← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

المبحث الأول في توصيف العقد إذا كان العمل والمواد من المقاول [م-٧٦٢] إذا التزم المقاول بتقديم العمل والمواد. مثاله: أن يتعاقد شخص مع نجار على أن يصنع له مكتبًا، ويقدم النجار الخشب من عنده. أو تعهد الحائك بخياطة ثوب على أن يكون القماش من الحائك. فهذا ما يسمى عند الحنفية بعقد الاستصناع. ولذلك استعملت مجلة الأحكام العدلية لفظ المقاولة في تعريف الاستصناع، فقالت: «الاستصناع عقد مقاولة مع أهل الصنعة على أن يعمل شيئًا، فالعامل: صانع، والمشتري: مستصنع، والشيء مصنوع» (١). وقالت في نص آخر: «لو تقاول مع صاحب معمل أن يصنع له شيئًا كذا بندقية كل واحدة بكذا قرشًا، وبيَّن الطول والحجم وسائر أوصافها اللازمة، وقبل صاحب العمل انعقد الاستصناع» (٢). ورجحه الشيخ الضرير (٣). واختلف العلماء في توصيف العقد في هذه الصورة إلى ثلاثة أقوال: القول الأول: أن العقد عقد بيع على عين موصوفة في الذمة، والعمل تبع. وهذا هو المشهور من مذهب الحنفية في توصيف عقد الاستصناع.

стр. 3572

قال الكاساني في تعريف عقد الاستصناع: هو عقد على مبيع في الذمة، شرط فيه العمل (١). قال السرخسي: «والأصح أن المعقود عليه المستصنع فيه - يعني العين- وذكر الصنعة (العمل) لبيان الوصف ... » (٢). وجاء في فتح القدير: «المعقود عليه العين دون العمل» (٣). وقال ابن عابدين عن عقد الاستصناع: «بيع عين موصوفة في الذمة، لا بيع عمل، أي لا إجارة على العمل .. » (٤). فالمراد: بالعين عندهم باعتبار ما سيكون، وهو الثوب بالنسبة للحائك، والأثاث بالنسبة للنجار. وقد بينا هذا القول مع دليله في عقد الاستصناع. والسبب في اعتبار عقد الاستصناع من عقود البيع أمران: الأول: أنه من عقود الملكية. وهذا طبيعة عقد البيع فإنه ينقل الملكية، بحيث تنتقل ملكية العين المصنوعة من الصانع إلى المستصنع بخلاف عقد المقاولة فإنه يرد على العمل. الثاني: أن المستصنع يصنع الشيء لحسابه، ثم يبيعه على المستصنع بعد ذلك بدليل أن النجار لو استصنع الشكل المطلوب، وباعه على آخر لم يمنع ذلك. جاء في العناية: «لو باعه الصانع قبل أن يراه المستصنع جاز .. » (٥).

стр. 3573

وقال السرخسي: «وإن باعه الصانع، قبل أن يراه المستصنع، فبيعه جائز؛ لأنه باع ملك نفسه، فالعقد لا يتعين في هذا المصنوع قبل أن يراه المستصنع .. » (١) .. ونوقش هذا: بأن كون عقد الاستصناع يرد على الملكية لا يعني أنه خرج عن عقد المقاولة، فالعقود الواردة على الملكية لا تقتصر على البيع، فهناك الشركة، والقرض، والصلح كلها عقود ترد على الملكية، وليست بيعًا فكذلك المقاولة إذا اتخذت صورة الاستصناع بأن كان محلها صنع شيء من مواد يقدمها المقاول، فتبقى مقاولة وإن كانت قد ترد على الملكية. وأما كون الصانع يحق له أن يبيع الشيء الذي صنعه لغير من عمل له فهذا ليس لأنه ليس بيعًا، وإنما لكون حق المشتري قد تعلق بذمة الصانع، ولم يتعلق بعين معينة، ألا ترى أن المسلم فيه يستطيع المسلم إليه أن يبيعه قبل أن يتعين للوفاء باعتبار أن المسلم فيه في ذمة المسلم، والله أعلم. القول الثاني: أن عقد المقاولة مطلقًا وارد على العمل، والمادة تابعة للعمل. وهذا قول في مذهب الحنفية (٢). قال السنهوري: «رأي يذهب إلى أن العقد عقد مقاولة دائمًا، والمادة ليست إلا تابعة للعمل، وتكون المقاولة في هذه الحالة ملزمة للصانع بصنع الشيء المطلوب، فتقع على العمل، وهي في الوقت ذاته تقع على الشيء المصنوع،

стр. 3574

فتنقل ملكيته إلى رب العمل، ولا تخرج مع ذلك عن نطاق المقاولة؛ إذ إن تملك رب العمل للشيء الذي صنعه المقاول ليس إلا نتيجة ضرورية لازمة لكون المقاول يقوم بالصنع لحساب رب العمل، والعقود الواردة على الملكية كما قلنا: لا تقتصر على البيع، فهناك الشركة، والقرض، والدخل الدائم، والصلح، وكذلك المقاولة إذا اتخذت صورة الاستصناع بأن كان محلها صنع شيء من مواد يقدمها المقاول» (١). واستدلوا: بعدة أدلة منها: أولًا: الاستصناع: اشتقاق من الصنع، وهو العمل، فتسمية العقد به دليل على أنه هو المعقود عليه، والمادة فيه بمنزلة الآلة للعمل. ثانيًا: بعض الأجراء العاملين (الأجير المشترك) أصحاب المهن تقتضي طبيعة عمله أن يضع من عنده المادة التي يستلزمها عمله المستأجر عليه كالصباغ، فإنه يدفع إليه الثوب، أو الغزل ليصبغه باللون المطلوب بصبغ يضعه من عنده، ولا يقدمه له صاحب الثوب، كما يفعل الصانع في الاستصناع، ولم يخرجه هذا عن أن يكون أجيرًا، وعقد عمله إجارة (٢). ثالثًا: لو كان عقد الاستصناع من عقود البيع، لما بطل العقد بموت الصانع، كما هو مجمع عليه عند الحنفية. ونوقش هذا: إذا وردت المقاولة على الملكية فنقلتها فذلك دليل على أن المقاولة قد

стр. 3575

اختلطت بعقد آخر، وهذا العقد الآخر الذي نقل الملكية في نظير مقابل لا يمكن إلا أن يكون بيعًا، وإذا كان صحيحًا أن المقاول له أن يتعهد بصنع شيء يقدم فيه العمل والمادة معًا، ويكون مسئولًا عن جودة المادة وعليه ضمانها لرب العمل فليس معنى ذلك أن المقاولة تبقى مقاولة محضة في هذه الظروف، ولا يوجد ما يمنع من أن تختلط المقاولة بعقد آخر، وهو الذي يقع على المادة دون العمل، ويصح مع ذلك أن المقاول هو الذي قدم المادة، ويكون له بذلك دوران: دور البائع الذي قدم المادة، ودور المقاول الذي قدم العمل (١). واجتماع البيع والإجارة فيه خلاف بين أهل العلم. فقيل: لا يجوز مطلقًا، وهو مذهب الحنفية (٢)، وقول في مذهب الشافعية (٣). وقيل: يجوز مطلقًا، وهو مذهب المالكية، والراجح في مذهب الشافعية (٤). جاء في المدونة: «أرأيت إن استأجرت رجلًا على أن يبني لي دارًا على أن الجص والآجر من عند الأجير؟ قال: لا بأس بذلك. قلت: وهو قول مالك. قال: نعم. قلت: لم جوزه مالك؟ قال: لأنها إجارة، وشراء جص وآجر صفقة واحدة.

стр. 3576

قلت: وهذا الآجر لم يسلف فيه، ولا هذا الجص، ولم يشتر شيئًا من الآجر بعينه، ولا من الجص بعينه، فلم جوزه مالك؟ قال: لأنه معروف عند الناس ما يدخل في هذه الدار من الجص والآجر، فلذلك جوزه مالك» (١). وقيل: يجوز الجمع بين عقد البيع والإجارة بعوض واحد، ولا يجوز أن يبيعه وأن يشترط عليه عقد الإجارة، وهذا مذهب الحنابلة (٢). والصحيح جواز الجمع بين البيع والإجارة سواء كان الجمع بينهما بشرط أو بغير شرط؛ لأنه لا يوجد محذور شرعي من اجتماع البيع والإجارة بعقد واحد، والإجارة نوع من البيع إلا أنها بيع منافع، والله أعلم. وأما القول بأن عقد الاستصناع لو كان من عقود البيع لما بطل العقد بموت الصانع، فقد سبق الجواب عليه في عقد الاستصناع، وبينت أن عقد الاستصناع لما كان مركبًا من بيع وإجارة، ففي موت الصانع نظر إلى شبه العقد بالإجارة باعتبار أن العمل ركن أساسي في العقد، ولشبهه بالبيع في كونه ينقل الملكية، ويجري فيه خيار الرؤية كان له حكم البيع، لذا لا يمكن أن يكون بيعًا فقط، ولا إجارة فقط، بل هو مركب منهما. القول الثالث: هذا القول يذهب إلى أن العقد يكون مقاولة أو بيعًا بحسب نسبة قيمة المادة إلى قيمة العمل، استنادًا إلى أن الفرع يتبع الأصل، فإذا كان العمل هو الأصل

стр. 3577

تبعته المادة، وكان العقد مقاولة، وإذا كانت المادة هي الأصل تبعها العمل، وكان العقد بيعًا. يتضح ذلك بالمثال: فالرسام الذي يتعهد بالرسم على أن يكون منه القماش والورق والألوان التي يرسم بها، فالعقد عقد مقاولة؛ لأن هذه الخامات أقل بكثير من قيمة عمل الرسام. وأما إذا تعهد شخص بتوريد سيارة بعد أن يقوم فيها ببعض إصلاحات طفيفة، فالعقد بيع. وهذا ما رجحه السنهوري (١). القول الرابع: أنه مقاولة ابتداء، وبيع انتهاء. اختار هذا بعض الحنفية (٢). الراجح: أقوى الأقوال أن العقد وارد على العمل، والمواد تابعة له، والعقد بهذا التوصيف يحل لنا إشكالًا فقهيًا، كيف جاز عقد الاستصناع مع كون العقد من قبيل بيع الدين بالدين، حيث إن المبيع ـ وهو العمل ـ واجب في ذمة المقاول، والثمن إذا لم يسلمه المشتري وكان نقدًا فإنه يكون دينًا في ذمة المشتري، فيكون عقد الاستصناع من قبيل بيع الدين بالدين؟ وللجواب على ذلك يقال: لما كان العقد واردًا على العمل فقد أجاز الحنابلة والحنفية كما سيأتي عدم تسليم الثمن في الإجارة المعقودة في الذمة حتى يسلم العمل، وهذا أحد الأحكام التي تخالف فيها الإجارة حكم البيع، والله أعلم. وسيأتي مزيد بيان لهذه المسألة في مبحث مستقل إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 3578

المبحث الثاني أن يقدم المقاول العمل فقط [م-٧٦٣] إذا التزم العامل (المقاول) بتقديم العمل دون المواد التي يحتاج إليها العمل. مثاله: أن يحضر صاحب العمل قماشًا، ويطلب من الخياط أن يصنع منه ثوبًا، أو يحضر خشبًا، ويطلب من النجار أن يصنع له غرفة نوم. ويلحق به فيما لو جرى العرف أن الأجير يضع مواد تافهة من عنده مما يحتاج إليه المصنوع، كالمسمار يكون من النجار، وكالخيط يكون من الخياط، وكالصبغ يكون من الصباغ. ومثله لو كان المقاول يشتري المواد بتفويض من صاحب العمل، ويقدم بها فواتير ليدفع ثمنها صاحب العمل، ثم يقوم المقاول بصنع شيء محدد من تلك المواد مقابل أجر معلوم، فالمواد في هذه الحالة تعتبر من صاحب العمل، وليست من المقاول. وقد اختلف العلماء في توصيف هذا العمل على قولين: القول الأول: يرى أن العقد من قبيل عقد الجعالة. وقد تفرد بهذا فضيلة الشيخ رفيق ابن يونس المصري. قال في كتابه الجامع في أصول الربا: «عقد المقاولة: اتفاق يتعهد بمقتضاه أحد المتعاقدين بأن يصنع للمتعاقد الآخر شيئًا، أو أن يؤدي عملًا بمقابل مالي

стр. 3579

يتعهد به هذا المتعاقد الآخر. فعقد المقاولة بهذا يشبه عقد الجعالة في الفقه الإسلامي إذا كان المقاول يقدم العمل فقط .... » (١). ولعل ذلك من قبيل التسامح في العبارة، وإلا فإن هناك فرقًا بين الجعالة والإجارة؛ لأن الجعالة: هو أن يجعل جائز التصرف شيئًا معلومًا لمن يعمل له عملًا معلومًا أو مجهولًا في مدة معلومة أو مجهولة، فلا يشترط العلم بالعمل، ولا المدة، ولا تعيين العامل للحاجة. والجعالة: عقد جائز من الطرفين، لكل واحد من المتعاقدين فسخها بخلاف عقد المقاولة، فهو عقد لازم ولا بد من بيان العمل في عقد المقاولة بيانًا تنتفي معه الجهالة. وقد استخدم بعض الفقهاء لفظ الجعل مقام الأجرة، فيعتذر بمثل ذلك للأستاذ رفيق المصري، والله أعلم. قال ابن المنذر: «أجمع من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الحمالة بجعل يأخذه الحميل لا تحل، ولا تجوز ... الخ كلامه ويقصد بالجعل الأجرة (٢). وقال الدردير: «وأما صريح ضمان بجعل فلا خلاف في منعه .. » (٣). ويقصدون بالجعالة هنا الأجرة. القول الثاني: يرى أن العقد يكون من قبيل الإجارة على العمل، اختاره جماعة من

стр. 3580

الباحثين، وبه صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي. والأجير في عقد المقاولة أجير مشترك وليس خاصًا. وعرف الأجير المشترك: هو من يكون عقده واردًا على عمل معلوم ببيان محله، ويعمل للمؤجر ولغيره كالنجار، والحداد، والبناء، والقصار. والأجير الخاص: من يكون العقد واردًا على منافعه، ولا تصير منافعه معلومة إلا بذكر المدة بحيث تكون منافعه مستحقة للمستأجر في تلك المدة (١). والفرق بين الأجير المشترك و الخاص من وجوه: الوجه الأول: أن الأجير المشترك يشترك الناس في منفعته بخلاف الخاص حيث يختص المستأجر بمنفعته مدة العقد دون سائر الناس. الوجه الثاني: أن العقد في الأجير المشترك وارد على العمل، فمنافعه ليست مستحقة للمستأجر، بخلاف الخاص فإن العقد وارد على المنفعة، فمنافعه مستحقة للمستأجر خلال مدة الإجارة. وينبني على هذا الفرق التالي: الوجه الثالث: أن الأجير المشترك يستحق الأجرة بالعمل، لا بتسليم النفس؛ لأنه يعمل للعامة، ولأن المعقود عليه هو العمل فلا يستحق أجرة إذا لم يعمل، وأما

стр. 3581

الأجير الخاص فيستحق الأجرة بالوقت دون العمل، فإذا سلم نفسه في الوقت وإن لم يعمل فقد استحق الأجرة؛ لأن المعقود عليه هو منفعته. الوجه الرابع: يضمن الأجير المشترك إذا كان التلف بسبب يرجع إلى الصنعة على الصحيح، سواء أكان متعديًا أم لم يكن، وسواء تجاوز المعتاد أم لم يتجاوز؛ لأن ما يدخل تحت عقد الإجارة هو العمل السليم، وأما العمل الفاسد فلا يدخل تحت الإجارة، وأما ما تلف بسبب لا يرجع إلى ا لصنعة كالحفظ ونحوه فلا يضمنه إن لم يكن منه تعد أو تفريط (١). وأما الأجير الخاص فلا يضمن مطلقًا إلا بالتعدي والتفريط؛ لأنه أمين، ولأن المنافع مملوكة للمستأجر، فإذا أمره بالتصرف في ملكه صح، ويصير فعله منسوبًا إلى المؤجر كأنه فعله بنفسه، فلهذا لا يضمن، وهذا بالاتفاق. الوجه الخامس: لا يجوز للأجير الخاص أن يستأجر غيره بإنجاز ما استؤجر عليه، لأن العقد وقع على منافعه نفسه، لا على عمل غيره، ويجوز للأجير المشترك إذا لم يشترط عليه العمل بنفسه أن يكلف غيره بذلك العمل. الوجه السادس: لا بد من بيان العمل المعقود عليه في المقاولة علمًا ينفي الجهالة، ويقطع النزاع، وأما الأجير الخاص فليس من شرطه أن يكون معلومًا من كل الوجوه، فيكفي أن يستأجره للبناء يومًا أو شهرًا، أو سنة، أو نحو ذلك دون بيان لمقدار

стр. 3582

ما سوف يبنيه، والأجراء يتفاوتون، فقد يبني أحدهم في يوم ما يبنيه الآخر في يومين أو في ثلاثة. وهكذا (١). * * *

стр. 3583

الفصل الثاني في الحكم الفقهي للمقاولة [م-٧٦٤] عقد المقاولة إما أن يعتبر عقدًا جديدًا، أو يعتبر من العقود المسماة. فإن اعتبرناه عقدًا جديد، فإن الصحيح من أقوال أهل العلم جواز إحداث عقود جديدة. لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١]. وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ﴾ [النحل:٩١]. ولأن «الأمور قسمان: عبادات ومعاملات، فالعبادات الأصل فيها التحريم؛ لأن التعبد لا بد فيه من الإذن الشرعي على فعله، ولهذا ذم الله المشركين الذين شرعوا لهم دينًا من قبل أنفسهم، فقال: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١]. وأما المعاملات فالأصل فيها الحل، حتى يأتي دليل شرعي يمنع من ذلك لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. فالبيع مطلق يشمل كل بيع إلا ما دل الدليل الخاص على تحريمه. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. فلم يشترط إلا مجرد الرضا. فإذا كانت العقود والشروط من باب الأفعال العادية فالأصل فيها عدم التحريم، فيستصحب عدم التحريم فيها حتى يدل دليل على التحريم كما أن

стр. 3584

الأعيان الأصل فيها عدم التحريم وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام:١١٩] عام في الأعيان والأفعال وإذا لم تكن حراما لم تكن فاسدة; لأن الفساد إنما ينشأ من التحريم وإذا لم تكن فاسدة كانت صحيحة وأيضًا فليس في الشرع ما يدل على تحريم جنس العقود والشروط إلا ما ثبت حله بعينه» (١). وقد عقدت فصلًا في الأدلة على جواز إحداث عقود جديدة في كتاب عقد البيع فأغنى عن إعادته هنا. وإن اعتبرنا عقد المقاولة من العقود المسماة، فإنه سوف يأخذ حكم عقدين في الفقه الإسلامي: الأول منهما: عقد الاستصناع إن كان المقاول قد تعهد بتقديم المواد من عنده، وقد ذكرنا الخلاف في جواز عقد الاستصناع، وبينا أن الراجح جوازه عند الكلام على عقد الاستصناع فلا حاجة إلى إعادته. الثاني: عقد الأجير المشترك إن كان صاحب العمل قد تعهد بتقديم المواد من عنده. والأدلة على جواز عقد الأجير المشترك من القرآن والسنة وإجماع الأمة. أما القرآن فقال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦]. وقال تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَئْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَئْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ﴾ الآية [القصص: ٢٦، ٢٧].

стр. 3585

وجه الاستدلال: قوله تعالى: ﴿اسْتَئْجِرْهُ﴾ أي اجعله أجيرًا لك، وقوله تعالى: ﴿عَلَى أَن تَأْجُرَنِي﴾ [القصص:٢٧] أي تصير أجيرًا عندي. وقال تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧]. وقال تعالى: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ [الكهف:٩٤]. ومن السنة أحاديث كثيرة، أختار منها: (ح-٥٤٤) ما رواه البخاري من طريق سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة وذكر منهم رجلًا استأجر أجيرًا فاستوفى منه، ولم يعط أجره. (ح-٥٤٥) ومنها ما رواه البخاري من طريق عروة. عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: واستأجر رسول الله رجلًا من بني الديل هاديًا خريتًا، وهو على دين كفار قريش، فدفعا إليه راحلتيهما، ووعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحلتيهما صبح ثلاث. (ح-٥٤٦) ومنها ما رواه البخاري من طريق مالك، عن حميد، عن أنس بن مالك ﵁، قال: حجم أبو طيبة رسول الله ﷺ فأمر له بصاع من تمر، وأمر أهله أن يخففوا من خراجه (١). وأما الإجماع فقد حكاه غير واحد من أهل العلم على جواز الإجارة، منهم العراقي في طرح التثريب (٢)، وابن المنذر (٣)، وغيرهم.

стр. 3586

وقال ابن قدامة: «أجمع أهل العلم في كل عصر وكل مصر على جواز الإجارة إلا ما يحكى عن عبد الرحمن بن الأصم أنه قال: لا يجوز ذلك؛ لأنه غرر، يعني أنه يعقد على منافع لم تخلق، وهذا غلط لا يمنع انعقاد الإجماع الذي سبق في الأعصار وسار في الأمصار ... » (١). * * *

стр. 3587

الباب الثاني في شروط المقاولة لما كانت المقاولة من عقود المعاوضات اشترط فيها العلماء ما اشترطوا في عقود المعاوضات من شروط عامة، سواء منها ما يتعلق بالانعقاد أو بالنفاذ، أو باللزوم، أو بالصحة، ومن ذلك: (١) ـ[م-٧٦٥) أن يكون العاقد مختارًا، فيشترط في كل من العاقدين في عقد المقاولة أن يكون مختارًا للعقد، اختيارًا يدل على الرضا المنافي للإكراه. وإنما قلت: (اختيارًا يدل على الرضا المنافي للإكراه) لأنه قد جرى خلاف بين الحنفية والجمهور، في التفريق بين الرضا والاختيار كما سبق بيانه في عقد البيع. والدليل على اشتراط الرضا (الاختيار) في العقود. من القرآن قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء:٢٩]. فقوله: ﴿عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ الجملة صفة لتجارة، أي تجارة صادرة عن تراض بالعقد (١). وإذا كان الرضا شرطًا في صحة العقد، فلا بد أن يكون الرضا خاليًا من كل ما ينافيه، كالإكراه، والغلط، والتدليس، والغبن. فالإكراه، بحيث لو خلي المكره بينه وبين إرادته لم يرض بالعقد.

стр. 3588

والغلط بحيث لو علم من وقع في الغلط ما أقدم على التعاقد. والتدليس على المتعاقد بحيث لو تكشفت الحقيقة للمتعاقد المدلس عليه (المخدوع) ما أقدم على التعاقد. أو وقع في غبن فاحش، فهذه العيوب كلها تنافي الرضا، وقد سماها بعض القانونيين عيوب الإرادة، وبعضهم يسميها العيوب التي تلحق الرضا، وسبق أن تعرضت لها بالتفصيل في عقد البيع فأغنى عن إعادتها هنا. (٢) -[م-٧٦٦] أهلية المتعاقدين بحيث يكون كل واحد من المتعاقدين صالحًا لصدور الفعل منه على وجه يعتد به شرعًا، وهو ما يسمى بأهلية الأداء. والأهلية الكاملة: هي في حق المكلف الحر الرشيد. والمكلف: هو البالغ العاقل. فقيد العقل: أخرج المجنون والسكران حال سكره، والمعتوه. وقيد الحرية: أخرج العبد. وقيد البلوغ: أخرج الصبي. والمقصود بالرشد هو الرشد في المال، وذلك بحفظه وإصلاحه، ولا يدخل فيه الرشد في الدين، ولو كان صلاح الدين شرطًا في الرشد لوجب الحجر على المنافقين والمبتدعة، بل يجب الحجر على كل من اغتاب مسلمًا ولم يتب من هذه المعصية وذلك لارتكابه كبيرة من كبائر الذنوب، ويجب الحجر على كل من كذب في بيعه، أو غش فيه. فتلخص لنا أنه يشترط في العاقد أن يكون جائز التصرف، وهو الحر المكلف الرشيد، وهذا لا خلاف في نفوذ تصرفاته، كما أن المجنون لا خلاف في أنه لا يصح بيعه، وشراؤه، وسائر تصرفاته العقدية.

стр. 3589

واختلفوا في تصرف الصبي المميز، والسكران، والسفيه، والمعتوه، وقد سبق لنا تفصيل أحكامهم في عقد البيع، وغيره مقيس عليه، فأغنى عن إعادته هنا. (٣) -[م-٧٦٧] أن يكون القبول موافقًا للإيجاب. جاء في الموسوعة الكويتية: «اتفق الفقهاء على أنه لا بد لانعقاد العقد من توافق الإيجاب والقبول» (١). (٤) -[م-٧٦٨] ألا يفصل بين القبول والإيجاب فاصل يدل على الإعراض. وعدم الرضا. (٥) ـ[م-٧٦٩] ألا يرجع الموجب قبل صدور القبول. وهذا الشرط مختلف فيه بين المالكية والجمهور، وسبق تحرير الخلاف في المجلد الأول من عقد البيع. (٦) -[م-٧٧٠] أن يكون المحل المعقود عليه مشروعًا في نفسه. فلا يجوز عقد المقاولة على ما لا نفع فيه. أو كان محرمًا، أو كان الغالب على منافعه التحريم. فلا يجوز إنشاء المقاولة على إنشاء وتعمير مصانع للخمور، أو على مراقص مختلطة، أو على إقامة نواد ليلية، أو على صالات للعب القمار ونحو ذلك. ويمكن تقسيم الأشياء المعقود عليها بحسب منافعها إلى أقسام: القسم الأول: ما لا منفعة فيه أصلًا، فلا يجوز عقد المقاولة عليه، وهذا ينبغي ألا يكون فيه خلاف.

стр. 3590

القسم الثاني: ما كان جميع منافعه محرمة، وهذا في الحكم بمنزلة ما لا منفعة فيه؛ لأن المنفعة المحرمة وجودها كعدمها. القسم الثالث: ما فيه منافع مباحة، ومنافع محرمة، وهذا القسم هو الذي يكثر فيه الخلاف، ويمكن تقسيمه إلى أقسام: (أ) أن يكون جل منافعه، والمقصود منها محرمًا، والحلال منها تبعًا، فهذا يلحق بالقسم المنهي عنه، ولذلك قال تعالى عن الخمر ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ [البقرة:٢١٩]. (ب) أن يكون جل المنافع والمقصود منها حلالًا، والمحرم تبعًا، فيلحق بالقسم الجائز، كما في بعض المقاولات التي فيها غرر يسير، أو غير مقصود. (ج) أن يكون فيه منافع مقصودة حلال، وفيه منافع مقصودة حرام، فهذا قد يختلف الحكم بحسب الباعث على العقد. فإن كان الباعث على العقد هو الغرض المحرم حرم العقد وإلا كان العقد مشروعًا. كالمقاولة على صنع السلاح. فقد يكون حرامًا وقد يكون حلالًا بحسب الباعث والغرض الذي من أجله حرر العقد (١). [م-٧٧١] وقد اختلف الفقهاء باعتبار الباعث لحل العقد وحرمته، ولتحرير الخلاف في هذه المسألة نذكر محل الاتفاق، ثم نذكر محل الخلاف:

стр. 3591

الحال الأول: أن تكون صيغة العقد (الإيجاب والقبول) قد تضمنت النص الصريح على ذكر الباعث على هذا العقد، وكان الباعث غير مشروع فعقد المقاولة غير مشروع. فإذا قال: اصنع لي سلاحًا؛ لأقتل به معصومًا، أو قال: أقاولك على بناء هذا المكان لأتخذه مكانًا لبيع الخمور، أو لأقيم عليه كنيسة، أو غير ذلك من الأمور غير المشروعة، فالمقاولة في مثل هذه الحالة لا تصح قولًا واحدًا؛ لأن المقاولة لو صحت في مثل هذه الحالة، لكان ذلك مضافًا إلى الشارع من حيث إنه شرع عقدًا موجبًا للمعصية، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا (١).

стр. 3592

ولأن تمكين العاقد من فعله المحرم إعانة له على ذلك الباطل، والإعانة على الحرام تجعله شريكًا له في الفعل. قال تعالى: ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص:١٧]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢]. الحالة الثانية: إذا لم يذكر الباعث على العقد في صيغة العقد، ولكن علم البائع، أو غلب على ظنه من القرائن، وظروف الحال، أن المشتري يريد من عقد المقاولة العمل المحرم، كما لو كان العاقد مصرفًا ربويًا، فهل يصح العقد والحالة هذه. هذه المسألة إن كان الأمر من قبيل الشك، والاحتمال فلا يحرم العقد. وإن كان المقاول علم قصد صاحب العمل بذلك بقرائن خاصة، أو أخبار صحيحة، أو غلب على ظنه من حال الرجل (١)، ففي هذه المسألة خلاف بين الفقهاء:

стр. 3593

فقيل: العقد باطل، وهو مذهب المالكية (١)، والحنابلة (٢). وقيل: العقد صحيح، وهل يحرم مع الصحة، قيل: إن تحقق أنه يشتري المباح لفعل المعصية حرم على الصحيح، وإلا كره، وهذا مذهب الشافعية (٣)، وهو قول الحسن، وعطاء، والثوري (٤).

стр. 3594

وقيل: يصح بيع العنب لمن يعصره خمرًا، ولا يصح بيع السلاح على أهل الفتنة، وهذا مذهب الحنفية (١). وجه التفريق: أن العنب لا تقوم المعصية بعينه، بل بعد تغيره، فجاز بيعه، وأما السلاح في الفتنة فتقوم المعصية بعين السلاح، فمنع من بيعه، ولذلك لو اشترى حديدًا ليصنع منه سلاحًا، لجاز بيعه، ولم يكن هناك فرق بين العنب والحديد. وقد ذكرنا أدلة الفريقين في عقد البيع فأغنى عن إعادته هنا. (٧) -[م-٧٧٢] أن يكون المعقود عليه في المقاولة معلومًا للمتعاقدين، وذلك بذكر طبيعته وأوصافه وتبيين ذلك تبيانًا كافيًا بحيث لا يكون في العقد جهالة تؤدي إلى النزاع، فإذا كان التعاقد على ترميمات ذكر الشيء الواجب ترميمه، وإذا كان التعاقد على بناء كان الواجب بيانه من خلال التصميمات الموضوعة له، وهي الرسوم التي يضعها المهندس المعماري من مشروع ابتدائي، ورسوم نهائية تفصيلية، ويقترن بالتصميمات دفتر الشروط لبيان الأعمال المطلوبة وشروط تنفيذها، وتبيين جميع مقاسات البناء الوصفية والتقديرية (٢). لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء:٢٩]. فاشترطت الآية الرضا، والرضا لا يتعلق إلا بمعلوم. ولأن الإقدام على المجهول غرر، وقد نهى النبي ﷺ عن بيع الغرر، وهو أصل متفق عليه في الجملة.

стр. 3595

(ح-٥٤٧) لما رواه مسلم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر (١). جاء في بدائع الصنائع: «ومنها - أي من شروط الصحة - بيان العمل في استئجار الصناع والعمال ; لأن جهالة العمل في الاستئجار على الأعمال جهالة مفضية إلى المنازعة فيفسد العقد، حتى لو استأجر عاملًا ولم يسم له العمل من القصارة، والخياطة، والرعي ونحو ذلك لم يجز العقد وكذا بيان المعمول فيه في الأجير المشترك إما بالإشارة والتعيين أو ببيان الجنس والنوع والقدر والصفة في ثوب القصارة والخياطة، وبيان الجنس والقدر في إجارة الراعي من الخيل، أو الإبل، أو البقر، أو الغنم وعددها ; لأن العمل يختلف باختلاف المعمول وعلى هذا يخرج ما إذا استأجر حفارا ليحفر له بئرًا أنه لا بد من بيان مكان الحفر، وعمق البئر، وعرضها ; لأن عمل الحفر يختلف باختلاف عمق المحفور وعرضه ومكان الحفر من الصلابة والرخاوة فيحتاج إلى البيان ليصير المعقود عليه معلومًا» (٢). (٨) -[م-٧٧٣] وأن يكون العمل المقاول عليه ممكنًا بحيث يكون المقاول قادرًا إما بنفسه أو بغيره على القيام بالمعقود عليه وتسليمه في الميعاد المتفق عليه؛ لأن الالتزام بالمستحيل باطل، والدخول في العقد حينئذ يكون من أكل أموال الناس بالباطل. وقولنا: إما بنفسه أو بغيره إشارة إلى أن المعقود عليه إذا كان مستحيلًا بالنسبة للعاقد، ولكنه ليس مستحيلًا في ذاته أمكن عقد المقاولة عليه؛ لأن المحل ممكن في ذاته.

стр. 3596

ويلحق بالاستحالة الحسية الاستحالة الشرعية، قال الغزالي: «والعجز شرعًا كالعجز حسًا، فلو استأجر على قلع سن صحيحة، وقطع يد صحيحة، أو استأجر حائضًا على كنس مسجد فهو فاسد؛ لأن تسليمه شرعًا متعذر» (١). * * *

стр. 3597

الباب الثالث في الالتزامات الناشئة عن عقد المقاولة الفصل الأول في التزام المقاول يلتزم المقاول بثلاثة أشياء: ١ - التزام المقاول بإنجاز العمل. ٢ - التزام المقاول بشأن مواد العمل. ٣ - التزام المقاول بتسليم العمل. وسوف نتعرض لهذه المسائل بشيء من التفصيل في المباحث التالية.

стр. 3598

المبحث الأول التزام المقاول بإنجاز العمل يجب على المقاول إنجاز العمل بالطريقة المتفق عليها في عقد المقاولة، وطبقًا للشروط الصحيحة الواردة في هذا العقد، فإذا لم تكن هناك شروط متفق عليها وجب اتباع العرف وبخاصة أصول الصنعة تبعًا للعمل الذي يقوم به المقاول، فالبناء له أصول معروفة، وكذا النجارة والحدادة والسباكة والحياكة كلها لها أصول وقوانين تجب مراعاتها دون حاجة لذكرها في العقد. وإذا كان العقد مؤقتًا وجب الالتزام بالمدة المتفق عليها؛ وفاء بالشرط، ولأن رب العمل ما ضرب الأجل إلا وله فيه مصلحة فلا يحق للمقاول تفويتها عليه. وإذا لم يذكر الوقت في إنجاز مثل هذا العمل كان على المقاول الالتزام بتنفيذ العمل في المدة المعقولة التي تسمح بإنجازه نظرًا لطبيعته ومقدار ما يقتضيه من دقة، وحسب عرف الحرفة، ولا يحق له التأخير بحجة أن الوقت لم يتعرض له في العقد. والالتزام بإنجاز العمل في المدة المتفق عليها أو في المدة المعقولة التزام بتحقيق غاية، وليس التزامًا ببذل عناية، فلا يكفي لإعفاء المقاول من المسئولية عن التأخر أن يثبت أنه بذل عناية الشخص المعتاد في إنجاز العمل في الميعاد، ولكنه لم يتمكن من ذلك، بل يجب عليه حتى تنتفي مسئوليته أن يثبت السبب الأجنبي، فإذا أثبت القوة القاهرة، أو الحادث الفجائي، أو فعل الغير انتفت مسئوليته بشرط ألا يكون ذلك مسبوقًا بخطأ منه، وإلا كان مسئولًا بقدر هذا الخطأ.

стр. 3599

كذلك تنتفي مسئولية المقاول عن التأخر في إنجاز العمل إذا كان هذا التأخر راجعًا لخطأ رب العمل، فإذا تأخر رب العمل في تقديم المادة التي تعهد بتقديمها، أو تأخر في دفع أقساط الأجرة المستحقة للمقاول في مواعيدها، وكان هذا التأخر سببًا في تأخر المقاول في إنجاز العمل لم يكن هذا الأخير مسئولًا (١). وإذا كان العقد يقضي بتقديم المواد التزم بتوفيرها، وإذا كان العقد يقضي بتقديم العمل فقط لم يتأخر فيه. وإذا كان المقاول يحتاج في إنجاز عمله إلى أيد عاملة تعاونه، وتعمل تحت إشرافه جاز له ذلك ما لم يكن العمل منظورًا فيه إلى مهارة المقاول الشخصية كالطبيب والفنان، وفي جميع هذه الأحوال تكون أجور العمال والمعاونين على المقاول ما لم يقض الاتفاق أو عرف الحرفة بغير ذلك. وإذا كان التزام المقاول بإنجاز العمل يحقق غاية كأن يكون محل عقد المقاولة إقامة بناء، أو ترميمه، أو صناعة ثوب فإنه لا يبرأ المقاول من التزامه إلا إذا تحققت الغاية، وأنجز العمل المطلوب. وإذا كان التزام المقاول إنما هو ببذل العناية المطلوبة كما هو الحال في التزامات الطبيب والمحامي فإنه لا يبرأ حتى يبذل العناية المعهودة من مثله طبقًا للأصول، وليس على الطبيب أن يشفي المريض، ولا على المحامي أن يكسب القضية. وإذا خالف المقاول الشروط والمواصفات المتفق عليها، أو الشروط التي تمليها أصول الصنعة وعرفها وتقاليدها، وأثبت رب العمل ذلك كان المقاول

стр. 3600

مخلًا بالتزامه ولم يقم بما يجب عليه، وترتب عليه الضمان الذي سوف نذكره ونفصله إن شاء الله تعالى في مبحث مستقل (١). * * *

стр. 3601

المبحث الثاني التزام المقاول بشأن مواد العمل إذا اشترط رب العمل أن يقدم المقاول مادة العمل كلها أو بعضها كان مسئولًا عن جودتها طبقًا لشروط العقد إذا وجدت، وإلا تطبيقًا للعرف الجاري. وإذا كان صاحب العمل هو المتعهد بتوفير ذلك وجب على المقاول أن يحرص عليها، وأن يرد لصاحبها ما بقي منها، فإن تلفت أو تعيبت أو فقدت فهل يضمنها مطلقًا، أو يضمنها في حال كان تلفها بسبب يرجع إلى الصنعة، أو لا يضمنها مطلقًا إلا إن تعدى أو فرط، في ذلك خلاف سيأتي تحريره إن شاء الله تعالى. وهل يجب على المقاول أن يحضر أدواته الخاصة التي تستعمل لإنجاز العمل كالآلات الضرورية لعمله وذلك مثل الرافعات والخلاطات، وأدوات الحفر، والهدم، ومكينة الخياطة، والخيوط اللازمة، وحبر الناسخ، أو أن هذا داخل في التزام صاحب العمل؟ وللجواب عن ذلك يقال: إن كان هناك شرط أو عرف وجب العمل به (١). جاء في البحر الرائق: «في الفتاوى الظهيرية الخيط والمخيط على الخياط، وهذا في عرفهم. أما في عرفنا فالخيط على صاحب الثوب» (٢). وإن لم يكن هناك شرط ولا عرف فقد اختلف الفقهاء.

стр. 3602

فقيل: كل ما كان من توابع العمل فإنها تلزم الأجير (المقاول) ما لم يشترط غير ذلك. وهذا مذهب الحنفية (١)، وقول عند الشافعية (٢)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٣). وجه ذلك: أن هذه الآلات تابعة للعمل، فالنجار لا يكون نجارًا إلا ومعه المعدات الخاصة بذلك، والحداد لا يكون حدادًا إلا ومعه آلة الحدادة. ولأنه لا يمكن أن يكلف رب العمل بشراء الآلات الرافعة والخلطات وأثمانها باهظة وهو لن يستعملها إلا لمشروع واحد، فتكون حينئذ خسائر رب العمل مضاعفة بخلاف المقاول فإنه لا يستغني عنها في مشاريعه المستمرة. وقيل: الآلات على رب العمل وهذا مذهب المالكية (٤)، والمشهور في مذهب الشافعية (٥)، وقول في مذهب الحنابلة (٦).

стр. 3603

وجه ذلك: أن المقاول إنما التزم بالعمل فقط فلا يلزمه غير ذلك. وقيل: إن كان العقد على الذمة وجب بيان من يجب عليه إحضار هذه الأشياء، فإذا لم يبين هذا في العقد بطلت الإجارة. وإن كان العقد على العين لم يجب غير نفس العمل. وهذا قول في مذهب الشافعي (١). * * *

стр. 3604

المبحث الثالث تسليم العمل بعد إنجازه [م-٧٧٤] يجب على المقاول تسليم العمل فور الانتهاء منه؛ لأن هذا هو مقتضى العقد. ويكون التسليم بجعل موضع المقاولة تحت سلطة وتصرف صاحب العمل، وهو يختلف من عمل لآخر، فتسليم المنقولات يكون عن طريق المناولة يدًا بيد، وتسليم العقارات يكون بالتخلية بينها وبين صاحبها ليتمكن من ممارسة سلطته عليها، وإذا اتفق الطرفان على أن يكون التسليم في مكان معين وجب على المقاول نقل الشيء موضع المقاولة إلى المكان المحدد، وتسليمه فيه. وقد تكلمنا عن قبض المبيع وأقسامه فأغنى عن إعادته هنا. وإذا حان ميعاد التسليم، وكان للمقاول أجر مستحق في ذمة صاحب العمل ففي هذه الحالة يجوز للمقاول أن يحبس العمل حتى يستوفي أجره، وقد تكلمنا في عقد البيع عن حبس المبيع حتى يستوفي البائع الثمن وذكرنا أقسام المسألة، والمسألة في المقاولة مقيسة على حبس المبيع. * * *

стр. 3605

الفصل الثاني في التزام رب العمل يلتزم رب العمل بثلاثة أشياء: الأولى: تمكين المقاول من إنجاز العمل. الثانية: تسلم العمل بعد إنجازه. الثالثة: دفع البدل المستحق للمقاول. وسوف نتعرض بالتفصيل إن شاء الله تعالى لكل مسألة من هذه المسائل في المباحث التالية. * * *

стр. 3606

المبحث الأول تمكين المقاول من إنجاز العمل [م-٧٧٥] يلتزم رب العمل ببذل ما في وسعه لتمكين المقاول من البدء في تنفيذ العمل، ومن المضي في تنفيذه حتى يتم إنجازه. لأن هذا هو موجب العقد، فالمقاول مطالب بالعمل بمقتضى العقد، ولا يمكنه البدء فيه، ولا المضي في تنفيذه إلا بتمكين ربه منه، وقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]. ولأن المقاول لن يستحق الأجرة إلا بالعمل، فإذا منع من تنفيذ العمل كان في ذلك إهدار لمنفعة المقاول. فإن كان المقاول في حاجة إلى رخصة للبناء للبدء في العمل وجب على رب العمل أن يحصل له عليها في الميعاد المناسب حتى لا يتأخر البدء في تنفيذ العمل، وكذلك الحكم في جميع الترخيصات الإدارية الأخرى التي يكون العمل بحاجة إليها. وإذا كان رب العمل قد تعهد بتقديم المواد التي تستخدم في العمل أو بتقديم الآلات والمعدات اللازمة لإنجاز العمل وجب عليه أن ينفذ ما تعهد به في الوقت المتفق عليه، أو في الوقت المناسب حتى يتمكن المقاول من البدء في تنفيذ لعمل ومن المضي في تنفيذه. وإذا كان العمل يحتاج إلى تدخل رب العمل شخصيًا كأن يجرب الحائك عليه الثوب بعد أخذ مقاساته، أو يقوم بتصحيح مسودة الكتاب المقدم للطبع

стр. 3607

وجب عليه أن يقوم بذلك في الوقت المتفق عليه، أو في الوقت الذي يتطلبه العمل (١). وإذا تأخر رب العمل في تمكين المقاول من إنجاز العمل فإن المقاول لا يتحمل ما يترتب على هذا التأخير من غرامات، كما لو كان في العقد شرط جزائي بأن يسلم المقاول العمل في مدة متفق عليها، بل للمقاول أن يطلب التعويض عن الضرر الذي أصابه من جراء عدم قيام رب العمل بالتزامه، أو من جراء تأخره في القيام به؛ لأن المقاول إذا منع من تنفيذ العمل فإنه يلحقه بذلك ضرر مالي في الوقت الذي لا يمكنه من الارتباط بعقود أخرى بسبب ارتباطه مع رب العمل مدة العقد. فإن أصر رب العمل على عدم تمكين المقاول من العمل فله أن يفسخ العقد (٢). * * *

стр. 3608

المبحث الثاني تسليم العمل بعد إنجازه [م-٧٧٦] يختلف قبض المبيع والعين المستأجرة عن قبض المعمول بعد فراغ المقاول منه، ذلك أن العين في البيع والإجارة تكون غالبًا عينًا معينة بالذات، معروفة للمشتري أو للمستأجر، ولا يقتضي الأمر أكثر من تسلمها. بخلاف القبض في عقد المقاولة، وذلك أن المقاولة تقع على عمل لم يكن قد بدأ وقت إبرام العقد فوجب عند إنجازه أن يستوثق رب العمل من أنه موافق للشروط المتفق عليها، أو لأصول الصنعة، ويكون ذلك بفحصه، فالقبض فيه لا يكفي بل لابد من تقبله والموافقة عليه، وهو معنى زائد على مجرد القبض. والتقبل والقبض قد يجتمعان، وقد ينفصلان: فقد يقبضه رب العمل ويتقبله في وقت واحد، وذلك بأن يفحصه عند قبضه، ويستوثق من أنه هو الذي قصد إليه بالتعاقد، فيوافق عليه. وقد ينفصل تقبل العمل عن القبض: كما لو فحص رب العمل عمل المقاول بعد إنجازه، وهو لا يزال في يد المقاول، وتقبله. وقد يتأخر التقبل عن القبض، كما لو قبضه قبل أن يفحصه، والمطلوب هو قبضه وتقبله، وليس قبضه فقط. إذا علم ذلك نأتي بالكلام عن تسلم العمل وقبضه. لما كان المقاول مطالبًا بتسليم المعمول إلى ربه، وكان رب العمل مطالبًا بتسلم العمل من المقاول وجب مراعاة ما يلي:

стр. 3609

الأول: أن يكون التسليم في الميعاد المتفق عليه، أو في الميعاد المعقول لإنجاز العمل وفقًا لطبيعته ولعرف الحرفة. ثانيًا: يجب على رب العمل أن يقوم بتنفيذ التزامه من التسلم والتقبل بمجرد أن يفرغ المقاول من عمله ويضعه تحت تصرفه. ثالثًا: يجوز لرب العمل أن يمتنع عن تسلم العمل إذا كان المقاول قد خالف ما ورد في العقد من شروط، أو ما تقضي به أصول الصنعة (١). رابعًا: إذا كان العقد واردًا على العمل، والأدوات من المالك، فيكون العقد من قبيل إجارة الأجير المشترك. فهنا إما أن يكون المقاول ينجز العمل، والعين في يد صاحبها، كما لو قام سباك بتصليح مواسير المياه، وهي في مكانها، أو استأجر رجلًا ليبني له جدارًا في ملكه، فإن تسليم موضع المقاولة يكون بفراغ المقاول من عمله؛ لأنه في هذه الحالة يكون المقاول قد سلم العمل شيئًا فشيئًا (٢). وإما أن يكون موضع المقاولة في يد المقاول فلا بد حينئذ من تسلم العمل من قبل صاحب العمل. وتسليم العمل يكون برفع المقاول كافة الموانع والعوائق التي تمنع من قبض الشيء الذي وقع عليه العمل، ويكون صاحب العمل متمكنًا منه، وتحت تصرفه، ومأذونًا له باستلامه، وبهذا يكون المقاول قد التزم بالتسليم.

стр. 3610

وهذا غاية ما يقدر عليه المقاول، وهو محتاج إلى إخراج نفسه من العهدة، فإذا أتى بما في وسعه فقد برئ، وليس في وسعه إلا ذلك، وأما القبض الذي هو التسلم، فهذا فعل صاحب العمل، فلا يكلف المقاول فعل غيره، فجُعِل تمكين صاحب العمل من القبض ورفع كافة الموانع التي تمنع من القبض قبضًا، وهو القبض الحكمي (١). رابعًا: إذا كان العقد واردًا على العمل والعين من المقاول، فيكون العقد استصناعًا. فهل يلزم رب العمل بتسلم العمل بعد إنجازه، هذه المسألة ترجع إلى مسألة أخرى وقع فيها خلاف بين أبي يوسف وجمهور الحنفية، هل عقد الاستصناع عقد لازم، أو عقد جائز. فمن رأى أن عقد الاستصناع عقد جائز لم ير أن صاحب العمل يجب عليه تسلم العمل، وهذا ما عليه جمهور الحنفية. ومن رأى أن عقد الاستصناع عقد لازم كما هو قول أبي يوسف من الحنفية، واختارته مجلة الأحكام العدلية فإنه يرى أنه يجب على رب العمل تسلم العمل، وقد بحثت هذه المسألة في عقد الاستصناع فأغنى عن ذكرها هنا. * * *
следующие страницы →