية أنه لا يصح استصناعًا، وإنما يصح سلمًا، فيعتبر فيه شرائط السلم، وهو تقديم الثمن في المجلس، ولزوم العقد الخ ما ذكرناه من شروط السلم (٣).
стр. 3558
وخالفه أبو يوسف ومحمد، وقالوا: هو استصناع، سواء ذكر فيه الأجل، أم لم يذكر (١).
стр. 3559
وجه قول أبي حنيفة:
الوجه الأول:
أن الأجل لا يثبت إلا في الديون، فلما ذكر فيه الأجل عرفنا أنه من قبيل بيع الدين، وبيع الدين لا يكون إلا سلمًا، وإن لم يذكر السلم صراحة، فالعبرة في العقود بالمعاني دون الألفاظ، ألا ترى أن الكفالة بشرط براءة الأصيل حوالة معنى، وإن لم يأت بلفظ الحوالة، كما أن البيع ينعقد بلفظ التمليك، وكذا الإجارة والنكاح، فالعبرة في العقود بمعانيها، لا بألفاظها (١).
فإن قيل: كيف لا يكون الاستصناع دينًا، وهو عقد على موصوف في الذمة، فما تعلق بالذمة لا يكون عينًا، وإنما يكون دينًا.
قيل: المقصود بالدين ما كشف عنه الكاساني، وهو كون العقد لازمًا.
قال في بدائع الصنائع: «ولأن التأجيل يختص بالديون; لأنه وضع لتأخير المطالبة، وتأخير المطالبة إنما يكون في عقد فيه مطالبة وليس ذلك إلا للسلم; إذ لا دين في الاستصناع، ألا ترى أن لكل واحد منهما خيار الامتناع من العمل قبل العمل بالاتفاق؟» (٢).
فعلل عدم وجود الدين في الاستصناع؛ لأن لكل واحد منهما خيار الامتناع قبل العمل بالاتفاق.
الوجه الثاني:
إذا ذكر الأجل في عقد الاستصناع، كان العقد محتملًا للسلم، ومحتملًا
стр. 3560
للاستصناع، وحمله على السلم مع الشك أولى؛ لأن جواز السلم ثابت بالسنة والإجماع بخلاف الاستصناع، فإن هناك من ينازع فيه (١).
وجه قول محمد وأبي يوسف:
الوجه الأول:
أن العادة جارية بضرب الأجل في الاستصناع، وإنما يقصد به تعجيل العمل، لا تأخير المطالبة ; فلا يخرج به عن كونه استصناعا (٢).
الوجه الثاني:
قد يقصد بضرب الأجل تأخير المطالبة وقد يقصد به تعجيل العمل; فلا يخرج العقد عن موضوعه مع الشك والاحتمال بخلاف ما لا يحتمل الاستصناع; لأن ما لا يحتمل الاستصناع لا يقصد بضرب الأجل فيه تعجيل العمل; فتعين أن يكون لتأخير المطالبة بالدين وذلك بالسلم (٣).
الوجه الثالث:
لو كان الاستصناع بذكر الأجل يحوله سلمًا، لصار السلم بحذف الأجل منه يصيره استصناعًا، ولو كان هذا الاستصناع سلمًا، لكان سلمًا فاسدًا؛ لأنه يشترط فيه صنعة صانع بعينه، وذلك مفسد للسلم (٤).
الراجح:
الذي فهمت من خلاف الحنفية أنهم يتفقون على أن ذكر الأجل غير لازم،
стр. 3561
في عقد الاستصناع، ويختلفون في حال ذُكِر الأجل، هل يتحول إلى عقد سلم، أو يبقى استصناعًا؟ والذي أميل إليه أن ذكر الأجل لازم في العقد، وهو ما ذهب إليه مجمع الفقه الإسلامي في قراره، حيث يقول:
«يشترط في عقد الاستصناع ما يلي:
(أ) بيان جنس المستصنع ونوعه وقدره وأوصافه المطلوبة.
(ب) أن يحدد فيه الأجل ... » الخ ما ذكروا من الشروط، وسوف نسوق قرارهم كاملًا في فصل لاحق إن شاء الله تعالى.
وإذا كان الخوف من ذكر الأجل: أنه يحوله إلى عقد لازم، ولا يكون لهما خيار الامتناع قبل الشروع في العمل، فإن ذلك الخوف لا مبرر له، إذا رجحنا أن عقد الاستصناع من الأصل عقد لازم من حين العقد، كما رجع إلى ذلك أبو يوسف، وكما مشت عليه مجلة الأحكام العدلية، والقول بأن الأجل يصيره إلى نوع من بيع الديون، فإنه كذلك - أعني أنه من قبيل بيع الدين - سواء ذكر الأجل، أو لم يذكر، ما دام أنه متعلق بالذمة، لأن الدين كما يكون مؤجلًا، يكون حالًا، وليس من لازم الدين أن يكون مؤجلًا، فإن حلوله أو تأجيله لا ينفي أنه دين، والقول بالأجل لا بد من الذهاب إليه، إذا عرفنا أن سوق الصناعة اليوم لا يمكن أن يقوم على القول بالخيار؛ لأن ذلك يضر بالصناع، فقد ينفقون أموالهم على الصناعة، ثم يرجع المستصنع، وقد لا يشتري السلعة أحد بناء على أن المواصفات التي طلبها الصانع هي طلبات خاصة، لا تناسب غالب الناس.
ولا يلزم من كونه دينًا أن يكون سلمًا؛ لأن السلم عقد بيع محض، والاستصناع عقد مركب من إجارة وبيع، وهذا ما أخرجه عن عقد السلم، وليس ذكر الأجل، والله أعلم.
* * *
стр. 3562
عقد المقاولة
تمهيد
المبحث الأول
في تعريف المقاولة
تعريف المقاولة اصطلاحًا (١):
لم يكن عقد المقاولة معروفًا بهذا الاصطلاح عند الفقهاء المتقدمين، حتى ولا معروفًا في القوانين كالقانون الفرنسي، والقانون المدني المصري القديم، فكانت أعمال المقاولات تندرج تحت عقد إجارة الأشخاص حتى جاء القانون المدني المصري الجديد لسنة ١٩٤٨ م ففصل عقد المقاولة عن عقدين آخرين: هما عقد الإيجار، وعقد العمل. وتأثرت بذلك أغلب القوانين العربية بهذه التسمية (٢).
стр. 3563
وقد عرفه مجمع الفقه الإسلامي بتعريفه القانوني بأنه: «عقد يتعهد أحد طرفيه بمقتضاه بأن يصنع شيئًا، أو يؤدي عملًا مقابل بدل يتعهد به الطرف الآخر ... سواء قدم المقاول العمل والمادة، وهو المسمى عند الفقهاء بالاستصناع، أو قدم المقاول العمل، وهو المسمى عند الفقهاء بالإجارة على العمل» (١).
التعريف المختار:
المقاولة: عقد يلتزم أحد الطرفين بمقتضاه بصنع شيء، أو أداء عمل لقاء عوض دون أن يكون تابعًا له، أو نائبًا عنه.
وهذا التعريف أضاف بعض القيود عن التعريف السابق، وهو أن المقاول ليس تابعًا لصاحب العمل، ولا نائبًا عنه، وقد أضاف هذا القيد القانون المدني الكويتي (٢).
فقولنا: (عقد) يخرج الوعد.
وقولنا: (أن يصنع شيئًا) إشارة إلى ما يوجبه عقد المقاولة، فهو يوجب: أحد أمرين:
الأول: التزام المقاول بصناعة شيء، كالأثاث المنزلي مثلًا، وهذا هو ما يسمى في الفقه الإسلامي بعقد الاستصناع.
الثاني: أداء العمل بإدارة المقاول، وهو ما يسمى بالفقه الإسلامي: الأجير المشترك.
стр. 3564
وهو الذي يعمل لعامة الناس، كالصباغ والحداد، وليس لمن استأجره أن يمنعه عن العمل لغيره، فهو يعمل بإدارته مستقلًا عن صاحب العمل، وليس تابعًا له.
وقولنا (دون أن يكون تابعًا له أو نائبًا عنه) فالمقاول لا يخضع لإدارة صاحب العمل، وإشرافه، بل يعمل مستقلًا طبقًا لشروط العقد المبرم بينهما، ومن ثم لا يعتبر المقاول تابعًا لصاحب العمل، ولا يكون صاحب العمل مسئولًا عن المقاول مسؤولية المتبوع عن التابع.
وبهذا نعرف أن عقد المقاولة أعم وأشمل من عقد الاستصناع في الفقه الإسلامي؛ لأن المقاولة تشمل صنع الأشياء، كما تشمل أداء الأعمال التي يستقل بها المقاول عن رب العمل، لذلك يشمل عقد المقاولة: التزام المرافق العامة، وعقود الأشغال العامة، وعقد النقل، وعقد النشر، وعقد التوريد، وعقد الإعلان، وعقود المهن الحرة، وعقد توريد النفط، والبحث عنه من خلال حفر الآبار، وكذلك توريد المياه والطاقة، والبحث عن مصادرها، وغيرها من التعهدات (١).
فعقد المقاولة ضم عقدين مختلفين في الفقه الإسلامي، وهما عقد الاستصناع، وأحكام الأجير المشترك، وضمهما إلى بعض في مسمى جديد، وهو عقد المقاولة، وأصبح عقد المقاولة شاملًا للعقدين السابقين الاستصناع والإجارة بصورة تستتبع الأخذ بهذا الاصطلاح الجديد تقريرًا للواقع، وتمشيًا مع العرف فيما لا يناقض آية قرآنية، أو سنة نبوية، مع إخضاع هذا العقد
стр. 3565
للأحكام الخاصة بعقد الاستصناع إذا كان من المقاول العمل والمواد معًا، أو بعقد الأجير المشترك إذا كان من المقاول العمل فقط (١).
* * *
стр. 3566
المبحث الثاني
في خصائص عقد المقاولة
[م-٧٦٠] يتصف عقد المقاولة بالخصائص التالية:
(١) - أنه عقد رضائي، يشترط لانعقاده الرضا.
(٢) - عقد المقاولة من عقود المعاوضات المالية.
فقولنا (معاوضات) أخرج عقود التبرعات.
وقولنا (مالية) أخرج النكاح، فإنه وإن كان من عقود المعاوضات إلا أن العوض فيه غير مالي.
وإنما كان عقد المقاولة من عقود المعاوضة؛ لأن كلًا من طرفيه يأخذ مقابلًا لما يعطي، فالمقاول يتعهد بتقديم العمل، وقد يتعهد بتقديم المواد أيضًا مقابل عوض يدفعه الطرف الآخر.
(٣) - عقد المقاولة يعتبر من العقود اللازمة.
(٤) - عقد المقاولة عقد يرد على العمل في القانون، على خلاف بين الفقهاء فيما إذا كان تعهد المقاول بتقديم العمل والمواد معًا، سيأتي تحريره إن شاء الله تعالى.
هذه تقريبًا أهم خصائص عقد المقاولة.
* * *
стр. 3567
الباب الأول
في حقيقة المقاولة
الفصل الأول
في التوصيف الفقهي لعقد المقاولة
[م-٧٦١] اختلف العلماء المعاصرون في توصيف عقد المقاولة على قولين:
القول الأول:
هناك من يرى أن عقد المقاولة من العقود المستحدثة بصرف النظر عن التزام المقاول، هل يلتزم بتقديم العمل والمواد معًا، أو يلتزم بتقديم العمل دون المواد، ولا بد من الاعتداد بمشروعيته إذا توفرت فيه الأركان والشروط المعتبرة لمسيس الحاجة إليه في هذا الزمان.
وكون عقد المقاولة يشبه الاستصناع، أو يشبه عقد الإيجار هذا شبه عارض لا يختلف في حقيقته عن ذلك الشبه الذي يجده المرء بين العقود القديمة ذاتها.
فعلى سبيل المثال من الوارد أن يجد المرء ثمة تشابهًا بين شركة العنان، وشركة المفاوضة باعتبار أن كل واحدة منهما تقوم على الخلط بين المالين بيد أنه من المعروف أن لكل واحدة منهما كيانها الخاص، وأنهما تختلفان في قضايا أخرى متصلة بحقيقتهما وجوهرهما مما يحتم عدم إلحاق إحداهما بالأخرى في الحكم.
فإذا أسقطنا عقد الاستصناع على عقد المقاولة كنا محكومين بالشروط التي وضعها الحنفية في عقد الاستصناع، من ذلك أن يجري العمل فيه بين الناس؛
стр. 3568
لأن عقد الاستصناع جرى على خلاف القياس عندهم، بينما هذا الشرط ليس قائمًا في عقد المقاولة، كما يرى جمهور الحنفية أن عقد الاستصناع عقد غير لازم قبل البدء بالعمل من الجانبين، وعقد المقاولة ليس كذلك. وهكذا ...
وإلى هذا القول ذهب الدكتور مصطفى سانو (١)، والدكتور محمد جبر الألفي (٢)، وفضيلة الشيخ محمد النجيمي (٣).
واستشهد النجيمي بكلام لابن القيم حيث يقول: «إن الفقهاء قد أتعبوا أنفسهم وأضاعوا أوقاتهم في أنهم يحاولون تخريج العقود المستحدثة على عقود قديمة، ولو اعتبروها عقودًا جديدة وبحثوها من هذا الجانب لكان في ذلك اختصار للأوقات وحفظ للأوراق» (٤).
стр. 3569
القول الثاني:
يقابله قول آخر يرى أن عقد المقاولة هو استبدال لعقد الاستصناع من كل الوجوه، وليس ثمة فرق بين المقاولة والاستصناع سوى الاسم. وقد ذهب إلى هذا مجموعة من الباحثين منهم الدكتور أحمد يوسف، والدكتور محمد رواس قلعجي (١).
يقول الدكتور محمد رواس قلعجي ما نصه: «ما يعرف اليوم بعقد المقاولة هو نفسه الذي كان يعرف في القديم عند الفقهاء بعقد الاستصناع» (٢).
وهذا الكلام مقبول حيث تكون المواد من الصانع، أما حيث تكون المواد من صاحب العمل فهي مقاولة وليست استصناعًا.
جاء في بدائع الصنائع: «فإن سلم حديدًا إلى حداد ليعمل له إناء معلومًا بأجر معلوم، أو جلدًا إلى خفاف ليعمل له خفًا معلومًا بأجر معلوم، فذلك جائز، ولا خيار فيه؛ لأن هذا ليس باستصناع، بل هو استئجار» (٣).
القول الثالث:
هناك فريق من العلماء ينظر في توصيف عقد المقاولة إلى طبيعة التزام المقاول، فإن كان تعهد المقاول على أن يقدم العمل والمادة معًا، فإن العقد يكون استصناعًا، وإن كان تعهد المقاول على أن يقدم العمل فقط، والمادة من رب العمل، فإن العقد سيكون من قبيل الأجير المشترك، وكلاهما يجتمعان تحت اسم عقد المقاولة.
стр. 3570
اختار هذا القول مجموعة من الباحثين، قال الشيخ الصديق الضرير: «عقد المقاولة قد يتعهد فيه المقاول بصنع شيء على أن يقدم رب العمل له المادة، ويقوم هو بالعمل فقط، وقد يتعهد فيه بالعمل والمادة معًا، فالعقد في الصورة الأولى إجارة في الفقه الإسلامي، وفي الصورة الثانية استصناع» (١).
وبه صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي، رقم ١٢٩ (٣/ ١٤) وفيه: «عقد المقاولة عقد يتعهد أحد طرفيه بمقتضاه بأن يصنع شيئًا، أو يؤدي عملًا مقابل بدل يتعهد به الطرف الآخر ـ وهو عقد جائز سواء قدم المقاول العمل والمادة، وهو المسمى عند الفقهاء الاستصناع، أو قدم المقاول العمل، وهو المسمى عند الفقهاء بالإجارة على العمل» (٢).
* * *
стр. 3571
المبحث الأول
في توصيف العقد إذا كان العمل والمواد من المقاول
[م-٧٦٢] إذا التزم المقاول بتقديم العمل والمواد.
مثاله: أن يتعاقد شخص مع نجار على أن يصنع له مكتبًا، ويقدم النجار الخشب من عنده. أو تعهد الحائك بخياطة ثوب على أن يكون القماش من الحائك. فهذا ما يسمى عند الحنفية بعقد الاستصناع.
ولذلك استعملت مجلة الأحكام العدلية لفظ المقاولة في تعريف الاستصناع، فقالت: «الاستصناع عقد مقاولة مع أهل الصنعة على أن يعمل شيئًا، فالعامل: صانع، والمشتري: مستصنع، والشيء مصنوع» (١).
وقالت في نص آخر: «لو تقاول مع صاحب معمل أن يصنع له شيئًا كذا بندقية كل واحدة بكذا قرشًا، وبيَّن الطول والحجم وسائر أوصافها اللازمة، وقبل صاحب العمل انعقد الاستصناع» (٢).
ورجحه الشيخ الضرير (٣).
واختلف العلماء في توصيف العقد في هذه الصورة إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول:
أن العقد عقد بيع على عين موصوفة في الذمة، والعمل تبع. وهذا هو المشهور من مذهب الحنفية في توصيف عقد الاستصناع.
стр. 3572
قال الكاساني في تعريف عقد الاستصناع: هو عقد على مبيع في الذمة، شرط فيه العمل (١).
قال السرخسي: «والأصح أن المعقود عليه المستصنع فيه - يعني العين- وذكر الصنعة (العمل) لبيان الوصف ... » (٢).
وجاء في فتح القدير: «المعقود عليه العين دون العمل» (٣).
وقال ابن عابدين عن عقد الاستصناع: «بيع عين موصوفة في الذمة، لا بيع عمل، أي لا إجارة على العمل .. » (٤).
فالمراد: بالعين عندهم باعتبار ما سيكون، وهو الثوب بالنسبة للحائك، والأثاث بالنسبة للنجار. وقد بينا هذا القول مع دليله في عقد الاستصناع.
والسبب في اعتبار عقد الاستصناع من عقود البيع أمران:
الأول: أنه من عقود الملكية. وهذا طبيعة عقد البيع فإنه ينقل الملكية، بحيث تنتقل ملكية العين المصنوعة من الصانع إلى المستصنع بخلاف عقد المقاولة فإنه يرد على العمل.
الثاني: أن المستصنع يصنع الشيء لحسابه، ثم يبيعه على المستصنع بعد ذلك بدليل أن النجار لو استصنع الشكل المطلوب، وباعه على آخر لم يمنع ذلك.
جاء في العناية: «لو باعه الصانع قبل أن يراه المستصنع جاز .. » (٥).
стр. 3573
وقال السرخسي: «وإن باعه الصانع، قبل أن يراه المستصنع، فبيعه جائز؛ لأنه باع ملك نفسه، فالعقد لا يتعين في هذا المصنوع قبل أن يراه المستصنع .. » (١) ..
ونوقش هذا:
بأن كون عقد الاستصناع يرد على الملكية لا يعني أنه خرج عن عقد المقاولة، فالعقود الواردة على الملكية لا تقتصر على البيع، فهناك الشركة، والقرض، والصلح كلها عقود ترد على الملكية، وليست بيعًا فكذلك المقاولة إذا اتخذت صورة الاستصناع بأن كان محلها صنع شيء من مواد يقدمها المقاول، فتبقى مقاولة وإن كانت قد ترد على الملكية.
وأما كون الصانع يحق له أن يبيع الشيء الذي صنعه لغير من عمل له فهذا ليس لأنه ليس بيعًا، وإنما لكون حق المشتري قد تعلق بذمة الصانع، ولم يتعلق بعين معينة، ألا ترى أن المسلم فيه يستطيع المسلم إليه أن يبيعه قبل أن يتعين للوفاء باعتبار أن المسلم فيه في ذمة المسلم، والله أعلم.
القول الثاني:
أن عقد المقاولة مطلقًا وارد على العمل، والمادة تابعة للعمل. وهذا قول في مذهب الحنفية (٢).
قال السنهوري: «رأي يذهب إلى أن العقد عقد مقاولة دائمًا، والمادة ليست إلا تابعة للعمل، وتكون المقاولة في هذه الحالة ملزمة للصانع بصنع الشيء المطلوب، فتقع على العمل، وهي في الوقت ذاته تقع على الشيء المصنوع،
стр. 3574
فتنقل ملكيته إلى رب العمل، ولا تخرج مع ذلك عن نطاق المقاولة؛ إذ إن تملك رب العمل للشيء الذي صنعه المقاول ليس إلا نتيجة ضرورية لازمة لكون المقاول يقوم بالصنع لحساب رب العمل، والعقود الواردة على الملكية كما قلنا: لا تقتصر على البيع، فهناك الشركة، والقرض، والدخل الدائم، والصلح، وكذلك المقاولة إذا اتخذت صورة الاستصناع بأن كان محلها صنع شيء من مواد يقدمها المقاول» (١).
واستدلوا: بعدة أدلة منها:
أولًا: الاستصناع: اشتقاق من الصنع، وهو العمل، فتسمية العقد به دليل على أنه هو المعقود عليه، والمادة فيه بمنزلة الآلة للعمل.
ثانيًا: بعض الأجراء العاملين (الأجير المشترك) أصحاب المهن تقتضي طبيعة عمله أن يضع من عنده المادة التي يستلزمها عمله المستأجر عليه كالصباغ، فإنه يدفع إليه الثوب، أو الغزل ليصبغه باللون المطلوب بصبغ يضعه من عنده، ولا يقدمه له صاحب الثوب، كما يفعل الصانع في الاستصناع، ولم يخرجه هذا عن أن يكون أجيرًا، وعقد عمله إجارة (٢).
ثالثًا: لو كان عقد الاستصناع من عقود البيع، لما بطل العقد بموت الصانع، كما هو مجمع عليه عند الحنفية.
ونوقش هذا:
إذا وردت المقاولة على الملكية فنقلتها فذلك دليل على أن المقاولة قد
стр. 3575
اختلطت بعقد آخر، وهذا العقد الآخر الذي نقل الملكية في نظير مقابل لا يمكن إلا أن يكون بيعًا، وإذا كان صحيحًا أن المقاول له أن يتعهد بصنع شيء يقدم فيه العمل والمادة معًا، ويكون مسئولًا عن جودة المادة وعليه ضمانها لرب العمل فليس معنى ذلك أن المقاولة تبقى مقاولة محضة في هذه الظروف، ولا يوجد ما يمنع من أن تختلط المقاولة بعقد آخر، وهو الذي يقع على المادة دون العمل، ويصح مع ذلك أن المقاول هو الذي قدم المادة، ويكون له بذلك دوران: دور البائع الذي قدم المادة، ودور المقاول الذي قدم العمل (١).
واجتماع البيع والإجارة فيه خلاف بين أهل العلم.
فقيل: لا يجوز مطلقًا، وهو مذهب الحنفية (٢)، وقول في مذهب الشافعية (٣).
وقيل: يجوز مطلقًا، وهو مذهب المالكية، والراجح في مذهب الشافعية (٤).
جاء في المدونة: «أرأيت إن استأجرت رجلًا على أن يبني لي دارًا على أن الجص والآجر من عند الأجير؟ قال: لا بأس بذلك. قلت: وهو قول مالك. قال: نعم. قلت: لم جوزه مالك؟ قال: لأنها إجارة، وشراء جص وآجر صفقة واحدة.