← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.

стр. 3746

مقابل ما التزم به مطابقًا للشروط والمواصفات». وبهذا يكون التعريف قد اشتمل على التزامات كل طرف. والمناقصة مفاعلة تقتضي المشاركة في أصل الفعل بين اثنين، أحدهما صاحب المناقصة، والطرف الآخر هم الموردون أو المقاولون ويسمون بالمناقصين أو المتناقصين. وسميت المناقصة عقدًا لأنها وسيلة إليه. الفرق بين المناقصة والمزايدة: [ن-٤٦] يفترق عقد المناقصة عن المزايدة فيما يلي: (١) من الناحية اللغوية نجد أن العلاقة بين عقد المناقصة والمزايدة علاقة تباين وتضاد، كما هي أيضًا من الناحية الموضوعية، فالزيادة ضد النقص. (٢) - المناقصة عقد مستحدث لم يعرف في الفقه الإسلامي، وأما المزايدة فهو من العقود المسماة، حيث ورد ذكره في السنة، وفي كتب الفقهاء. (٣) المناقصة قد تكون علنية وقد تكون سرية، وأما عقد المزايدة فهو علني دائمًا. (٤) المناقصة تراد للتوريد عندما يتعلق الأمر بشراء سلعة، أو للمقاولة عندما يتعلق الأمر بعقد إجارة أو استصناع، فهي ترد على شراء الأصناف أو تنفيذ الأعمال، بينما المزايدة ترد على بيع الأصناف أو إجارتها. (٥) المناقصة تستهدف اختيار من يتقدم بأقل عطاء، والمزايدة ترمي إلى التعاقد مع الشخص الذي يقدم أعلى عطاء. (٦) المناقصة يجريها المشتري، ويطلب العرض الأقل من البائعين، والمزايدة يجريها البائع، ويطلب العرض الأكثر من المشترين.

стр. 3747

ويشتركان فيما يلي: (١) - أن عقد المناقصة والمزايدة في العصر الحديث من العقود الشائعة المنتشرة محليًا وعالميًا وتضاعفت أهميتهما نظرًا لشدة الحاجة إليهما، بل أصبحا من عقود المؤسسات والإدارات الحكومية، لهما أنظمتهما وقوانينهما ولوائحهما الخاصة، ومن ثم انتظما قانونًا بين العقود الإدارية التي يكون أحد أطراف العقد شخصًا من أشخاص القانون العام، كالدولة مثلًا، أو الهيئات والمؤسسات العامة ذات الشخصية المعنوية. (٢) أن المناقصة والمزايدة من عقود المنافسة الحرة والمساواة بين المتنافسين في إتاحة المعلومات المتوافرة لدى الجهة الإدارية وإتاحة الفرصة في الدخول في المنافسة. (٣) يثبت للمناقصة من الإجراءات والتنظيمات ما يثبت للمزايدة في الجملة، ويخضع كل منهما لما يخضع له الآخر فيما عدا بعض الأمور والشروط التي تتلاءم وطبيعة كل واحد منهما على انفراد (١). * * *

стр. 3748

المبحث الثاني في خصائص عقد المناقصة [ن-٤٧] يتميز عقد المناقصة بمجموعة من الخصائص سواء قلنا: إن المناقصة وسيلة للعقد وطريقة للوصول إليه. أو قلنا: إن المناقصة هي عقد بذاتها، من ذلك: (١) يقوم عقد المناقصة على الرضا من الطرفين، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء:٢٩]. (٢) - يعتبر عقد المناقصة من عقود المعاوضات: إذ إن تمليك الشيء عن طريقها سواء كان ذاتًا أو منفعة لا يحصل إلا بعوض يبذله المناقص له للمناقص. (٣) - يعتبر عقد المناقصة من العقود اللازمة للطرفين المناقص والمناقص له، فلا يحق لأحد الطرفين الانفراد بالفسخ دون موافقة الطرف الآخر، أو وجود شرط في العقد يجعل العقد اللازم جائزًا. (٤) يعتبر عقد المناقصة من العقود المركبة حيث يتضمن مجموعة من العقود المتداخلة، من ذلك عقد بيع دفتر الشروط، وهو عقد مستقل، وعقد الضمان، وهو عقد تابع لعقد المناقصة بالإضافة إلى عقد المناقصة والذي قد يكون بيعًا، وقد يكون إجارة، وقد يكون مركبًا من كليهما كما لو كان العقد يتطلب استصناعًا، وكانت المواد من المناقِص. * * *

стр. 3749

المبحث الثالث مقومات عقد المناقصة [ن-٤٨] يقوم عقد المناقصة على المقومات التالية: الأول: الصيغة. وهي الإيجاب والقبول. وسوف يأتينا إن شاء الله تعالى بيان من الموجب ومن القابل في عقد المناقصة في مبحث مستقل. الثاني: العاقدان، وهما: المناقِص، وهو من يتقدم بالعطاء. والمناقص له: وهو الداعي للمناقصة. الثالث: المعقود عليه، وينقسم إلى: المناقص فيه: وهو عبارة عن سلع أو أعمال تعهد المناقص بتوريدها أو القيام بها. العطاء (قيمة المناقصة): وهو ما يبذله المناقص له قيمة للسلع أو للأعمال التي تعهد المناقِص بتقديمها للمناقص له. وقد اخترت أن يكون العنوان مقومات عقد المناقصة؛ لأخرج من الخلاف الدائر بين الحنفية والجمهور في تحديد أركان العقد: فالحنفية يرون أن ركن العقد هو الصيغة فقط. والجمهور يرون أن ركن العقد الصيغة، والعاقدان، والمعقود عليه. وقد بينت سبب الخلاف بين الحنفية والجمهور في عقد البيع عند الكلام على أركان العقد فأغنى عن إعادته هنا، أما مقومات العقد فتشمل كل ما ذكر دون دخول في الخلاف بين الحنفية والجمهور، والله أعلم.

стр. 3750

الباب الأول في الإجراءات المتبعة في عقد المناقصة [ن-٤٩] يمر التعاقد عن طريق المناقصة بمراحل أهمها: المرحلة الأولى: تقوم الجهة الداعية للمناقصة ـ بعد تقدير القيمة التقريبية للمشروع، والتأكد من توفر الاعتماد المالي اللازم الذي يمكنها من الوفاء بالتزاماتها ـ تقوم بوضع تفاصيل المشروع بكامله من مواصفات تفصيلية وشروط، وتصاميم ورسوم ومحل التسليم، وتضع كل ذلك في دفتر يسمى (دفتر الشروط)، وتقدمه للمشتركين في المناقصة متضمنًا بيان الجزاءات المترتبة على الإخلال بأحكام العقد وشروطه. المرحلة الثانية: مرحلة الإعلان عن المناقصة . تقوم الجهة الداعية للمناقصة بدعوة الموردين أو المقاولين عن طريق الإعلان في الجرائد والصحف لتقديم عروضهم، وهذا الإعلان ضروري لتأمين المنافسة العادلة، وحتى لا يكون التعاقد قاصرًا على طائفة معينة من المواطنين بحجة أنهم وحدهم الذين تقدموا. ويجب أن يتضمن الإعلان عن المناقصة الأمور التالية: (١) تحديد السلعة أو العمل المطلوب تنفيذه. (٢) ثمن نسخة دفتر الشروط، والمبين فيه الشروط والمواصفات ومقدار الضمان الابتدائي والنهائي والغرامات.

стр. 3751

(٣) تحديد الجهة التي تقدم إليها العروض. (٤) تحديد آخر موعد لتقديم العروض، ويجب أن تكون المهلة معقولة لكي يفكر فيها من يريد التقدم، وليزن عطاءه وظروفه جيدًا قبل التقدم. (٥) تحديد تاريخ فض العروض (١). المرحلة الثالثة: مرحلة تقديم العروض: بعد دراسة الموردين أو المقاولين لدفتر الشروط، يتقدم الراغب في الدخول في المناقصة بتقديم عطائه للجهة الداعية للمناقصة ضمن الموعد المحدد بالشكل التالي. (١) - تكتب الأسعار على نماذج مخصوصة معدة لهذا الغرض رقمًا وكتابة بالمداد الأحمر دون كشط ولا محو، وتوقع جميع صفحاتها من قبل مقدميها، ويرفق معها الضمان الابتدائي (٢). (٢) - تقدم هذه العروض في مظاريف مختومة بالشمع الأحمر، وترسل بالبريد المسجل، أو تقدم مناولة باليد مقابل إيصال. (٣) - توضع هذه العروض الواردة في صندوق العطاءات الذي له فتحة مناسبة تسمح بدخول العرض، ولا تسمح بخروجه منه. (٤) - لا يجوز للمناقصين بعد تقديم عروضهم تعديل أسعارها بالزيادة أو

стр. 3752

بالنقصان؛ لما في هذا من إخلال بمبدأ المساواة بين المناقصين، ومبدأ السرية في المناقصات. (٥) - يبقى العرض ساريًا، ولا يجوز لصاحبه الرجوع فيه حتى تاريخ البت (١). المرحلة الرابعة: فتح المظاريف ودراسة العروض . تقوم الجهة الطالبة للمناقصة بفتح الظروف المختومة في موعده المحدد بحضور المشاركين في المناقصة أو ممثليهم، ويعلن اسم كل صاحب عرض وسعره، ويسجل كل ذلك في سجل خاص، ثم يتم فحص العروض للتأكد من توفر الشروط ومطابقة العروض للمواصفات المطلوبة، ويحق لهذه اللجنة استبعاد أي عطاء لم يكن مستوفيًا للشروط، أو جاء مخالفًا لأحكام المناقصة. بعد إتمام الإجراءات السابقة ترفع اللجنة توصياتها بشأن العرض الأقل سعرًا (٢). المرحلة الخامسة: لجنة البت في العروض . تقوم لجنة البت بالمفاضلة بين العروض، واختيار العرض الأقل سعرًا، وتعد محضرًا تبين فيها توصياتها بقبول هذا العرض، وأسباب هذه التوصية. ويحق للجنة الدخول في مفاوضة مع صاحب العرض الأقل في حالتين: (أ) إذا اقترن العطاء الأقل بتحفظ أو بتحفظات يريد منها صاحبها تعديل بنود

стр. 3753

المناقصة فتفاوضه اللجنة لسحب تحفظاته كلها أو بعضها ليصبح عطاؤه متفقًا مع شروط المناقصة ما أمكن. (ب) إذا كان العطاء الأقل أعلى من مستوى سعر السوق، فتفاوضه اللجنة لتخفيض سعره؛ ليكون موافقًا لسعر السوق. وإذا تساوت الأسعار بين عرضين فأكثر، وكانت المناقصة غير قابلة للتجزئة بين أصحاب هذه العروض فإن على لجنة البت الدخول في مفاوضة علنية لاختيار الأفضل على أساس قواعد معينة كالكفاءة و حسن السمعة، فإن كانوا على درجة واحدة لجأت إلى القرعة في التفضيل بينهم. وفي حالة وجود عطاء وحيد تقدم به صاحبه مستوفيًا للشروط والمواصفات المطلوبة فالأصل أن تلغى المناقصة لفقدانها مبدأ المنافسة الذي تقوم عليه، ويجوز للجنة البت بعد موافقة الجهة المختصة بإبرام العقد مع صاحب العطاء الوحيد بشرطين: (٢) - ألا تسمح حاجة العمل بإعادة طرح المناقصة، أو أنه لا فائدة من إعادتها. (٢) أن يكون العطاء مطابقًا للشروط، ومناسبًا من حيث السعر (١). المرحلة السادسة: مرحلة إبرام العقد: بعد أن تختار لجنة البت أصلح العطاءات تقوم برفع توصياتها بقبول التعاقد مع ذلك العطاء إلى الجهة المختصة بإبرام العقد، والتي بدورها تقوم بدعوة الفائز إلى مراجعة الجهة المختصة لتقديم الضمان النهائي، وتوقيع العقد معه

стр. 3754

خلال مدة محددة، ولا يعتبر من رست عليه المناقصة متعاقدًا إلا بعد تقديمه الضمان النهائي، وفي حالة عدم حضوره في المدة المحددة يعتبر منسحبًا، ويفقد الضمان الابتدائي تلقائيًا من غير حاجة لإنذاره. * * *

стр. 3755

الباب الثاني في الإيجاب والقبول الفصل الأول تحديد الإيجاب والقبول في عقد المناقصة [ن-٥٠] قد يظن بعض الناس أن طرح الصفقة للمناقصة عن طريق الإعلان بالصحف هو الإيجاب، والتقدم بالعطاء هو القبول، وليس هذا صحيحًا؛ لأن الإعلان الصحفي لا يعدو أن يكون دعوة إلى التعاقد. فالصحيح أن تقديم العطاء: هو الإيجاب. وأما القبول فلا يتم إلا برسو المزاد. وهو يتفق مع مذهب الجمهور من أن الإيجاب: هو اللفظ الصادر من البائع. والقبول: هو اللفظ الصادر من المشتري (١). وإذا أردنا أن نحدد من البائع ومن المشتري في عقد المناقصة؟ فإن الجهة التي تقدم العطاء هي البائع، ويكون تقديم العطاء منها بمنزلة الإيجاب. والجهة الداعية للمناقصة هي المشتري، سواء كان موضوع المناقصة توريد سلعة من السلع، أو كانت المناقصة تنفيذ عمل من الأعمال. ويكون إرساء المزاد بمنزلة القبول من المشتري.

стр. 3756

وإنما لم نعتبر طرح الصفقة للمناقصة عن طريق الإعلان بالصحف إيجابًا للأسباب التالية. (١) - لأن هذا الإعلان هو مجرد عرض خال من الثمن، والإيجاب لا بد له من تحديد السعر. (٢) - ولأن العقد لا يتم بمجرد فتح العرض الأقل، فقد يحق للجهة الطالبة أن تجري مفاوضة مع صاحب العرض الأقل إذا كان سعره المعروض أكثر من سعر السوق. * * *

стр. 3757

الفصل الثاني في رجوع المتقدم بالعطاء عن إيجابه قبل رسو المناقصة [ن-٥١] اتضح لنا من خلال البحث السابق أن التقدم بالعطاء هو الإيجاب، فهل يجوز له الرجوع عن إيجابه قبل رسو العطاء عليه؟ هذه المسألة ترجع إلى مسألة أخرى، هل يكون الإيجاب ملزمًا قبل صدور القبول، أو يحق لمن صدر منه الإيجاب الرجوع عن إيجابه ما دام لم يقترن بالقبول؟ وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين. القول الأول: للموجب حق الرجوع عن إيجابه قبل أن يتصل به القبول، وهذا مذهب الجمهور (١).

стр. 3758

لأن الإيجاب وحده لا يفيد الحكم بدون قبول العاقد الآخر، وإذا كان الأمر كذلك فللموجب الرجوع عن إيجابه لخلوه عن إبطال حق غيره. وعلى هذا جرى القانون المصري كما ذكره الدكتور السنهوري حيث يقول: «فقد كان يعتبر التقدم بالعطاء إيجابًا لا قبولًا، ويرتب على ذلك جواز الرجوع فيه قبل إرساء المزاد» (١). القول الثاني: ذهب المالكية إلى أن الموجب لا يملك حق الرجوع إذا صدر بصيغة الماضي، أو صدر بغير الماضي وكان هناك قرينة أنه أراد البيع (٢). وقد طرد المالكية ذلك في بيع المزاد، فمن تقدم بالعطاء فيها لا يحق له الرجوع عن إيجابه إلى أن يرسو العطاء، وبيع المناقصة مقيس عليه. قال الحطاب: والذي «تحصل من كلام ابن رشد والمازري وابن عرفة في بيع المزايدة أن كل من زاد في السلعة فلربها أن يلزمه إياها بما زاد، إلا أن يسترد البائع سلعته ويبيع بعدها أخرى، أو يمسكها حتى ينقطع مجلس المناداة، إلا أن يكون العرف اللزوم بعد الافتراق، أو يشترط ذلك البائع فيلزم المشتري البيع بعد الافتراق .... » (٣). واستدلوا بأدلة منها: الدليل الأول: قال القرطبي: «ليس له أن يرجع حتى يسمع قبول المشتري أو رده؛ لأنه قد

стр. 3759

بذل ذلك من نفسه، وأوجبه عليها» (١). ولأن الإيجاب إذا صدر من البائع أثبت ذلك للمشتري حق التملك، فامتنع الرجوع عن الإيجاب حتى لا يؤدي ذلك إلى إبطال حق المشتري. ورد هذا: بأن الموجب وإن أثبت للمشتري حق التملك، فإن حقيقة الملك للبائع، والحقيقة مقدمة على الحق (٢). يقول الشيخ أحمد إبراهيم: «وليس للطرف الآخر المشتري مثلًا أن يدعي أنه صار له حق تملك المبيع بسبب إيجاب البائع، وذلك لأن حقيقة الملك في العين لا تزال ثابتة للبائع، وهي أقوى من حق التملك، فلو لم يجز الرجوع لزم تعطيل حق الملك بحق التملك، ونظير هذا أن للأب حق التملك لمال ولده عند الحاجة، ومع هذا فللولد أن يتصرف في ماله كيف شاء، مع أن حق تملك الأب إياه متعلق به» (٣). التعليل الثاني: ممكن أن يستدل لهم بالقياس فإذا كان القبول يُلزِم المشتري بما صدر عنه، فالإيجاب يلزم البائع بما صدر عنه، فمن يتعاقد إنما يلتزم بالإرادة الصادرة عنه، لا بتوافق هذه الإرادة مع إرادة المتعاقد الآخر، ويترتب على ذلك أن الإيجاب وحده ملزم، فلا يستطيع من صدر عنه الإيجاب أن يعدل عنه.

стр. 3760

فالملتزم بالعقد إنما يلتزم بإرادته هو، لا بتوافق إرادته مع إرادة الطرف الآخر، فهو يوجد حقًا في ذمته لشخص آخر بمجرد إعلان إرادته، وموافقة الآخر لهذا الحق إنما هو مجرد انضمام تطلبناه؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يلزم غيره بشيء إلا برضاه، فلكي يكون الالتزام من الجانبين تطلب ذلك موافقة الطرف الآخر، بدلًا من كونه ملزمًا من جانب واحد، والدليل على ذلك أن الشيء إذا كان لا يتطلب موافقة الطرف الآخر صار ملزمًا ولو من جانب واحد، وهذا له نظائر في الفقه: فمن التصرفات التي تتم بإرادة منفردة في الفقه الإسلامي: الجعالة، والوصية، والوقف، والإبراء، واستعمال خيار من الخيارات، كخيار الشرط، وخيار العيب، وخيار الرؤية، وأيضًا الكفالة والهبة والعارية وغير ذلك من التصرفات. وعلى قول المالكية جرت معظم قوانين المناقصة المعاصرة، على أنه يمكن تخريج الإلزام بالإيجاب وحده على قول الجمهور، ذلك أن الإيجاب إنما كان ملزمًا لصاحبه ليس بمقتضى العقد، ولكن عن طريق الشرط، فإذا اشترط في العقد أن يكون الإيجاب وحده ملزمًا لمن صدر منه مدة معينة لم يكن هذا مخالفًا لقول الجمهور، وإنما يدخل في باب الشروط في البيع، كاشتراط البائع أو المشتري ما له فيه منفعة. قال السنهوري: «على أنه لا خلاف في الأمر إذا كان من صدر منه الإيجاب قد اتفق مع الطرف الآخر على أن يبقى ملتزمًا بإيجابه لا يعدل عنه مدة معينة فيكون التزام الموجب مستندًا إلى عقد تم بينه وبين الطرف الآخر، وهو غير العقد المزمع إبرامه، فإن هذا لا يتم إلا إذا اقترن القبول بالإيجاب» (١).

стр. 3761

والعمل بهذا الشرط ليس قولًا ثالثًا، وإنما هو عمل بالشرط بين المتبايعين، فكل من ألزم نفسه شرطًا لا يخالف الشرع، ولا ينافي مقتضى العقد، وله فيه مصلحة، فيجب الوفاء به. * * *

стр. 3762

الفصل الثالث في تقديم الإيجاب الأكثر على الإيجاب الأقل [ن-٥٢] المناقصة إنما أعلنت من أجل الحصول على أرخص الأسعار، والسؤال: هل يحق لصاحب المناقصة أن يفضل صاحب العطاء الأعلى مقدمًا له على صاحب العطاء الأقل؟ وللجواب عن ذلك نقول: لما كانت المناقصة من العقود المستحدثة لم يمكن البحث فيها من خلال كلام الفقهاء المتقدمين، إلا أنه يمكن لنا أن نتلمس حكم هذه المسألة من كلامهم في بيع المزايدة، باعتبار أن أحكامهما متقاربة، وللفقهاء فيها قولان: القول الأول: للبائع أن يعطيها لمن شاء، ولو زاد غيره عليه، وهو مذهب المالكية .. قال ابن رشد في البيان والتحصيل: «وهو - يعني البائع - مخير في أن يمضيها لمن شاء، ممن أعطى فيها ثمنًا، وإن كان غيره قد زاد عليه» (١). وجه القول بذلك: لما عرض المتقدم عطاء لزمه ذلك العطاء، وليس وجود عطاء أكثر منه يعتبر إبراء له مما تقدم به، فإن قال المشتري: طلبت الزيادة وقد وجدتها فبع سلعتك من الذي زاد علي فيها. قال له البائع: أنا لا أحب معاملة الذي زاد في السلعة عليك، وليس طلبي الزيادة فيها وإن وجدتها إبراء مني لك فيها (٢).

стр. 3763

القول الثاني: إذا زاد عليه غيره سقط إيجابه، وهو اختيار الأبياني من المالكية، وكان العمل عليه في أكثر البلاد. قال الحطاب: «بيع المزايدة يلزم كل من زاد في السلعة، ولو زاد غيره عليه خلافًا للأبياني. وقد جرى العرف في مكة، وكثير من البلاد على ما قاله الأبياني» (١). وجه هذا القول: أن العمل والعرف قد جرى في أكثر البلاد على أن البيع لا يلزمه إذا زاد غيره عليه، والمعروف عرفًا كالمشروط شرطًا. فإذا قسنا على ذلك المناقصة قلنا: إن العطاء الأقل مسقط للعطاء الأكثر. الراجح: في بيع المناقصة كان أطراف العقد فيها قد قبلوا بسقوط ما يسمى بخيار المجلس، وخيار المجلس يسقط بإرادة المتعاقدين سواء كان ذلك شرطًا أو عرفًا، ويبقى التفصيل أن يقال: إن كان المناقص له يمثل نفسه وليس من أشخاص القانون العام، فإن له الحق أن يشتري سلعته ممن يشاء، وذلك أن المناقص له قد لا يرغب في التعاقد مع

стр. 3764

صاحب العطاء الأقل إما لأنه مماطل، أو لأنه قليل الخبرة في القيام بالمعقود عليه كما لو كان المطلوب عملًا معينًا، أو كان عسرًا في تعامله، أو لغير ذلك من الأعمال. وأما إذا كان المناقص له وكيلًا فلا يجوز له أن يمضي البيع لصاحب العطاء الأكثر إلا بإذن الموكل. وكذلك الشأن فيما يتعلق في أملاك الدولة، فإن الشخص يتصرف فيها بالوكالة. فما يباع في المزاد من أملاك الدولة لا يجوز أن يباع على صاحب العطاء الأقل، وما يشترى بأموال الدولة عن طريق عقود المناقصة يجب أن يشترى من صاحب العطاء الأقل بشرط الالتزام بالشروط والمواصفات؛ لأن المتصرف وكيل عن المسلمين الممثلين في بيت المال، وإلا حصل في هذا الأمر تلاعب لا يخفى قد تضيع فيه الأموال العامة بحجة أنه يجوز أن يرسو المزاد على صاحب العطاء الأكثر (١).

стр. 3765

وما دام أن المنع من أجل سد الذريعة إلى الفساد فكلما اتخذت من الإجراءات ما يسد الفساد جاز ذلك. قال الشيخ مصطفى الزرقاء: «إذا كانت المزايدة أو المناقصة جارية بطريق الظرف المختوم، بأن يرسل المتزاحمون معروضاتهم في الأسعار دون أن يعلم أحدهم بما قدم الآخر، ثم تفتح هذه المعروضات فإنها تعتبر بحكم إيجابات متعددة، فيصح للطرف الآخر - أي البائع في حال المزايدة والمشتري في حال المناقصة - أن يبني قبوله على ما شاء منها، فيلزم صاحبه، ولو كان ما قد قبله هو الأقل في حال المزايدة، أو الأكثر في حال المناقصة. على أن هذا الاختيار لا يصح في المزايدات أو المناقصات التي تروجها الدوائر الرسمية من فروع الحكومة فيما تحتاج إلى بيعه وشرائه؛ لأنها لا يجوز لها أن تختار من الأسعار المعروضة إلا ما هو أوفق لمصلحة بيت المال العام، وهو السعر الأكثر في حال المزايدة، والأقل في حال المناقصة» (١). وقال الشيخ القاضي محمد تقي العثماني: «لو أجرينا المناقصة على أساس هذا القول - يعني مذهب المالكية - جاز لصاحب المناقصة أن يقبل أي عرض شاء، سواء كان أقل أو أكثر، وربما تضطر الجهة الطالبة للمناقصة إلى قبول عرض سعر أكثر لمصالح أخرى، مثل كون صاحب العرض أتقن، أو أوثق بالنسبة لمن عرض سعرًا أقل، ولكن بما أن المناقصات تجري عمومًا من قبل الجهات الحكومية أو المؤسسات الحكومية التي تمر فيها العملية من خلال أيدي كثير من الناس فإن قبول السعر الأكثر معرض لتهمة التواطؤ والرشوة

стр. 3766

وغيرها، فينبغي أن تكون مثل هذه المناقصات خاضعة لتشريعات تضمن شفافية العملية، ويؤمن معها التواطؤ والرشوة» (١). * * *

стр. 3767

الباب الثالث في التوصيف الفقهي للمناقصة المناقصة تشتمل على كثير من العقود، فهو عقد مركب بين الجهة الداعية للمناقصة وبين المناقصين، فهي تشتمل على: حكم بيع دفتر الشروط، وهو عقد مستقل عن عقد المناقصة. حكم أخذ الضمان الابتدائي والنهائي وهو عقد تابع. حكم إجراء المناقصة نفسها. وسوف نتناول كل واحد من هذه المسائل في الفصول التالية. * * *

стр. 3768

الفصل الأول في حكم بيع دفتر الشروط تقوم الجهة التي تجري المناقصة بتسجيل جميع تفاصيل العقد ومواصفاته في دفتر يطلق عليه (دفتر الشروط)، وقد يتضمن الدفتر دراسات فنية، ورسم خرائط دقيقة واستشارات هندسية مما يتطلب جهدًا ذهنيًا ومالًا مكلفًا. وبيع دفتر الشروط يعتبر عقدًا مستقلًا عن عقد المناقصة؛ لأن من يشتري الدفتر لا يشترط بالضرورة أن يدخل في المناقصة. [ن-٥٣] والسؤال: هل يجوز بيع هذا الدفتر على المناقصين، أو يجب بذله مجانًا، أو بسعر التكلفة؟ اختلف العلماء المعاصرون في هذه المسألة إلى ثلاثة أقوال: القول الأول: يجب بذل دفتر الشروط بالمجان من قبل الجهة الداعية للمناقصة، ولا مانع من أن تأخذ تأمينًا قابلًا للرد ممن يطلبه ليكون الطالب يطلبه بجدية، وهذا قول الأستاذ رفيق المصري (١). وجه هذا القول: الوجه الأول: النفع في دفتر الشروط عائد على الجهة الإدارية، فإذا أخذت مقابلًا له كان هذا أشبه بالضريبة، ولهذا قال الشيخ: إذا كان في الدفتر نفع للمناقص فلا مانع

стр. 3769

في أخذ قيمته، ولكن الغالب في دفاتر الشروط أن يكون النفع فيه عائدًا فقط إلى الجهة الداعية للمناقصة. الوجه الثاني: أن المناقصين إذا دفعوا قيمة الدفتر فإن واحدًا منهم فقط هو الذي سيفوز بالعقد، وترسو عليه المناقصة، فما وجه تحميل سائر المناقصين بالتكلفة أو بالثمن؟ (١). ويجاب: بأن هذا التعليل يصلح وجهًا لمن قال: يتحمل دفع تكاليف الدفتر من رسا عليه العطاء دون غيره، ولا يصلح أن يكون دليلًا أو تعليلًا لمن قال: يجب أن تتحمل الجهة الداعية للمناقصة قيمة الدفتر. القول الثاني: يجب أن يتحمل دفع تكاليف دفتر الشروط من رسا عليه العطاء وحده دون غيره. وقد قال به مجموعة من المشايخ منهم فضيلة الشيخ عبد الوهاب أبو سليمان (٢). وجه هذا القول: الوجه الأول: أن المناقص الذي رست عليه المناقصة هو المستفيد الوحيد من هذا الدفتر دون غيره، فأخذ تكاليف الدفتر من غيره يعتبر أخذًا له بلا مقابل، وهذا يعد من

стр. 3770

أكل أموال الناس بالباطل، فلا يوجد سبب شرعي في تحميل قيمة الدفتر من خرج من هذه المناقصة. الوجه الثاني: أن الجهة الداعية للمناقصة لو لم تقم بهذه الدراسة التفصيلية للمشروع لقام المناقص الذي رست عليه المناقصة بتكاليف إعدادها، لهذا يجب عليه وحده أن يدفع رسوم هذه التكاليف حيث وفر له الدفتر الجهد الكثير. القول الثالث: يجوز بيع دفتر الشروط لمن يطلبه من المشاركين، وقد قال بهذا القول الشيخ السلامي (١)، والشيخ عبد الله بن منيع (٢)، والشيخ وهبة الزحيلي (٣). وجه هذا القول: الوجه الأول: أن هذا الدفتر فيه منفعة ظاهرة، وذلك أن المناقص يطلع من خلاله على شروط العقد وضوابطه مما يجعله على بينة من أمره من اختيار المشاركة أو عدمها، وسيعرف من خلال هذا الدفتر مدى إمكانية تنجيزه للمطلوب، فلا يدخل مغامرًا دون معرفة قدراته وإمكاناته في تنفيذ مشروع معين، وسيساعده هذا على رفع كفاءته، وتطوير قدراته، وتحسين أدائه، وهذه منفعة مقصودة، وبذل المال في سبيلها جائز (٤).

стр. 3771

الوجه الثاني: اشتراط الحصول على دفتر الشروط بثمن ليس القصد منه بيع دفتر الشروط؛ لأن تفاهة قيمته بالنسبة لقيمة المشروع لا تجعله مقصودًا في الثمن. ويناقش: بأن قيمة دفتر الشروط ليست تافهة خاصة أنه يقدم بقيمة تتجاوز قيمته الحقيقية، وقياس قيمته بالنسبة لقيمة الصفقة إنما يصح في حق من فاز بالصفقة لا في جانب من خسرها، حيث تجتمع عليه خسارتان: خسارة الصفقة، وخسارة قيمة الدفتر. القول الرابع: اختار الشيخ العثماني التفصيل: إن كان دفتر الشروط مشتملًا على دراسات فنية يحتاج إليها المشاركون في المناقصة لإعداد عروضهم فيجوز للجهة الداعية للمناقصة أن تأخذ على دفعه عوضًا يغطي تكاليف الجهة الإدارية في إعداده. وإن كان دفتر الشروط لا يتضمن دراسات فنية، وكان مشتملًا على مجرد شروط التعاقد فلا يجوز للجهة الداعية للمناقصة أن تتقاضى عليه ثمنًا؛ لأن ذلك بمثابة بيان شروط العقد من أحد العاقدين (١). وبهذا صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي في موضع بيع المزايدة ونصه ما يلي: «لا مانع شرعًا من استيفاء رسم الدخول (قيمة دفتر الشروط بما لا يزيد عن القيمة الفعلية) لكونه ثمنًا له» (٢). وأرى أن هذا القول هو أعدل الأقوال، والله أعلم. * * *

стр. 3772

الفصل الثاني خطاب الضمان في عقد المناقصة المبحث الأول التعريف بخطابات الضمان تعريف خطابات الضمان: يمكن تعريفه بأنه تعهد كتابي يتعهد بمقتضاه المصرف بكفالة أحد عملائه (طالب الضمان) في حدود مبلغ معين تجاه طرف ثالث يسمى المستفيد، وذلك ضمانًا لوفاء هذا العميل المكفول بالتزامه تجاه الطرف الثالث خلال مدة معينة، وينص في الخطاب على أن يدفع المصرف المبلغ المضمون عند أول مطالبة من الطرف الثالث (المستفيد) خلال سريان خطاب الضمان دون التفات لما قد يبديه العميل من المعارضة (١). فخطاب الضمان هذا يعني أن المقاول أو المورد إذا تخلف عن الوفاء كان للجهة الداعية للمناقصة مطالبة البنك بدفع قيمة الضمان المحددة في خطاب الضمان مدة سريان مفعوله، ثم يرجع البنك على العميل في أخذ ما دفعه عنه. فهو على هذا صورة من صور الضمان المالي. ويعتبر خطاب الضمان عقدًا تابعًا لعقد الممناقصة، وليس عقدًا مستقلًا، وهو بصوره الصحيحة أو الفاسدة لا يؤثر على العقد الصحيح.

стр. 3773

وأطراف خطاب الضمان ثلاثة: (١) البنك ويقدم نفسه ضامنًا. (٢) المستفيد: وهي الجهة الداعية للمناقصة وهي المضمون له. (٣) المناقِص، وهو المضمون عنه. فالعلاقة بين المستفيد (الجهة الداعية للمناقصة) وبين المضمون عنه (المناقِص) هو الالتزام القائم بينهما والذي بسببه صدر خطاب الضمان، ويحكم هذه العلاقة عقد المقاولة أو عقد التوريد. والعلاقة بين المناقص (المضمون عنه) وبين البنك الذي يقدم الضمان، هو عقد اعتماد خطاب الضمان المحرر بين البنك وعميله. والعلاقة بين البنك الضامن وبين المستفيد (الجهة الداعية للمناقصة) هو خطاب الضمان نفسه، والتعهد الوارد به، والذي يلتزم بموجبه البنك بدفع قيمة الضمان للمستفيد عند أول مطالبة له مدة سريان خطاب الضمان. * * *

стр. 3774

المبحث الثاني أنواع الضمان في عقد المناقصة [ن-٥٤] يقدم نوعان من الضمان في المناقصات: الأول:- الضمان الابتدائي أو المؤقت: وهو خطاب مقدم بواسطة البنك نيابة عن أحد عملائه ممن يرغب في الدخول في مناقصة لتنفيذ عمل أو مشروع معين، وذلك عندما يطرح مشروع المناقصة في عطاء عام، فيقدم هذا الخطاب مع تقديم العطاء وتتراوح قيمته بين ١% إلى ٢% من قيمة العرض وذلك وفقًا لما تحدده الشروط والمواصفات. ويهمل كل عرض غير مصحوب بضمان، ويعتبر عرضًا غير جدي. ويصادر رب المناقصة الضمان الابتدائي كله إذا سحب العرض قبل ميعاد البت في العروض، أو إذا لم يقم المتعهد بإبرام العقد حال رسو المناقصة عليه. والغرض من خطابات الضمان الابتدائية هو: (أ) - التأكد من جدية المتقدم للعرض لئلا تملأ خانات المزايدة أو المناقصة أو العطاء بأسماء أفراد غير جادين وغير مؤهلين لهذا المجال. (ب) - إلزام المناقص بإبرام العقد إذا رست عليه المناقصة. ويرد الضمان الابتدائي إلى أصحاب العروض غير المقبولة ممن لم ترس عليهم المناقصة، أما الذين رست عليهم المناقصة فيقدم ضمانًا نهائيًا، ويرد إليه الضمان الابتدائي، أو يستكمل الضمان الابتدائي باعتبار أن نسبته أقل من النهائي (١).

стр. 3775

الثاني: الضمان النهائي: يصدر هذا النوع بواسطة البنك، ويقدمه المناقص بعد أن ترسو عليه المناقصة، ويقدر بما قيمته حوالي ٥% من جملة العقد، أو ١٠% منه. ويودع الضمان في مدة لا تتجاوز عشرة أيام من تاريخ اليوم التالي لإخطاره بخطاب مسجل بقبول عطائه. ويحل خطاب الضمان النهائي محل الخطاب الابتدائي الذي يصبح لاغيًا بمجرد تقديم صاحب العرض المقبول لخطاب الضمان النهائي. ويرد الضمان إلى المناقص بعد الوفاء بالتزاماته بصورة نهائية. وهذا الضمان إذا أصدره المصرف فإنه ملزم للبنك؛ لأنه لا يصدر إلا والعميل قد ارتبط بعقد مع المستفيد. و الغاية من الضمان النهائي: هو إلزام المتعاقد بتنفيذ العقد دون تأخر ولا تخلف، ولا مخالفة، ويصادر الضمان النهائي كله إذا لم يقم المتعاقد بتنفيذ العقد، وقد ينفذ العقد على حسابه مع تحمله فوارق الأسعار، والتعويض عن الأضرار. وقد يصادر جزء من الضمان النهائي إذا ترتب على المتعهد غرامات تأخير (١). هذا الكلام فيما يتعلق بأنواع خطاب الضمان، وأما توصيف الضمان المصرفي، وبيان حكم أخذ العمولة عليه فقد حررت ذلك ولله الحمد عند الكلام عن أهم العقود المصرفية، فانظره هناك مشكورًا. * * *

стр. 3776

المبحث الثالث في مصادرة مبلغ الضمان إذا سحب العارض عرضه قبل البت الفرع الأول في حكم مصادرة الضمان الابتدائي [ن-٥٥] إذا قلنا: إن تقديم العطاء يعتبر إيجابًا، والبت: يعتبر قبولًا أو رفضًا للإيجاب، صارت مسألة مصادرة مبلغ الضمان الابتدائي ترجع إلى مسألة سبق بحثها في هذا العقد، وهو هل للموجب الرجوع عن إيجابه قبل صدور القبول؟ فعلى مذهب الجمهور الذين يقولون بجواز رجوع الموجب عن إيجابه قبل صدور القبول فإن مصادرة المبلغ ستكون غير مقبولة من الناحية الشرعية؛ لأن من يأخذ ذلك قبل انعقاد العقد يكون قد أخذه بلا مقابل، وهذا ما توجه إليه الشيخ القاضي محمد العثماني (١). وقيل: تجوز مصادرة الضمان. وهو اختيار رفيق بن يونس المصري (٢)، والشيخ وهبة الزحيلي (٣).

стр. 3777

وجه القول بالجواز: الوجه الأول: يمكن تخريجه على مذهب المالكية القائلين بأنه لا يحق للموجب الرجوع عن إيجابه، وقد نصوا على ذلك في البيع المطلق (١)، وفي بيع المزايدة، وبيع المناقصة مقيس عليه (٢). وأجيب عن هذا: بأن الأخذ بمذهب المالكية القائلين بإلزام الموجب لو أخذنا به غاية ما فيه أنه يجبر المناقص على العقد قضاء، أو يحمل الضرر المالي الذي تضررت به الجهة صاحبة المناقصة فعلًا، وإلا صارت هذه المصادرة عقوبة تعزيرية مالية وهي من حق القاضي وحده عند من يقول بجواز التعزير في المال، في حين أن المالكية إنما ألزموا بالإيجاب في المزاد العلني الذي يرسو فيه العطاء في مجلس

стр. 3778

المزاد، ولا ينطبق ذلك تمامًا على المناقصات التي يتم البت فيها بعد مدة قد تتقلب فيها الأسعار بصفة غير متوقعة (١). ويجاب: بأن الإلزام بالإيجاب عند المالكية ليس خاصًا في بيع المزايدة، فهم يقولون بالإلزام في كل إيجاب، وهذا ما قد بيناه في مسألة سابقة من هذا البحث، والعقوبة إذا اتفق عليها المتعاقدان لم يكن هناك حاجة إلى الرجوع إلى القاضي كالشرط الجزائي. الوجه الثاني: إذا لم يمكن تخريج مصادرة الضمان على مذهب المالكية أمكن تخريجه على أن الأصل في الشروط الصحة والجواز، فإذا صح اشتراط أن يبقى الموجب على إيجابه مدة معينة إلى حين البت في موضوع المناقصة كما ذكرنا ذلك في مسألة سابقة، ودخل المناقص على هذا الشرط قابلًا له، ملتزمًا إياه، ورتب على هذا النكول غرامة مالية قد قبلها المناقص، ودخل في المناقصة بناء على ذلك لم يكن في هذا ما يمنع من أخذها منه، ولم يكن ذلك من أكل أموال الناس بالباطل. الوجه الثالث: مصادرة الضمان تشبه العربون إذا نكل دافعه، وبيع العربون هو أن يشتري الرجل السلعة، ويدفع للبائع مبلغًا من المال على أنه إن أخذ السلعة يكون ذلك المبلغ محسوبًا من الثمن، وإن تركها، فالمبلغ للبائع.

стр. 3779

ويناقش هذا من وجهين: الوجه الأول: تختلف مصادرة قيمة الضمان عن أخذ العربون إذا نكل المشتري، فالضمان الابتدائي يصادر قبل أن ترسو المناقصة، أي قبل انعقاد العقد، وأما أخذ العربون فهو يأخذه البائع مقابل فسخ العقد، أو مقابل أن يكون العقد جائزًا في حق المشتري مدة معينة، فالعقد منعقد في بيع العربون، فأخذه مقابل إقالته. وهذا فارق مهم. ونوقش: مصادرة الضمان الابتدائي قد تكون قبل العقد، وقد تكون بعده، والاعتراض يصح فقط فيما لو كانت مصادرة الضمان الابتدائي قبل رسو المناقصة، وأما إذا كانت مصادرة الضمان الابتدائي بعد أن رست المناقصة فهي لازمة في حقه، فإذا انسحب منها قبل توقيع العقد أصبحت مصادرة الضمان الابتدائي بعد لزوم المناقصة، وتكون حينئذ في مقابل فسخ العقد كما أن العربون في مقابل فسخ العقد. الوجه الثاني: أن بيع العربون يؤخذ من المشتري إذا نكل، وأما في المناقصة فالمناقص ليس مشتريًا، وإنما هو بائع للسلعة إن كان موردًا، أو بائع للعمل إن كان مقاولًا. ونوقش هذا: بأن قياس مصادرة الضمان على مصادرة العربون بجامع اشتراكهما في علة النكول والتخلف عن الوفاء بالالتزامات. الراجح: القول بجواز مصادرة الضمان الابتدائي، سواء كان ذلك قبل رسو المناقصة، أو بعدها، والله أعلم. * * *

стр. 3780

الفرع الثاني في حكم مصادرة الضمان النهائي [ن-٥٦] إذا كان هناك خلاف في مصادرة الضمان الابتدائي باعتبار أن مصادرته ربما تكون قبل انعقاد العقد، فإن مصادرة الضمان النهائي لا يكون إلا بعد انعقاد العقد ولزومه، فتكون المصادرة في مقابل فسخ العقد اللازم. فمن قال بجواز مصادرة الضمان الابتدائي سيقول بجواز الفسخ في الضمان النهائي من باب أولى. سواء قلنا: إن مصادرة الضمان بمنزلة بيع العربون كما هو رأي الشيخ رفيق المصري. أو قلنا: إنه بمنزلة الشرط الجزائي، سواء كان الشرط الجزائي من باب العقوبة المالية، أو من باب التعويض عن الضرر؛ لأن أي مناقصة تطرح مشروعًا كبيرًا سيتطلب ذلك إعداد وثائق وخرائط ورسوم، وسيتطلب إعداد مثل هذا جهدًا ومالًا ووقتًا فإذا جاء شخص غير جاد، ونكل عن المناقصة بعد أن أحيل عليه المشروع، وبعد أن وقع العقد فإن ذلك سيلحق ضررًا كبيرًا بالجهة الداعية للمناقصة، فلا مانع من تعويض مثل ذلك بجزء من قيمة العرض المتقدم به.

стр. 3781

الفصل الثالث في حكم إجراء عقد المناقصة [ن-٥٧] لا يخرج عقد المناقصة في الحقيقة عن عقدين سبق بحثهما على وجه التفصيل، لذلك سنشير إليهما إشارة، ونكتفي بما سبق: الأول: أن يكون المناقص فيه توريدًا لسلع موصوفة في الذمة، سواء كانت هذه السلع موجودة عند المناقص، أو ليست موجودة عنده. وقد سبق لنا تحرير الخلاف في عقد التوريد فيما إذا كان المعقود عليه سلعة موصوفة في الذمة، هل يشترط في ذلك تقديم الثمن في مجلس العقد؛ لأن تأجيل البدلين يؤدي إلى الوقوع في بيع الدين بالدين؟ كما اختار ذلك مجمع الفقه الإسلامي. أو لا يشترط ذلك كما اختاره جمع من الباحثين المعاصرين على اختلاف بينهم في تخريج هذا العقد؟ وقد رجحت أن العقد يختلف عن عقد السلم، فلا يشترط تقديم الثمن في مجلس العقد بشرط أن يدخل البيع عمل مقصود، من ذلك أن يقوم المورد بجلب البضاعة وشحنها إلى المستورد كما هو الغالب على عقود التوريد. فلا يكون العقد بيعًا محضًا، وإنما هو بيع وإجارة. وقد ذكرت أدلة كل قول في عقد التوريد فأغنى عن إعادته هنا. الثاني: أن يكون المناقص فيه عملًا يتعهد به المناقص، وهذا يشبه عقد المقاولة. فإن كان المقاول يتعهد بالعمل والأدوات معًا فهو عقد استصناع، وقد ذكرنا

стр. 3782

الخلاف في الاستصناع عند الكلام عن عقد الاستصناع، وذكرنا فيه ثلاثة أقوال: الجواز مطلقًا، وهذا مذهب الحنفية. الجواز بشروط عقد السلم، وهو مذهب المالكية والشافعية، وقول في مذهب الحنابلة. المنع، وهو قول في مذهب الحنابلة. وكان الترجيح لمذهب الحنفية، وعليه عمل الناس. وقد ذكرنا أدلة كل قول من هذه الأقوال في عقد الاستصناع فأغنى عن إعادته هنا. وإن كان المقاول يتعهد بالعمل فقط، والأدوات من صاحب العمل، فهو من قبيل الأجير المشترك، وهو جائز في الفقه بالاتفاق، وذكرنا أدلته في عقد المقاولة فانظره هناك. الخلاصة: جواز عقد المناقصة؛ لأنه لن يخرج عن عقد التوريد وعقد المقاولة، وهما عقدان جائزان في الفقه الإسلامي. * * *

стр. 3783

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة تقديم أصحاب المعالي الشيخ. د/ عبد الله بن عبد المحسن التركي الشيخ. د/ صالح بن عبد الله بن حميد الشيخ/ محمد بن ناصر العبودي الشيخ/ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ تأليف دبيان بن محمد الدبيان المجلد التاسع

стр. 3784

دبيان بن محمد الدبيان، ١٤٣٢ هـ فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر الدبيان، دبيان محمد المعاملات المالية أصالة ومعاصرة. / دبيان محمد الدبيان- الرياض، ١٤٣٢ هـ ٥٤٨ ص؛ ١٧×٢٤ سم. ردمك: ٨ - ٧٤٨٠ - ٠٠ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (مجموعة ج ١ ١ - المعاملات (فقه إسلامي) أ. العنوان ديوي ٢٥٣ ٤٧٠٦/ ١٤٣٢ حقوق الطبع محفوظة للمؤلف ١٤٣٤ هـ الطبعة الثانية للطلب الاتصال بالاستاذ / فهد بن عبد العزيز الجوعي ت/ ٠٠٩٦٦٥٠٤٨٨١١٩٤

стр. 3785

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة (٩)
следующие страницы →