المبحث الأول
تمكين المقاول من إنجاز العمل
[م-٧٧٥] يلتزم رب العمل ببذل ما في وسعه لتمكين المقاول من البدء في تنفيذ العمل، ومن المضي في تنفيذه حتى يتم إنجازه.
لأن هذا هو موجب العقد، فالمقاول مطالب بالعمل بمقتضى العقد، ولا يمكنه البدء فيه، ولا المضي في تنفيذه إلا بتمكين ربه منه، وقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].
ولأن المقاول لن يستحق الأجرة إلا بالعمل، فإذا منع من تنفيذ العمل كان في ذلك إهدار لمنفعة المقاول.
فإن كان المقاول في حاجة إلى رخصة للبناء للبدء في العمل وجب على رب العمل أن يحصل له عليها في الميعاد المناسب حتى لا يتأخر البدء في تنفيذ العمل، وكذلك الحكم في جميع الترخيصات الإدارية الأخرى التي يكون العمل بحاجة إليها.
وإذا كان رب العمل قد تعهد بتقديم المواد التي تستخدم في العمل أو بتقديم الآلات والمعدات اللازمة لإنجاز العمل وجب عليه أن ينفذ ما تعهد به في الوقت المتفق عليه، أو في الوقت المناسب حتى يتمكن المقاول من البدء في تنفيذ لعمل ومن المضي في تنفيذه.
وإذا كان العمل يحتاج إلى تدخل رب العمل شخصيًا كأن يجرب الحائك عليه الثوب بعد أخذ مقاساته، أو يقوم بتصحيح مسودة الكتاب المقدم للطبع
стр. 3607
وجب عليه أن يقوم بذلك في الوقت المتفق عليه، أو في الوقت الذي يتطلبه العمل (١).
وإذا تأخر رب العمل في تمكين المقاول من إنجاز العمل فإن المقاول لا يتحمل ما يترتب على هذا التأخير من غرامات، كما لو كان في العقد شرط جزائي بأن يسلم المقاول العمل في مدة متفق عليها، بل للمقاول أن يطلب التعويض عن الضرر الذي أصابه من جراء عدم قيام رب العمل بالتزامه، أو من جراء تأخره في القيام به؛ لأن المقاول إذا منع من تنفيذ العمل فإنه يلحقه بذلك ضرر مالي في الوقت الذي لا يمكنه من الارتباط بعقود أخرى بسبب ارتباطه مع رب العمل مدة العقد.
فإن أصر رب العمل على عدم تمكين المقاول من العمل فله أن يفسخ العقد (٢).
* * *
стр. 3608
المبحث الثاني
تسليم العمل بعد إنجازه
[م-٧٧٦] يختلف قبض المبيع والعين المستأجرة عن قبض المعمول بعد فراغ المقاول منه، ذلك أن العين في البيع والإجارة تكون غالبًا عينًا معينة بالذات، معروفة للمشتري أو للمستأجر، ولا يقتضي الأمر أكثر من تسلمها. بخلاف القبض في عقد المقاولة، وذلك أن المقاولة تقع على عمل لم يكن قد بدأ وقت إبرام العقد فوجب عند إنجازه أن يستوثق رب العمل من أنه موافق للشروط المتفق عليها، أو لأصول الصنعة، ويكون ذلك بفحصه، فالقبض فيه لا يكفي بل لابد من تقبله والموافقة عليه، وهو معنى زائد على مجرد القبض.
والتقبل والقبض قد يجتمعان، وقد ينفصلان:
فقد يقبضه رب العمل ويتقبله في وقت واحد، وذلك بأن يفحصه عند قبضه، ويستوثق من أنه هو الذي قصد إليه بالتعاقد، فيوافق عليه.
وقد ينفصل تقبل العمل عن القبض:
كما لو فحص رب العمل عمل المقاول بعد إنجازه، وهو لا يزال في يد المقاول، وتقبله.
وقد يتأخر التقبل عن القبض، كما لو قبضه قبل أن يفحصه، والمطلوب هو قبضه وتقبله، وليس قبضه فقط.
إذا علم ذلك نأتي بالكلام عن تسلم العمل وقبضه.
لما كان المقاول مطالبًا بتسليم المعمول إلى ربه، وكان رب العمل مطالبًا بتسلم العمل من المقاول وجب مراعاة ما يلي:
стр. 3609
الأول: أن يكون التسليم في الميعاد المتفق عليه، أو في الميعاد المعقول لإنجاز العمل وفقًا لطبيعته ولعرف الحرفة.
ثانيًا: يجب على رب العمل أن يقوم بتنفيذ التزامه من التسلم والتقبل بمجرد أن يفرغ المقاول من عمله ويضعه تحت تصرفه.
ثالثًا: يجوز لرب العمل أن يمتنع عن تسلم العمل إذا كان المقاول قد خالف ما ورد في العقد من شروط، أو ما تقضي به أصول الصنعة (١).
رابعًا: إذا كان العقد واردًا على العمل، والأدوات من المالك، فيكون العقد من قبيل إجارة الأجير المشترك.
فهنا إما أن يكون المقاول ينجز العمل، والعين في يد صاحبها، كما لو قام سباك بتصليح مواسير المياه، وهي في مكانها، أو استأجر رجلًا ليبني له جدارًا في ملكه، فإن تسليم موضع المقاولة يكون بفراغ المقاول من عمله؛ لأنه في هذه الحالة يكون المقاول قد سلم العمل شيئًا فشيئًا (٢).
وإما أن يكون موضع المقاولة في يد المقاول فلا بد حينئذ من تسلم العمل من قبل صاحب العمل.
وتسليم العمل يكون برفع المقاول كافة الموانع والعوائق التي تمنع من قبض الشيء الذي وقع عليه العمل، ويكون صاحب العمل متمكنًا منه، وتحت تصرفه، ومأذونًا له باستلامه، وبهذا يكون المقاول قد التزم بالتسليم.
стр. 3610
وهذا غاية ما يقدر عليه المقاول، وهو محتاج إلى إخراج نفسه من العهدة، فإذا أتى بما في وسعه فقد برئ، وليس في وسعه إلا ذلك، وأما القبض الذي هو التسلم، فهذا فعل صاحب العمل، فلا يكلف المقاول فعل غيره، فجُعِل تمكين صاحب العمل من القبض ورفع كافة الموانع التي تمنع من القبض قبضًا، وهو القبض الحكمي (١).
رابعًا: إذا كان العقد واردًا على العمل والعين من المقاول، فيكون العقد استصناعًا.
فهل يلزم رب العمل بتسلم العمل بعد إنجازه، هذه المسألة ترجع إلى مسألة أخرى وقع فيها خلاف بين أبي يوسف وجمهور الحنفية، هل عقد الاستصناع عقد لازم، أو عقد جائز.
فمن رأى أن عقد الاستصناع عقد جائز لم ير أن صاحب العمل يجب عليه تسلم العمل، وهذا ما عليه جمهور الحنفية.
ومن رأى أن عقد الاستصناع عقد لازم كما هو قول أبي يوسف من الحنفية، واختارته مجلة الأحكام العدلية فإنه يرى أنه يجب على رب العمل تسلم العمل، وقد بحثت هذه المسألة في عقد الاستصناع فأغنى عن ذكرها هنا.
* * *
стр. 3611
المبحث الثالث
في دفع الأجرة المستحقة للمقاول
الفرع الأول
في وقت امتلاك المقاول للأجرة
البدل: هو العوض الذي يقابل العمل، وكل ما يصلح أن يكون ثمنًا في البيع يصلح أن يكون عوضًا في الإجارة؛ لأنه عقد معاوضة أشبه البيع.
قال ابن نجيم: «وما صح ثمنًا صح أجرة؛ أي ما جاز أن يكون ثمنًا في البيع جاز أن يكون أجرة في الإجارة؛ لأن الأجرة ثمن المنفعة فتعتبر بثمن المبيع» (١).
والأجرة من مقومات عقد الإجارة التي لا يقوم العقد إلا بها سواء اعتبرنا الأجرة ركنًا من أركان عقد الإجارة كما هو مذهب الجمهور، أو لم نعتبرها ركنًا كما هو مذهب الحنفية.
قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦].
(ح-٥٤٨) وروى البخاري من طريق سعيد بن أبي سعيد،
عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة وذكر منهم رجلًا استأجر أجيرًا فاستوفى منه، ولم يعط أجره (٢).
والسؤال: متى يملك المقاول الأجرة، هل يملكها بالعقد أو بالفراغ من العمل.
стр. 3612
وللجواب على ذلك نقول: السؤال مفروض فيما إذا كان العقد مطلقًا، أما إذا كان هناك شرط في التعجيل فيعمل بمقتضى الشرط، وكذا إذا كان هناك عرف.
[م-٧٧٧] فإن كان العقد مطلقًا، ولم يكن هناك عرف فقد اختلف العلماء متى يستحق المقاول المطالبة بالأجرة على قولين:
القول الأول:
ذهب الحنفية وابن حزم من الظاهرية إلى أن الأجرة لا تملك بالعقد، وإنما تستحق إما بالفراغ من العمل في إجارة الذمة أو بالاستيفاء شيئًا فشيئًا في إجارة العين (١).
وقد وافقهم المالكية في إجارة العين دون إجارة الذمة (٢).
القول الثاني:
ذهب الحنابلة إلى أن الأجرة تملك بمجرد العقد، وتستحق بتسليم العين (٣).
وقد وافقهم الشافعية على ذلك في إجارة العين دون إجارة الذمة فإنه يجب تعجليها (٤).
стр. 3613
وقد ذكرت أدلة الفريقين في عقد الإجارة فارجع إليه إن شئت، وقد رجحت فيه مذهب الشافعية والحنابلة.
وإذا عرفنا متى يملك المقاول الأجرة، فإن عمل المقاول واجب في ذمته، وهذا يختلف عن إجارة العين، لهذا رأى المالكية والشافعية وجوب تقديم الأجرة حتى لا يكون ذلك من باب بيع الدين بالدين، فالعمل دين في ذمة المقاول، فإذا تأخر تسليم الأجرة كانت الأجرة دينًا في ذمة المالك، فأدى ذلك إلى بيع الدين بالدين، ولأهمية المسألة هذه سوف أفرد لها بحثًا مستقلًا إن شاء الله تعالى.
* * *
стр. 3614
الفرع الثاني
في شروط الأجرة
الشرط الأول
في معرفة الأجرة
[م-٧٧٨] سبق لنا أن ذكرنا شروط الثمن في عقد البيع، وكل ما يشترط في ثمن المبيع يشترط في الأجرة. من ذلك معرفة الأجرة.
وعقد المقاولة عقد معاوضة فالعمل من المقاول مقابل بالأجرة، ولا خلاف في وجوب معرفة عمل المقاول، فهل يجب في الأجرة أن تكون معلومة باعتبارها أحد العوضين؟ أو يجوز الدخول في عقد المقاولة دون بيان الأجرة، كما لو تمت المقاولة عن طريق المعاطاة بأن يعطي أحدهم قطعة قماش لآخر ليخيطها ثوبًا، ولم يذكر الأجرة. أو أحال بالأجرة على ما هو متعارف عليه، كأن يقول: اصنع لي دارًا بمثل ما تصنع للناس، أو يقول: اعمل لي كذا وكذا وسأرضيك؟
هذه المسألة اختلف العلماء فيها على أربعة أقوال:
القول الأول:
إذا كانت الأجرة مجهولة تصح المقاولة، وله أجر المثل مطلقًا، أي سواء كان منتصبًا للعمل أم لا، وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، وقول في
стр. 3615
مذهب الشافعية (١)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٢)، واختاره ابن تيمية (٣)، ونسبه ابن القيم إلى الجمهور (٤).
القول الثاني:
ليس له أجر مطلقًا، سواء كان معروفًا بذلك العمل أم لا، وهو الأصح في مذهب الشافعية (٥).
القول الثالث:
إن كان منتصبًا للعمل فله أجر المثل، وإن لم يكن منتصبًا فليس له أجرة، وهو قول في مذهب الحنفية (٦)،
стр. 3616
وقول في مذهب الشافعية (١)، واختاره ابن قدامة من الحنابلة (٢).
القول الرابع:
له أجرة المثل إذا لم يكن من أهل التبرع كالمحجور عليه لسفه، والعبد (٣).
دليل من قال يصح وله أجرة المثل مطلقًا:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦].
وجه الاستدلال:
قال ابن القيم: «أوجب الله على الآباء إيتاء المراضع أجرهن بمجرد الإرضاع، وإن لم يعقدوا معهن عقد إجارة» (٤).
الدليل الثاني:
(ح-٥٤٩) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن حميد،
عن أنس بن مالك ﵁، قال: حجم أبو طيبة رسول الله ﷺ فأمر له بصاع من تمر، وأمر أهله أن يخففوا من خراجه (٥).
стр. 3617
وجه الاستدلال:
قوله (حجم .. فأمر له بصاع) ظاهر بأن أبا طيبة قد حجم رسول الله ﷺ ولم يذكر أجرًا، لأن الأمر له بالصاع جاء بعد الحجامة.
الدليل الثالث:
إذا كان الشارع قد جوز النكاح بدون تسمية المهر، قال تعالى: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ الآية. [البقرة:٢٣٦] قال ابن العربي: «لما قسم الله تعالى حال المطلقة إلى قسمين: مطلقة سمي لها فرض، ومطلقة لم يسم لها فرض، دل على أن نكاح التفويض جائز، وهو كل نكاح عُقِدَ من غير ذكر الصداق، ولا خلاف فيه» (١).
ولها مهر مثلها، فكون الإجارة تجوز بثمن المثل من باب أولى؛ لأن المبيع في عقد المقاولة يوجد مثله كثيرًا، بخلاف المرأة فإن وجود مثلها من نسائها في صفاتها المقصودة من كل وجه قد يتعذر.
وقد يجاب: بأن النكاح لا يشبه الإجارة.
قال ابن حزم: «ما ندري في أي وجه يشبه النكاح البيوع بل هو خلافه جملة؛ لأن البيع نقل ملك وليس في النكاح ملك أصلًا ... والخيار جائز عندهم في البيع مدة مسماة ولا يجوز في النكاح، والبيع بترك رؤية المبيع وترك وصفه باطل لا يجوز أصلًا، والنكاح بترك رؤية المنكوحة وترك وصفها جائز ... فبطل تشبيه النكاح بالبيع جملة» (٢).
стр. 3618
الدليل الرابع:
أن في المنع من ذلك فيه تضييقًا على الناس، وحرجًا في الدين، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨] (١).
قال ابن القيم: «حتى عند المنكرين لذلك، فإنهم ينكرونه بألسنتهم، ولا يمكنهم العمل إلا به ... » (٢).
الدليل الخامس:
القياس على الهبة بشرط الثواب، فهي عقد معاوضة عند الفقهاء، وقد قال بعضهم بصحتها مع أنه لم يذكر فيها الثمن.
الدليل السادس:
يقول ابن القيم: «هو أطيب لقلب المشتري من المساومة يقول: لي أسوة بالناس، آخذ بما يأخذ به غيري» (٣).
الدليل السابع:
أن عدم ذكر الثمن لا يؤدي إلى النزاع، ويمكن الوقوف عليه، فهو كما لو قال: بعت عليك هذه الصبرة كل صاع بدرهم يصح البيع وإن كانت جملة الثمن في الحال مجهولة، لكن بالإمكان معرفتها بعد كيلها، وهذا بالإمكان معرفة الثمن بعد الرجوع إلى السوق، أو الرجوع إلى التاجر المعروف.
стр. 3619
دليل من قال: ليس له أجرة مطلقًا:
الدليل الأول:
(ح-٥٥٠) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا أبو كامل، عن حماد، عن إبراهيم،
عن أبي سعيد الخدري، أن النبي ﷺ نهى عن استئجار الأجير حتى يبين له أجره ... الحديث (١).
[ضعيف، والمعروف عن إبراهيم، عن أبي سعيد من قوله، وهو مع ذلك منقطع] (٢).
стр. 3620
الدليل الثاني:
قالوا: إذا لم يشترط المقاول الأجرة كان متبرعًا، والمتبرع لا يستحق الأجرة.
ويناقش:
بأن البيع بالمعاطاة جائز على الصحيح، وليس فيه ذكر للثمن، ولم يعتبر البيع بهذه الصيغة تبرعًا، فكذلك هنا.
دليل من قال له الأجرة إن كان منتصبًا للعمل:
أنه لما كان منتصبًا للعمل كان العرف الجاري بذلك يقوم مقام القول، فصار كنقد البلد، وكما لو دخل حمامًا، أو جلس في سفينة ملاح؛ لأن شاهد الحال يقتضيه، فصار كالتعويض، فإن لم يكن منتصبًا لم يستحق الأجرة إلا بالشرط؛ لأنه لم يجر عرف يقوم مقام العقد، فصار كما لو تبرع به، أو عمله بغير إذن مالكه (١).
стр. 3621
دليل من قال: تثبت الأجرة للأجير إذا لم يكن من أهل التبرع:
إذا عمل دون أن يذكر أجرة كان عمله متبرعًا إلا أنه يشترط لصحة التبرع أن يصدر من أهله، فإذا كان الأجير ليس أهلًا للتبرع لكونه مملوكًا، أو لكونه محجورًا عليه لسفه مثلًا استحق أجرة المثل؛ لأن تبرعه غير معتبر.
الراجح:
جواز الإجارة من غير ذكر الأجرة، لأن المتعاقدين حين تعاقدا من غير ذكر الأجرة كان لسان حالهما أنهما قد تراضيا في الرجوع إلى أجرة المثل، فإذا تراضيا على ذلك جاز، والأجرة وإن لم تكن مقدرة هنا لكنها قابلة للتقدير، كما أن الرجوع إلى أجرة المثل أدعى للعدل مما لو تعاقدا على أجر مسمى، فقد يغبن أحدهما الآخر، ولا زال الناس يتعاملون في البيع بمثل ذلك، فيأخذ الرجل حاجته من البقال أو اللحام أو الفاكهي، ولا يتفقان على ثمن وقت الأخذ، ثم يحاسبه في آخر الشهر، وكان هذا البيع صورة من صور بيع المعاطاة، وما جاز في ثمن المبيع جاز في الأجرة. وقد سبق أن ناقشت البيع بدون ذكر الثمن، ورجحت جوازه، فارجع إليه إن شئت في عقد البيع، والله أعلم.
* * *
стр. 3622
الشرط الثاني
في اشتراط تعجيل الأجرة إذا كانت معينة
[م-٧٧٩] اشترط الجمهور تعجيل الأجرة إذا كانت معينة، وليست في الذمة كما لو استأجر أجيرًا بشيء بعينه من عين أو عرض، أو حيوان (١).
وعللوا ذلك: بأنه يترتب على تأخيرها غرر، فالعين المعينة عرضة للتلف، أو لتغير أوصافها مما يفضي إلى النزاع.
ولأن الله قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢].
فالآية تدل على جواز التأجيل في الديون، ولم يرد في النصوص ما يشير إلى جواز تأجيل الأعيان، ولهذا قال الكاساني في البدائع «التأجيل يلائم الديون، ولا يلائم الأعيان» (٢).
وقال ابن عابدين: «الأعيان لا تقبل التأجيل» (٣).
стр. 3623
وقال الرملي: «الأعيان لا تقبل التأجيل ثمنًا، ولا مثمنًا» (١).
وقال ابن رشد في بداية المجتهد: «وأجمعوا على أنه لا يجوز بيع الأعيان إلى أجل، وأن من شرطها تسليم المبيع إلى المبتاع بأثر الصفقة» (٢).
والأجرة نوع من البيع؛ إلا أنها من قبيل بيع المنافع.
وجاء في المجموع: «قال أصحابنا: إنما يجوز الأجل إذا كان العوض في الذمة، فأما إذا أجل تسليم المبيع أو الثمن المعين، بأن قال: اشتريت بهذه الدراهم على أن أسلمها في وقت كذا، فالعقد باطل» (٣).
وعلل الحنفية والشافعية المنع من التأجيل في المعين بأنه إنما شرع الأجل من أجل التحصيل، فإذا كان معينًا فقد تم تحصيله فلا حاجة له.
قال في العناية: «الأجل في المبيع العين باطل لإفضائه إلى تحصيل الحاصل، فإنه شرع ترفيهًا في تحصيله باتساع المدة، فإذا كان المبيع أو الثمن حاصلًا كان الأجل لتحصيل الحاصل .. » (٤).
وقال السيوطي: «الأجل شرع رفقًا للتحصيل، والمعين حاصل» (٥).
وعلل السمرقندي أن الأجل في المعين لا يفيد، فقال: «ومنها: أن يشترط الأجل في المبيع العين، أو الثمن العين؛ لأن الأجل في الأعيان لا يفيد، فلا يصح، فيكون شرطًا لا يقتضيه العقد، فيفسد البيع» (٦).
стр. 3624
وقد حكي في ذلك الإجماع، فإن صح الإجماع فهو حجة وإلا فالنظر لا يمنع من تأجيل المعين، وإذا جاز على الصحيح أن يبيع الدار ويستثني سكناها مدة معلومة، وهذا يقتضي عدم تسليم المعين، وما جاز في البيع جاز في الإجارة، كما تجوز الإجارة على مدة لا تلي العقد على الصحيح، وهذا يعني تأخير تسليم المعين.
وقد بحثت هذا الشرط في كتاب الشروط في البيع (اشتراط التأجيل في العقد) فانظره هناك.
* * *
стр. 3625
الشرط الثالث
في تأجيل الأجرة إذا كانت الإجارة على عمل في الذمة
يجوز تعجيل الأجرة، ويجب التعجيل بالشرط، وهذا مما لا خلاف فيه، وقد بحثت ذلك في عقد الإجارة.
وهل يجوز اشتراط التأجيل مع أن عقد المقاولة عقد يرد على العمل، والعمل حين العقد متعلق في ذمة المقاول وليس في عين معينة؟
وللجواب عن ذلك يقال:
[م-٧٨٠] إن قدم المقاول المواد والعمل فالعقد يوصف عند الحنفية بأنه عقد استصناع، ويجوز عند الحنفية تأخير الأجرة في عقد الاستصناع.
ويوصف عند الجمهور بأنه سلم، ويشترطون لجوازه أن تتوفر فيه شروط السلم، ومن ذلك تعجيل الثمن.
وسبق تحرير هذه المسألة في عقد الاستصناع فأغنى عن إعادته هنا.
والراجح مذهب الحنفية، وأن عقد الاستصناع يختلف عن عقد السلم، والله أعلم.
[م-٧٨١] وإن قدم رب المال المواد، فالمقاول أجير مشترك، والإجارة على عمل في الذمة، فهل يصح تأجيل الأجرة والعمل دين في ذمة المقاول؟
اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:
القول الأول:
يصح اشتراط تأجيل الأجرة، بل إن المقاول لا يستحق الأجرة إلا إذا فرغ من
стр. 3626
العمل. وهذا مذهب الحنفية، والحنابلة، وقول في مذهب الشافعية (١).
واستدلوا بأدلة منها:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦].
وجه الاستدلال:
أن الآية تأمر بإيتاء الأجر بعد الإرضاع، فدل على جواز تأخير الأجرة.
و أجيب:
بأن الإيتاء في وقت لا يمنع وجوبه قبله؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤]. والصداق يجب قبل الاستمتاع.
الدليل الثاني:
(ح-٥٥١) ما رواه البخاري من طريق سعيد بن أبي سعيد،
عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًا، فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه، ولم يعط أجره (٢).
وجه الاستدلال:
لو كان تقديم الأجرة شرطًا ما صح أن يستوفي منه حتى يعطيه أجره، فدل على صحة أن يستوفي المستأجر من الأجير قبل دفع الأجر.
стр. 3627
الدليل الثالث:
(ح-٥٥٢) ما رواه الطحاوي في مشكل الآثار من طريق محمد بن عمار المؤذن، عن المقبري،
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه (١).
[أكثر طرقه لا تخلو من ضعف، وبعضها ضعيف جدًا، وأرجو أن يكون حسنًا بمجموع طرقه] (٢).
الدليل الرابع:
الإجارة في الذمة ترد على العمل، والعامل قبل تقديم عمله لا يستحق ما يقابله، لأن الأجرة عوض فلا يستحق قبضها إلا مع تسليم المعوض كالصداق، والثمن في المبيع، واستحقاقه إنما يكون بفراغه منه.
القول الثاني:
يجب تقديم الأجرة إذا كان المعقود عليه في ذمة المقاول، وهو مذهب المالكية، والأصح عند الشافعية (١).
واستثنى المالكية إذا شرع المستأجر في استيفاء المنفعة في خلال ثلاثة أيام من تاريخ العقد فيجوز تأخير الأجرة.
وجه اشتراط المالكية والشافعية تعجيل الثمن:
الإجارة في الذمة تعتبر من قبيل السلم في المنافع، والسلم يشترط له تعجيل الثمن حتى لا يكون ذلك من باب بيع الدين بالدين.
стр. 3630
وأجاز المالكية تأخير الأجرة إذا شرع المستأجر باستيفاء المنفعة؛ لأن المستأجر بالشروع في الاستيفاء يعد مستوفيًا لها، فخرج من كونه بيع دين بدين.
الراجح:
اختلاف الفقهاء سببه أن الإجارة إذا كانت على عمل في الذمة هل تعتبر من قبيل السلم في المنافع، والسلم يشترط له تعجيل الثمن حتى لا يكون ذلك من باب بيع الكالئ بالكالئ؟ أو لا يعتبر ذلك باعتبار أن الأجرة لا تستحق بالعقد، وإنما تستحق إما بالفراغ من العمل، أو بحسب استيفاء المنفعة شيئًا فشيئًا، فاختلف ذلك عن بيع السلم، ومسألة: متى تستحق الأجرة مسألة خلافية تعرضت لها في عقد الإجارة في مبحث مستقل، وحررت القول الراجح فيها.
وما ذهب إليه الحنفية والحنابلة هو الراجح؛ لسببين:
الأول: أن المالكية قالوا بتعجيل الأجرة قياسًا على السلم، ومع ذلك لم يطبقوا عليها أحكام السلم من كل وجه، فالسلم الحال لا يجوز عند المالكية، وتعجيل الإجارة فيما إذا كانت على عمل في الذمة جائز عندهم، وهذا يبين أن الإجارة على الذمة لا تأخذ حكم السلم من كل وجه.
قال الباجي في المنتقى: «فأما الكراء المضمون (ما كان في الذمة) فإنه يجوز أن يكون معجلًا بخلاف السلم على المشهور من المذهب ووجه ذلك أن المنافع هذا حكمها لا يجوز أن يعقد منها إلا على موجود مع الإجماع على جوازه فيمن يعتبر بقوله ولذلك قال تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص:٢٧] فإذا ثبت ذلك فالتعيين في العين
стр. 3631
المعقود على منافعها إنما هو تعيين لعين المعقود عليه، فإذا جاز العقد على منافع دابة معينة مؤجلة فكذلك على منافع دابة غير معينة» (١).
الثاني: أن تأخير الأجرة هو الذي يقتضيه حال الناس اليوم لكون الإجارة لم تكن على ثوب يقدمه صاحبه إلى حائك، وإنما بلغت الإجارة اليوم على أعمال مكلفة جدًا، كإنشاء مطارات، وسكك حديدية، وأبراج ضخمة، فلو عجلت الأجرة لخيف من أن يتهاون الأجير في الالتزام بالعمل المطلوب، والله أعلم.
* * *
стр. 3632
[م-٧٨٢] اختلف الفقهاء في جواز أن تكون أجرة المقاول منفعة على قولين:
القول الأول: مذهب الحنفية:
إن قدم المقاول المواد والعمل فالعقد يوصف عند الحنفية بأنه عقد استصناع، ولا يصح في عقد الاستصناع عندهم أن تكون الأجرة منفعة.
وجه ذلك:
أن الاستصناع عند جمهور الحنفية نوع من البيع، والمنفعة لا تصح أن تكون ثمنًا في البيع عندهم.
وإن قدم المقاول العمل فقط، والمواد من صاحب العمل، فالمقاول أجير مشترك، فيجوز أن تكون المنفعة أجرة، ولكن يشترط فيها عند الحنفية ألا تكون من جنس المعقود عليه.
فلا تصح المقاولة على حرث الأرض وزراعتها مقابل حرث أرض أخرى وزراعتها؛ لأن العوضين من جنس واحد، وتجوز المقاولة على زراعة الأرض بسكنى دار أخرى.
وجه ذلك:
أن الحنفية يحرمون النسيئة في كل ما اتحد جنسه وإن لم يكن مكيلًا أو موزونًا، فإذا كان عمل المقاول والأجرة من جنس واحد، وكان عمل المقاول معدومًا وقت العقد، وذلك يعني عدم التقابض وهذا يوقع في ربا النسيئة؛ لذلك اشترط الحنفية أن تكون الأجرة مخالفة لجنس المعقود عليه في عقد المقاولة.
стр. 3633
وقد تكلمت عن أدلة الحنفية في جريان الربا في كل ما اتحد جنسه، وأجبت عنها فأغنى ذلك عن إعادتها هنا.
جاء في تبيين الحقائق: «صح أجرة ما لا يصح ثمنًا أيضًا كالمنفعة فإنها ... لا تصلح ثمنًا، وتصلح أجرة إذا كانت مختلفة الجنس، كاستئجار سكنى الدار بزراعة الأرض، وإن اتحد جنسهما لا يجوز كاستئجار الدار للسكنى بالسكنى، وكاستئجار الأرض للزراعة بزراعة أرض أخرى؛ لأن المنافع معدومة فيكون بيعًا بالنسيئة على ما قالوا، فلا يجوز ذلك في الجنس المتحد ... » (١).
القول الثاني:
ذهب الجمهور إلى جواز أن تكون الأجرة منفعة مطلقًا من غير فرق بين أن تكون المواد من العامل أو من رب المال.
قال القرافي في الذخيرة: «تجوز سكنى دار بسكنى دار أخرى، وكل ما جاز إجارته جاز أجره، وقاله أحمد وفاقًا للشافعي قياسًا للمنافع على الأعيان، وجوزه أبو حنيفة في اختلاف الجنس كالسكنى بالخدمة، ومنعه مع اتحاده ... » (٢).
وقال الشيرازي: «ويجوز إجارة المنافع من جنسها ومن غير جنسها؛ لأن المنافع في الإجارة كالأعيان في البيع، ثم الأعيان يجوز بيع بعضها ببعض فكذلك المنافع» (٣).
стр. 3634
وقال العز بن عبد السلام: «جوز الشافعي ﵀ إجارة المنافع بالمنافع وإن كانتا معدومتين كما جوزت الشريعة عقد النكاح بتعليم القرآن وهو مقابلة منفعة التعليم بمنفعة البضع والتقدير زوجتكها بتعليم ما معك من القرآن، أو بتلقين ما معك من القرآن وكما أنكح شعيب ابنته من موسى برعي عشر حجج مقابل منافع البضع بالرعي كما قابل ﷺ منافع البضع بتعليم القرآن» (١).
وقال ابن قدامة: «كل ما جاز ثمنًا في البيع جاز عوضًا في الإجارة ; لأنه عقد معاوضة أشبه البيع. فعلى هذا يجوز أن يكون العوض عينًا ومنفعة أخرى سواء كان الجنس واحدًا كمنفعة دار بمنفعة أخرى أو مختلفًا كمنفعة دار بمنفعة عبد. قال أحمد: لا بأس أن يكتري بطعام موصوف معلوم. وبهذا كله قال الشافعي قال الله تعالى إخبارًا عن شعيب أنه قال: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص:٢٧] فجعل النكاح عوض الإجارة ... » (٢).
* * *
стр. 3635
الباب الرابع
في ضمان المقاول
الفصل الأول
في ضمان المقاول إذا كان متعهدًا بالمواد
[م-٧٨٣] إذا كان تعهد المقاول على صنع شيء معين، وكانت المواد من المقاول، فإن الشيء المقاول عليه ثابت في ذمة المقاول، وما ثبت في الذمة لا يلحقه عيب ولا تلف، وقد انعقد عقد المقاولة صحيحًا مستجمعًا لشروطه، وحق صاحب العمل أن يستلم الشيء المقاول عليه خاليًا من العيوب.
فإذا وجد رب العمل عيبًا في المصنوع فإن له خيار العيب إن شاء تجوز به، وإن شاء رده، وطالب المقاول ببدله سليمًا؛ لأن المعقود عليه في الذمة بصفة السلامة، فإذا لم يرض بالمعيب رجع إلى ما في الذمة قياسًا على ما قلناه في السلم والاستصناع (١).
* * *
стр. 3636
الفصل الثاني
في ضمان المقاول إذا كانت المواد من رب المال
المبحث الأول
أن تكون العين في يد المقاول
[م-٧٨٤] لا خلاف بين الفقهاء في تضمين المقاول (الأجير المشترك) إذا تعدى أو فرط، فإن تلف ما في يده بلا تعد ولا تقصير، وكان الأجير قد قبض العين فهل يضمن؟ اختلف العلماء في ذلك على أربعة أقوال:
القول الأول:
ذهب أبو حنيفة، والحنابلة في المشهور إلى أن الأجير المشترك يضمن إن كان التلف بسبب يرجع إلى فعله سواء أكان متعديًا أم لا، وسواء تجاوز المعتاد أو لم يتجاوز، وأما ما تلف بسبب لا يرجع إلى فعله بل يرجع إلى الحفظ مثلًا ونحوه فلا يضمنه إن لم يكن منه تعد أو تفريط (١).
القول الثاني:
ذهب أبو يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية، وبعض الشافعية، وبعض الحنابلة إلى أن الأجير المشترك يضمن بالقبض مطلقًا سواء كان الهلاك بفعله أو
стр. 3637
بغير فعله، وسواء كان متعديًا أو غير متعد، إلا إذا وقع التلف بسبب لا يمكن الاحتراز عنه كحريق غالب، أو كان الأجير لم ينفرد باليد (١).
وجه الاختلاف بين قول أبي حنيفة وقول صاحبيه:
يتفق هذا القول مع الذي قبله بتضمين الأجير ما كان بسبب فعله، وأدلتهم واحدة في هذا فلا نحتاج إلى إعادتها.
ويتفقان على أن الأجير لا يضمن إذا كان التلف بسبب لا يمكن التحرز منه كحريق غالب.
ويختلفان بالضمان إذا كان العيب لم يكن بسبب يرجع إلى الصنعة، وإنما يعود إلى الحفظ بسبب يمكنه التحرز منه.
فأبو حنيفة يرى أن الأجرة إنما هي في مقابل الصنعة فقط، والحفظ ليس داخلًا في العقد، وبالتالي إذا سرقت العين أو لحقها تلف أو عيب من غير فعل الأجير لم يضمن؛ لأن العقد لم يكن على الحفظ، فيده في الحفظ يد أمانة لا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط.
وأما الصاحبان فيريان أن الحفظ مستحق على الأجير المشترك؛ لأنه لا يمكنه العمل إلا به، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فكان العقد واردًا
стр. 3638
على الحفظ، ولأن عقد المعاوضة يقتضي سلامة المعقود عليه، فيضمن بالهلاك كما في الوديعة إذا كانت بأجر (١).
القول الثالث:
ذهب المالكية إلى أن الأصل في يد الأجير المشترك أنها يد أمانة، ولكن لما فسد الناس، وظهرت خيانة الأجراء ضمن الصناع، وكل من تقتضي المصلحة العامة تضمينه من الأجراء المشتركين حيث تقوم به التهمة. وهو من باب الاستحسان (٢).
«ووجه المصلحة فيه: أن الناس لهم حاجة إلى الصناع، وهم يغيبون عن الأمتعة في غالب الأحوال، والأغلب عليهم التفريط، وترك الحفظ، فلو لم يثبت تضمينهم مع مسيس الحاجة إلى استعمالهم لأفضى ذلك إلى أحد أمرين:
إما ترك الاستصناع بالكلية، وذلك شاق على الخلق، وإما أن يعملوا، ولا يضمنوا ذلك بدعواهم الهلاك والضياع، فتضيع الأموال، ويقل الاحتراز، وتتطرق الخيانة، فكانت المصلحة التضمين» (٣).
وعلى هذا فضمان الصناع عند المالكية ضمان تهمة لا ضمان أصالة، ولا يضمن عند المالكية إلا بشروط، منها:
الأول: أن ينتصب للصنعة لدى عامة الناس، فلا ضمان على الصانع الخاص بجماعة.
стр. 3639
والصانع المنتصب: هو من أقام نفسه لعمل الصنعة التي استعمل فيها بسوقها أو داره، وغير المنتصب: هو من لم يقم نفسه لها، ولا منها معاشه (١).
الثاني: أن يغيب ربها عن الذات المصنوعة، فإن عمل الصانع في بيت رب السلعة، فلا ضمان عليه، جلس معه ربها أم لا، عمل بأجر أم لا، وكذا لو صنعت بحضرة ربها، ولو في محل الصانع.
الثالث: ألا تقوم بينة على ما ادعاه من تلف أو ضياع فإن قامت بينة بهلاكه بغير سببه فلا ضمان. وهذا يقوي أن ضمان الصناع عند المالكية ضمان تهمة ينتفي بإقامة البينة، لا ضمان أصالة (٢).
الرابع: أن يكون المصنوع مما يغاب عليه بأن يكون ثوبًا، أو حليًا، فلا ضمان على معلم الأطفال، أو البيطار إذا ادعى الأول هروب الولد، والثاني هروب أو تلف الدابة.
الخامس: ألا يكون في الصنعة تغرير، وإلا فلا ضمان، كنقش الفصوص وثقب اللؤلؤ، وتقويم السيوف، وحرق الخبز عند الفران، وتلف الثوب في قدر الصباغ، وما أشبه ذلك كالبيطار يطرح الدابة لكيها مثلًا فتموت، وكالخاتن لصبي يموت عند ختنه.
السادس: ألا يكون الصانع أحضره لربه مصنوعًا على الصفة المطلوبة، ويتركه ربه اختيارًا فيضيع (٣).
стр. 3640
القول الرابع:
يرى أن يد الأجير المشترك يد أمانة مطلقًا فلا يضمن ما تلف بعمله ما لم يتعد، وهو اختيار زفر من الحنفية، والأظهر عند الشافعية، وصوبه في الإنصاف والله أعلم (١).
وقد ذكرنا أدلة الأقوال في عقد الإجارة في باب تضمين الأجير المشتري، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، وأرى أن مذهب أبي يوسف ومحمد بن الحسن هو أرجح الأقوال، وهو الذي يصلح للناس في هذه الأزمان مع خراب الذمم، وتهاون الناس في الحقوق، والله أعلم.
* * *
стр. 3641
المبحث الثاني
في ضمان المقاول والعين في يد صاحبها
[م-٧٨٥] إذا كان المقاول يعمل والعين في يد صاحبها لم يقبضها، فتلفت العين، فهل يضمن؟
اختلف الفقهاء في تضمينه على قولين.
القول الأول:
قالوا: لا يضمن الأجير المشترك إذا حدث العيب، والعين في يد مالكها، وهو قول الجمهور من الحنفية، والمالكية، والشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (١).
القول الثاني:
يضمن مطلقًا، ولو كان رب العمل شاهدًا، وهو المذهب عند الحنابلة (٢).
وانظر أدلة الأقوال في عقد الإجارة، في تضمين الأجير المشترك، فقد تم تحريره هناك، ولله الحمد.
стр. 3642
الفصل الثالث
في صفة العيب المضمون
[م-٧٨٦] إذا أحدث المقاول عيبًا فإن كان بالإمكان تدارك ما أحدثه من عيب، وذلك بالقيام بإصلاح ذلك الشيء ففي هذه الحالة يحق لرب العمل أن يطالب المقاول إما بالتنفيذ العيني للعقد، أو فسخ العقد ورد البدل مع التعويض إن كان له مقتضٍ، ويترتب على ذلك مسؤولية المقاول عن الأضرار المتولدة عن فعله وصنعه.
وإن كان العيب ليس بالإمكان تداركه وإصلاحه، فإن المقاول يضمن بشرط أن يكون العيب مؤثرًا، وهذا شرط لا بد منه، ولا يختلف الفقهاء في الضمان إذا كان النقص كثيرًا، سواء كان ينقص العين، أو ينقص القيمة.
وإن كان العيب لا ينقص العين ولا القيمة، ومنفعته تامة فليس لرب العمل خيار في رد العين (١).
واختلفوا في النقص اليسير على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
إن كان العيب ينقص القيمة أَثَّر ذلك مطلقًا، يسيرًا كان، أو كثيرًا. وهذا مذهب الحنفية (٢)،
قال في بدائع الصنائع: «فكل ما يوجب نقصان الثمن في عادة التجار نقصانًا فاحشًا أو يسيرًا (١)، فهو عيب يوجب الخيار» (٢).
أضاف ابن الهمام: «وسواء كان ينقص العين، أو لا ينقصها ولا ينقص منافعها، بل مجرد النظر إليها كالظفر الأسود الصحيح القوي على العمل ... » (٣).
القول الثاني:
ما نقص من القيمة إن كان يسيرًا مما يتغابن الناس في مثله، فلا يؤثر، وهو قول في مذهب الشافعية (٤)، وقول في مذهب الحنابلة (٥)، واختاره ابن حزم.
стр. 3645
القول الثالث:
النقص اليسير مؤثر مطلقًا، سواء نقص من القيمة، أم لا، اختاره بعض المالكية (١).
وقد سبق أن ذكرنا أدلة هذه الأقوال في خيار العيب فأغنى عن إعادته هنا.
* * *