المبحث الثاني
في ضمان المقاول والعين في يد صاحبها
[م-٧٨٥] إذا كان المقاول يعمل والعين في يد صاحبها لم يقبضها، فتلفت العين، فهل يضمن؟
اختلف الفقهاء في تضمينه على قولين.
القول الأول:
قالوا: لا يضمن الأجير المشترك إذا حدث العيب، والعين في يد مالكها، وهو قول الجمهور من الحنفية، والمالكية، والشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (١).
القول الثاني:
يضمن مطلقًا، ولو كان رب العمل شاهدًا، وهو المذهب عند الحنابلة (٢).
وانظر أدلة الأقوال في عقد الإجارة، في تضمين الأجير المشترك، فقد تم تحريره هناك، ولله الحمد.
стр. 3642
الفصل الثالث
في صفة العيب المضمون
[م-٧٨٦] إذا أحدث المقاول عيبًا فإن كان بالإمكان تدارك ما أحدثه من عيب، وذلك بالقيام بإصلاح ذلك الشيء ففي هذه الحالة يحق لرب العمل أن يطالب المقاول إما بالتنفيذ العيني للعقد، أو فسخ العقد ورد البدل مع التعويض إن كان له مقتضٍ، ويترتب على ذلك مسؤولية المقاول عن الأضرار المتولدة عن فعله وصنعه.
وإن كان العيب ليس بالإمكان تداركه وإصلاحه، فإن المقاول يضمن بشرط أن يكون العيب مؤثرًا، وهذا شرط لا بد منه، ولا يختلف الفقهاء في الضمان إذا كان النقص كثيرًا، سواء كان ينقص العين، أو ينقص القيمة.
وإن كان العيب لا ينقص العين ولا القيمة، ومنفعته تامة فليس لرب العمل خيار في رد العين (١).
واختلفوا في النقص اليسير على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
إن كان العيب ينقص القيمة أَثَّر ذلك مطلقًا، يسيرًا كان، أو كثيرًا. وهذا مذهب الحنفية (٢)،
قال في بدائع الصنائع: «فكل ما يوجب نقصان الثمن في عادة التجار نقصانًا فاحشًا أو يسيرًا (١)، فهو عيب يوجب الخيار» (٢).
أضاف ابن الهمام: «وسواء كان ينقص العين، أو لا ينقصها ولا ينقص منافعها، بل مجرد النظر إليها كالظفر الأسود الصحيح القوي على العمل ... » (٣).
القول الثاني:
ما نقص من القيمة إن كان يسيرًا مما يتغابن الناس في مثله، فلا يؤثر، وهو قول في مذهب الشافعية (٤)، وقول في مذهب الحنابلة (٥)، واختاره ابن حزم.
стр. 3645
القول الثالث:
النقص اليسير مؤثر مطلقًا، سواء نقص من القيمة، أم لا، اختاره بعض المالكية (١).
وقد سبق أن ذكرنا أدلة هذه الأقوال في خيار العيب فأغنى عن إعادته هنا.
* * *
стр. 3646
الفصل الرابع
في كيفية الضمان إذا كانت المواد من المقاول
[م-٧٨٧] إذا قلنا: إن المقاول ضامن، فكيف يكون الضمان؟
إذا كان تعهد المقاول على صنع شيء معين، وكانت المواد من المقاول، فالعقد يوصف بأنه عقد استصناع، والمصنوع في ذمة المقاول.
وصاحب العمل مخير بين أمرين:
الأمر الأول:
أن يرد الشيء المصنوع، وفي هذه الحال له أن يطالبه ببدله سليمًا، وذلك أن الشيء المقاول عليه ثابت في ذمة المقاول، وما ثبت في الذمة لا يلحقه عيب ولا تلف، وقد انعقد عقد المقاولة صحيحًا مستجمعًا لشروطه، وحق صاحب العمل أن يستلم الشيء المقاول عليه خاليًا من العيوب كما قلنا ذلك في المسلم فيه إذا تعذر (١).
وله أن يفسخ العقد معه، فإن كان صاحب العمل قد سلم الثمن مقدمًا كما هو شرط الجمهور في عقد الاستصناع فإن ضمان المقاول بهذه الحال يعني أن يرد المقاول الأجرة إن كان قبضها، وإن لم يسلم الثمن مقدمًا كما هو مذهب
стр. 3647
الحنفية فلا يستحق المقاول شيئًا لعمله؛ لعدم إتيانه بالمعقود عليه على الصفة المشروطة (١).
الأمر الثاني
أن يقبل صاحب العمل الشيء المصنوع، ويرضى بالعيب فلا خيار له، ولا يكفي اطلاعه على العيب بل لا بد أن يعلم أنه عيب في السلعة، فلو اطلع على العيب ورضي به، ولم يعلم أن مثله يعتبر عيبًا فلا يعتبر اطلاعه عليه رضا (٢).
والرضا بالعيب قسمان: صريح وكناية.
فالرضا الصريح: كأن يقول بعد اطلاعه على العيب رضيت به، أو أجزت، أو أبرأت الأجير، أو أسقطت خياري، فإذا نطق بالرضا فلا خيار له، وهذا باتفاق الفقهاء (٣).
لأن الرد حق له، فإذا أسقطه برضاه سقط.
ولأن الرد ثبت دفعًا للضرر عنه، فإذا رضي بالضرر جاز البيع.
قال ابن تيمية: «إذا ظهر ما يدل على الرضا من قول أو فعل سقط خياره بالاتفاق» (٤).
стр. 3648
والرضا الضمني أو الكناية:
بأن يصدر من صاحب العمل بعد العلم بالعيب فعل يدل على الرضا به، كما لو استغل المصنوع لغير ضرورة ولا تجربة (١)، أو عرضه للبيع.
فإن حصل مثل ذلك، فقيل: يسقط خياره، وهذا قول عامة أهل العلم (٢).
وقيل: لا يسقط خياره، وهو اختيار ابن حزم (٣).
وقد ذكرنا أدلتهم في خيار العيب فأغنى عن إعادته هنا.
و الراجح:
ما ذهب إليه الجمهور، وأن التصرف في المبيع واستعماله دليل على رضاه به معيبًا، إذ لو كان يرغب في رده لم يتصرف في مال غيره تصرف الملاك، فتصرفه في مال غيره مع رغبته في رده يعتبر من الاعتداء على مال الغير، فحماية لحق البائع اعتبر انتفاعه بمال غيره من قبيل الرضا بالعيب، وأن مثل هذا مسقط لخياره، والله أعلم.
* * *
стр. 3649
الفصل الخامس
في كيفية الضمان إذا كانت المواد من رب العمل
[م-٧٨٨] إذا كان تعهد المقاول على العمل فقط، والعين من رب العمل، فالمقاول في العقد أجير، وهو ما يسمى في الفقه الإسلامي بالأجير المشترك.
وقد اختلف العلماء في كيفية تضمين الأجير المشترك إلى ثلاثة أقوال.
القول الأول:
ذهب الحنفية والحنابلة إلى أن المستأجر مخير بين أن يضمن الأجير المأجور غير معمول، ولا أجر له، وبين أن يضمنه معمولًا وله الأجر. وهذا مذهب الحنفية والحنابلة (١).
وجه القول بالتخيير:
أن الجناية جاءت من الأجير على مال صاحب العمل فكان الخيار له دون غيره بين تضمينه غير معمول، ولا أجرة له؛ لأن الأجرة إنما تجب بالتسليم، ولم يوجد. وبين تضمينه إياه معمولًا، ويدفع له أجرته؛ لأنه لو لم يدفع إليه الأجرة لاجتمع على الأجير فوات الأجرة وضمان ما يقابلها، ولأن المالك إذا ضمنه ذلك معمولًا يكون في معنى تسليم ذلك معمولًا، فيجب أن يدفع إليه الأجرة لحصول التسليم الحكمي.
стр. 3650
القول الثاني:
ذهب مالك أن الفساد إن كان يسيرًا فعليه قيمة ما أفسد، وإن كان الفساد كثيرًا ضمن قيمة ما أفسده يوم قبضه، وليس عليه أن يضمن قيمة العين مصنوعة.
جاء في المدونة: «قلت: أرأيت إن استأجرت خياطًا يقطع لي قميصًا، ويخيطه لي فأفسده؟ قال: قال مالك إذا كان الفساد يسيرًا، فعليه قيمة ما أفسد، وإن كان الفساد كثيرًا ضمن قيمة الثوب، وكان الثوب للخياط ... » (١).
وجاء في المدونة تحت عنوان (القضاء في تضمين الصناع) «قلت: أرأيت لو أني دفعت إلى قصار ثوبًا ليغسله لي، فغسله، أو دفعت إلى خياط ثوبا ليخيطه لي ففعل، ثم ضاع بعد ما فرغ من العمل، فأردت أن أضمنه في قول مالك كيف أضمنه؟ أقيمته يوم قبضه مني أم أدفع إليه أجره وأضمنه قيمته بعد ما فرغ منه؟
قال: سألت مالكا أو سمعت مالكًا يسأل عن الرجل يدفع إلى القصار الثوب فيفرغ من عمله، وقد أحرقه، أو أفسده ماذا على العامل؟ قال: قيمته يوم دفعه إليه ...... قلت: أرأيت إن قلت: أنا أضمنه قيمته مقصورًا وأؤدي إليه الكراء؟ قال: ليس لك أن تضمنه إلا قيمته يوم دفعته إليه أبيض؟ قال: وسألنا مالكا عن الخياطين إذا أفسدوا ما دفع إليهم؟ قال: عليهم قيمة الثياب يوم قبضوها» (٢).
وجاء في المنتقى: «إذا أفسد الخياط أو القصار الثوب فسادًا يسيرًا فقد
стр. 3651
قال مالك في الموازية والمختصر: عليه ما نقصه بعد أن يرفأه، يقال: ما قيمته يوم دفعه إليه صحيحًا وما قيمته ذلك اليوم مرفوًا فيغرم ما بين ذلك وإن كثر ضمن قيمته كله يوم دفعه إليه.
وروى ابن وهب عن مالك إذا أفسده بخياطة فله أن يضمنه قيمته يومه صحيحًا» (١).
القول الثالث:
اختلف الشافعية في كيفية تضمين تأجير المشترك بناء على اختلافهم في تضمينه:
جاء في المهذب: «فإن قلنا: إنه أمين فتعدى فيه، ثم تلف ضمنه بقيمته أكثر ما كانت من حين تعدى إلى أن تلف؛ لأنه ضمن بالتعدي، فصار كالغاصب.
وإن قلنا: إنه ضامن لزمه قيمته أكثر ما كانت من حين القبض إلى حين التلف كالغاصب.
ومن أصحابنا من قال: يلزمه قيمته وقت التلف كالمستعير، وليس بشيء» (٢).
وأرى أن مذهب المالكية هو أرجح الأقوال، وأنه لا وجه لتضمينه العين مصنوعة فهو لم يملك الصنعة حتى يمكن أن يطالب بضمانها، والترجيح إنما في وقت الضمان، هل يضمنها يوم قبضها، أو يضمنها يوم تلفها، والذي بسببه وجب الضمان، والثاني أرجح، وقد تكلمنا عنه في باب ضمان المبيع فأغنى عن إعادته هنا، والله أعلم.
* * *
стр. 3652
الفصل السادس
إذا حبس العين لاستيفاء الأجرة فتلفت
[م-٧٨٩] إذا حبس المقاول العين من أجل استيفاء الأجرة فتلفت، فهل يضمن المقاول؟
اختلف الفقهاء في ذلك على أربعة أقوال:
القول الأول:
ذهب الحنفية إلى أن الأجير إذا أراد حبس العين بعد الفراغ من العمل نظر:
فإن كان لعمله أثر ظاهر في العين كالخياط والصباغ ونحوهما، وكان الأجر حالًا ليس مؤجلًا، فإن له حبس العين حتى يقبض الأجرة.
وجه ذلك:
أن ذلك الأثر في العين هو المعقود عليه، وهو صيرورة الثوب مخيطًا أو مصبوغًا، وهو عمل المقاول وملكه، والأجرة في مقابل ذلك الأثر، فحق للمقاول أن يحبس ملكه حتى يستلم عوضه، فكان كالمبيع له أن يحبسه لاستيفاء أجره (١).
وهذا أحد الوجهين في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (٢).
فإن حبس العين فضاعت فاختار أبو حنيفة أن لا ضمان عليه؛ لأن العين أمانة في يده .. وفي حبسها لا يكون متعديًا فلا يجب عليه الضمان.
стр. 3653
ولا أجرة له؛ لأن المعقود عليه هلك قبل التسليم. وذلك يوجب سقوط البدل كالمبيع إذا هلك قبل القبض.
فإن لم يكن لعمله أثر، كالحمال، والملاح فلا يحق له حبس العين؛ لأن المعقود عليه وهو الحمل عرض لا يتصور بقاؤه، وليس له أثر في العين حتى يتصور حبسه (١).
واختار أبو يوسف ومحمد بن الحسن بأنه يضمن إذا تلفت العين؛ ليس بسبب الحبس، وإنما لكونها مضمونة عليه بالقبض قبل الحبس، فلا يسقط ذلك بالحبس (٢).
فإن شاء ضمنه قيمته غير معمول، ولا أجر له، وإن شاء ضمنه معمولًا، وله الأجر.
القول الثاني:
ذهب المالكية إلى أن الأجير له أن يحبس ما في يده مطلقًا سواء كان له أثر في العين أو ليس له أثر في العين حتى يستوفي أجره، وإذا هلكت فعليه الضمان إلا أن تقوم له بينة على الضياع فيبرأ من الضمان، ولا أجر له؛ لأنه لم يسلم ما عمل إلى أربابه (٣).
стр. 3654
جاء في التاج والإكليل: «قال ابن القاسم: لكل صانع أو حمال على ظهر أو سفينة منع ما حمل أو عمل حتى يأخذ أجره، فإن هلك ذلك بأيديهم في منعهم فالصناع ضامنون، ولا أجر لهم إلا أن تقوم بينة على الضياع فلا ضمان عليهم، ولا أجر لهم؛ لأنهم لم يسلموا ما عملوا إلى أربابه .... » (١).
القول الثالث:
اختار الشافعية أن يوضع المستأجر عليه عند عدل حتى يقبض الأجير أجرته.
جاء في حاشيتي قليوبي وعميرة: «وللخياط والقصار والصباغ والطحان الحبس بوضع المستأجر عليه عند عدل حتى تُقبَض أجرته إن صحت الإجارة وزادت القيمة بما فعل وإلا فلا حبس» (٢).
وجه ذلك:
بأنه لما وجب لكل واحد من المتعاقدين على الآخر ما قد استحق قبضه بموجب العقد، فالمقاول يستحق تسلم الأجرة، وصاحب العمل يستحق تسلم العين، وليس هناك أحد أولى من الآخر بالتسليم، فيجبر كل واحد منهما على قضاء صاحبه حقه عن طريق العدل الذي ينصب لهذه المهمة.
القول الرابع:
ذهب زفر من الحنفية، ووجه في مذهب الشافعية، والمذهب عند الحنابلة
стр. 3655
بأنه لا يحق للأجير أن يحبس العين ليستوفي الأجرة (١).
وجه ذلك:
لما كان عمل المقاول (المعقود عليه) متصلًا بملك المالك كالصبغ في الثوب، والخياطة فيه صار المعقود عليه مسلمًا حكمًا إلى صاحب العين لاتصاله بملكه، فسقط حق الحبس به. وهذا تعليل زفر (٢).
ورد الحنفية:
بأن اتصال العمل بالمحل ضرورة إذ لا وجود للعمل إلا به فكان مضطرًا إليه، والرضا لا يثبت مع الاضطرار (٣).
وعلل الشافعية والحنابلة ذلك:
بأنه إذا حبس الصانع الثوب بعد فراغه من العمل لاستيفاء الأجر فتلف ضمنه; لأنه لم يرهنه عنده ولا أذن له في إمساكه فلزمه الضمان كالغاصب.
الراجح:
أن العامل إذا كان يخشى من المؤجر ألا يسلمه الأجر فإن له أن يحبس العين حتى يقوم رب العمل إما بتسليم الأجر، أو يقوم بتسليم عدل يرضى به الأجير، وقد تكلمنا عن حكم حبس المبيع على ثمنه في عقد البيع، وهذا الباب مثله، والله أعلم.
* * *
стр. 3656
الفصل السابع
في البراءة من العيب
[م-٧٩٠] إذا طلب المقاول البراءة من العيب:
فإن كان عقد المقاولة على العمل فقط، وكانت المواد من رب العمل فإن ضمان المقاول يجب أن يكون موجهًا إلى العيب العائد إلى عمل المقاول، ولا يضمن المقاول العيب الراجع إلى رداءة تلك المواد التي قدمها له صاحب العمل إلا أن يكون هناك تغرير من المقاول كما لو كان من مسؤوليته أن يبين رداءة تلك المواد لصاحب العمل ولم يبين ذلك، أو كان ضمان المقاول من قبيل التأمين التجاري ولا ينبغي الخلاف في جوازه، ولا ينزل الخلاف في التأمين التجاري على الخلاف في تأمين المقاول؛ لأنه ضمان تابع، وليس عقدًا مستقلًا كالضمان الذي يأتي مع السلع مدة معينة.
وإن كان المقاول ملتزمًا بتقديم الأدوات منه، وهو ما يسمى بعقد الاستصناع في الفقه، فالمصنوع عملًا وموادًا من المقاول، فهل يصح من المقاول أن يطلب المقاول البراءة من العيب في شروط العقد؟
وللجواب على ذلك نقول:
عقد الاستصناع (المقاولة) سواء اعتبرناه من عقود البيع كما عند الحنفية، أو اعتبرناه من عقود الإجارة باعتبار أن العقد وارد على العمل والمواد تبع، فالإجارة لا تخرج عن البيع باعتبارها من بيع المنافع والضمان في العقد على التوصيفين راجع لأحكام ضمان المبيع.
وقد اختلف الفقهاء في اشتراط البراءة من العيب في عقد البيع على ثلاثة أقوال:
стр. 3657
القول الأول:
يجوز اشتراط البراءة من العيب مطلقًا سواء كان عالمًا بالعيب أم غير عالم به. وهذا مذهب الحنفية (١)، وأحد قولي الشافعي (٢).
القول الثاني:
لا يصح اشتراط البراءة من العيب مطلقًا، ولا يبرأ إذا اشترط ذلك، سواء كان عالمًا بالعيب أو غير عالم به. وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة (٣).
القول الثالث:
لا يبرأ البائع إذا كان عالمًا بالعيب، وهذا مذهب المالكية (٤)، وأحد قولي الشافعي (٥)، وقول في مذهب الحنابلة اختاره ابن تيمية (٦).
стр. 3658
وقد ذكرنا أدلة كل قول في باب الشروط في البيع، فأغنى عن إعادتها هنا، ولله الحمد.
وأرى أن القول الراجح مع مذهب الحنابلة، ويختلف المقاول عن البائع فالبائع علاقته بالسلعة علاقة ملكية، وقد لا يكون خبيرًا فيها، بينما المقاول صانع يعرف أسرار صنعته، وهو خبير بما صنع، قال تعالى ولله المثل الأعلى ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤].
فإذا شرط الصانع البراءة من العيوب فلا يكون هذا الاشتراط إلا من سوء نية الصانع؛ لأنه لا يقصد بذلك إلا حماية نفسه من مسئولية الإهمال أو الخطأ أو الجهل بأصول الصنعة التي يمارسها والتي تعاقد على أساس أنه متقن لها، ويكون في ذلك ضرر على صاحب العمل.
ولأن هذا الشرط يشجع على التدليس والغش في الصناعة (١).
جاء في المنتقى: «ولو شرط الصانع أنه لا ضمان عليه ففي العتبية والموازية عن أشهب، عن مالك: لم ينفعه الشرط .... » (٢).
وجاء في الشرح الصغير: «ولو شرط الصانع نفيه: أي نفي الضمان عن نفسه، فإنه يضمن، ولا يفيده شرطه» (٣).
وعلل الدسوقي ذلك بأنه شرط مناقض لمقتضى العقد.
وإذا كان جمهور العلماء يرون أن الأجير المشترك ضامن لصنعته، فاشتراط نفي الضمان لا ينفعه.
стр. 3659
جاء في القواعد الفقهية: «كل ما كان أمانة لا يصير مضمونًا بشرطه، وما كان مضمونًا لا ينتفي ضمانه بشرطه» (١).
«وعقد المقاولة في هذا النطاق يتعلق بإنشاءات ذات مواصفات فنية دقيقة، لا يستطيع صاحب العمل كشف ما بها من عيوب خفية حتى لو استخدم في سبيل ذلك خبراء بشؤون الإنشاء والتعمير، وقد أظهر التطبيق العملي أن بعض المقاولين يشتري حديد تسليح قابلًا للصدأ، فإذا تراكم الصدأ عليه بفعل الرطوبة أو غيرها أدى إلى ظهور تصدعات في المبنى مما يطلق عليه فنيًا (تخوخات) وأن البعض الآخر منهم يخلط إسمنت ا لمباني بإسمنت التبليط ونحوه مما يجعله ضيقًا في تماسكه، ومثل تلك العيوب لا يحق لصاحب العمل براءة المقاول منها، فهي تتعلق بالمصالح العامة، وقد تؤدي إلى إزهاق أرواح سكان المباني أو مستخدمي الجسور، أو ركاب السيارات والقطارات ونحوها. ولا يشترط المقاول البراءة من العيب إذا كانت لديه الغش أو التقصير. وهذا مرفوض شرعًا، وقانونًا، وأخلاقًا» (٢).
وهذا ما صدر به قرار مجمع الفقه الإسلامي: «لا يقبل في عقد المقاولة اشتراط البراءة من العيوب طيلة فترة الضمان المنصوص عليها في العقد» (٣).
وجاء فيه أيضًا: «لا يقبل في عقد المقاولة اشتراط نفي الضمان عن المقاول» (٤).
وقد توجهت القوانين العربية إلى اعتبار ضمان المقاول من النظام العام،
стр. 3660
وقررت بأنه يقع باطلًا كل شرط يقصد به إعفاء المقاول أو المهندس من الضمان أو الحد منه.
وحددت مدة الضمان خلال عشر سنوات من تسليم العمل.
وإذا كان المهندس يضع تصميمه على أن ينفذه المقاول تحت إشرافه كانا متضامنين في التعويض.
وإن اقتصر عمل المهندس على وضع التصميم دون الإشراف على التنفيذ كان مسئولًا فقط عن عيوب التصميم.
وبناء عليه فإنه لا ينفع المهندس والمقاول أي شرط في عقود المقاولات تعفيهم من المسئولية أو تحد منها، كأن يشترط المهندس أو المقاول أن تبرأ ذمته من ضمان العيوب الظاهرة أو الخفية أو كليهما بمجرد تسلم صاحب العمل، أو أن يشترطا تخفيض مدة الضمان إلى أقل من عشر سنوات. والله أعلم.
الراجح:
أن الضمان للشيء المصنوع إن كان موجهًا إلى سلعة قام بصنعها المقاول، وكانت المواد منه فإن الضمان لعشر سنوات أو أقل أو أكثر جائز شرعًا، ويمكن اعتباره نوعًا من التأمين والذي يضمن المقاول فيه جميع ما يحدث للسلعة مدة الضمان، ولا ينبغي أن ينزل الخلاف في التأمين على ضمان هذه السلعة فإن التأمين في هذا العقد يعتبر عقدًا تابعًا لعقد البيع، ويجوز تبعًا ما لا يجوز استقلالًا، وهو موجود في أسواقنا فإن الإنسان قد يشتري من السوق سلعة، ويكون الضمان (التأمين) من الشركة المصنعة مدة معينة كنوع من تسويق السلعة.
* * *
стр. 3661
الباب الخامس
في المقاولة من الباطن
الفصل الأول
في تعريف المقاولة من الباطن
تعريف المقاولة من الباطن:
المقاولة من الباطن: هي اتفاق بين المقاول الأصلي ومقاول آخر على أن يقوم الثاني بتنفيذ الأعمال المسندة إلى الأول، أو جزء منها مقابل أجر (١).
ولا يدخل في ذلك ما لو تنازل المقاول الأصلي عن عقد المقاولة إلى مقاول آخر برضا رب العمل فهذه إقالة من رب العمل، وإنشاء مقاولة جديدة مع المقاول البديل.
علاقة المقاول الأصلي بالمقاول من الباطن:
[م-٧٩١] تكون العلاقة بين المقاول الأصلي والمقاول الثاني علاقة صاحب عمل بمقاول ينظمها عقد المقاولة من الباطن، فيحل فيها المقاول الأصلي محل صاحب العمل، وعليه جميع التزامات رب العمل من تمكين المقاول من الباطن من إنجاز العمل، وتسلم العمل بعد إنجازه، ودفع الأجرة المتفق عليها.
ويكون المقاول من الباطن بالنسبة إلى المقاول الأصلي مقاولًا عليه جميع
стр. 3662
التزامات المقاول، من ذلك: إنجاز العمل، وتسليمه بعد إنجازه، وضمانه ... بعد التسليم.
فيقوم في الواقع عقدا مقاولة: عقد المقاولة الأصلي يحكم العلاقة بين رب العمل والمقاول الأصلي.
وعقد المقاولة من الباطن يحكم العلاقة بين المقاول الأصلي والمقاول من الباطن.
وليس من الضروري أن يكون العقدان متطابقين أو متقاربين، بل يغلب أن يكونا مختلفين من وجوه كثيرة، كمقدار الأجرة، وشروط العقد.
علاقة رب العمل بالمقاول من الباطن:
لا تربط المقاول الثاني في الغالب علاقة مباشرة بصاحب العمل، وإن كان عمل المقاول الثاني مستفادًا من إذن صاحب العمل للمقاول الأصلي، سواء كان الإذن صريحًا أو ضمنيًا.
فلا يحق لصاحب العمل التعامل المباشر مع ذلك المقاول من الباطن، ولا أن يطالبه بالتزاماته، وإنما عليه الرجوع إلى المقاول الأصلي الذي تعاقد معه.
ولا يحق للمقاول الثاني أن يطالب صاحب العمل بشيء من التزاماته اتجاه المقاول الأول إلا إذا أحاله على رب العمل.
وإنما تكون العلاقة بين رب العمل والمقاول علاقة غير مباشرة إذ يتوسطها المقاول الأصلي (١).
стр. 3663
الفصل الثاني
في حكم عقد المقاولة من الباطن
[م-٧٩٢] هل يجوز للمقاول أن يؤجر غيره بحيث يكل تنفيذ العمل كله أو بعضه إلى مقاول آخر؟
وللجواب عن ذلك يقال:
لا يحق للمقاول أن يعهد بتنفيذ العمل إلى غيره بالحالات التالية:
(١) - إذا كان في العقد شرط يمنع المقاول من ذلك.
جاء في مرشد الحيران مادة (٦٢١) ما يلي: «لا يجوز للصانع أو المقاول الذي التزم في العقد العمل بنفسه أن يستعمل غيره».
وجاء في الهداية شرح البداية: «وإذا شرط على الصانع أن يعمل بنفسه فليس له أن يستعمل غيره؛ لأن المعقود عليه العمل في محل بعينه، فيستحق عينه كالمنفعة في محل بعينه» (١).
(٢) - إذا كانت طبيعة العمل تقتضي أن يقوم به بنفسه، كما لو كانت كفاءة المقاول مقصودة في العقد كالخطاط والطبيب والمهندس فلا يحق لهم أن يقاولوا من الباطن حتى ولو لم يكن منصوصًا صراحة في عقد المقاول على المنع من المقاولة من الباطن.
(٣) - ألا يكون المقاول تابعًا لرب العمل، يعمل تحت إدارته، ولا يستطيع أن يعمل لغيره.
стр. 3664
فإذا كان المتعاقد الأصلي خاضعًا لإشراف رب العمل وإدارته، ويملك نفعه في الزمن المتفق عليه، وهو ما يسمى بالأجير الخاص، فليس له أن يتعاقد من الباطن؛ لأن العقد قد ورد على عمله بنفسه، فلا يقوم غيره مقامه، فأشبه ما لو اشترى شيئًا معينًا لم يجز أن يدفع إليه غيره، ولا يبدله، ولا يلزم المشتري قبوله فكذلك المستأجر (١).
وأما إذا كان عقد المقاولة مطلقًا، وكان شخص المقاول غير مقصود في المقاولة، وإنما المقصود القيام بالعمل سواء قام به بنفسه أو بغيره، ولم يكن المقاول من الأجير الخاص فهل للمقاول أن يعهد إلى مقاول آخر للقيام بالعمل خاصة أن بعض الأعمال لا يمكن للمقاول أن يقوم بها بنفسه كما لو كانت المقاولة كبيرة متعددة الأعمال، كإنشاء الجسور، وتعبيد الطرق وأعمال البناء حيث تتطلب مجموعة من الحرف المختلفة التي تتطلب أن يقوم بها مجموعة من العمال، فما حكم أن يعهد المقاول إلى مقاول آخر يقوم بكل عمله أو بعضه؟
وللجواب عن ذلك نقول:
يسري على عقد المقاولة من الباطن نفس الحكم الذي قيل في حق المقاول الأصلي.
فإن كان المقاول الثاني يقدم العمل والمواد معًا كان العقد مع المقاول الثاني عقد استصناع، فيأخذ حكم عقد الاستصناع عند العلماء.
وقد ذهب جمهور الحنفية إلى القول بجوازه، ولم يخالف في ذلك إلا زفر (٢).
стр. 3665
وقيل: لا يصح إلا بشروط السلم، وهذا مذهب الجمهور، وأحد الوجهين في مذهب الحنابلة (١).
وقيل: لا يصح مطلقًا، وهو أحد الوجهين في مذهب الحنابلة.
جاء في الإنصاف: «ذكر القاضي وأصحابه: أنه لا يصح استصناع سلعة؛ لأنه باع ما ليس عنده على غير وجه السلم، واقتصر عليه في الفروع ... » (٢).
стр. 3666
وقد ذكرنا أدلة كل قول في عقد الاستصناع فأغنى عن إعادته، ورجحت مذهب الحنفية.
وأما إذا كان التزام المقاول الباطن بتقديم العمل دون المواد، فقد يكون أجيرًا خاصًا، وقد يكون أجيرًا مشتركًا بحسب طبيعة العقد معه.
فإن كان العقد واردًا على عمله، ومنافعه ليست مستحقة للمقاول الأصلي، فهو من قبيل الأجير المشترك.
وإن كان العقد واردًا على منفعته، بحيث تكون منافعه مستحقة للمقاول الأصلي خلال مدة الإجارة فإن المقاول الثاني من قبيل الأجير الخاص، ولا مانع من عمل مجموعة من الأجراء الخاصين تحت يد الأجير المشترك، كالخياط يعمل عنده مجموعة من الخياطين كأجراء خاصين له.
والأجير المشترك يستحق الأجرة بالعمل، لا بتسليم النفس؛ لأن العقد وارد عليه، فلا يستحق أجرة إذا لم يعمل، ويستحق من الأجرة بقدر ما عمل، وأما الأجير الخاص فيستحق الأجرة بالوقت دون العمل، فإذا سلم نفسه في الوقت استحق الأجرة، سواء أنجز العمل كله أو بعضه؛ وسواء عمل أو لم يعمل؛ لأن المعقود عليه هو منفعته.
وقد ذهب الأئمة الأربعة إلى أن للأجير المشترك إنابة غيره ليقوم بعمله إذا لم يشترط عليه في العقد أن يعمل بنفسه، وكان المطلوب في الإجارة تحصيل العمل لا عين العامل.
جاء في بدائع الصنائع: «وللأجير أن يعمل بنفسه وأجرائه إذا لم يشترط عليه في العقد أن يعمل بيده؛ لأن العقد واقع على العمل، والإنسان قد يعمل بنفسه، وقد يعمل بغيره؛ ولأن عمل أجرائه يقع له، فيصير كأنه عمل بنفسه إلا إذا شرط
стр. 3667
عليه عمله بنفسه؛ لأن العقد وقع على عمل من شخص معين، والتعيين مفيد؛ لأن العمال متفاوتون في العمل فيتعين ... » (١).
وذهب الشافعية إلى أن الإجارة إن كانت واردة على عين الأجير وجب عليه أن يقوم بالعمل بنفسه، وإن كانت الإجارة واردة على ذمته، فله تحصيل العمل بنفسه وبغيره، وهذا التفصيل غير مناف لكلام الأئمة.
لأن الإجارة إن كان المقصود منها تحصيل العمل بغض النظر عن العامل فهي إجارة واردة على الذمة، وبالتالي له أن يقوم بنفسه وبغيره، وإن كانت عين الأجير محل اعتبار في العقد كالرسام، والطبيب كانت الإجارة واردة على عين الأجير، وتعين العمل عليه بنفسه، والله أعلم.
* * *
стр. 3668
الفصل الثالث
في ضمان المقاول من الباطن
[م-٧٩٣] تحدثنا فيما سبق عن ضمان المقاول الأصلي، فهل المقاول من الباطن يأخذ حكمه في الضمان؟
وللجواب عن ذلك:
نقول: ينظر في طبيعة العقد بين المقاول الأصلي والمقاول الباطن:
فإن كان المقاول الباطن قد تعهد بالعمل والمواد فالعقد عقد استصناع، فيضمن المقاول من الباطن في هذا ما يضمنه المقاول الأصلي، فللمقاول الأصلي أن يطالبه ببدله سليمًا باعتبار أن المعقود عليه في الذمة، وما في الذمة لا يلحقه تلف ولا عيب، ولا يبرأ المقاول من الباطن حتى يسلم سلعة مطابقة للمواصفات المتفق عليها.
وللمقاول الأصلي أن يختار فسخ العقد مع المقاول من الباطن، فإذا كان قد سلمه الثمن فإنه يطالبه برده، وإن لم يسلمه الثمن فلا يطالبه المقاول من الباطن بأي شيء باعتبار أن المقاول من الباطن لم يلتزم بتعهداته.
وله أن يقبل السلعة معيبة بشرط أن يوافق صاحب العمل على قبولها.
وهل له أن يطالبه بأرش النقص؟ في المسألة قولان بيناهما في خيار العيب.
وإن كان المقاول الباطن قد تعهد بتقديم العمل دون المواد، وكان العقد معه واردًا على العمل دون الزمن، ولم يكن خاضعًا لإشراف المقاول الأصلي، ولا إدارته، ويحق له أن يستقبل أعمالًا أخرى من مقاولين آخرين فهو يأخذ حكم المقاول الأصلي في الضمان.
стр. 3669
وقد فصلنا ذلك في الكلام عن ضمان المقاول الأصلي، فالمقاول الباطن فرع عنه، فأغنى ذلك عن إعادته، وقد رجحت أنه يضمن إلا أن يكون التلف بسبب لا يمكنه التحرز منه كحريق غالب، والله أعلم.
وإن كان الأجير الذي تعاقد معه المقاول الأصلي واردًا على منفعته مدة معينة، ويخضع لإشراف المقاول الأصلي وإدارته، ولا يحق له أن يستقبل أعمالًا أخرى مدة عقده، فهذا يأخذ في الضمان حكم الأجير الخاص.
والأجير الخاص لا يضمن إلا إذا كان متعديًا أو مفرطًا؛ لأنه نائب عن المالك في صرف منافعه إلى ما أمر به، فلم يضمن كالوكيل، ولأن عمله غير مضمون عليه، وإنما يكون الضمان على المقاول الأصلي.
قال ابن قدامة في الكافي: «وإن استأجر الأجير المشترك أجيرًا خاصًا، فأتلف الثوب، فلا ضمان على الخاص، ويضمنه المشترك» (١).
وجاء في مطالب أولي النهى: «إذا تقبل صاحب الدكان خياطة ثوب ودفعه إلى أجيره فخرقه أو أفسده بلا تعد ولا تفريط ; لم يضمنه ; لأنه أجير خاص ويضمنه صاحب الدكان لمالكه ; لأنه أجير مشترك» (٢).
стр. 3670
الباب السادس
في الشرط الجزائي
الفصل الأول
حكم اشتراط مثل هذا الشرط في العقود
[م-٧٩٤] لما كان الشرط الجزائي يوضع عادة كشرط ضمن شروط العقد الأصلي ألحقت الشرط الجزائي ضمن الشروط الجعلية في عقد البيع، وبينت هناك أحكامه وشروطه المتفق عليها والمختلف فيها، فأغنى عن إعادته هنا.
ونستطيع أن نقول فيما يتعلق بحكم الشرط الجزائي: إن هذا الشرط يرجع إلى مسألة متقدمة، وهو هل الأصل في الشروط المنع والبطلان، أو الأصل الصحة والجواز؟
ففي المسألة قولان:
القول الأول: يرى أن الأصل في الشروط المنع والبطلان، حتى يقوم دليل على جوازه وصحته، ومثل هذا المذهب لا يجيز مثل هذا الشرط جزمًا، ومن هؤلاء ابن حزم ﵀ (١).
ويستدل بأدلة كثيرة، ذكرناها وأجبنا عنها فيما تقدم، من أهمها:
(ح-٥٥٣) ما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ في قصة شراء بريرة، وفي الحديث:
«قام رسول الله ﷺ في الناس،
стр. 3671
فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: ما بال رجال يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق .. » (١).
قال ابن حزم: «فهذه الأخبار براهين قاطعة في إبطال كل عهد، وكل عقد، وكل وعد، وكل شرط ليس في كتاب الله الأمر به، أو النص على إباحة عقده؛ لأن العقود والعهود والأوعاد شروط، واسم الشرط يقع على جميع ذلك (٢).
وقيل: الأصل في الشروط الصحة والجواز حتى يقوم دليل شرعي على المنع والبطلان، وهذا يذهب إليه ابن تيمية وابن القيم من الحنابلة (٣)، ومثل هؤلاء يمكن لهم أن يذهبوا إلى جواز الشرط الجزائي.
وقد ذهبت هيئة كبار العلماء بالسعودية (٤)، والمجمع الفقهي التابع لمنظمة
стр. 3672
المؤتمر الإسلامي (١) إلى جواز اشتراط مثل هذا الشرط.
وقد ذكرنا أدلتهم في الشروط الجعلية في عقد البيع فأغنى عن إعادته هنا.
وإذا أردنا أن نعرف حكم الشرط الجزائي بالنظر إلى قواعد كل مذهب وموقفه من الشروط الجعلية.
فيمكن القول بأن مذهب الحنفية والشافعية لا يقولون بصحة الشرط الجزائي؛ لأن الأصل في مذهبهم النهي عن بيع وشرط، ويروون حديثًا ضعيفًا بهذا اللفظ، وقد سبق تخريجه.
فالشافعية لا يستثنون من هذا إلا الشروط التي يقتضيها العقد، مثل التسليم، والانتفاع، والشروط التي فيها مصلحة للعقد كالرهن والتأجيل والكفيل، والخيار، ويلحق به إذا باعه بشرط العتق.
وما سوى ذلك من الشروط فهي باطلة عندهم. ويدخل في ذلك الشرط الجزائي، إذا اعتبرنا أن الشرط الجزائي لا يقتضيه العقد، وليس بمنزلة الرهن والضمان، والأجل.
يقول الغزالي: «الثامن (نهى عن بيع وشرط) فاقتضى مطلقه امتناع كل شرط في البيع، والمفهوم من تعليله أنه إذا انضم شرط إلى البيع بقيت معه علقة بعد
стр. 3673
العقد، يتصور بسببها منازعة، ويفوت بفواتها مقصود العاقد، وينعكس على أصل العقد، فيحسم الباب، ولم يكن محذور هذا النهي منفصلًا عن العقد، فيدل على فساده أو فساد الشرط لا محالة ... ثم ذكر ما يستثنى من حديث النهي عن بيع وشرط» (١).
ويقول الشيرازي: «إذا شرط في المبيع شرطًا نظرت:
فإن كان شرطًا يقتضيه البيع، كالتسليم، والرد بالعيب، وما أشبههما لم يبطل العقد؛ لأن شرط ذلك بيان لما يقتضيه العقد، فلم يبطله.
فإن شرط ما لا يقتضيه العقد، ولكن فيه مصلحة: كالخيار، والأجل، والرهن، والضمين، لم يبطل العقد؛ لأن الشرع ورد بذلك على ما نبينه في مواضعه إن شاء الله، ولأن الحاجة تدعو إليه، فلم يفسد العقد، فإن شرط عتق العبد المبيع، لم يفسد العقد؛ لأن عائشة ﵂ اشترت بريرة لتعتقها ...... فإن شرط ما سوى ذلك من الشروط التي تنافي مقتضى البيع، بأن باع عبدًا بشرط ألا يبيعه، أو لا يعتقه، أو باع دارًا بشرط أن يسكنها مدة، أو ثوبًا بشرط أن يخيطه له، أو نعلة بشرط أن يحذوها له، بطل البيع، لما روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن بيع وشرط ... » (٢).
ولا يختلف مذهب الحنفية عن مذهب الشافعية في بطلان الشرط في البيع؛ لأنهم يذهبون مع الشافعية إلى اعتماد ما يروى عن النبي ﷺ من النهي عن بيع وشرط، إلا أن الحنفية يختلفون عن الشافعية في تقديم الشرط الذي جرى به العرف، وكان عليه عمل الناس، ويقدمونه على القياس، فإذا جرى العرف على
стр. 3674
اعتبار الشرط الجزائي في العقود، وجرى التعامل به بين الناس أمكن للمذهب الحنفي أن يتسع لقبول القول بالشرط الجزائي استحسانًا وإن كان على خلاف القياس عندهم. وهذه مرونة في المذهب يختلف فيها عن المذهب الشافعي.
فقد ذكر الكاساني أن الشرط الذي لا يقتضيه العقد، وليس بملائم له، ولكن للناس فيه تعامل، وفيه عرف ظاهر أن هذا الشرط فاسد بالقياس عندهم، ولكنهم يقولون بجوازه استحسانًا؛ لأن العرف يقضي على القياس، ويسقط القياس بتعامل الناس كما سقط في الاستصناع (١).
ولو أن مذهب الحنفية جعلوا عمل الصحابة يسقط القياس لكان هذا جيدًا، أما عمل الناس من غير الصحابة فليس بحجة، وقد يتعامل الناس بما يخالف نصًا شرعيًا، أيكون ذلك حجة على أحد؟
وأما مذهب المالكية فإن الباحث لا يستطيع أن يخرج بقاعدة من تعاملهم مع الشروط يمكنه أن يتلمس صحة هذا الشرط أو بطلانه عندهم، وهذا ما عبر عنه ابن رشد الحفيد، حيث يقول في بداية المجتهد: «وأما مالك فالشروط عنده تنقسم ثلاثة أقسام: شروط تبطل هي والبيع معًا. وشروط تجوز هي والبيع معًا. وشروط تبطل هي، ويثبت البيع. وقد يظن أن عنده قسمًا رابعًا: وهو أن من الشروط ما إن يمسك المشترط بشرطه بطل البيع، وإن تركه جاز البيع، وإعطاء فروق بَيِّنة في مذهبه بين هذه
стр. 3675
الأصناف الأربعة عسير، وقد رام ذلك كثير من الفقهاء، وإنما هي راجعة إلى كثرة ما يتضمن الشروط من صنفي الفساد الذي يخل بصحة البيوع: وهما الربا والغرر، وإلى قلته، وإلى التوسط بين ذلك، أو إلى ما يفيد نقصًا في الملك، فما كان دخول هذه الأشياء كثيرًا من قبل الشرط أبطله، وأبطل الشرط، وما كان قليلًا أجازه، وأجاز الشرط فيها، وما كان متوسطًا أبطل الشرط، وأجاز البيع ... » (١).
ويفهم من كلام ابن رشد أن يسير الربا يجوز كما يجوز يسير الغرر، والحق أن يسير الربا محرم، ويسير الغرر جائز بالإجماع.
وأما مذهب الحنابلة فهم أوسع المذاهب في الشروط، ويمكن تخريج صحة الشرط الجزائي على قواعد المذهب، والله أعلم.
هذا ما ظهر لي من خلال تقسيم الشروط في كل مذهب ما يصح منها، وما لا يصح.
وقد خالف في هذا بعض الفضلاء، فرأى أن الشرط الجزائي مشروع وصحيح عند سائر أئمة المذاهب، يقول الشيخ الدكتور ناجي شفيق عجم، من جامعة الملك عبد العزيز:
«الشرط الجزائي شرط جائز، ومشروع حتى إنه صحيح عند المذاهب؛ لأنه شرط مقترن بالعقد جرى به العرف، وفيه مصلحة للعقد، وهو شرط ملائم للعقد، ولذلك فهو صحيح عند الحنفية؛ لجريان العرف به، وصحيح عند الشافعية؛ لأن فيه مصلحة للعقد، وصحيح عند المالكية لأن فيه مصلحة للعقد، ولأنه شرط ملائم لم يرد بإلغائه وتحريمه أو جوازه نص خاص، فهو ملائم
стр. 3676
مرسل، وهو جائز وصحيح من باب أولى عند ا لحنابلة الذين لا يحرمون إلا الشروط التي ورد بتحريمها نص، أو التي تنافي مقتضى العقد» (١).
* * *
стр. 3677
الفصل الثاني
في أخذ الشرط الجزائي على المقاول
[م-٧٩٥] لما كان محل التزام المقاول عملًا من الأعمال، كأن يلتزم المقاول أو المورد أو الصانع في عقود المقاولة أو التوريد أو الاستصناع أن يدفع مبلغًا معينًا عن كل يوم، أو عن كل أسبوع، أو عن كل مدة أخرى من الزمن يتأخر فيها المقاول أو المورد أو الصانع عن تسليم العمل المعهود إليه إنجازه.
ولما كان الشرط الجزائي من شرطه أن يكون العقد لازمًا، وكان عقد المقاولة لا يخرج عن عقدين معروفين في الفقه الإسلامي وهما عقد الاستصناع وعقد الأجير المشترك.
وعقد الاستصناع على الصحيح عقد لازم، كما رجحته في كتاب الاستصناع.
وعقد الأجير المشترك أيضًا عقد لازم، وهو مذهب الأئمة الأربعة.
لهذا يرى أكثر الباحثين المعاصرين أنه لا مانع شرعًا في أن يتفق العاقدان على هذا الشرط الجزائي عند انعقاد العقد، لأن هذا الشرط لا يناقض مقتضى العقد، وفيه مصلحة لأحد الطرفين، ويحمل المقاول والصانع والمورد على الوفاء بالتزاماتهم، وهو أمر مطلوب شرعًا لقوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]. وممن أخذ بهذا القول هيئة كبار العلماء في السعودية (١)، ومجمع الفقه
стр. 3678
الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي (١).
فإذا تحقق شرطه، وخلا من المانع وجب على المقاول أن يدفع ما تعهد به.
فمن الشروط المتفق عليها:
الأول: لا بد من الإخلال بالشرط المتفق عليه.
الثاني: ألا يوجد عذر للمقاول والمورد والصانع معتبر شرعًا من عدم الالتزام بالوفاء في الوقت المحدد، فإذا كان تأخرهم عن التسليم ناتجًا عن ظروف قاهرة خارجة عن إرادتهم فلا يلزمهم التعويض.
الثالث: هل يشترط أن يوجد ضرر فعلي من التأخير، أو لا يشترط، في ذلك خلاف بين أهل العلم:
فمن أهل العلم من يرى أن الشرط الجزائي تعويض عن الضرر الحاصل، وبالتالي: لا يستحق شيئًا من شرط له إذا ثبت أن التأخير لم يترتب عليه أي ضرر، ولم يتسبب في فوات أي منفعة مالية.
وهذا ما أخذ به مجمع الفقه الإسلامي، وظاهر قرار هيئة كبار العلماء.
ففي قرار المجمع ما نصه:
«لا يعمل بالشرط الجزائي إذا ثبت من شرط عليه أن إخلاله بالعقد كان بسبب خارج عن إرادته، أو أثبت أن من شرط له لم يلحقه أي ضرر من الإخلال بالعقد» (٢).
ومن أهل العلم من يرى أن الشرط الجزائي هو عقوبة مالية نظير الإخلال بالشرط، (غرامة تأخير) وليس تعويضًا عن الضرر.
стр. 3679
ومن هؤلاء فضيلة الشيخ عبد الله بن منيع، ورفيق المصري (١)، والقاضي محمود شمام رئيس محكمة التعقيب الشرفي في تونس (٢).
وهذا القول هو الراجح، إلا أن يكون هناك نص بأن استحقاق الشرط الجزائي في مقابل التعويض عن الأضرار، وقد ذكرنا أدلة الفريقين في الشروط الجعلية في عقد البيع فأغنى عن إعادته هنا.
وهذا القول يتفق مع ما جاء في نظام المناقصات والمزايدات السعودية، فقد جاء فيها ما يلي:
«إذا تأخر المقاول عن إتمام العمل وتسليمه كاملًا في المواعيد المحددة، ولم تر اللجنة صاحبة المقاولة داعيًا لسحب العمل منه توقع عليه غرامة عن المدة التي يتأخر فيها إكمال العمل بعد الميعاد المحدد للتسليم إلى أن يتم الاستلام المؤقت دون حاجة إلى تنبيه للمقاول، ويكون توقيع الغرامة على المقاول كما يلي:
١% عن الأسبوع الأول.
١.٥ % عن الأسبوع الثاني.
٢% عن الأسبوع الثالث.
٢.٥ % عما زاد عن ثلاثة أسابيع.
٣% عن أي مدة تزيد عن أربعة أسابيع (٣).
стр. 3680
الرابع: ألا يكون المبلغ في الشرط الجزائي مبالغًا فيه، فلا يجوز أن يكون الشرط الجزائي يأتي على ربح المقاول كله، فضلًا أن يحمله خسائر، فهذه العقوبة المالية إنما تقلل من ربحه فقط، بحيث لا يتجاوز به ثلث الربح، أو عشرة بالمائة من مقدار العقد، لأن الشرط الجزائي يجب أن يكون قائمًا على العدل، بحيث لا يأتي على نصيب المقاول كله فيكون عمله بلا مقابل، فهذا من الظلم الذي لا تقره الشريعة، بل يجب أن يكون متوازنًا، فإذا كان المبلغ في الشرط الجزائي مبالغًا فيه حمل ذلك على أن مراد العاقد هو التهديد وحمل المقاول على التنفيذ، ويسقط الشرط الجزائي إلا أن يكون هناك ضرر فيقدر بقدره؛ لأن الضرر مدفوع.
القول الثاني:
ذهب بعض الباحثين منهم الدكتور رفيق المصري، والشيخ حسن الجواهري، والدكتور علي محيي الدين القره داغي: أن الشرط الجزائي جائز في عقد الاستصناع والمقاولة والتوريد في حالة عدم التنفيذ، ولا يجوز في حالة التأخر عن التنفيذ.
يقول الدكتور رفيق المصري: «الشرط الجزائي إن كان لعدم التنفيذ فهو جائز، ويأخذ حكم العربون، وإن كان اشتراط الشرط لأجل التأخير في التنفيذ فإنه غير جائز؛ لأنه يكون في حكم ربا النسيئة.
وحجتهم: أن المبيع المستحق التسليم في أجل محدد ضرب من الالتزام (الدين) فأخذ غرامة على التأخير فيه شبهة ربا النسيئة: تقضي أو تربي (١).