← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

فمن باشر سبب الحكم باختياره لزمه مسببه ومقتضاه وإن لم يرده (١). الدليل الثالث: عقد الهازل قد توفرت فيه شروط البيع الصحيح، وتمت أركانه، فيكون بيعًا صحيحًا، ولا عبرة بما نواه وقصده، وإنما العبرة بالإرادة الظاهرة حفاظًا على مبدأ استقرار العقود والمعاملات. وأجيب: بأننا قدمنا الأدلة في المسألة السابقة بأن العبرة بالعقود بما نواه وقصده العاقدان، وإذا تعارضت الإرادة الظاهرة والإرادة الباطنة قدمت الإرادة الباطنة. دليل من قال: لا بد من قرينة على أنه كان هازلًا . الهزل أمر باطن لا يعرف إلا من جهة الهازل، والأصل عدم الهزل، فإذا تكلم في إيجاب العقد أو في قبوله فالأمر محمول على الجد، وأما دعواه الهزل وأنه لم يقصد العقد فهذا أمر خفي بينه وبين الله، وأما في الظاهر فهو محمول على الصحة، ولا نقبل قوله في دعوى الهزل إلا بقرينة؛ لأنه يستلزم من قبول قوله إبطال حق العاقد الآخر، ولو فتح الباب في هذا لكان كل من يريد أن يفسخ العقد يدعي الهزل. الراجح: بعد استعراض الأقوال نجد أن الأقوال ترجع إلى قولين: ينعقد بيع الهازل، أو لا ينعقد، وأما القول بأنه لا بد من قرينة تدل على أنه أراد الهزل فهذا القول يرجع إلى القول بعدم انعقاد العقد في بيع الهازل؛ لأن هذا القول لم يطلب

стр. 387

سوى إثبات وجود الهزل، فإذا ثبت لديه انتفى الحكم عنده، وأظن أن القائلين لا ينعقد لا يختلفون في هذا، لأن الأمر إما أن يصدقه صاحبه على دعوى الهزل، أو يكذبه، فإن صدقه أصبحت الأقوال في المسألة قولين، وإن كذبه فالأصل مع مدعي الجد؛ لأنه هو الأصل، ولذلك الحنفية الذين يقولون بأن بيع الهازل لا ينعقد يقولون في نفس الوقت لا بد من قرينة، جاء في درر الحكام شرح مجلة الأحكام «الجد شرط في البيع، فلا ينعقد بيع الهزل؛ إذ لا رضاء في عقد يبنى على الهزل ... وعلى هذا إذا قصد بالمبايعة الهزل وجب التصريح بذلك أثناء العقد إذ لا تغني دلالة الحال عن ذلك وحدها. فعلى الهازل في بيعه أن يقول للمشتري إني بعتك هذا المال هازلًا. وإذا تواطأ متبايعان على أن العقد الذي سيجريانه بحضور الشهود يراد به الهزل فالتواطؤ الذي تقدم العقد بمنزلة التصريح بقصد الهزل أثناء العقد ويكون هذا البيع بيع هزل، فإذا اختلف المتبايعان في البيع، هل هو هزل أو جد؟ فالقول لمدعي الجد مع يمينه، فإذا وجدت قرينة تدل على قصد الهزل في البيع كأن يباع الشيء بنقص فاحش جدًا فالقول إذ ذاك لمدعي الهزل أما إذا ادعى الهزل مشتر بعد أن دفع ثمن المبيع أو بعضه فدعواه غير مسموعة» (١). وإذا كان الأمر كذلك، فالخلاف إنما هو في حالة قيام ما يدل على إرادة الهزل أو الاتفاق عليه بين المتعاقدين هل ينعقد العقد في مثل هذه الحالة، أو لا ينعقد؟ والذي يظهر لي أن القول الصواب مع قول من قال: لا ينعقد العقد لعدم وجود قصد البيع والرضا به، والله أعلم (٢).

стр. 388

وهذه المسألة ترجع إلى مسألة أصولية سابقة، وهي إذا تعارضت الإرادة الظاهرة والإرادة الباطنة، فمن المقدم، هل يؤخذ بما نواه العاقدان، أو بما أظهراه؟ وقد ناقشت هذه المسألة في مبحث مستقل، وبينت الراجح فيها، فإن شئت الاستزادة فارجع إليها مشكورًا. * * *

стр. 389

خاتمة القول المختار في صيغة العقود قال القاضي أبو الحسين الحنبلي: ينعقد البيع بكل لفظ يدل عليه عرف الناس وعادتهم، وإن لم يوجد الإيجاب والقبول (١). [م - ٦١] بعد استعراض طويل لكلام الفقهاء في صيغ البيع المختلفة اللفظية والفعلية، حيث عرضنا بالتفصيل رأي المذاهب الفقهية بالصيغة اللفظية، سواء كان اللفظ ماضيًا أو مضارعًا أو أمرًا، كما عرضنا رأي هذه المذاهب في الجملة الاسمية، وفي كلمة نعم، وعرضنا أقوال الفقهاء في صيغة البيع الفعلية من إشارة وكتابة ومعاطاة، وعن طريق الاتصال بالبرق والفاكس والهاتف والحاسب الآلي وغيرها، ولما كان القول الراجح في جميع تلك المسائل واحدًا فيما يتعلق بالصيغة، رأيت أن أعرض هذا القول في آخر هذه المباحث خشية التكرار، فأقول: الصحيح أن العقود تصح بكل ما دل على مقصودها من قول أو فعل، فكل ما عده الناس بيعًا، أو إجارة، فهو بيع وإجارة، وإن اختلف اصطلاح الناس في الألفاظ والأفعال انعقد عند كل قوم بما يفهمونه بينهم من الصيغ والأفعال، وليس لذلك حد في الشرع، ولا في اللغة، بل يتنوع بتنوع اصطلاح الناس كما تتنوع لغاتهم، ولا يجب على الناس التزام نوع معين من الاصطلاح في المعاملات، فيصح بالقول كما يصح بالفعل، ويصح بالإشارة المفهومة، والكتابة وبكل ما يدل على المراد، ولهذا أدلة كثيرة ذكرها ابن تيمية ﵀، أذكر منها،

стр. 390

الدليل الأول: أن الله اكتفى بالتراضي في البيع، في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. وقال تعالى: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا﴾ [النساء:٤]. فتلك الآية في جنس المعاوضات، وهذه الآية في جنس التبرعات، ولم يشترط لفظًا معينًا، ولا فعلًا معينًا، يدل على التراضي، وعلى طيب النفس، ونحن نعلم بالاضطرار من عادات الناس في أقوالهم وأفعالهم أنهم يعلمون التراضي وطيب النفس بطرق متعددة، والعلم به ضروري في غالب ما يعتاد من العقود، وهو ظاهر في بعضها، فإذا وجد تعلق الحكم به بدلالة القرآن. الدليل الثاني: أن الله أحل البيع، ولم يبين كيفيته، فوجب الرجوع فيه إلى العرف، كما رجع إليه في القبض والإحراز والتفرق، وهكذا كل شيء ليس له حد في الشرع، وليس له حد في اللغة فالمرجع فيه إلى العرف. بيان ذلك: أن هذه الأسماء جاءت في كتاب الله وسنة رسوله» معلقًا بها أحكام شرعية، وكل اسم لا بد له من حد، فمنه ما يعلم حده باللغة، كالشمس والقمر، والبر والبحر، والسماء والأرض. ومنه ما يعلم بالشرع، كالمؤمن والكافر، والمنافق، وكالصلاة والزكاة، والصيام، والحج، وما لم يكن له حد في اللغة ولا في الشرع فالمرجع فيه إلى عرف الناس، كالقبض المذكور في قوله ﷺ : (من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه). ومعلوم أن البيع والإجارة والهبة ونحوها لم يحد الشارع لها حدًا في كتاب الله، ولا سنة رسوله ﷺ ، ولا نقل عن أحد من الصحابة والتابعين

стр. 391

أنه عين للعقود صفة معينة من الألفاظ أو غيرها، فإذا لم يكن لذلك حد في الشرع، ولا في اللغة، كان المرجع فيه إلى عرف الناس وعاداتهم، فما سموه بيعًا فهو بيع. الدليل الثالث: تصرفات العباد من الأقوال والأفعال نوعان: عبادات يصلح بها دينهم، وعادات يحتاجون إليها في دنياهم، فباستقراء أصول الشريعة نعلم أن العبادات التي أوجبها الله أو أحبها لا يثبت الأمر بها إلا بالشرع، وإلا دخلنا في معنى قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]. وأما العادات فهي ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه، والأصل فيه عدم الحضر، فلا يحضر منه إلا ما حضره الله ، وإلا دخلنا في معنى قول الله : ﴿قُلْ أَرَءَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩]. ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعبادة والطيبات من الرزق﴾ [الأعراف:٣٢]. فالبيع والهبة والإجارة ليست من قبيل العبادات، بل هي من قبيل العادات، فالناس لهم أن يتبايعوا ويستأجروا كيف شاؤوا ما لم تحرم الشريعة، كما لهم أن يأكلوا ويشربوا كيف شاؤوا ما لم تحرم الشريعة. الدليل الرابع: البيع مما تعم به البلوى، فلو كان التزام لفظ معين شرطًا في صحته لبينه النبي ﷺ بيانًا عامًا، ولم يخف حكمه، ولو بينه لنقل نقلًا شائعًا لكثرة وقوع البيع بينهم، ولأن عدم البيان يفضي إلى الوقوع في العقود الفاسدة، وأكل المال

стр. 392

بالباطل، فلما لم ينقل عن النبي ﷺ ، ولا عن أحد من أصحابه اشتراط لفظ معين، علمنا أنه ليس بشرط (١). * * *

стр. 393

الفصل الرابع شروط الإيجاب والقبول الشرط الأول توافق الإيجاب والقبول [م - ٦٢] يجب أن يوافق القبول الإيجاب من جميع الوجوه، فإن خالفه بأن قبل غير ما أوجبه، أو بعض ما أوجبه، أو بغير ما أوجبه، فلا ينعقد العقد (١). جاء في درر الحكام: «يشترط في انعقاد البيع أن يكون القبول موافقًا للإيجاب في خمسة أشياء: أولًا: في مقدار الثمن. ثانيًا: في جنسه. ثالثًا: في المثمن. رابعًا: في صفة الثمن.

стр. 394

خامسًا: في شرط الخيار» (١). فلو أوجب البائع مثلًا البيع بثمن قدره مائة، فقبل المشتري بتسعين، فهنا خالفه في الثمن. أو أوجب المؤجر بخمسين دينارًا نقدًا، فقبل المستأجر بخمسين مؤجلة، فهنا خالفه في صفة الثمن. أو أوجب البيع في الكتاب فقبل في القلم، فهنا خالفه في عين المبيع (المثمن). أو قال: بعتكه بألف، فقال اشتريته بشرط الخيار. أو جزأ الصفقة بأن أوجب البيع في السيارتين بمائة ألف، فقال المشتري: قبلت في هذه السيارة بخمسمائة. لم ينعقد العقد؛ لأن ذلك رد للإيجاب، وليس قبولًا له. وأما في ضم الصفقة، فإن من عادة التجار ضم الرديء إلى الجيد ترويجا للرديء بواسطة الجيد فلو ثبت للمشتري ولاية التفريق لقبل في الجيد دون الرديء فيتضرر به البائع والضرر منفي. قال النووي: «لم يصح - يعني البيع - بلا خلاف؛ لأنه لا يعد قبولًا» (٢). وجاء في الموسوعة الكويتية: «اتفق الفقهاء على أنه لا بد لانعقاد العقد من توافق الإيجاب والقبول» (٣). * * *

стр. 395

المبحث الأول في مخالفة القبول للإيجاب [م - ٦٣] ذهب الحنفية إلى أن القبول المخالف يعتبر إيجابًا جديدًا يحتاج حتى ينعقد العقد إلى قبول من الطرف الآخر (الموجب سابقًا)، فيكون القبول إيجابًا، والرضا قبولًا (١). وهذا بناء على أصل الحنفية أن ما يصدر أولًا هو الإيجاب، وما يصدر تاليًا هو القبول، فلما بطل الإيجاب بمخالفة القبول له تحول القبول إلى إيجاب جديد إن قبله البائع تم العقد وإلا فلا. وقال السنهوري: «على أنه يلاحظ أن القبول إذا عدل في الإيجاب تعديلًا جوهريًا فيمكن القول بأن المتعاقدين لم يتخطيا مرحلة المفاوضات في تعاقدهما، ولم ينتقلا منه إلى الإيجاب البات، وقد عرفنا أنه يجوز لكل متعاقد أن يعدل عن المفاوضات ... » (٢). * * *

стр. 396

المبحث الثاني في قبول بعض الإيجاب [م - ٦٤] قد يصح العقد مع أن القبول لم يتوجه لكل الإيجاب، إذا كان القبول قد طابق الإيجاب في عناصر العقد الجوهرية، وتركت بعض المسائل الفرعية. ففي البيع: طابق القبول الإيجاب في عين المبيع وثمنه. وفي عقد الإيجار: طابق القبول الإيجاب في العين المؤجرة، والأجرة، ومدة الإيجار، ولم يبق إلا بعض المسائل التفصيلية، فهنا يصح العقد ولو لم يتوجه القبول لجميع الإيجاب (١). يقول الشيخ الزرقاء «إذا اتفق الطرفان المتعاقدان على المسائل الجوهرية في العقد، وعلى إرجاء الاتفاق على المسائل الفرعية فذلك كاف لاعتبار القبول مطابقًا للإيجاب، وإذا اختلفا بعد ذلك في تلك المسائل المرجأة، كلًا أو بعضًا، لا يؤثر اختلافهما في بقاء العقد، بل يعود إلى المحكمة أن تقضي فيها طبقًا لطبيعة المعاملة ولأحكام القانون والعرف والعدالة، ما لم يكونا قد ربطا انعقاد العقد بالاتفاق اللاحق على تلك المسائل» (٢).

стр. 397

ويمكن لنا أن نأخذ من القيود التي ذكرها الزرقاء بأن هذه الحالة يمكن تقسيمها إلى حالتين. الأولى: أن يكتفي الطرفان بالاتفاق على المسائل الجوهرية، ولم يتعرضا للمسائل التفصيلية، أو اتفقا نصًا على إرجاء الأمور التفصيلية إلى حين تنفيذ العقد. ففي هذه الحالة يعتبر العقد قد انعقد على اعتبار أن نية الطرفين قد اتجهت إلى الأخذ بالعرف أو بالقواعد الكلية للشريعة، كالقواعد الخاصة في زمان ومكان تسليم المبيع، وميعاد دفع الثمن، وكيفيته، فإن لم يكن هناك عرف رجعا إلى القاضي الشرعي ليجري العقد حسب الأصل الشرعي، أو حسب الأخذ بالظاهر، والله أعلم، وسوف يأتي إن شاء الله تعالى التفصيل في حال اختلاف المتبايعين حول الأمور التفصيلية وكيفية فض النزاع فيها، بلغنا الله ذلك بمنه وكرمه. الثانية: أن يتم الاتفاق على المسائل الجوهرية، ويتناقش الطرفان في المسائل التفصيلية دون أن يصلا إلى اتفاق في شأنها، ويتبين أن نية الطرفين قد اتجهت إلى تعليق انعقاد العقد إلى حين الوصول إلى اتفاق في شأن هذه المسائل، فهنا لا ينعقد العقد. * * *

стр. 398

المبحث الثالث إذا خالف القبول الإيجاب وكان في مصلحة الموجب [م - ٦٥] إذا قال البائع: بعتك هذا الثوب بعشرة، فقال المشتري: قبلت بعشرين، فهنا لم يطابق القبول الإيجاب، ولكن هذه المخالفة كانت لمصلحة الموجب، فهل ينعقد العقد؟ وهل يمكن تصور وقوع مثل ذلك؟ قد يقع مثل ذلك كما لو جرى بين البائع والمشتري مساومة على قيمة سلعة، فيطلب فيها البائع ثمنًا أكثر من الثمن الذي عرضه المشتري، ولا يتفقان، ثم يفكر البائع، فيقبل الثمن الذي عرضه المشتري، ويفكر المشتري فيقبل الثمن الذي طلبه البائع. وقد يقصد المشتري نفع البائع كما لو كان قريبًا أو صديقًا. فذهب الحنفية إلى أن العقد في هذه الحالة ينعقد، ويتوقف ثبوت الزيادة على قبول الموجب في المجلس؛ لأن رضا المشتري بعشرين رضا بالعشرة وزيادة، ولكن يتوقف قبول الزيادة على قبول الموجب لأنه تمليك، ولا يدخل شيء في ملكه بغير رضاه. وكذلك إذا قال المشتري: اشتريت بعشرين، فقال البائع: بعتكه بعشرة، صح العقد بالعشرة، واعتبرت العشرة الزائدة حطًا وإبراء من البائع، فلا تحتاج إلى قبول (١).

стр. 399

وذهب الشافعية إلى فساد العقد لعدم مطابقة القبول للإيجاب (١). كما أفسدوا العقد أيضًا لو أوجب البائع بألف مكسرة، فقبل المشتري بألف صحيحة. أو أوجب البائع بألف مؤجل فقبل بألف حال. أو أوجب بألف مؤجل إلى شهرين فقبل بمؤجل إلى شهر. فكل ذلك عندهم لا ينعقد، مع العلم أن الزيادة هنا متعلقة بالصفة، وليست بالعدد. والراجح هو رأي الجمهور، ما دامت المخالفة لصالح الموجب من كل وجه؛ وذلك أن مبنى العقد على التراضي، وقد تحقق، والتوافق قد تم بالنسبة للمبلغ المتفق عليه، وما زاد فالموجب إما أن يقبله، وإما أن يرده؛ لأن الشيء لا يدخل في ملك الإنسان إلا برضاه. نعم لو كانت المخالفة إلى خير وأفضل لكن ليست من كل وجه، وإنما من وجه دون وجه لا ينعقد العقد، إلا بموافقة الطرف الآخر، وذلك كما لو أوجب

стр. 400

البائع بعشرين دينارًا نقدًا، فقبل المشتري بأربعين نسيئة إلى شهر مثلًا، فلا ينعقد العقد، لأنه وإن كان الثمن المقبول أكثر مقدارًا، فقد تكون حاجة البائع أو رغبته في النقد العاجل، فيفوت غرضه (١). وقد صرح الحنفية بأن القبول المخالف يعتبر إيجابًا يحتاج إلى قبول، على مذهبهم باعتبار الإيجاب هو الصادر أولًا سواء من البائع أو المشتري، أو يعتبر قبولًا تقدم الإيجاب على مذهب الجمهور، فإن قبل البائع، تم البيع. * * *

стр. 401

الشرط الثاني اتحاد مجلس العقد المقصود باتحاد مجلس العقد . اتحاد المجلس تارة يكون حقيقيًا بأن يكون الطرفان حاضرين معًا، فيكون الإيجاب والقبول في مجلس واحد. وتارة يكون حكميًا: كما لو تفرق مجلس القبول عن مجلس الإيجاب كما في البيع عن طريق المكاتبة والمراسلة. والمراد بالمجلس: ما هو أعم من الجلوس، فقد يحصل اتحاد المجلس مع الوقوف، ومع تغير المكان كما سيأتي عند عرض أقوال الفقهاء إن شاء الله تعالى (١). * * *

стр. 402

المبحث الأول تحديد مجلس العقد الغرض من تحديد مجلس العقد: تحديد أجل للقبول يكون للقابل فيه حق التروي، فيقبل في خلاله. وهو ما يمكن أن نطلق عليه اصطلاحًا (نظرية مجلس العقد). وتعد هذه النظرية من أهم النظريات التي سبق إليها الفقه الإسلامي، والتي تمتاز بالدقة والإتقان، ولكن يؤخذ على بعض الفقهاء أنهم غالوا في تحديد مجلس العقد تحديدًا ماديًا وشكليًا بعيدًا عن روحه ومقصوده. [م - ٦٦] فالحنفية بالغوا في اشتراط وحدة المكان في مجلس العقد، فجعلوا التتابع، وهما يمشيان أو يركبان، ولو دابة واحدة غير منعقد لاختلاف المجلس؛ لأن القبول يقع في غير مكان الإيجاب، فالمشي يعتبر فاصلًا بين الإيجاب والقبول، وعليه فالعقد لا يعتبر مستكملًا شروطه في هذه الحالة، فلا ينعقد، ولم يعتبروا السير على السفينة مؤثرًا، وذلك أن المجلس فيها لا يتبدل بجريانها بخلاف المجلس في المشي وفي السير على الدابة فإن المجلس يتبدل فيها، فيؤثر في صحة العقد؛ ولأن السفينة لا يملك المتعاقدان إيقافها، بخلاف الدابة (١). وذهب الجمهور في تحديد مجلس العقد: بأن المجلس هو الزمن الذي يظل فيه المتعاقدان مشتغلين بالتعاقد، فإن أعرضا عن العقد واشتغلا عنه بما يقطعه عرفًا فقد انقطع المجلس، ومن الإعراض عن العقد انفضاض المجلس.

стр. 403

جاء في البحر الرائق: «المجلس المتحد: أن لا يشتغل أحد المتعاقدين بعمل غير ما عقد له المجلس، أو ما هو دليل الإعراض عن العقد» (١). وقال أيضًا: «القيام - يعني عن المجلس - دليل الإعراض» (٢). فالعبرة هو الإعراض عن العقد، سواء كان ذلك بالقيام من المجلس، أو كان ذلك بالإعراض عنه والاشتغال بغيره، ولو كان المجلس باقيًا، فلا ينبغي أن يؤثر انتقالهما من مجلس إلى مجلس آخر ما داما منشغلين بالعقد. وجاء في درر الحكام «وصورة اختلاف المجلس: أن يوجب أحدهما، فيقوم الآخر قبل القبول، أو يشتغل بعمل يوجب اختلاف المجلس» (٣). وقال الحطاب: «وإن تراخى القبول عن الإيجاب حتى انقضى المجلس لم يلزمه البيع اتفاقًا، وكذا لو حصل فاصل يقتضي الإعراض عما كانا فيه حتى لا يكون كلامه جوابًا للكلام السابق في العرف، لم ينعقد البيع» (٤). وقال في الإنصاف: «وإن تراخى القبول عن الإيجاب: صح ما داما في المجلس، ولم يتشاغلا بما يقطعه. قيد الأصحاب قولهم «ولم يتشاغلا بما يقطعه» بالعرف» (٥). ومن هنا كان مجلس العقد بالمكالمة الهاتفية: هو زمن الاتصال ما دام الكلام في شأن العقد، فإن انتقل المتحدثان إلى حديث آخر انتهى المجلس،

стр. 404

وإن كان الاتصال ما زال جاريًا، وقد نقلت كلام الفقهاء المعاصرين في هذا الشأن في مسألة مستقلة. وبهذا يتبين أن المجلس يقصد به ما هو أعم من الجلوس فقد يحصل اتحاد المجلس مع الوقوف، ومع تغير المكان والهيئة. * * *

стр. 405

المبحث الثاني الآثار المترتبة على تحديد مجلس العقد يترتب على القول بمجلس العقد أحكام منها: الأول: تحديد أجل للقبول يكون للقابل فيه حق التروي، فيقبل في خلاله، أو بمعنى آخر أنه يجوز أن يتراخى القبول عن الإيجاب ما دام المتعاقدان في مجلس العقد، ولم يعرضا عنه. الثاني: أن للموجب خيار الرجوع عن إيحابه إلى أن يصدر القبول أو ينفض المجلس. وسوف نتعرض لخلاف العلماء في هاتين المسألتين مسألة مسألة مع ذكر أدلة كل قول ومناقشتها، وفقنا الله إلى الصواب بمنه وكرمه. * * *

стр. 406

الفرع الأول في تراخي القبول عن الإيجاب [م - ٦٧] بينا أن الغرض من تحديد مجلس العقد: تحديد أجل للقبول يكون للقابل فيه حق التروي، فيقبل في خلاله، وهو ما يسمى بتراخي القبول عن الإيجاب، فهل يشترط أن يكون القبول متصلًا بالإيجاب، أو يجوز أن يتراخى عنه؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة: فذهب الجمهور من الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والحنابلة (٣)، إلى عدم اشتراط الفورية في القبول، فلو تراخى القبول عن الإيجاب صح العقد ما داما في مجلس العقد، ولم يظهر منهما ما يدل على الإعراض عن العقد. وقيل: للبائع إلزام المشتري في بيع المزايدة خاصة، ولو انفض المجلس، وهذا مذهب المالكية (٤). وقيل: لا يشترط اتصال القبول بالإيجاب، وينعقد العقد مهما تأخر القبول عنه، ولا يقطعه طول المدة أن يكون قبولًا له، اختاره أبو بكر بن العربي من المالكية (٥).

стр. 407

وذهب الشافعية إلى اشتراط اتصال القبول بالإيجاب، فلو فصل بينهما بكلمة أجنبية، أو بسكوت طويل لا يتم العقد (١).

стр. 408

ووافق بعض الحنفية مذهب الشافعية باشتراط الفورية إذا كان كل من المتعاقدين يمشيان (١). وجه قول الجمهور: الوجه الأول: الإيجاب: هو خطاب البائع للمشتري، والقبول جواب المشتري للبائع على ما عرضه عليه، وتفرق المجلس فاصل بين الخطابين، فلا يقع الكلام متصلًا، ففي تفرقهما انقطع الخطاب بينهما، فلا يمكن أن يبنى الكلام اللاحق للكلام السابق وإذا انقطع الخطاب فلا بد من إيجاب جديد. الوجه الثاني: قالوا: القول باعتبار المجلس قول وسط، لأننا إن قلنا: باشتراط الفورية في القبول كان في ذلك تضييق على من وجه إليه الإيجاب، وعدم إعطائه فرصة للتدبر، وقد يفاجأ بالقبول من غير توقع. فإن رفض فورًا ضاعت عليه الصفقة.

стр. 409

وإن قبل فورًا ربما كان في العقد ضرر عليه، فيحتاج لفترة تأمل للموازنة بين ما يغنم، وبين ما يغرم، بين ما يجب أن يدفعه، وما له أن يأخذه. وإن قلنا: يسمح له أن يتأخر في صدور القبول حتى بعد التفرق، كان في ذلك إضرار بالموجب، وذلك بإبقائه مدة طويلة دون الرد على إيجابه، ومن هنا فالقول بمجلس العقد قول وسط. وعن هذا قال الفقهاء: إن المجلس يجمع المتفرقات. يقول البابرتي: «ما وجه اختصاص خيار الرد والقبول بالمجلس، ولم لا يبطل الإيجاب عقب خلوه عن القبول؟ أو لم لا يتوقف على ما وراء المجلس؟ وتقرير الجواب: أن في إبطاله قبل انقضاء المجلس عسرًا بالمشتري، وفي إبقائه فيما رواء المجلس عسرًا بالبائع، وفي التوقف على المجلس يسرًا بهما جميعًا، والمجلس جامع للمتفرقات .... فجعلت ساعاته ساعة واحدة، دفعًا للعسر، وتحقيقًا لليسر» (١). الوجه الثالث: علل الحنابلة بتعليل آخر، قال ابن مفلح: «وإن تراخى القبول عن الإيجاب صح ما دام في المجلس ... لأن حالة المجلس كحالة العقد، بدليل أنه يكتفى بالقبض فيه لما يشترط قبضه» (٢). الوجه الرابع: حكى بعضهم الإجماع على أن العقد لا يلزم بعد التفرق، قال الحطاب:

стр. 410

«والذي تحصل عندي من كلام أهل المذهب، أنه إذا أجابه في المجلس بما يقتضي الإمضاء والقبول من غير فاصل لزمه البيع اتفاقًا. وإن تراخى القبول عن الإيجاب حتى انقضى المجلس لم يلزمه البيع اتفاقًا» (١). والإجماع الذي حكاه الحطاب ﵀ لا يسلم حتى في مذهب المالكية، فقد نقلت رأي ابن العربي الذي يرى أن اتصال القبول بالإيجاب ليس بشرط مطلقًا. وقد حكى الإجماع غير الحطاب، فقد حكاه ابن تيمية ﵀. قال في معرض كلامه عن التحزيبات المحدثة في كتاب الله: «إن هذه التحزيبات المحدثة تتضمن دائمًا الوقوف على بعض الكلام المتصل بما بعده، حتى يتضمن الوقوف على المعطوف دون المعطوف عليه، فيحصل القارئ في اليوم الثاني مبتدئًا بمعطوف، كقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وقوله: ﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الأحزاب:٣١] وأمثال ذلك، ويتضمن الوقوف على بعض القصة دون بعض - حتى كلام المتخاطبين - حتى يحصل الابتداء في اليوم الثاني بكلام المجيب، كقوله تعالى: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٥] ومثل هذا الوقوف لا يسوغ في المجلس الواحد إذا طال الفصل بينهما بأجنبي، ولهذا لو ألحق بالكلام عطف، أو استثناء، أو شرط، ونحو ذلك بعد طول الفصل بأجنبي لم يسغ باتفاق العلماء، ولو تأخر القبول عن الإيجاب بمثل ذلك بين المتخاطبين لم يسغ ذلك بلا نزاع» (٢).

стр. 411

وجه قول الشافعية: القياس يقتضي وجوب الموالاة بين الإيجاب والقبول، كما يجب الموالاة في رد السلام، كما لو قال كلامًا وأراد أن يلحق به استثناء، أو شرطًا، أو عطفًا، وجب ألا يكون بينهما فاصل أجنبي، أو فاصل طويل، وكما تجب الموالاة بين الرضعات الخمس، وتجب الموالاة في قراءة الفاتحة، فإن السكوت الطويل يقطع موالاتها. ويرد عليهم: بأن أكثر هذه الأمور تصدر من شخص واحد كالاستثناء، والقراءة، وقد يحتمل من شخصين ما لا يحتمل من واحد، وقد يشدد في باب العبادات ما لا يشدد في غيره، بل إن الحكم يختلف باختلاف الأبواب كما ذكر السبكي، فرب باب يطلب فيه من الاتصال ما لا يطلب في غيره، وقد يغتفر من السكوت ما لا يغتفر من الكلام، ومن الكلام المتعلق بالعقد ما لا يغتفر من الأجنبي، ومن الفاصل بعذر ما لا يغتفر من غيره، فصارت مراتب، أقطعها للاتصال كلام كثير أجنبي، وأبعدها عنه سكوت يسير لعذر، وبينهما مراتب لا تخفى (١). توجيه ما ذكره الدسوقي: أن التفرق لا يؤثر في بيع المزايدة. قال الدسوقي: «وللبائع إلزام المشتري في المزايدة، ولو طال الزمان، أو انفض المجلس، حيث لم يجر العرف بعدم إلزامه» (٢). احتج الدسوقي بالعرف، ومعلوم أن ما تعارف عليه الناس يجري مجرى الشرط بينهم، فهو يتكلم عن مجتمع خاص جرى العرف بينهم أن ما بيع

стр. 412

بالمزايدة يلزم، ولو حصلت المفارقة في المجلس، والمعروف عرفًا كالمشروط لفظًا، فإذا كان هناك شرط وجب العمل به، وهذا الشرط تارة يوجبه عرف، وتارة يوجبه لفظ، ولا فرق، والكلام إذا لم يكن هناك عرف أو شرط. قال الحطاب: والذي «تحصل من كلام ابن رشد والمازري وابن عرفة في بيع المزايدة أن كل من زاد في السلعة فلربها أن يلزمه إياها بما زاد، إلا أن يسترد البائع سلعته، ويبيع بعدها أخرى، أو يمسكها حتى ينقطع مجلس المناداة، إلا أن يكون العرف اللزوم بعد الافتراق، أو يشترط ذلك البائع فيلزم المشتري البيع بعد الافتراق في مسألة العرف بمقدار ما جرى به العرف، وفي مسألة الشرط في الأيام المشروطة .... فإن شرط المشتري أنه لا يلزم البيع إلا ما دام في المجلس فله شرطه، ولو كان العرف بخلافه» (١). ولذلك الدسوقي نفسه لما حكى هذا المذهب ذكر أن العرف في مصر يخالفه، فقال: «وللبائع إلزام المشتري في المزايدة ولو طال الزمان، أو انفض المجلس حيث لم يجر العرف بعدم إلزامه كما عندنا بمصر من أن الرجل إذا زاد في السلعة، وأعرض عنه صاحبها، أو انفض المجلس فإنه لا يلزمه بها ... » (٢). دليل ابن العربي على أن التفرق من المجلس لا يسقط الإيجاب . قال ابن العربي: «والذي يقتضيه الدليل جواز تأخير الإيجاب عن القبول ما تأخر عنه، لا يقطعه طول المدة عن أن يكون قبولًا له، كما لا يمتنع أن يكون جواب الكلام بعد المدة الطويلة جوابًا له» (٣).

стр. 413

والقياس على بيع الفضولي، حيث يقف القبول على رضا المالك على المشهور وإن طال. والقياس أيضًا على المحجور إذا باع من ماله أن لوصيه الإجازة وإن طال الأمد، ولم يحصل غير الإيجاب من المحجور مع قبول المبتاع، وإيجاب المحجور كالعدم (١). ويمكن أن يناقش هذا: بأن إجازة المالك في بيع الفضولي، وإجازة الوصي في بيع المحجور عليه أشبه ما يكون بالبيع بين غائبين، وليس بين حاضرين في مجلس واحد، ومعلوم أن العقد إذا كان بين غائبين أن مجلس العقد هو المجلس القابل، الذي بلغه الإيجاب، فهنا إذا علم بالإيجاب إما أن يقبل، وإما أن يسقط الإيجاب، والله أعلم. القول الراجح: هو القول الوسط، أن تراخي القبول عن الإيجاب لا يؤثر في صحة العقد ما دام المتعاقدان في المجلس، ولم يتشاغلا عن العقد بما يعتبر إعراضًا عنه عرفًا (٢). * * *

стр. 414

الفرع الثاني في رجوع الموجب [م - ٦٨] ناقشنا في المسألة السابقة الأثر المترتب على نظرية تحديد مجلس العقد، في تأخر القبول عن الإيجاب ما دام المتعاقدان في المجلس، ولم يعرضا عن العقد، وفي هذه المسألة نناقش أثرًا آخر، وهو رجوع الموجب عن إيجابه في مجلس العقد قبل صدور القبول، فالسؤال: هل يكون الإيجاب ملزمًا قبل صدور القبول، أو يحق لمن صدر منه الإيجاب الرجوع عن إيجابه ما دام لم يقترن بالقبول؟ وقبل الإجابة على هذا السؤال، ينبغي أن نعلم أن المفاوضات لا تعتبر إيجابًا، وذلك أن الإيجاب في بعض العقود يمر بمراحل من المساومات والمفاوضات، لأن طبيعة المعاملة تحتاج إلى أناة وإمعان نظر، فما يعرض في المفاوضات لا يعتبر إيجابًا. كما أن عرض شخص التعاقد دون بيان لشروطه كأن يعرض منزلًا للبيع دون بيان لثمنه، أو بضاعة دون بيان ثمنها، فإنه في هذه الحالة لا يتعلق الأمر بإيجاب بات، وإنما بمجرد دعوة إلى التفاوض، فإذا انتهى الأمر إلى اتفاق بين الطرفين حول شروط العقد وقيمة المبيع تحول إلى إيجاب كامل قائم، فإذا ارتبط بقبول مطابق متصل تم العقد. فإذا قطع أحد الطرفين المفاوضات قبل وصول الأمر إلى إيجاب بات فلا مسؤولية عليه، وليس لأحد أن يطالبه بأن يبين سبب هذا العدول، فقد يكون السبب أنه لم ير داعيًا لإتمام الصفقة، أو أنه رأى أن إتمامها ليس في مصلحته، أو أن الشخص الذي يتعامل معه لا يناسبه لسبب من الأسباب، أو أن شخصًا

стр. 415

آخر عرض عليه صفقة أفضل، فإذا عدل أحد الطرفين عن مفاوضاته فلا مسؤولية على من عدل، ما دام لم يصل في مفاوضته إلى حد الإيجاب الجازم (١)، فإذا انتهت مرحلة المفاوضات، وعرض صاحب السلعة إيجابًا جازمًا، فهل له أن يرجع عن إيجابه قبل صدور القبول من الطرف الآخر؟ [م - ٦٩] اختلف الفقهاء في هذه المسألة: فقيل: للموجب حق الرجوع عن إيجابه قبل أن يتصل به القبول، وهذا مذهب الجمهور (٢).

стр. 416

بل اعتبر بعضهم لو صدر القبول مع الرجوع في وقت واحد، اعتبر الرجوع، وبطل به الإيجاب. قال ابن الهمام: «لو صادف رد البائع قبول المشتري بطل» (١). وقيل: ليس له حق الرجوع إذا صدر بصيغة الماضي، أو صدر بغير الماضي

стр. 417

وكان هناك قرينة أنه أراد البيع (١)، أما إذا كانت الصيغة بغير الماضي، ولم يكن هناك قرينة أنه أراد البيع، وادعى أنه ما أراد البيع، فيحلف، ويصدق، وهو مذهب المالكية (٢). وجه التفريق بين صيغة الماضي وغيرها: قالوا: إن لفظ الماضي حقيقة في الدلالة على نقل الملكية، فلا يقبل معه ادعاء خلاف ذلك، وأما صيغة المضارع والأمر فليست حقيقة في نقل الملكية

стр. 418

لتطرق الاحتمالات إليها، فليست إيجابًا باتًا، ولذلك قبل قوله مع اليمين، فإن كانت هناك قرينة عمل بها، كما قدمنا. وقيل: إذا حدد الموجب إيجابًا محدد المدة يكون ملزمًا بالبقاء على إيجابه خلال تلك المدة، وليس له الرجوع عنه، اختاره بعض المالكية (١)، ورجحه مجمع الفقه الإسلامي (٢). تعليل الجمهور: المانع من الرجوع عن الإيجاب لزوم إبطال حق الغير، وهو منتف هاهنا، فإيجاب أحدهما غير مفيد للحكم بدون قبول الآخر، وإذا كان كذلك كان للموجب أن يرجع عن إيجابه لخلوه عن إبطال حق الغير. تعليل المالكية: التعليل الأول: قال القرطبي: «ليس له أن يرجع حتى يسمع قبول المشتري أو رده؛ لأنه قد بذل ذلك من نفسه، وأوجبه عليها» (٣). وبالإيجاب يثبت للمشتري حق التملك، وهو حق للمشتري، فلا يكون الرجوع خاليًا عن إبطال حق الغير.

стр. 419

ورد هذا: بأن الموجب وإن أثبت للمشتري حق التملك، فإن حقيقة الملك للبائع، والحقيقة مقدمة على الحق (١). يقول الشيخ أحمد إبراهيم: «وليس للطرف الآخر المشتري مثلًا أن يدعي أنه صار له حق تملك المبيع بسبب إيجاب البائع، وذلك لأن حقيقة الملك في العين لا تزال ثابتة للبائع، وهي أقوى من حق التملك، فلو لم يجز الرجوع لزم تعطيل حق الملك بحق التملك، ونظير هذا أن للأب حق التملك لمال ولده عند الحاجة، ومع هذا فللولد أن يتصرف في ماله كيف شاء، مع أن حق تملك الأب إياه متعلق به» (٢). التعليل الثاني: ممكن أن يستدل لهم بأن نقول: إذا كان القبول يُلزِم المشتري بما صدر عنه، فالإيجاب يلزم البائع بما صدر عنه، فمن يتعاقد إنما يلتزم بالإرادة الصادرة عنه، لا بتوافق هذه الإرادة مع إرادة المتعاقد الآخر، ويترتب على ذلك أن الإيجاب وحده ملزم، فلا يستطيع من صدر عنه الإيجاب أن يعدل عنه. فالملتزم بالعقد إنما يلتزم بإرادته هو، لا بتوافق إرادته مع إرادة الطرف الآخر، فهو يوجد حقًا في ذمته لشخص آخر بمجرد إعلان إرادته، وموافقة الآخر لهذا الحق إنما هو مجرد انضمام تطلبناه؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يلزم غيره بشيء إلا برضاه، فلكي يكون الالتزام من الجانبين تطلب ذلك موافقة

стр. 420

الطرف الآخر، بدلًا من كونه ملزمًا من جانب واحد، والدليل على ذلك أن الشيء إذا كان لا يتطلب موافقة الطرف الآخر صار ملزمًا ولو من جانب واحد، وهذا له نظائر في الفقه: فمن التصرفات التي تتم بإرادة منفردة في الفقه الإسلامي: الجعالة، والوصية، والوقف، والإبراء، واستعمال خيار من الخيارات كخيار الشرط، وخيار العيب، وخيار الرؤية، وأيضًا الكفالة والهبة والعارية وغير ذلك من التصرفات. ففي الجعل مثلًا يلتزم شخص بدفع مبلغ معين لمن عثر على شيء ضائع، فالواعد هنا قد التزم بإرادته المنفردة (١).

стр. 421

والقول هنا بضرورة توافق الإرادتين غير ممكن إذ الدائن وقت وجود الالتزام غير معروف، وقد يكون الدائن غير موجود في الحال، ولكنه سيوجد في المستقبل، فلا يمكن الالتزام نحوه إلا بالإرادة المنفردة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن هناك فرقًا بين العقد والالتزام، فالعقد لا ينعقد إلا بتوافق الإرادتين، وأما الالتزام فيقوم كل طرف على إرادته هو وحده، فالإيجاب ملزم وحده في حق من صدر عنه، حتى يرفضه من وجه إليه، أو ينشغلا عنه بما يقطعه، أو يتفرقا من المجلس قبل صدور القبول، فالكلام بأنه لابد من تطابق الإرادتين إنما هو في الكلام على انعقاد العقد بين الطرفين، ولزومه في حقهما معًا، مثله تمامًا من اعتبر الوعد بالبيع ملزمًا لصاحبه إذا صدر عنه، ولا ينعقد العقد إلا إذا صدر القبول من صاحب الحق، فقد يكون الإيجاب ملزمًا لصاحبه ولا يلزم منه انعقاد العقد، لكون صاحب الحق في التملك لم يقبل.

стр. 422

الراجح: إذا أخذنا بخيار المجلس، وهو قد ثبت في أحاديث متفق على صحتها، لم يكن في رجوع الموجب قبل صدور القبول إشكال، لأن حقه في الرجوع قائم حتى بعد صدور القبول، وقبل التفرق، ولكن المالكية لا يرون خيار المجلس كما سيأتي بيان مذهبهم ومناقشته عند بحث المسألة إن شاء الله، بلغنا الله ذلك بمنه وكرمه. وأما الاشتراط بأن يكون الإيجاب ملزمًا مدة معينة فربما هذا ليس بقول مستقل، وإنما يدخل في باب الشروط في البيع، كاشتراط البائع أو المشتري ما له فيه منفعة، وسوف يأتي قال السنهوري: «على أنه لا خلاف في الأمر إذا كان من صدر منه الإيجاب قد اتفق مع الطرف الآخر على أن يبقى ملتزمًا بإيجابه لا يعدل عنه مدة معينة فيكون التزام الموجب مستندًا إلى عقد تم بينه وبين الطرف الآخر، وهو غير العقد المزمع إبرامه، فإن هذا لا يتم إلا إذا اقترن القبول بالإيجاب» (١). * * *

стр. 423

الشرط الثالث هل يشترط تقدم الإيجاب على القبول؟ [م - ٧٠] هذه المسألة لا تأتي على مذهب الحنفية؛ لأن الإيجاب عندهم ما صدر أولًا سواء كان من البائع أو المشتري، والقبول ما صدر ثانيًا من أحدهما، وإنما هذه المسألة مفروضة على مذهب الجمهور القائلين بأن الإيجاب ما صدر من البائع، والقبول: ما صدر من المشتري، فإذا تقدم القبول على الإيجاب، وكان مجردًا من الاستفهام (١)، فهل ينعقد البيع عندهم؟ فقيل: ينعقد البيع مطلقًا، وهذا مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، وقول في مذهب الحنابلة (٤).

стр. 424

وقيل: لا ينعقد مطلقًا، وهو قول في مذهب الحنابلة (١). وقيل: إن تقدم بلفظ الماضي صح، وإن تقدم بلفظ المضارع لم يصح، وإن تقدم بلفظ الأمر، ففيه قولان، أشهرهما الصحة، وهذا ما عليه المتأخرون من الحنابلة (٢). دليل من قال: ينعقد مطلقًا . المطلوب في البيع هو حصول الرضا من الطرفين، فالبيع ليس له صيغة معينة يجب الالتزام بها، لأنه ليس من الأمور التعبدية التي لها ألفاظ توقيفيه لا يجوز التصرف فيها، ولذلك يصح البيع حتى بدون ألفاظ كما في بيع المعاطاة. تعليل من قال: لا ينعقد مطلقًا . التعليل الأول: أن القبول رتبته التأخر، لأن القبول إنما يكون للإيجاب، فمتى وجد قبله لم يكن قبولًا. التعليل الثاني: القياس على النكاح، فالنكاح عند الحنابلة لا يجوز فيه تقدم القبول على الإيجاب، فكذلك البيع.

стр. 425

ويجاب: لم يقم الدليل الصحيح على منع تقدم القبول على الإيجاب في النكاح حتى يصح قياس البيع عليه، ولو سلمنا الحكم في النكاح لم يكن القياس صحيحًا؛ لأن الاحتياط في باب النكاح أشد منه في باب البيوع. تعليل من قال: لا ينعقد إذا تقدم بلفظ المضارع . لم يقبل الحنابلة أن يكون القبول بصيغة المضارع ولو لم يتقدم على الإيجاب، فيكف إذا تقدم، يقول صاحب كشاف القناع: «لو قال البائع بعتك بكذا، فقال المشتري: أنا آخذه بذلك، لم يصح: أي لم ينعقد البيع؛ لأن ذلك وعد بأخذه» (١). وهذا القول ضعيف، وإذا كان الحنابلة أجازوا كما سبق انعقاد البيع بصيغة الأمر؛ لدلالة العرف، فلماذا لا يجيزون المضارع للعلة نفسها، بل إن المضارع أولى بالقبول، فإن المضارع يدل على الحال والاستقبال، والأمر إنما يدل على الاستقبال فقط. ولذلك جاء في شرح الخرشي: «المضارع دلالته على البيع والشراء أقوى من دلالة الأمر؛ لأنه يدل على الحال، بخلاف الأمر فإنه لا يدل عليه اتفاقًا» (٢). الراجح: جواز تقدم القبول على الإيجاب مطلقًا، وسبق لنا التدليل على أن البيع يقع بما يدل على الرضا بأي صيغة كانت. * * *
следующие страницы →