← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.

стр. 3676

مرسل، وهو جائز وصحيح من باب أولى عند ا لحنابلة الذين لا يحرمون إلا الشروط التي ورد بتحريمها نص، أو التي تنافي مقتضى العقد» (١). * * *

стр. 3677

الفصل الثاني في أخذ الشرط الجزائي على المقاول [م-٧٩٥] لما كان محل التزام المقاول عملًا من الأعمال، كأن يلتزم المقاول أو المورد أو الصانع في عقود المقاولة أو التوريد أو الاستصناع أن يدفع مبلغًا معينًا عن كل يوم، أو عن كل أسبوع، أو عن كل مدة أخرى من الزمن يتأخر فيها المقاول أو المورد أو الصانع عن تسليم العمل المعهود إليه إنجازه. ولما كان الشرط الجزائي من شرطه أن يكون العقد لازمًا، وكان عقد المقاولة لا يخرج عن عقدين معروفين في الفقه الإسلامي وهما عقد الاستصناع وعقد الأجير المشترك. وعقد الاستصناع على الصحيح عقد لازم، كما رجحته في كتاب الاستصناع. وعقد الأجير المشترك أيضًا عقد لازم، وهو مذهب الأئمة الأربعة. لهذا يرى أكثر الباحثين المعاصرين أنه لا مانع شرعًا في أن يتفق العاقدان على هذا الشرط الجزائي عند انعقاد العقد، لأن هذا الشرط لا يناقض مقتضى العقد، وفيه مصلحة لأحد الطرفين، ويحمل المقاول والصانع والمورد على الوفاء بالتزاماتهم، وهو أمر مطلوب شرعًا لقوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]. وممن أخذ بهذا القول هيئة كبار العلماء في السعودية (١)، ومجمع الفقه

стр. 3678

الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي (١). فإذا تحقق شرطه، وخلا من المانع وجب على المقاول أن يدفع ما تعهد به. فمن الشروط المتفق عليها: الأول: لا بد من الإخلال بالشرط المتفق عليه. الثاني: ألا يوجد عذر للمقاول والمورد والصانع معتبر شرعًا من عدم الالتزام بالوفاء في الوقت المحدد، فإذا كان تأخرهم عن التسليم ناتجًا عن ظروف قاهرة خارجة عن إرادتهم فلا يلزمهم التعويض. الثالث: هل يشترط أن يوجد ضرر فعلي من التأخير، أو لا يشترط، في ذلك خلاف بين أهل العلم: فمن أهل العلم من يرى أن الشرط الجزائي تعويض عن الضرر الحاصل، وبالتالي: لا يستحق شيئًا من شرط له إذا ثبت أن التأخير لم يترتب عليه أي ضرر، ولم يتسبب في فوات أي منفعة مالية. وهذا ما أخذ به مجمع الفقه الإسلامي، وظاهر قرار هيئة كبار العلماء. ففي قرار المجمع ما نصه: «لا يعمل بالشرط الجزائي إذا ثبت من شرط عليه أن إخلاله بالعقد كان بسبب خارج عن إرادته، أو أثبت أن من شرط له لم يلحقه أي ضرر من الإخلال بالعقد» (٢). ومن أهل العلم من يرى أن الشرط الجزائي هو عقوبة مالية نظير الإخلال بالشرط، (غرامة تأخير) وليس تعويضًا عن الضرر.

стр. 3679

ومن هؤلاء فضيلة الشيخ عبد الله بن منيع، ورفيق المصري (١)، والقاضي محمود شمام رئيس محكمة التعقيب الشرفي في تونس (٢). وهذا القول هو الراجح، إلا أن يكون هناك نص بأن استحقاق الشرط الجزائي في مقابل التعويض عن الأضرار، وقد ذكرنا أدلة الفريقين في الشروط الجعلية في عقد البيع فأغنى عن إعادته هنا. وهذا القول يتفق مع ما جاء في نظام المناقصات والمزايدات السعودية، فقد جاء فيها ما يلي: «إذا تأخر المقاول عن إتمام العمل وتسليمه كاملًا في المواعيد المحددة، ولم تر اللجنة صاحبة المقاولة داعيًا لسحب العمل منه توقع عليه غرامة عن المدة التي يتأخر فيها إكمال العمل بعد الميعاد المحدد للتسليم إلى أن يتم الاستلام المؤقت دون حاجة إلى تنبيه للمقاول، ويكون توقيع الغرامة على المقاول كما يلي: ١% عن الأسبوع الأول. ١.٥ % عن الأسبوع الثاني. ٢% عن الأسبوع الثالث. ٢.٥ % عما زاد عن ثلاثة أسابيع. ٣% عن أي مدة تزيد عن أربعة أسابيع (٣).

стр. 3680

الرابع: ألا يكون المبلغ في الشرط الجزائي مبالغًا فيه، فلا يجوز أن يكون الشرط الجزائي يأتي على ربح المقاول كله، فضلًا أن يحمله خسائر، فهذه العقوبة المالية إنما تقلل من ربحه فقط، بحيث لا يتجاوز به ثلث الربح، أو عشرة بالمائة من مقدار العقد، لأن الشرط الجزائي يجب أن يكون قائمًا على العدل، بحيث لا يأتي على نصيب المقاول كله فيكون عمله بلا مقابل، فهذا من الظلم الذي لا تقره الشريعة، بل يجب أن يكون متوازنًا، فإذا كان المبلغ في الشرط الجزائي مبالغًا فيه حمل ذلك على أن مراد العاقد هو التهديد وحمل المقاول على التنفيذ، ويسقط الشرط الجزائي إلا أن يكون هناك ضرر فيقدر بقدره؛ لأن الضرر مدفوع. القول الثاني: ذهب بعض الباحثين منهم الدكتور رفيق المصري، والشيخ حسن الجواهري، والدكتور علي محيي الدين القره داغي: أن الشرط الجزائي جائز في عقد الاستصناع والمقاولة والتوريد في حالة عدم التنفيذ، ولا يجوز في حالة التأخر عن التنفيذ. يقول الدكتور رفيق المصري: «الشرط الجزائي إن كان لعدم التنفيذ فهو جائز، ويأخذ حكم العربون، وإن كان اشتراط الشرط لأجل التأخير في التنفيذ فإنه غير جائز؛ لأنه يكون في حكم ربا النسيئة. وحجتهم: أن المبيع المستحق التسليم في أجل محدد ضرب من الالتزام (الدين) فأخذ غرامة على التأخير فيه شبهة ربا النسيئة: تقضي أو تربي (١).

стр. 3681

ويقول الشيخ حسن الجواهري عن عقد الاستصناع: «المشْتَرَى دين في ذمة البائع، فإن تأخر البائع عن التسليم، وألزمناه بالشرط الجزائي فمعنى ذلك تأخر قضاء الدين في مقابل المال، هو الربا المحرم، ولذا أرى أن يقيد مثلًا صحة الشرط الجزائي في عقد الاستصناع بهذه الجملة: (إذا لم يف المستصْنَع بالعقد أصلًا) ولا تترك على إطلاقها ... » (١). ويتساءل الدكتور رفيق المصري: لماذا يجوز الشرط الجزائي في عقد التوريد، ولا يرى جوازه عند التأخر في السلم، فأي فرق هاهنا بين التوريد والسلم؟ (٢). ويجيب الدكتور الصديق الضرر عن هذا القول: فيقول: «استدلال الدكتور رفيق هو أن المبيع المستحق التسليم في أجل محدد ضرب من الالتزام (الدين). أقول: - القائل الصديق الضرير - كون المبيع المستحق التسليم في أجل محدد ضربًا من الالتزام لا خلاف فيه، وأما كون هذا الالتزام مساويًا للدين فغير مسلم؛ لأن الالتزام أعم من الدين، فكل دين التزام، وليس كل التزام دينًا، والالتزام في عقد المقاولة ليس دينًا، وإنما هو التزام بأداء عمل، والمقاول قد يكون دائنًا لا مدينًا في كثير من الحالات، فالبنوك العقارية تقوم ببناء المساكن مقاولة، وتتقاضى المقابل على أقساط بعد تسليم المبنى، وكذلك يفعل كبار المقاولين، والفرق كبير جدًا بين التزام المقاول والمورد، والتزام المقترض والمشتري بثمن مؤجل، والمسلم إليه، فالتزام هؤلاء الثلاثة دين حقيقي ثبت في

стр. 3682

ذممهم، وأخذوا مقابله، أما التزام المقاول والمورد فهو التزام بأداء عمل، لا يستحق مقابله إلا بعد أدائه، والله أعلم (١). الراجح بين القولين: الذي أميل إليه جواز الشرط الجزائي إذا كان محل الالتزام عملًا من الأعمال، وإن كنت لا أتفق مع فضيلة الشيخ الصديق الضرير بأن التزام العمل ليس دينًا، بل هو دين؛ لأن محله ذمة الأجير أو المقاول أو المورد، وسماها الفقهاء الإجارة في الذمة، لكن هناك فرقًا بين أن يكون الدين عملًا، وبين أن يكون الدين غير ذلك، ولذلك أجاز الحنابلة والحنفية في الإجارة في الذمة تأخير العوضين، ومنعوا ذلك في البيوع إذا كان كل من المبيع والثمن دينًا في الذمة، مما يدل على أن هناك فرقًا بين الالتزامين، لذلك أرى أنه لا مانع من أخذ الشرط الجزائي إذا كان محل الالتزام عملًا من الأعمال، وإن كان هذا العمل يصح أن يقال: هو دين في ذمة الأجير والمقاول والمورد، والله أعلم. * * *

стр. 3683

الفصل الثالث في أخذ الشرط الجزائي على صاحب العمل [م-٧٩٦] لما كان عقد المقاولة وعقد الاستصناع وعقد التوريد ذا وجهين فهو من جهة صاحب العمل يكون التزامه دينًا (مبلغًا من النقود) ومن جهة المقاول والصانع والمورد يكون التزامه عملًا. وإذا كان لا يجوز في عقد القرض أن يشترط الدائن على المدين شرطًا جزائيًا بدفع مبلغ معين من المال في حال تأخره عن السداد؟ ولا يجوز للبائع في عقد البيع بثمن مؤجل أو مقسط، أن يشترط على المشتري شرطًا جزائيًا بدفع مبلغ من المال في حال تأخر عن سداد الدين؟ فكذلك لا يجوز الشرط الجزائي في العقود التي يكون الالتزام الأصلي فيها دينًا، فإذا اتفق الدائن مع المدين على تعويضه مبلغًا معينًا عن كل يوم تأخير، فإن هذا الشرط لا يجوز شرعًا باتفاق الفقهاء؛ لأنه صريح الربا. قال الحطاب: «إذا التزم المدعى عليه للمدعي أنه إذا لم يوفه حقه في كذا، فله عليه كذا وكذا، فهذا لا يختلف في بطلانه؛ لأنه صريح الربا، وسواء كان الشيء الملتزم به من جنس الدين أو غيره، وسواء كان شيئًا معينًا، أو منفعة .. » (١). ويقول الشيخ عبد الله بن منيع: «الذي يظهر لي أن الشرط الجزائي بالنسبة لسداد الديون، هو أخذ بالمنهج الجاهلي: (أتربي أم تقضي) بل قد يكون أشد

стр. 3684

من ذلك؛ لأن المنهج الجاهلي يبدأ عند حلول أجل السداد، وهذا يقر عند التعاقد، فهو إقرار بالربا الجاهلي عند التعاقد» (١). وقال الشيخ مصطفى الرزقا: «إن الاتفاق على مقدار ضرر الدائن عن تأخير الوفاء، له محذور كبير، وهو أنه قد يصبح ذريعة لربا مستور، بتواطؤ من الدائن والمدين، بأن يتفقا في القرض على فوائد زمنية ربوية، ثم يعقد القرض في ميعاده، لكن يستحق عليه الدائن تعويض تأخير متفق عليه مسبقًا يعادل سعر الفائدة، فلذلك لا يجوز في نظري» (٢). وقد فرق المجمع الفقهي الإسلامي بين الصانع والمستصنع، فأجاز الشرط الجزائي على الصانع، ومنع الشرط الجزائي على المستصنع. جاء في قرار المجمع رقم ١٠٩ (٣/ ١٢): «يؤكد المجلس قراراته السابقة بالنسبة للشرط الجزائي الواردة في قراره في السلم رقم ٨٥ (٢/ ٩)، ونصه: «لا يجوز الشرط الجزائي عن التأخير في تسليم المسلم فيه؛ لأنه عبارة عن دين. ولا يجوز اشتراط الزيادة في الديون عند التأخير». وقراره في الاستصناع رقم ٦٥ (٣/ ٧) ونصه: يجوز أن يتضمن عقد الاستصناع شرطًا جزائيًا بمقتضى ما اتفق عليه العاقدان ما لم تكن هناك ظروف قاهرة». وقراره في البيع بالتقسيط رقم ٥١ (٢/ ٦) ونصه «إذا تأخر المشتري المدين

стр. 3685

في دفع الأقساط بعد الموعد المحدد فلا يجوز إلزامه أي زيادة على الدين بشرط سابق، أو بدون شرط؛ لأن ذلك ربا محرم .... يجوز أن يشترط الشرط الجزائي في جميع العقود المالية ما عدا العقود التي يكون الالتزام الأصلي فيها دينًا فإن هذا من الربا الصريح. وبناء على هذا فيجوز هذا الشرط مثلًا في عقود المقاولات بالنسبة للمقاول، وعقد التوريد بالنسبة للمورد، وعقد الاستصناع بالنسبة للصانع إذا لم ينفذ ما التزم به أو تأخر في تنفيذه. ولا يجوز مثلًا في البيع بالتقسيط بسبب تأخر المدين عن سداد الأقساط المتبقية سواء كانت بسبب الإعسار أو المماطلة، ولا يجوز في عقد الاستصناع بالنسبة للمستصنع إذا تأخر في أداء ما عليه» انتهى نقلًا من قرار المجمع رقم ١٠٩ (٣/ ١٢). فهنا المجمع فرق بين الصانع والمستصنع، ومثله المقاول وصاحب العمل، ومثله المورد والمستورد فيجوز الشرط الجزائي على الصانع والمقاول والمورد، ولا يجوز الشرط الجزائي على المستصنع وصاحب العمل والمستورد. وذهب بعض الباحثين منهم الدكتور رفيق المصري، والشيخ حسن الجواهري، والدكتور علي محيي الدين القره داغي: أن الشرط الجزائي جائز في عقد الاستصناع والمقاولة والتوريد في حالة عدم التنفيذ، ولا يجوز في حالة التأخر عن التنفيذ. يقول الدكتور رفيق المصري: «الشرط الجزائي إن كان لعدم التنفيذ فهو جائز، ويأخذ حكم العربون، وإن كان اشتراط الشرط لأجل التأخير في التنفيذ فإنه غير جائز؛ لأنه يكون في حكم ربا النسيئة.

стр. 3686

وحجتهم: أن المبيع المستحق التسليم في أجل محدد ضرب من الالتزام (الدين) فأخذ غرامة على التأخير فيه شبهة ربا النسيئة: تقضي أو تربي (١). ويقول الشيخ حسن الجواهري عن عقد الاستصناع: «المشْتَرَى دين في ذمة البائع، فإن تأخر البائع عن التسليم، وألزمناه بالشرط الجزائي فمعنى ذلك تأخر قضاء الدين في مقابل المال، هو الربا المحرم، ولذا أرى أن يقيد مثلًا صحة الشرط الجزائي في عقد الاستصناع بهذه الجملة: (إذا لم يف المستصْنَع بالعقد أصلًا) ولا تترك على إطلاقها ... » (٢). ويتساءل الدكتور رفيق المصري: لماذا يجوز الشرط الجزائي في عقد التوريد، ولا يرى جوازه عند التأخر في السلم، فأي فرق هاهنا بين التوريد والسلم؟ (٣). ويجاب: هناك فرق بين التزام العمل، وبين التزام الدين في حال كان الدين نقودًا، فالتزام العمل وإن كان دينًا إلا أنه يختلف عن دين الدراهم والدنانير، ولهذا يجوز تأخير العوضين إذا كانت الإجارة في الذمة، ولا يجوز تأخير العوضين في المبيع إذا كانا في الذمة كما لو كان المبيع سلمًا، والله أعلم.

стр. 3687

الباب السابع في انتهاء عقد المقاولة الفصل الأول في انتهاء المقاولة بإنجاز العقد [م-٧٩٧] إذا أدى المقاول التزامه حسب شروط العقد دون أية مخالفة، وقام بتسليم العمل لصاحبه، وقام صاحب العمل بتسليم البدل المتفق عليه إلى المقاول لقاء إنجازه عمله فقد انتهى عقد المقاولة، وتحققت صورة من صور انقضاء عقد المقاولة، وهي صورة انقضاء المقاولة بالإنجاز؛ لأن إنجاز العمل هو الغرض من العقد، وإذا حصل غرض العقد لم يبق مسوغ لبقاء عقد المقاولة. * * *

стр. 3688

الفصل الثاني إنهاء عقد المقاولة عن طريق الإقالة [م-٧٩٨] إن كان إنهاء العقد بين المقاول وصاحب العمل جاء بلفظ الفسخ، كأن يطلب أحدهما فسخ العقد، والآخر يقبل ذلك. فالعقد ينفسخ بشرطه، وهو أن يكون الفسخ بالتراضي دون إكراه أو إلجاء. وإن كان إنهاء العقد بين المقاول وصاحب العمل جاء بلفظ الإقالة، فيأتي الخلاف الفقهي هل تعتبر الإقالة بيعًا مستأنفًا، أو تعتبر فسخًا للعقد؟ وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة على أقوال: فقيل: الإقالة فسخ، اختاره زفر من الحنفية (١)، وبعض المالكية (٢)، والقول الجديد للشافعي، وهو المشهور عندهم (٣)، والمذهب عند الحنابلة (٤)، فإن تعذر حملها على الفسخ امتنعت. واختار أبو حنيفة أنها فسخ في حق العاقدين فقط، بيع جديد في حق شخص ثالث غيرهما (٥).

стр. 3689

واختار محمد بن الحسن أن الإقالة فسخ إلا إذا تعذر حملها على الفسخ، فتجعل بيعًا للضرورة (١). وقيل: الإقالة بيع جديد، وهذا هو مذهب المالكية (٢)، والقول القديم

стр. 3690

للشافعي (١)، ورواية عند الحنابلة (٢)، وهو اختيار ابن حزم (٣). واختار أبو يوسف أن الإقالة بيع في حق العاقدين وغيرهما إلا أن يتعذر جعلها بيعًا، فتكون فسخًا (٤). وقد ذكرنا أدلتهم في عقد البيع من المجلد السابع فأغنى عن إعادة ذلك، ورجحنا أن الإقالة فسخ بشرط أن تكون بمثل الثمن الأول، فإن كانت بأكثر منه، أو بأقل، أو بثمن مختلف عن الثمن الأول فإنها بيع من البيوع يشترط فيها ما يشترط في البيع. فإن قيل: كيف تعتبر فسخًا في حال، وبيعًا في حال، وحقيقتها واحدة؟ فالجواب: أن الأصل أنها فسخ لما كان ذلك يؤدي إلى رفع العقد، ورجوع المبيع إلى البائع، والثمن إلى المشتري، ولكن لما اختلف الحال، بأن كان الثمن بأكثر من الثمن الأول علمنا أن العاقدين لم يريدا من لفظ الإقالة الفسخ، وإنما أرادا والله أعلم عقدًا آخر، ولكنهما استعملا لفظ الإقالة، والعبرة في العقود بالمعاني، فلو قال: وهبتك هذا بعشرة كان بيعًا، وإن استعمل لفظ الهبة، لأنه حين ذكر العوض خرج من حقيقة الهبة إلى حقيقة المعاوضة، والله أعلم.

стр. 3691

فإذا كانت الإقالة فسخًا بشرط أن تكون بمثل الثمن، فإن الفسخ يرد على عقد المقاولة؛ لأن عقد المقاولة إن كان على صورة الأجير المشترك، فإن الإقالة ترد عليه؛ لأن الفسخ يرد على العقود الصحيحة اللازمة، وهذا منها. وإن كان عقد المقاولة على صورة الاستصناع، فالفسخ يرد عليه: لأنه إن قيل: إن الاستصناع نوع من عقود السلم كما هو مذهب الجمهور، فعقد السلم يقبل الإقالة، وهو مذهب الأئمة الأربعة خلافًا لابن حزم، وقد تكلمنا عن ذلك في عقد السلم، فأغنى عن إعادته. وإن قلنا: إنه عقد قائم بذاته، كما هو مذهب الحنفية. فإن قلنا: إنه عقد لازم، كما اختارت ذلك مجلة الأحكام العدلية، والقول الأخير لأبي يوسف فإن الإقالة ترد عليه. وإن قلنا بالتفصيل كما هو رأي جمهور الحنفية: وأن عقد الاستصناع عقد جائز في حق المستصنع والصانع قبل تقديم المصنوع إلى الصانع، فلا ترد عليه الإقالة في هذه المرحلة. وأما بعد تقديم المصنوع إلى الصانع فإنه عقد لازم في حق الصانع، وجائز في حق المستصنع، فالإقالة ترد في حق الصانع دون المستصنع. وقد رجحت مذهب أبي يوسف، وهو اختيار مجمع الفقه الإسلامي، وبالتالي ترد الإقالة على عقد الاستصناع مطلقًا، قبل التصنيع وبعده، وقد ذكرت هذا التفصيل بأدلته في عقد الاستصناع، فأغنى ذلك عن تكراره هنا، والله أعلم. * * *

стр. 3692

الفصل الثالث انتهاء المقاولة بوجود ما يقتضي الفسخ [م-٧٩٩] قد تنتهي المقاولة بوجود ما يقتضي الرد، وذلك بأن يكون عمل المقاول مخالفًا للشروط والمواصفات المتفق عليها، فإذا كان المعقود عليه معيبًا عيبًا ينقص العين، أو ينقص القيمة، أو يفوت به غرض صحيح لصاحبه كان لصاحب العمل الخيار في رد المعقود عليه أو قبوله، وهذا باتفاق الفقهاء. وعقد المقاولة يدخله خيار الرد بالعيب. أولًا: لأن خيار العيب لا يدخل إلا العقود اللازمة، وعقد المقاولة من العقود اللازمة، أما العقود الجائزة فإنه يكتفى بجوازها عن المطالبة بالفسخ. الثاني: أن خيار العيب لا يتوقف على اتفاق أو اشتراط لقيامه بل ينشأ لمجرد وقوع سببه الذي ربط قيامه به، وهو وجود العيب. يقول ابن عابدين في حاشيته: «خيار العيب يثبت بلا شرط» (١). فإذا اختار صاحب العمل الرد في عقد المقاولة، كان ذلك سببًا لانتهاء عقد المقاولة. وإن قبل صاحب العمل العيب فهذا له؛ لأن الحق له فإذا أسقطه سقط. وإن اتفقا على قبول العيب، وأن يعطيه المقاول قيمة العيب. فقيل: هذا جائز، وعليه عامة أهل العلم.

стр. 3693

قال ابن رشد: «فإن اتفقا على أن يمسك المشتري سلعته، ويعطيه البائع قيمة العيب، فعامة فقهاء الأمصار يجيزون ذلك» (١). وقيل: لا يصح، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعية، وهو المذهب عندهم (٢). وقد ذكرنا أدلتهم في خيار العيب، فأغنى ذلك عن إعادته. * * *

стр. 3694

الفصل الرابع في موت المقاول [م-٨٠٠] إذا مات المقاول فهل ينتهي عقد المقاولة؟ الجواب فيه تفصيل: إذا كان رب العمل قد اشترط على المقاول أن يقوم بنفسه بالعمل، أو كانت شخصية المقاول ومؤهلاته محل اعتبار في التعاقد كالطبيب والرسام فإن العقد ينتهي بموته. لأن صاحب العمل حين شرط على المقاول مباشرة العمل بنفسه، أو كانت شخصيته محل اعتبار في التعاقد أصبحت شخصية المقاول معقودًا عليها، فبموت المقاول يكون قد فات المحل المعقود عليه، فينتهي العقد مثله تمامًا لو كان عقد الإجارة على شيء معين فهلك (١). قال الشربيني في الإقناع: «وتنفسخ بموت الأجير المعين؛ لأنه مورد العقد، لا لأنه عاقد .. » (٢). أما إذا خلا العقد من مثل هذا الشرط، أو كانت شخصية المقاول ليست محل اعتبار في التعاقد فقد اختلف العلماء في موته هل ينتهي بذلك عقد المقاولة؟ فقيل: ينتهي العقد بموته، وهذا مذهب الحنفية، والثوري والليث، واختيار ابن حزم من الظاهرية (٣).

стр. 3695

وقيل: لا ينتهي العقد بموت المقاول (الأجير المشترك)، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة (١). وجه قول الحنفية ومن معهم: بأن عقد الإجارة عقد يتجدد انعقاده ساعة فساعة حسب حدوث المنفعة، فالمنفعة التي يستحقها رب العمل بالعقد هي التي تحدث على ملك الأجير، فإذا مات فإن ما يحدث من المنافع يكون ملكًا لوارثه فلا ينفذ فيه عقده. وأجاب الجمهور: هذا الإيراد يرد على مذهب المالكية الذين يقولون بأن الأجرة تستحق شيئًا فشيئًا بقدر ما يقبض من المنفعة، أما الشافعية والحنابلة الذين يقولون: إن الأجرة تملك بالعقد فلا يرد عليهم هذا القول (٢)، لأنهم يقولون: إن المقاول قد ملك الأجرة، وصاحب العمل قد ملك المنفعة بالعقد، وإذا كانت المنفعة مستحقة في ذمة الأجير لم تسقط بالموت كالدين، فيجب استيفاء المنفعة من تركة الأجير، ولا يحق لورثته الاعتراض على عقود مورثهم، فإنها من جملة ما ورثوه.

стр. 3696

وجه قول الجمهور: أن الإجارة من العقود اللازمة كالبيع، فلا تتأثر بالوفاة. ولأن العقد لم يقع على عين المقاول، فعين المقاول ليست مقصودة، وإنما العقد وارد على العمل، وهو في الذمة، وقد استحق قبل موته فلا يسقطه الموت. الراجح: مذهب الجمهور، وأن موت المقاول لا يوجب الفسخ إلا إذا كانت عين المقاول مقصودة بالعقد، كما لو اشترط صاحب العمل أن يباشر المقاول العمل بنفسه، أو كانت شخصيته ومؤهلاته محل اعتبار في التعاقد، إلا أنه يجوز لصاحب العمل المطالبة بفسخ العقد إذا لم تتوفر في الورثة الضمانات الكافية لحسن تنفيذ العمل (١). وفي حال الفسخ يدخل في التركة قيمة ما تم من الأعمال والنفقات بحسب شروط العقد، وبمقتضى العرف. ومثل الموت لو أصاب المقاول مرض، أو أصابه عجز عن إتمام العمل لسبب لا يد له فيه، فإن لم يكن هناك شرط أن يباشر العمل بنفسه، ولم تكن شخصيته محل اعتبار في التعاقد فإنه لا يفسخ العقد بمرضه أو عجزه، وإلا فسخ العقد. قال الزركشي: «فمتى مرض المؤجر والحال هذه لزمه أن يقيم مقامه من يعمل ذلك ليخرج من الحق الواجب في ذمته إيفاؤه أشبه المسلم فيه ...

стр. 3697

ويستثنى من ذلك ما إذا شرط عينه كأن تخيط لي هذا الثوب، فهاهنا لا يقيم غيره مقامه، بل يخير المستأجر بين الفسخ والصبر حتى يتبين الحال، والله أعلم» (١). * * *

стр. 3698

عقد التوريد تمهيد المبحث الأول التعريف بعقد التوريد تعريف التوريد اصطلاحًا (١): عرف مجمع الفقه الإسلامي التوريد بقوله: «عقد يتعهد بمقتضاه طرف أول بأن يسلم سلعًا معلومة مؤجلة بصفة دورية خلال فترة معينة لطرف آخر مقابل مبلغ معين مؤجل كله أو بعضه» (٢). وعقد التوريد يمكن أن يكون مرة واحدة كما لو كان العقد يقضي بتوريد كمية من السلع دفعة واحدة. ويمكن أن يكون منجمًا يتم بصفة متكررة. كما أن التوريد يمكن أن يكون لسلعة مصنعة وجاهزة، ويمكن أن يكون التوريد لشيء غير موجود يراد تصنيعه. وقد يكون عقد التوريد محليًا أو دوليًا: أي قد يتم بين منشأتين في بلد واحد، أو في بلدين مختلفين، فهو لا يعني بالضرورة أنه عقد متعلق

стр. 3699

بالاستيراد والتصدير، وإن سمي البائع موردًا، والمشتري مستوردًا، أو موردًا له (١). وقد يكون العقد في التوريد من العقود الإدارية، وهو ما كان أحد طرفيه شخصًا معنويًا من أشخاص القانون العام، وهذا هو الغالب على عقود التوريد، لذلك كانت أكثر تعريفات الباحثين لعقد التوريد تتناوله على أنه من العقود الإدارية. وقد يكون عقد التوريد عقدًا خاصًا بين الأفراد، أو بين الأفراد والشركات الخاصة، أو بين الشركات الخاصة فيما بينها، والفقه الإسلامي لا يفرق بين العقود الإدارية والعقود الخاصة. * * *

стр. 3700

المبحث الثاني خصائص عقد التوريد [م-٨٠١] خصائص عقد التوريد: (١) - يعتبر عقد التوريد من العقود اللازمة للطرفين المورد والمورد له. (٢) - يعتبر عقد التوريد من عقود المعاوضات حيث يفضي إلى تمليك السلعة للمستورد، والثمن للمورد بصورة مؤبدة. (٣) - يعتبر عقد التوريد من أنواع البيع على الصفة حيث يكون المبيع غائبًا عن مجلس العقد، وإنما يكتفى إما برؤية متقدمة، أو رؤية أنموذج له، أو عن طريق وصفه وصفًا دقيقًا يميزه عما عداه. (٤) تأجيل الثمن كله أو بعضه، مما يعني غياب العوضين عن مجلس العقد، وتأجيلهما جملة أو أقساطًا إلى زمن مستقبل. ويمكن تصنيف المبيع الغائب في عقود التوريد إلى ثلاثة أنواع: (١) - أن يكون المبيع سلعة معينة موجودة لدى المورد إلا أنها غائبة عن مجلس العقد. (٢) - أن يكون المبيع سلعة موصوفة في الذمة وليست معينة، وهذا هو الغالب على عقود التوريد. وهذا ينقسم إلى قسمين: (أ) - سلع تتطلب صناعة المورد. (ب) - سلع جاهزة لا تتطلب صناعة المورد.

стр. 3701

(٣) - أن يكون المبيع توريد خدمة من الخدمات، وهذا التوريد ينطبق عليه أحكام الأجير المشترك؛ لأنها خدمات في الذمة إلا أنها تستحصل شيئًا فشيئًا. فهذه الأنواع جمعت صورًا من العقود: من ذلك عقد البيع، كبيع سلعة معينة غائبة عن مجلس العقد. وعقد مقاولة: إذا كانت السلعة تحتاج إلى صناعة، أو في حال تقديم خدمة في الذمة تستحصل شيئًا فشيئًا. وعقد سلم إذا كانت السلعة المبيعة جاهزة إلا أنها موصوفة في الذمة. * * *

стр. 3702

المبحث الثالث عقد التوريد وبيع ما ليس عند المورد [م-٨٠٢] عقد التوريد هل يدخل في بيع ما ليس عند البائع؟ وللجواب عن ذلك نقول: عقد التوريد قائم على بيع سلعة غائبة. إلا أن هذه السلعة إن كانت معينة فإنه يشترط أن يكون المورد مالكًا لها، أو مأذونًا له في بيعها، وبالتالي لا يدخل في بيع ما ليس عند البائع. فإن باعها قبل تملكها، أو قبل أن يؤذن له في بيعها، فينظر: فإن باعها لحظ نفسه فقد باع ما لا يملك. وهذا منهي عنه بالإجماع. وإن باعها لحظ مالكها انطبق على هذا التصرف حكم بيع الفضولي، وهو بيع مختلف فيه، والصحيح أنه بيع صحيح موقوف على إذن المالك، وسبق الكلام عنه في عقد البيع. وإن كانت السلعة غير معينة أي موصوفة في الذمة فإنه لا يشترط أن تكون عند البائع، ولا يدخل في النهي عن بيع ما ليس عند البائع. يقول الشافعي ﵀: «لما نهى رسول الله ﷺ حكيمًا عن بيع ما ليس عنده وأذن في السلم استدللنا على أنه لا ينهى عما أمر به، وعلمنا أنه إنما نهى حكيمًا عن بيع ما ليس عنده إذا لم يكن مضمونًا عليه، وذلك بيع الأعيان» (١). وبالتالي لا يدخل بيع السلع الموصوفة في الذمة في النهي عن بيع ما ليس عند البائع، ولا فرق في ذلك بين السلع التي تحتاج إلى صناعة وهو ما يعرف بعقد

стр. 3703

الاستصناع، والذي أجازه الحنفية ولو كان البدلان مؤجلين، وبين السلع الجاهزة كالقمح والأرز ونحوهما والذي يشترط فيه تعجيل الثمن عند الجميع، بل يكفي أن يغلب على الظن أن تكون السلعة عامة الوجود في وقت التسليم، وحينئذ يكون البائع قد باع ما يملك القدرة على تسليمه في الميعاد المطلوب، وهذا كاف في التصحيح. وبناء على هذا نستطيع أن نقول: إن عقد التوريد ليس داخلًا في النهي عن بيع ما ليس عند البائع. * * *

стр. 3704

الباب الأول في توصيف عقد التوريد الفصل الأول عقد التوريد والعقود المسماة [م-٨٠٣] هل عقد التوريد يعتبر من العقود المسماة في الفقه الإسلامي، والذي ينبغي أن يكون الاجتهاد في تكييف هذا العقد، هل هو من قبيل السلم، أو الاستصناع، أو الإجارة في الذمة، بحيث يطبق عليه شروط كل عقد من هذه العقود؟ أو يعتبر من العقود المستحدثة، وأن الأصل فيها الجواز والصحة إلا إذا كان هناك ما يوجب المنع من ربا أو غرر أو ظلم أو وقوع في محذور، كبيع الدين بالدين أو مخالفة للقواعد المسلمة؟ هذه المسألة فيها قولان لأهل العلم: القول الأول: يرى أن عقد التوريد من العقود المسماة في الفقه الإسلامي. وهذا هو رأي مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي (١)، واختاره مجموعة من العلماء منهم الشيخ عبد الله بن منيع (٢)، والشيخ سعود الثبيتي (٣).

стр. 3705

فهم يرون أن عقد التوريد قد يكون سلمًا، وقد يكون استصناعًا، وقد يكون بيع سلعة معينة غائبة عن مجلس العقد، وحكمه في هذه الحال يأخذ حكم كل مسألة من هذه المسائل. وقد تكلمنا عنها فيما سبق. القول الثاني: يرى أن عقد التوريد من العقود المستحدثة والجديدة، والشريعة ترحب بالعقود الجديدة ما دامت قائمة على التراضي، وما دامت ... لا تحل حرامًا، ولا تحرم حلالًا، ولأن عقد التوريد يرجع إلى عقود المقاولات، وعقود المقاولات هي عقود مستجدة عرفت في هذا العصر، وكون عقد المقاولة يشبه الاستصناع أو يشبه عقد الإيجار هذا شبه عارض لا يختلف في حقيقته عن ذلك الشبه الذي يجده المرء بين العقود القديمة ذاتها. فعلى سبيل المثال من الوارد أن يجد المرء ثمة تشابهًا بين شركة العنان، وشركة المفاوضة، وذلك على مستوى كون كل واحد منهما اتفاقًا قائمًا على الخلط بين المالين، بيد أنه من المعروف أن لكل واحدة منهما كيانها الخاص، وأنهما تختلفان في قضايا أخرى متصلة بحقيقتهما وجوهرهما مما يحتم عدم إلحاق إحداهما بالأخرى في الحكم. فإذا أسقطنا عقد الاستصناع على عقد المقاولة كنا محكومين بالشروط التي وضعها الحنفية في عقد الاستصناع، من ذلك أن يجري العمل فيه بين الناس؛ لأن عقد الاستصناع جرى على خلاف القياس، بينما هذا الشرط ليس قائمًا في عقد المقاولة، كما يرى جمهور الحنفية خلافًا لأبي يوسف أن عقد الاستصناع عقد غير لازم قبل البدء بالعمل من الجانبين، وعقد المقاولة ليس كذلك.

стр. 3706

وهكذا. وممن ذهب إلى أن عقد التوريد عقد جديد الشيخ عبد السلام العبادي، والشيخ عبد الوهاب أبو سليمان (١)، والشيخ عبد الستار أبو غدة (٢). وقد تكملنا على هذه المسألة في عقد المقاولة فيما سبق فأغنى عن إعادته هنا. وإذا كان عقد المقاولة من العقود المستحدثة كان التوريد من العقود المستحدثة؛ لأنه جزء منه. والقائلون بذلك قد انقسموا في حكمه إلى فريقين: فريق يرى جواز عقد التوريد مطلقًا بناء على أن الأصل في العقود الصحة والجواز، ومن هؤلاء فضيلة الشيخ عبد الوهاب أبو سليمان. وفريق يرى تحريم عقد التوريد؛ إما لأن فيه غررًا، أو لأن فيه تأجيل البدلين. وهذا ما سوف نتعرض له بشيء من التفصيل عند الكلام عن صور عقود التوريد إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 3707

الفصل الثاني التوريد بين العقد والوعد [م-٨٠٤] اختلف الفقهاء المعاصرون هل بيع عقد التوريد عقد أو مواعدة. فأكثر الباحثين على أن التوريد عقد، وليس وعدًا بالعقد. وبهذا صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي. جاء في قرار المجمع رقم ١٠٧ (١/ ١٢): «عقد التوريد عقد يتعهد بمقتضاه طرف أول بأن يسلم سلعًا معلومة مؤجلة بصفة دورية خلال فترة معينة لطرف آخر مقابل مبلغ معين مؤجل كله أو بعضه ... ». وقيل: عقد التوريد لا يعدو من الناحية الشرعية أن يكون تفاهمًا ومواعدة من الطرفين، أما البيع الفعلي فلا ينعقد إلا عند تسليم المبيعات. وهذه المواعدة ملزمة للجانبين وليست عقدًا باتًا. وهذا ما اختاره محمد تقي العثماني (١). والقول بلزوم المواعدة عند الحاجة له نظائر في الفقه الإسلامي من ذلك ما جاء في الفتاوى الخانية عن بيع الوفاء. قال قاضي خان من الحنفية: «واختلفوا في البيع الذي يسميه الناس بيع الوفاء، أو البيع الجائز، قال أكثر المشايخ منهم السيد الإمام أبو شجاع، والقاضي الإمام أبو الحسن السغدي حكمه حكم الرهن ... والصحيح أن العقد

стр. 3708

الذي جرى بينهما إن كان بلفظ البيع لا يكون رهنًا، ثم ينظر إن ذكرا شرط الفسخ في البيع فسد البيع ..... وإن ذكرا البيع من غير شرط، ثم ذكر الشرط على وجه المواعدة جاز البيع، ويلزمه الوفاء بالوعد؛ لأن المواعدة قد تكون لازمة، فتجعل لازمة لحاجة الناس» (١). فعبارة القاضي خان صريحة في أن المواعدة يمكن أن تجعل لازمة لحاجة الناس، ولا شك أن الحاجة في الإلزام بالمواعدة ظاهرة في عقود التوريد، فلو لم يكن وعد المشتري ملزمًا لتضرر البائع والمشتري ضررًا بينًا. فضرر البائع يتمثل في الجهد والمال المبذولين في توفير السلعة بناء على طلب المشتري، فإنه لولا وعد المشتري بالشراء لم يتكبد البائع هذا الجهد، ولم ينفق هذه المبالغ الكبيرة، وربما لا يوجد من يشتري منه ذلك النوع من البضائع التي وفرها بناء على رغبة المشتري، فرفض المشتري شراءها يضيع مال البائع ووقته وجهده، ويسبب له خسائر لا تحتمل. وكذلك المشتري قد يتضرر بكون الوعد غير ملزم، وذلك أنه لما وعده البائع بتوفير هذه الكمية من السلع أمسك عن طلبها من تاجر آخر اعتمادًا على وعد البائع، وربما فاته عروض مغرية بسبب احترامه للوعد القائم بينه وبين البائع، وربما لا يستطيع توفير السلعة في التاريخ المتفق عليه من غير البائع إذا أخل البائع بوعده، وامتنع من توفير السلعة (٢).

стр. 3709

ونوقش هذا: إذا تم الاتفاق على كون المواعدة ملزمة للطرفين فهذا يصير الوعد عقدًا؛ لأن الإلزام من أبرز خصائص العقد، وقد صرح الفقهاء بأن الوعد لا يعتبر عقدًا. وفي ذلك يقول ابن حزم: والتواعد على بيع الذهب بالذهب، أو الفضة بالفضة، وفي سائر الأصناف الأربعة بعضها ببعض جائز تبايعا بعد ذلك، أو لم يتبايعا؛ لأن الوعد ليس بيعًا» (١). فالقول بالإلزام بالوعد مع القول بأن البيع الفعلي لا ينعقد إلا عند تسليم المبيعات قول ينقض بعضه بعضًا، فإذا ألزمنا المشتري بالوعد السابق بالثمن السابق كان البيع منعقدًا بذلك الوعد؛ لأنه لا خيار لهما في إحداث إيجاب جديد، وسعر جديد، وكان الإيجاب والقبول الحادث عند التسليم لا حاجة إليهما، فهما إيجاب وقبول صوريان، والعبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني. و أجيب: بأن المواعدة ليست عقدًا باتًا، وإنما هي موافقة الطرفين على إنجاز العقد في تاريخ لاحق، وهو يحتاج إلى الإيجاب والقبول في التاريخ اللاحق. والفرق: أن إنجاز العقد ينقل المعقود عليه من ذمة إلى ذمة حالًا فور ما يتم

стр. 3710

الإيجاب والقبول، فيكون الثمن دينًا في ذمة المشتري، أو يكون المبيع دينًا في ذمة البائع كالسلم، وإذا أفلس المشتري فإن البائع أسوة الغرماء، ولا يسقط هذا الدين بموت المدين فيؤخذ من تركته. أما المواعدة فلا تنشئ دينًا على أحد من الطرفين، ولا يحق للواعد بالشراء أن يأخذ الشيء الموعود بيعه من تركة الواعد بالبيع بعد موته، أو بعد إفلاسه، فظهر أن المواعدة ليست عقدًا، ولا تنتج عنها آثار العقد ولا المديونية إلا في التاريخ الموعود، ولا تحدث هذه النتائج بصفة تلقائية حتى في التاريخ الموعود، بل يجب عند ذلك أن يتم الإيجاب والقبول من الطرفين على أنه إن عرض لأحد الطرفين في المواعدة عذر حقيقي مقبول منعه من إنجاز الوعد فإنه يعد معذورًا، ولا يجبر على إنجاز العقد، ولا على دفع التعويض. أما أثر كون المواعدة لازمة فلا يتجاوز من أن يجبر الحاكم الفريقين بإنجاز العقد في التاريخ الموعود، وإن أخل أحدهما بالوفاء بوعده حمله الحاكم ما تضرر به الآخر من الضرر المالي الفعلي الذي حدث بسبب تخلفه عن الوفاء، وهذه النتيجة مختلفة تمامًا عن نتائج إنجاز العقد الذي ينقل المعقود عليه من ذمة إلى ذمة (١). ويجاب: بأن هذه الفروق ليست مستندة إلى قول فقهي، فالقول بالإلزام بالوعد لا يعرف عن الفقهاء المتقدمين، وبالتالي لا تكون فروقًا صحيحة، وقد كشفت عن ذلك عند بحث الإلزام بالمواعدة في بيع المرابحة للآمر بالشراء فأغنى عن إعادته هنا، والاستدلال في كلام قاضي خان لا يسعف ذلك أنه اشترط أن يكون

стр. 3711

الوعد متبرعًا به، وليس مشروطًا، فإن كان مشروطًا كجزء من المعاوضة يرى القاضي خان أنه يفسد العقد، فكان بينه وبين الإلزام بالوعد في التوريد فرق كبير، والله أعلم. * * *

стр. 3712

الفصل الثالث التوريد من العقود اللازمة [م-٨٠٥] رجحنا في المبحث السابق أن التوريد عقد من العقود، فهل هذا العقد هو من العقود اللازمة منذ صدور الإيجاب والقبول، أو هو عقد جائز غير لازم؟ قال الشيخ عبد الوهاب أبو سليمان: «يظل العقد غير لازم حتى يوفي البائع بكافة الصفات المشروطة في المبيع» (١). ويقول أيضًا: «عقد التوريد ليس من قبيل بيع الدين بالدين .... وإنما هو في حدود الاتفاق والوعد لا يتجاوزهما العقد، فمن ثم يظل العقد جائزًا قابلًا للفسخ حتى يتم تسليم المبيع» (٢). والصحيح أن العقد لازم من حين صدور القبول مطابقًا للإيجاب، ويطالب البائع بالالتزام بكافة الصفات المشروطة في المبيع على سبيل الإلزام، والإخلال بالصفات لا يجعل العقد غير لازم، وإنما للمشتري أن يطالبه ببدله مطابقًا للمواصفات على سبيل الإلزام. وجه ذلك: أن الشيء المتعاقد عليه ثابت في ذمة المورد، وما ثبت في الذمة لا يسقط إلا بالإبراء أو الأداء، وقد انعقد عقد التوريد صحيحًا مستجمعًا لشروطه، وحق المشتري أن يستلم الشيء المتعاقد عليه مطابقًا للمواصفات خاليًا من العيوب، فإذا دفع البائع سلعة غير مطابقة للمواصفات كان من حق

стр. 3713

المشتري أن يرجع إلى ما وجب في ذمة المورد، ويطالبه أن يدفع بدله سليمًا؛ لأن حقه لم يتعلق بعين المدفوع. * * *

стр. 3714

الفصل الرابع التوريد عقد مركب من بيع وإجارة [م-٨٠٦] من أهم الأمور التي ينبغي تحريرها في عقد التوريد هل هو عقد بيع، أو عقد إجارة، أو هو عقد مركب من بيع وإجارة؟ وأهمية ذلك ترجع إلى اشتراط تقديم الثمن. فإن قلنا: إن عقد التوريد عقد بيع، وكان المبيع موصوفًا في الذمة اشترطنا تقديم الثمن حتى لا نقع في بيع الدين بالدين. ولما كانت الممارسات القائمة في أسواق المسلمين لا تقوم على تقديم الثمن؛ لأن في ذلك مخاطرة كبيرة فقد لا يلتزم المورد بتسليم البضاعة، وإذا التزم بتسليمها فقد لا يلتزم بالمواصفات المتفق عليها. لذا رأى بعضهم أن يفتي بجواز هذه المعاملة بالرغم من كونه مخالفًا للأصول، وذلك على أساس أن الحاجة تنزل منزلة الضرورة، ولأنه ليس في هذا العقد ما يؤدي إلى الربا أو القمار، أو الغرر الفاحش الذي هو علة لمنع بيع الكالئ بالكالئ. قال الشيخ القاضي محمد تقي العثماني: «ولكن هذا الرأي فيه نظر من وجوه، ولو فتحنا باب غض النظر عن هذه المبادئ التي استمر عليها الفقه الإسلامي عبر القرون، فإن ذلك يفتح المجال لإباحة كثير من العقود الفاسدة التي ابتدعها السوق الرأسمالي مثل المستقبليات وغيرها» (١).

стр. 3715

ومنهم من حاول الهروب من هذا الإشكال بالقول: إن هذا ليس عقدًا، وإنما هو من قبيل المواعدة الملزمة، أما البيع الفعلي فلا ينعقد إلا عند تسليم المبيعات ... وهذا رأي مجموعة من الباحثين، منهم الشيخ العثماني. وقريب من هذا القول رأي الشيخ وهبة الزحيلي: يقول الشيخ وهبة: «ما يتعلق بعقد التوريد هو في الواقع مجرد اتفاق أولي بين الجهة المستفيدة وبين الجهة المقدمة لهذه الخدمات، فهو اتفاق ينقلب في نهاية الأمر إلى عقود فردية متكررة، كلما تقدم المورد بصفقة معينة يقدم فاتورة المبيعات ويذكر الثمن، ثم تأتي الجهة التي تستفيد من هذا التنفيذ بإقرار هذا العمل، وتدفع له الثمن على هذه الصفقة التي قدمها، فإذن هناك عدة عقود انفرادية من خلال اتفاق شامل، وهو الذي تسميه القوانين عقود التوريد، والأدق أن يقال له: اتفاق التوريد، فإذن ينقلب الأمر من اتفاق إلى عقد عند التنفيذ ... » (١). واضطرب الشيخ عبد الوهاب أبو سليمان فتارة يسميه وعدًا واتفاقًا، وتارة يطلق عليه بأنه عقد جائز قابل للفسخ، وبينهما فرق، فالوعد ليس عقدًا حتى يقال: إنه عقد جائز. يقول الشيخ أبو سليمان «عقد التوريد ليس من قبيل بيع الدين بالدين، ذلك أن الدين شغل ذمة أحد المتبايعين للآخر بدين، وليس هذا في عقد التوريد من الدين بشيء، وإنما هو في حدود الاتفاق والوعد لا يتجاوزهما العقد، فمن ثم يظل العقد جائزًا قابلًا للفسخ حتى يتم تسليم المبيع» (٢).
следующие страницы →