الفصل الثالث
في حكم إجراء عقد المناقصة
[ن-٥٧] لا يخرج عقد المناقصة في الحقيقة عن عقدين سبق بحثهما على وجه التفصيل، لذلك سنشير إليهما إشارة، ونكتفي بما سبق:
الأول: أن يكون المناقص فيه توريدًا لسلع موصوفة في الذمة، سواء كانت هذه السلع موجودة عند المناقص، أو ليست موجودة عنده.
وقد سبق لنا تحرير الخلاف في عقد التوريد فيما إذا كان المعقود عليه سلعة موصوفة في الذمة، هل يشترط في ذلك تقديم الثمن في مجلس العقد؛ لأن تأجيل البدلين يؤدي إلى الوقوع في بيع الدين بالدين؟ كما اختار ذلك مجمع الفقه الإسلامي.
أو لا يشترط ذلك كما اختاره جمع من الباحثين المعاصرين على اختلاف بينهم في تخريج هذا العقد؟
وقد رجحت أن العقد يختلف عن عقد السلم، فلا يشترط تقديم الثمن في مجلس العقد بشرط أن يدخل البيع عمل مقصود، من ذلك أن يقوم المورد بجلب البضاعة وشحنها إلى المستورد كما هو الغالب على عقود التوريد.
فلا يكون العقد بيعًا محضًا، وإنما هو بيع وإجارة. وقد ذكرت أدلة كل قول في عقد التوريد فأغنى عن إعادته هنا.
الثاني: أن يكون المناقص فيه عملًا يتعهد به المناقص، وهذا يشبه عقد المقاولة.
فإن كان المقاول يتعهد بالعمل والأدوات معًا فهو عقد استصناع، وقد ذكرنا
стр. 3782
الخلاف في الاستصناع عند الكلام عن عقد الاستصناع، وذكرنا فيه ثلاثة أقوال:
الجواز مطلقًا، وهذا مذهب الحنفية.
الجواز بشروط عقد السلم، وهو مذهب المالكية والشافعية، وقول في مذهب الحنابلة.
المنع، وهو قول في مذهب الحنابلة.
وكان الترجيح لمذهب الحنفية، وعليه عمل الناس. وقد ذكرنا أدلة كل قول من هذه الأقوال في عقد الاستصناع فأغنى عن إعادته هنا.
وإن كان المقاول يتعهد بالعمل فقط، والأدوات من صاحب العمل، فهو من قبيل الأجير المشترك، وهو جائز في الفقه بالاتفاق، وذكرنا أدلته في عقد المقاولة فانظره هناك.
الخلاصة: جواز عقد المناقصة؛ لأنه لن يخرج عن عقد التوريد وعقد المقاولة، وهما عقدان جائزان في الفقه الإسلامي.
* * *
стр. 3783
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة
تقديم أصحاب المعالي
الشيخ. د/ عبد الله بن عبد المحسن التركي
الشيخ. د/ صالح بن عبد الله بن حميد
الشيخ/ محمد بن ناصر العبودي
الشيخ/ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ
تأليف
دبيان بن محمد الدبيان
المجلد التاسع
стр. 3784
دبيان بن محمد الدبيان، ١٤٣٢ هـ
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
الدبيان، دبيان محمد
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة. / دبيان محمد الدبيان- الرياض، ١٤٣٢ هـ
٥٤٨ ص؛ ١٧×٢٤ سم.
ردمك: ٨ - ٧٤٨٠ - ٠٠ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (مجموعة ج ١
١ - المعاملات (فقه إسلامي) أ. العنوان
ديوي ٢٥٣
٤٧٠٦/ ١٤٣٢
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
١٤٣٤ هـ
الطبعة الثانية
للطلب الاتصال
بالاستاذ / فهد بن عبد العزيز الجوعي
ت/ ٠٠٩٦٦٥٠٤٨٨١١٩٤
стр. 3785
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة (٩)
стр. 3786
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.
فهذا هو المجلد التاسع من المعاملات المالية، ويشتمل على عقد الإجارة، وهو من أهم عقود المعاوضات؛ لا يقل أهمية عن عقد البيع، فهو وسيلة يحصل بها الإنسان على منافع الأعيان التي لا يتمكن من تملك أعيانها، كما أن هناك أعمالًا ليس بمقدور الإنسان أن يقوم بها بنفسه، فيستعين بالأجراء للقيام بهذه المصالح، وقد استوعب هذا المجلد كامل عقد الإجارة مما يدل على كثرة أحكامه، وتفريعاته، وقد تناولت في آخر البحث ما يسمى بالإجارة المنتهية بالتمليك.
وقد كان انتظم البحث في تمهيد، وسبعة أبواب، ومجموعة من المباحث والفروع والمسائل وفق الخطة التالية:
تمهيد: ويشتمل على مباحث:
المبحث الأول: في تعريف الإجارة
المبحث الثاني: خصائص عقد الإجارة
المبحث الثالث: عقد الإجارة عقد لا زم
المبحث الرابع: عقد الإجارة على وفق القياس
الباب الأول: في حكم الإجارة.
الفصل الأول: حكم الإجارة من الناحية الفقهية.
الفصل الثاني: في ثبوت الخيار في عقد الإجارة.
المبحث الأول: في ثبوت خيار المجلس في عقد الإجارة.
المبحث الثاني: في ثبوت خيار الشرط في عقد الإجارة.
стр. 3787
المبحث الثالث: ثبوت خيار العيب في عقد الإجارة.
الباب الثاني: في أركان الإجارة.
الفصل الأول: في أحكام الصيغة.
المبحث الأول: انعقاد الإجارة بلفظ البيع.
المبحث الثاني: في تعليق الصيغة في عقد الإجارة.
الباب الثالث: في شروط الإجارة.
الفصل الأول: في شروط الإجارة المتعلقة بالعاقد.
الشرط الأول: في أهلية العاقد.
الشرط الثاني: أن يكون العاقد مختارًا
المبحث الأول: في إكراه العاقد على الإجارة.
الفرع الأول: في الإكراه على الإجارة بحق.
الفرع الثاني: في الإكراه على الإجارة بغير حق.
الشرط الثالث: أن يكون العاقد له ولاية على المعقود عليه.
المبحث الأول: في إجارة الفضولى.
المبحث الثاني: في تأجير المستأجر لما استأجره.
الفصل الثاني: في شروط الإجارة المتعلقة في المنفعة.
الشرط الأول: أن تكون المنفعة معلومة.
стр. 3788
الشرط الثاني: أن تكون المنفعة متقومة.
المبحث الأول: استئجار الأشجار لتجفيف الثياب.
المبحث الثاني: استئجار المشمومات لشمها.
المبحث الثالث: استئجار الرجل ما يجمل به حانوته وبيته.
الشرط الثالث: أن تكون المنفعة مباحة الاستيفاء بلا حاجة.
المبحث الأول: استجار الكلب لصيد أو حراسة.
المبحث الثاني: إجارة الدور والمحلات لغرض محرم.
الشرط الرابع: أن تقع الإجارة على المنفعة لا على استهلاك العين.
الفرع الأول: استهلاك العين في عقد الإجارة أصالة.
الفرع الثاني: استهلاك العين في عقد الإجارة تبعًا.
الشرط الخامس: أن تكون المنفعة مقدورًا على تسليمها.
المبحث الأول: في إجارة الأراضي المغصوبة والأعيان المفقودة.
المبحث الثاني: في إجارة المشاع.
الشرط السادس: ألا تكون المنفعة طاعة واجبة على الأجير.
المبحث الأول: الاستئجار على القربات الشرعية.
المبحث الثاني: في استئجار دار للصلاة.
المبحث الثالث: في استئجار الكافر الرجل المسلم.
الفرع الأول: في استئجار الكافر المسلم للخدمة.
الفرع الثاني: في استئجار الكافر مسلمًا على عمل في الذمة.
стр. 3789
الفرع الثالث: في استئجار الكافر المسلم ليحمل له خمرًا.
الفرع الرابع: عمل الكافر عند المسلم.
المسألة الأولى: في استئجار الكافر لكتابة المصحف.
المسألة الثانية: في استئجار الكافر لبناء المسجد.
المسألة الثالثة: في استئجار الكافر في الخياطة والبناء.
الفصل الثالث: في الشروط المتعلقة الأجرة.
المبحث الأول: في تعريف الأجرة.
المبحث الثاني: في شروط الأجرة.
الشرط الأول: أن تكون الأجرة معلومة.
المبحث الأول: إذا أجره ولم يذكر له مقدار الأجرة.
المبحث الثاني: في استئجار الظئر بطعامها وكسوتها.
المبحث الثالث: في استئجار الأجير بطعامه وكسوته.
المبحث الرابع: في استئجار الدار بترميمها.
المبحث الخامس: في الأجرة إذا كانت منفعة.
المبحث السادس: في احتساب الأجرة بالحصة.
الفرع الأول: في الأجرة تكون حصة معينة من الإنتاج.
المسألة الثانية: في الأجرة تكون حصة شائعة من الإنتاج.
الشرط الثاني: في اشتراط طهارة الأجرة.
الشرط الثالث: أن تكون الأجرة فيها منفعة مباحة.
стр. 3790
الشرط الرابع: في اشتراط القدرة على تسليم الأجرة.
الشرط الخامس: في تعجيل الأجرة وتأجيلها.
المبحث الأول: في اشتراط تعجيل الأجرة.
المبحث الثاني: في اشتراط تأجيل الأجرة.
الفرع الأول: في تأجيل الأجرة والمستأجر معين.
الفرع الثاني: في تأجيل الأجرة والمستأجر موصوف في الذمة.
الفرع الثالث: في استحقاق المؤجر الأجرة.
الفصل الرابع: في بيان مدة الإجارة إذا كانت على مدة.
المبحث الأول: في اشتراط بيان المدة في الإجارة الواردة على المنفعة.
المبحث الثاني: في تعين ابتداء مدة الإجارة.
المبحث الثالث: في الإجارة إذا كانت غير معلومة النهاية.
المبحث الرابع: في أقصى مدة الإجارة.
المبحث الخامس: في كيفية احتساب مدة الإجارة.
المبحث السادس: في الجمع بين المدة والعمل.
الباب الرابع: أنواع الإجارة بحسب ما يؤجر.
الفصل الأول: في إجارة العقارات كالدور والأراضي.
المبحث الأول: المراد من كلمة عقار.
المبحث الثاني: في أحكام إجارة الدور والمباني.
الفرع الأول: في إجارة دور مكة المكرمة.
стр. 3791
الفرع الثاني: في تأجير العقار عن طريق الوصف.
الفرع الثالث: في اشتراط بيان ما يستأجر العقار له.
الفرع الرابع: في اشتراط ألا يسكنها غير المستأجر.
المبحث الثالث: في إجارة الأراضي.
الفرع الأول: إجارة الأراضي بالذهب والفضة.
الفرع الثاني: إجارة الأراضي بالعروض سوى الطعام.
الفرع الثالث: في إجارة الأرض بالطعام.
المسألة الأولى: إجارة الأرض بطعام معلوم من غير الخارج منها.
المسألة الثانية: إجارة الأرض بطعام معلوم من جنس الخارج منها.
المسألة الثالثة: إجارة الأرض بجزء مشاع معلوم مما يخرج منها.
المسألة الرابعة: في إجارة الأرض المشغولة بالزرع للغير.
الفصل الثاني: في إجارة الحيوان.
المبحث الأول: في إجارة الفحل للضراب.
المبحث الثاني: في إجارة الكلب للصيد.
الفصل الثالث: في إجارة الأشخاص.
المبحث الأول: في أقسام إجارة الأشخاص.
المبحث الثاني: في إجارة الظئر.
الفرع الأول: في تعريف الظئر.
الفرع الثاني: في حكم استئجار الظئر.
стр. 3792
الفرع الثالث: العقد على الرضاع هل يدخل فيه الحضانة.
الفرع الرابع: وجوب امتناع الظئر عما يفسد لبنها.
الفرع الخامس: وجوب تعيين الرضيع.
الفرع السادس: إذا سقت الظئر الرضيع لبن غيرها.
المسألة الأولى: أن تدفعه إلى امرأة أخرى ترضعه.
المسألة الثانية: في الظئر تسقي الرضيع لبن الغنم بدلًا من لبنها.
الفرع السابع: في اتحاد الديانة بين الظئر والرضيع.
المسالة الأولى: في استئجار الكافر ظئرًا مسلمة.
المسألة الثانية: في استئجار الظئر الكافرة لإرضاع مسلم.
الفرع الثامن: في مكان الإرضاع.
الفرع التاسع: المعقود عليه في الرضاعة.
المبحث الثالث: في إجارة الآدمي غير الظئر.
الفصل الرابع: في إجارة وسائل النقل.
المبحث الأول: في شروط استئجار الدواب ووسائل النقل.
الفرع الأول: في اشتراط معرفة جنس المركوب.
مسألة: في إجارة السفن في الذمة.
الفرع الثاني: هل يشترط تعيين الراكب.
الفرع الثالث: في اشتراط العلم بمقدار الحمولة.
الفرع الرابع: في اشتراط معرفة المسافة أو المكان في إجارة الدواب.
стр. 3793
الفصل الخامس: في إجارة المنقولات.
المبحث الأول: في إجارة المصحف.
المبحث الثاني: في إجارة الحلي بشيء من جنسه.
الباب الخامس: أحكام الضمان في عقد الإجارة.
تمهيد: في تعريف الضمان
الفصل الأول: في الأدلة على مشروعية الضمان.
الفصل الثاني: الضمان في عقد الإجارة.
المبحث الأول: في ضمان الأعيان المستأجرة.
الفرع الأول: أن تتلف العين المستأجرة بغير فعل المستأجر.
الفرع الثاني: إذا تلفت العين المستأجرة بفعل المستأجر.
الفرع الثالث: في ضمان العين المستأجرة إذا تلفت بعد انتهاء الإجارة.
الفرع الرابع: إذا أمسك المستأجر العين بعد انتهاء المدة ولم يردها
الفرع الخامس: إذا اشترط المؤجر رد العين فلم يرد حتى تلفت
المبحث الثاني: في اشتراط الضمان على المستأجر.
المبحث الثالث: في ضمان الأجير.
الفرع الأول: في ضمان الأجير الخاص.
الفرع الثاني: في ضمان الأجير المشترك.
المسألة الأولى: أن تكون العين في يد الأجير المشترك.
المسألة الثانية: في ضمان الأجير والعين في يد المالك.
стр. 3794
الفرع الثالث: في ضمان الأجير إذا حبس العين لاستيفاء الأجرة.
الفرع الرابع: في كيفية تضمين الأجير المشترك.
الفرع الخامس: في ضمان الأجير التابع.
الفرع السادس: في ضمان الإجارة الفاسدة.
المسألة الأولى: في تعريف الإجارة الفاسدة.
المسألة الثانية: في حكم الإجارة الفاسدة.
المطلب الأول: في استحقاق الأجرة في الإجارة الفاسدة.
المطلب الثاني: في مقدار الأجرة الواجبة في الإجارة الفاسدة.
المسألة الثالثة: الضمان في الإجارة الفاسدة.
الباب السادس: في صيانة العين المستأجرة.
الفصل الأول: في معرفة وظيفة كل من المؤجر والمستأجر.
الفصل الثاني: في إلزام المؤجر والمستأجر في وظيفة كل منهما.
الفصل الثالث: إجبار ناظر الوقف على إصلاح العين المستأجرة
الفصل الرابع: في الخلل إذا كان مقارناُ للعقد
الفصل الخامس: في قيام المستأجر بصيانة العين المستأجرة
الباب السابع: في انتهاء عقد الإجارة
الفصل الأول: انتهاء الإجارة بانتهاء المدة أو انجاز العمل.
الفصل الثاني: في إنهاء عقد الإجارة في إقالة أحدهما للآخر.
الفصل الثالث: إنهاء عقد الإجارة بهلاك العين المستأجرة.
стр. 3795
المبحث الأول: في هلاك المستأجر المعين.
المبحث الثاني: في هلاك المستأجر والإجارة في الذمة.
الفصل الرابع: في انتهاء عقد الإجارة بالموت.
الفصل الخامس: انتهاء الإجارة بانتقالها إلى ملك المستأجر.
المبحث الأول: في الإجارة المنتهية بالتملك.
الفرع الأول: أن تنتهي الإجارة بالتملك بلا ثمن للبيع.
الفرع الثاني: أن تنتهي الإجارة بالبيع البات بثمن معلوم.
المبحث الثالث: الإجارة المنتهية بالوعد بالبيع.
المبحث الرابع: الإجارة المنتهية بالهبة.
الفرع الأول: الإجارة المنتهية بالهبة.
الفرع الثاني: الإجارة المنتهية بالوعد بالهبة
هذا ما تيسر بحثه من المباحث المختارة، ولله الحمد، وسوف يلي عقد الإجارة إن شاء الله تعالى عقد الجعالة، أسأل الله وحده العون والتوفيق.
* * *
стр. 3796
كتاب الإجارة
تمهيد
المبحث الأول
في تعريف الإجارة
تعريف الإجارة اصطلاحًا (١):
عرف الفقهاء الإجارة بتعريفات متقاربة، لذا سنختار ما نراه أكملها، من ذلك:
جاء في كشاف القناع: «وهي عقد على منفعة مباحة معلومة تؤخذ شيئًا فشيئًا مدة معلومة من عين معينة أو موصوفة في الذمة، أو عمل معلوم بعوض معلوم» (٢).
стр. 3797
شرح التعريف:
فقوله: (عقد على منفعة) خرج بذلك البيع والهبة ونحوهما؛ فإنهما يفيدان تمليك الذات لا تمليك المنفعة.
وقولنا: (مباحة) أخرج المنفعة المحرمة كالإجارة على البغي والكهانة، وينبغي أن تقيد الإباحة بكونها مطلقة من غير قيد، فإن قيدت الإباحة بالحاجة كاستئجار الكلب للحراسة، ففيها خلاف سيأتي تحريره إن شاء الله تعالى في مبحث مستقل من هذا الكتاب.
وقوله: (معلومة) أخرج بذلك المنافع المجهولة كاستئجار الفحل للضراب، وفيه خلاف سيأتي تحريره إن شاء الله تعالى.
وقوله: (تؤخذ شيئًا فشيئًا) إشارة إلى أن المعقود عليه عرض يحدث شيئًا فشيئًا، ثم يتلاشى، وأن المستأجر له حق تحصيل تلك المنفعة المتجددة طيلة مدة العقد، وهو بهذا يخالف البيع الذي يحدث دفعة واحدة.
وقوله (مدة معلومة) فيه إشارة إلى وجوب تعيين المدة في عقد الإجارة، وهذا خاص بالإجارة على المنافع، ولا يشمل الإجارة على الأعمال إذ لا تشترط فيها المدة.
واستثنى البهوتي من شرط المدة صورتين:
الصورة الأولى:
أن يصالحه على إجراء مائه في أرضه، أو سطحه، فلا يعتبر فيها تقدير المدة للحاجة.
الصورة الثانية:
ما فعله أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه فيما فتح عنوة، ولم يقسم، وما
стр. 3798
ألحق به كأرض مصر، والشام، وسواد العراق حيث وقفها، وأقرها بأيدي أربابها بخراج ضربه عليها في كل عام أجرة لها، ولم يقدر مدتها لعموم المصلحة (١).
وقوله: (من عين معينة أو موصوفة في الذمة): فالعين المعينة: كأن يستأجر هذه الدار للسكنى لمدة عام. والموصوفة في الذمة كأن يستأجر سيارة صفتها كذا وكذا للنقل لمدة سنة.
قوله: (أو عمل معلوم) أشار بهذا إلى النوع الثالث من أنواع الإجارة.
فالنوع الأول:
إجارة الأعيان المعينة، وهو ما أشار إليها بقوله: (من عين معلومة).
والنوع الثاني:
إجارة الأعيان الموصوفة في الذمة، وهو ما أشار إليها بقوله: (أو موصوفة في الذمة).
والنوع الثالث:
إجارة الأشخاص، وهو ما أشار إليها بقوله: (أو عمل معلوم) (٢).
وقوله: (بعوض معلوم) أي يجب أن تكون الأجرة معلومة في نوعي الإجارة: إجارة الأعيان وإجارة الأشخاص، وهذا القيد محل خلاف بين الفقهاء هل يشترط أن تكون الأجرة معلومة، أو يجوز بلا ذكر الأجرة، وله أجرة المثل؟ وسوف يأتي تحريره في مظانه من هذا البحث إن شاء الله تعالى عند الكلام على الأجرة.
* * *
стр. 3799
المبحث الثاني
خصائص عقد الإجارة
[م-٨١٣] خصائص عقد الإجارة:
الأول: أنه عقد رضائي، لا ينعقد إلا برضا الطرفين.
الثاني: أنه من عقود المعاوضات، فتبذل المنفعة في مقابل الأجرة كما يبذل المبيع في مقابل الثمن.
الثالث: أنه عقد مؤقت سواء كان التوقيت بمدة معينة أو بإنجاز عمل معين.
الرابع: أنه عقد لازم على الصحيح، لا ينفسخ إلا برضا الطرفين، وقيل: عقد جائز، وسيأتي التعرض له في مبحث مستقل إن شاء الله تعالى.
الخامس: أطلق بعض الفقهاء على عقد الإجارة أنه عقد بيع إلا أنه من قبيل بيع المنافع (١)، والصحيح أن البيع يختلف عن الإجارة في بعض أحكامه، منها:
(١) أن البيع تمليك للرقبة والمنفعة تمليكًا مؤبدًا، والإجارة تمليك للمنفعة فقط تمليكًا مؤقتًا.
(٢) إذا ملك المشتري المبيع كان ضمانه عليه إذا قبضه مطلقًا، وكذا على الصحيح إذا لم يقبضه، ولم يكن فيه حق توفية من كيل أو وزن أو عد أو ذرع، وقد حررت ا لخلاف فيها في عقد البيع عند الكلام على ضمان المبيع.
وأما العين المستأجرة إذا قبضها المستأجر فضمانها على المؤجر، فإذا تلفت العين انفسخ العقد فيما بقي.
стр. 3800
(٣) الإجارة الموصوفة في الذمة يجوز فيها تأجيل العوضين على الصحيح، ولا يدخلها بيع الدين بالدين.
والمبيع الموصوف في الذمة لا يجوز فيه تأجيل الثمن كالسلم.
(٤) ـ العوض يملك في البيع بالقبض ملكًا مستقرًا، وأما في الإجارة فلا يستقر العوض إلا بمضي المدة، أو إنجاز العمل (١).
(٥) ـ ليس كل ما يجوز إجارته يجوز بيعه، فالحر تجوز إجارته، ولا يجوز بيعه، وكذا الوقف تجوز إجارته دون بيعه، ومثلهما أم الولد.
قال ابن حزم: «الإجارة ليست بيعًا ... ولو كانت بيعًا لما جازت إجارة الحر ... ولا يختلفون في أن الإجارة إنما هي الانتفاع بمنافع الشيء المؤجر التي لم تخلق بعد، ولا يحل بيع ما لم يخلق» (٢).
وبناء عليه فإن عقد الإجارة عقد مستقل له خصائصه وآثاره وأحكامه الخاصة، وهذا التشابه بينه وبين البيع لا يجعل الإجارة كالبيع المطلق.
وقد يقال: كون الإجارة تختص ببعض الأحكام لا يخرجها ذلك عن عقد البيع، كالسلم والصرف لما اختصا بأحكام خاصة لا توجد في البيع المطلق أطلق عليهما الشارع اسمًا خاصًا، وإن كان عموم عقد البيع يشملها كلها.
* * *
стр. 3801
المبحث الثالث
عقد الإجارة عقد لا زم
[م-٨١٤] هل عقد الإجارة عقد لازم أو جائز؟ اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:
القول الأول:
ذهب عامة أهل العلم إلى أن عقد الإجارة عقد لازم مطلقًا فلا يملك أحد المتعاقدين الانفراد بفسخ العقد إلا برضا الطرف الآخر أو وجود ما يقتضي الفسخ (١).
وجه من قال: عقد الإجارة عقد لازم مطلقًا:
الوجه الأول:
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١] ويدخل في ذلك عقد الإجارة؛ لأنه عقد من هذه العقود.
الوجه الثاني:
أن عقد الإجارة من عقود المعاوضة يقتضي عقدها تمليك المؤجر الأجرة،
стр. 3802
وتمليك المستأجر المنافع فلا ينفرد أحد العاقدين فيها بالفسخ كالبيع، وإنما اختصت باسم كالصرف والسلم (١).
الوجه الثالث:
أن القول بعدم لزوم عقد الإجارة فيه ضرر للمتعاقدين أو لأحدهما؛ لأن ذلك لا يدعو إلى استقرار العقد فيهما، وهذا يلحق ضرراَ كبيرًا بالمستأجر والمؤجر على حد سواء.
القول الثاني:
أن عقد الإجارة عقد جائز مطلقًا، اختاره القاضي شريح (٢).
واختار الشوكاني جواز العقد بالنسبة للأجير (٣).
وجه من قال بأن عقد الإجارة عقد جائز:
الوجه الأول:
لما كان المعقود عليه معدومًا في الحال أشبهت العارية فلم يكن العقد لازمًا (٤).
ونوقش هذا:
بأن القياس مع الفارق؛ لأن الإعارة بدون عوض، فهي إرفاق وإحسان في حين أن الإجارة معاوضة من الطرفين.
стр. 3803
الوجه الثاني:
تشبيه عقد الإجارة بعقد الجعالة، والجعالة في معنى الإجارة وليست عقدًا لازمًا.
و أجيب:
بأن هناك فرقًا بين الجعالة والإجارة من وجوه:
منها: أن عقد الإجارة عقد مؤقت بخلاف الجعالة فإنه عقد مطلق بلا توقيت (١).
ومنها: أن الجعالة لا يشترط لصحتها العلم بالعمل المجاعل عليه، ولا مدة العمل بخلاف الإجارة.
ومنها: أن الجعالة يجوز فيها الجمع بين العمل والمدة، كأن يقول: من خاط هذا الثوب في يوم، فله كذا، فإن خاطه في يوم استحق الجعل وإلا فلا، بخلاف الإجارة فالفقهاء مختلفون في جواز الجمع فيها بين العمل والمدة، وسيأتي تحريره في مظانه من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
وجه قول الشوكاني بأن عقد الإجارة جائز بالنسبة للأجير:
قال الشوكاني: «وأما المتكلم في لزوم العقد فمن فضول الكلام الذي لا يدعو إليه حاجة؛ لأن الأجير إن يرد الأجرة فلا يستحقها إلا بالوفاء بما تراضيا عليه، وإن رغب عن الأجرة فلا يلزمه الوفاء، ولهذا يقول شعيب ﵇ لموسى ﵇:
﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ﴾ [القصص: ٢٧] فذكر له القدر الذي يستحق به أن ينكحه إحدى ابنتيه، ثم ذكر له الزيادة على جهة المكارمة والتفضل، فمعلوم أنه
стр. 3804
لا يلزم موسى ﵇ الدخول في هذا العقد ابتداء، ثم لو رغب عن الأجرة، واختار الترك في وسط المدة لم يكن عليه التمام شاء أم أبى، وهكذا سائر الإجارات، فلزوم عقدها من هذه الحيثية، وهو مفوض إلى الأجير، إن شاء مضى فيه، واستحق الأجرة، وإن شاء تركه، وترك المطالبة بالأجرة» (١).
القول الثالث:
عقد الإجارة إن أضيف إلى المستقبل فهو جائز، وإلا كان لازمًا، وهو أحد القولين في مذهب الحنفية (٢).
التفريق بين الإجارة المضافة إلى المستقبل وغيرها:
لم أقف على تعليل عند الحنفية يبين وجه كون الإجارة المضافة إلى المستقبل غير لازمة، ولعل وجه ذلك عند الحنفية أن العقد لما كان على منفعة، والمنافع عندهم ليست مالًا، وكان العقد غير ناجز، أي لم يشرع المستأجر بقبض العين، ليتمكن من الانتفاع جعلوا العقد جائزًا إلى حين قبض العين وابتداء العقد، والله أعلم (٣).
الراجح:
أرى أن القول الراجح هو القول بأن عقد الإجارة عقد لازم للطرفين، والصورة التي ذكرها الشوكاني تختلف عن إجارة المنافع كالسكنى ونحوها، والله أعلم.
* * *
стр. 3805
المبحث الرابع
عقد الإجارة على وفق القياس
[م-٨١٥] بعد اتفاق الفقهاء على جواز عقد الإجارة عدا خلافًا شاذًا عن الأصم، فقد اختلفوا في هذه الإباحة، هل هي متفقة مع القياس؟ أم أن إباحتها مخالفة للقياس على قولين:
القول الأول:
يرى أن الإجارة مخالفة للقياس، وهذا مذهب الجمهور (١).
وجه قول الجمهور بأن جوازها مخالف للقياس:
الوجه الأول:
أن المعقود عليه هو المنفعة، والمنفعة ليست مالًا عند الحنفية.
الوجه الثاني:
أن المنفعة وقت العقد معدومة، والمعدوم لا يحتمل التمليك.
قال الكاساني: «قال أبو بكر الأصم: إنها - أي الإجارة - لا تجوز، والقياس ما قاله؛ لأن الإجارة بيع المنفعة، والمنافع للحال معدومة، والمعدوم لا يحتمل البيع، فلا يجوز إضافة إلى ما يؤخذ في المستقبل كإضافة البيع إلى أعيان تؤخذ في المستقبل، فإذًا لا سبيل إلى تجويزها لا باعتبار الحال، ولا باعتبار المآل، لكنا استحسنا الجواز بالكتاب والسنة والإجماع» (٢).
стр. 3806
القول الثاني:
يرى ابن تيمية وابن القيم بأن الإجارة موافقة للقياس، بل قالا: من رأى شيئًا من الشريعة مخالفًا للقياس، فإنما هو مخالف للقياس الذي انعقد في نفسه، وليس مخالفًا للقياس الصحيح الثابت في نفس الأمر. نعم في الشريعة ما يخالف القياس الفاسد، وإن كان من الناس من لا يعلم فساده (١).
وقد سبق أن عرضنا وجهة نظر الفريقين في عقد السلم، والخلاف بين القولين قريب من الخلاف اللفظي.
ذلك أن من قال: إن الإجارة مخالفة للقياس لا يعني أن جوازها تجرد عن مراعاة المصلحة حتى خالف القياس، وإنما المراد به: أنه عدل به عن نظائره لمصلحة أكمل وأخص من مصالح نظائره على جهة الاستحسان الشرعي، فمن ذلك أن القياس عدم بيع المعدوم، وجاز ذلك في السلم والإجارة توسعة وتيسيرًا على المكلفين.
стр. 3807
الباب الأول
في حكم الإجارة
الفصل الأول
حكم الإجارة من الناحية الفقهية
قال القرافي: قبض الأوائل كقبض الأواخر (١).
[م-٨١٦] ذهب عامة الفقهاء إلى جواز الإجارة.
وخالف في ذلك الأصم، فقال: لا تجوز.
قال الشوكاني: «ثبوت الإجارة في هذه الشريعة قطعي لا يكاد ينكر أصل الجواز إلا من لا يعرف الكتاب والسنة، ولا يعرف ما كان الأمر عليه في أيام النبوة، وأيام الصحابة ... » (٢).
وقد دل الكتاب والسنة والإجماع على جواز الإجارة.
أما القرآن فقال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦].
وقال تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَئْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَئْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا ... ﴾ الآية [القصص: ٢٧].
стр. 3808
وجه الاستدلال:
قوله تعالى: (استأجره) أي اجعله أجيرًا لك، وقوله تعالى: ﴿عَلَى أَن تَأْجُرَنِي﴾ أي تصير أجيرًا عندي.
وقال تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧].
وقال تعالى: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ [الكهف: ٩٤].
ومن السنة أحاديث كثيرة، أختار منها:
(ح-٥٥٥) ما رواه البخاري من طريق سعيد بن أبي سعيد،
عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، وذكر منهم رجلًا استأجر أجيرًا فاستوفى منه، ولم يعط أجره (١).
(ح-٥٥٦) ومنها ما رواه البخاري من طريق عروة،
عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: واستأجر رسول الله رجلًا من بني الديل هاديًا خريتًا، وهو على دين كفار قريش، فدفعا إليه راحلتيهما، ووعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحلتيهما صبح ثلاث (٢).
(ح-٥٥٧) ومنها ما رواه البخاري من طريق مالك، عن حميد،
عن أنس بن مالك ﵁، قال: حجم أبو طيبة رسول الله ﷺ فأمر له بصاع من تمر، وأمر أهله أن يخففوا من خراجه (٣).
(ح-٥٥٨) وروى البخاري من حديث أبي هريرة ﵁،
عن النبي ﷺ قال: ما
стр. 3809
بعث الله نبيًا إلا رعى الغنم، فقال أصحابه: وأنت؟ فقال: نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة (١).
وأما الإجماع فقد حكاه غير واحد من أهل العلم على جواز الإجارة، منهم العراقي في طرح التثريب (٢)، وابن المنذر (٣)، وغيرهم.
وقال الكاساني: «أجمعت الأمة قبل وجود الأصم حيث يعقدون الإجارة من زمن الصحابة ﵃ إلى يومنا هذا من غير نكير، فلا يعبأ بخلافه؛ إذ هو خلاف الإجماع» (٤).
وقال ابن قدامة: «أجمع أهل العلم في كل عصر وكل مصر على جواز الإجارة، إلا ما يحكى عن عبد الرحمن بن الأصم أنه قال: لا يجوز ذلك؛ لأنه غرر، يعني أنه يعقد على منافع لم تخلق، وهذا غلط لا يمنع انعقاد الإجماع الذي سبق في الأعصار وسار في الأمصار ... » (٥).
والعقل دال على جواز الإجارة.
قال ابن قدامة: «أصحاب الصنائع يعملون بأجر، ولا يمكن كل أحد عمل ذلك، ولا يجد متطوعًا، فلا بد من الإجارة لذلك مما جعله الله طريقًا للرزق حتى إن أكثر المكاسب بالصنائع» (٦).
وقال في المبدع: «والحاجة داعية إليها إذ كل أحد لا يقدر على عقار يسكنه،
стр. 3810
ولا على حيوان يركبه، ولا على صنعة يعملها، وأرباب ذلك لا يبذلون ذلك مجانًا، فجوزت طلبًا لتحصيل الرزق» (١).
حجة الأصم على منع الإجارة:
قال الكاساني: «وقال أبو بكر الأصم: إنها - أي الإجارة - لا تجوز، والقياس ما قاله؛ لأن الإجارة بيع المنفعة، والمنافع للحال معدومة، والمعدوم لا يحتمل البيع، فلا يجوز إضافة إلى ما يؤخذ في المستقبل كإضافة البيع إلى أعيان تؤخذ في المستقبل، فإذًا لا سبيل إلى تجويزها لا باعتبار الحال، ولا باعتبار المآل، لكنا استحسنا الجواز بالكتاب والسنة والإجماع» (٢).
ويناقش:
القول بأن المعدوم لا يحتمل البيع هذا غير مسلم، وقد عقدت فصلًا خاصًا في حكم بيع المعدوم، ورجحت جواز بيع المعدوم إذا لم يكن في ذلك غرر، فارجع إليه إن شئت في موانع البيع.
والقول بأن جواز الإجارة من باب الاستحسان، وأن القياس منع البيع قد أجبت عليه في المبحث السابق تحت عنوان: الإجارة على وفق القياس فأغنى عن إعادته، والحمد لله.
* * *
стр. 3811
الفصل الثاني
في ثبوت الخيار في عقد الإجارة
قال أبو الحسين القدوري: كل خيار ثبت في البيع يثبت في الإجارة (١).
[م-٨١٧] والخيار في العقد: هو حق العاقد في فسخ العقد أو إمضائه لظهور مسوغ شرعي، أو بمقتضى اتفاق عقدي (٢).
وهو نوعان: حكمي يثبت بالشرع، ولا يتوقف على اشتراط، بل ينشأ بمجرد وقوع سببه الذي ربط قيامه به، كخيار المجلس والعيب.
وإرادي: ينشأ عن إرادة العاقد كخيار الشرط، وسوف نتكلم في المباحث التالية عن دخول الخيار باختلاف أنواعه في عقد الإجارة، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه.
* * *
стр. 3812
المبحث الأول
في ثبوت خيار المجلس في عقد الإجارة
[م-٨١٨] الذين قالوا بثبوت خيار المجلس في عقد البيع كالشافعية والحنابلة لم يختلفوا في ثبوته في عقد الإجارة إذا كانت الإجارة في الذمة.
وأما إجارة العين فاختلفوا على قولين:
القول الأول:
يثبت فيها خيار المجلس؛ لأنها معاوضة لازمة كالبيع، بل هي ضرب من البيوع، وهذا أحد الوجهين في مذهب الشافعية، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (١).
القول الثاني:
لا يثبت فيها خيار المجلس؛ لأن عقد الإجارة مشتمل على الغرر؛ لأنه عقد على معدوم، والخيار غرر فلا يضم غرر إلى غرر، وهو الوجه الثاني في مذهب الشافعية (٢).
والصحيح الأول، ولا يوجد ما يمنع من دخول خيار المجلس في عقد الإجارة بنوعيها.
وأما الحنفية والمالكية فلا يقولون بخيار المجلس مطلقًا، لا في عقد الإجارة، ولا في عقد البيع، بل لا يثبتون خيار المجلس في العقود كلها، وسبق مناقشة مذهبهم في عقد البيع فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
* * *
стр. 3813
المبحث الثاني
في ثبوت خيار الشرط في عقد الإجارة
[م-٨١٩] اختلف الفقهاء في دخول خيار الشرط في عقد الإجارة على أقوال:
القول الأول:
أثبت الحنفية القول بخيار الشرط في عقد الإجارة مطلقًا (١).
وجهه: أن خيار الشرط يدخل في كل عقد لازم، ولو من طرف واحد، قابل للفسخ، وليس القبض شرطًا لصحته (٢).
وهذا يشمل عقد الإجارة ويشمل غيره من العقود، ولا يدخل خيار الشرط عقود الصرف والسلم وبيع المال الربوي بجنسه؛ لأن هذه العقود، وإن كانت عقودًا لازمة قابلة للفسخ إلا أن القبض شرط في استدامة صحة البيع فيها.
والحنفية من أوسع المذاهب في إثبات خيار الشرط (٣).
القول الثاني:
يقابله مذهب الشافعية الذين قالوا: بأن خيار الشرط لا يدخل عقد الإجارة مطلقًا.
стр. 3814
قال النووي: «وفي الإجارة طريق قاطع بأنه لا يثبت خيار الشرط، مع جريان الخلاف في ثبوته في خيار المجلس» (١).
القول الثالث:
اختار المالكية جواز خيار الشرط بشرط ألا ينقد الثمن.
جاء في المدونة: «قلت: أرأيت إن اكتريت راحلة بعينها إلى مكة، ونقدته على أني بالخيار يومًا، أو يومين؟ قال: لا يصلح ذلك في قول مالك: أن ينقد إذا كنت بالخيار في كراء أو بيع، إلا أن تشترطا الخيار ما دمتما في مجلسكما ذلك قبل أن تتفرقا» (٢).
القول الرابع:
اختار الحنابلة جواز خيار الشرط بشرط أن تكون الإجارة على مدة لا تلي العقد.
وجه ذلك:
أن دخول خيار الشرط على مدة تلي العقد يفضي إلى فوت بعض المنافع المعقود عليها أو إلى استيفائها في مدة الخيار وكلاهما لا يجوز (٣).
وقد تكلمنا على ذلك في عقد البيع عند الكلام على خيار الشرط في المجلد السادس من هذه المنظومة فارجع إليه إن شئت.
* * *
стр. 3815
المبحث الثالث
ثبوت خيار العيب في عقد الإجارة
[م-٨٢٠] يدخل خيار العيب في عقد الإجارة بلا خلاف، وذلك أن عقد الإجارة عقد لازم، قابل للفسخ، ومقصود للمعاوضة، وليس للثواب والمكارمة.
قال ابن رشد الحفيد: «أما العقود التي يجب فيها بالعيب حكم بلا خلاف، فهي العقود التي المقصود منها المعاوضة، كما أن العقود التي ليس المقصود منها المعاوضة لا خلاف أيضًا في أنه لا تأثير للعيب فيها، كالهبات لغير الثواب، والصدقة، وأما ما بين هذين الصنفين من العقود، أعني: ما جمع قصد المكارمة والمعاوضة، مثل هبة الثواب، فالأظهر في المذهب أنه لا حكم فيها بوجود العيب، وقد قيل: يحكم به إذا كان العيب مفسدًا» (١).
* * *
стр. 3816
الباب الثاني
في أركان الإجارة
[م-٨٢١] أركان عقد الإجارة هي نفس أركان عقد البيع، والخلاف في أركان البيع جار في أركان الإجارة.
فقيل: أركان الإجارة هي الصيغة فقط (الإيجاب والقبول)، وهذا مذهب الحنفية.
وقيل: أركان الإجارة: الصيغة (الإيجاب والقبول).
والعاقدان (المؤجر والمستأجر).
والمحل (المنفعة والأجرة)، وهذا مذهب الجمهور (١).
وسبب الاختلاف:
أن الحنفية يرون أن الركن: هو ما يتوقف عليه وجود الشيء، وكان جزءًا داخلًا في حقيقته، وهذا خاص في الإيجاب والقبول، أما العاقدان والمعقود عليه فهي من لوازم العقد، وليست جزءًا من حقيقة العقد، وإن كان يتوقف عليها وجوده.
بينما الجمهور يرون أن الركن: ما توقف عليه وجود الشيء وتصوره عقلًا،
стр. 3817
سواء أكان جزءًا من حقيقته أم لم يكن، ووجود العقد يتوقف على العاقدين والمعقود عليه، وإن لم يكن هؤلاء جزءًا من حقيقته.
ومذهب الحنفية أجود، وأدق، والجمهور لا يطَّردون في تحديد الأركان، فاللوازم تارة يعتبرونها من الأركان، وتارة لا يدخلونها، فهم يجعلون الفاعل ركنًا في مثل عقد البيع والنكاح، ولا يجعلونه ركنًا في العبادات كالصلاة والحج، وإن كان لا يتصور قيام الحج والصلاة بدون فاعل.
قال في المصباح المنير: «والفرق عسر ... » (١).
* * *
стр. 3818
الفصل الأول
في أحكام الصيغة
[م-٨٢٢] ذكرنا في الباب الثالث من عقد البيع أحكام الصيغة (الإيجاب والقبول) من ذلك:
الخلاف في تحديد الإيجاب والقبول.
وانقسام الإيجاب والقبول إلى صريح وكناية، وإلى صيغة قولية، وفعلية.
وتكلمت عن الصيغة القولية للإيجاب والقبول في صيغه المختلفة، كصيغة الماضي، والمضارع، والأمر، والجملة الاسمية، وفي القبول بكلمة (نعم).
وتكلمت عن الصيغة الفعلية كالإيجاب والقبول بالمعاطاة، والخلاف الفقهي في اعتبارها، وفي الإيجاب والقبول عن طريق الإشارة والكتابة، وعن صيغ الإيجاب والقبول بوسائل الاتصال الحديثة، وفي صدور الإيجاب والقبول من طرف واحد، وفي الإيجاب والقبول الصوري كبيع التلجئة، والهازل في البيع.
وتعرضت لشروط الإيجاب والقبول، ولرجوع الموجب، وهل يشترط تقدم الإيجاب على القبول، وفي مبطلات الإيجاب.
وبينت مواضع الاتفاق ومواضع الخلاف في كل هذه المسائل، مع بيان الراجح فيها، وما بينته في عقد البيع يجري على عقد الإجارة، ويغني عن تكراره هنا، ولله الحمد وحده، وقد بقي بعض المباحث مما يخص عقد الإجارة سيتوجه لها البحث في المباحث التالية، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه.
стр. 3819
المبحث الأول
انعقاد الإجارة بلفظ البيع
[م-٨٢٣] اتفق الفقهاء على صحة انعقاد الإجارة باللفظ الصريح فيها، وجمهورهم على صحة انعقاد الإجارة بأي لفظ دال عليها.
واختلفوا في صحة انعقاد الإجارة بلفظ البيع كما لو قال: بعني دارك لأسكنها سنة، أو قال للأجير: بعني عملك يومًا.
تحرير محل الخلاف:
الأصل في ألفاظ العقود أن تكون مطابقة للمعنى المراد من العاقدين؛ لأن اللفظ هو المعبر عن المعنى القائم في نفس المتعاقدين، والأصل حمل كلام المتعاقدين على ظاهره، واللغة ما جعلت إلا لتعبر عما في النفس، ولو حملنا الكلام على غير ظاهره بدون صارف بطلت فائدة اللغة، وفائدة التخاطب، وهذا مما لا خلاف فيه، ولكن الخلاف فيما لو تيقنا أن العاقد أراد معنى مخالفًا للفظ الصادر منه، فهل يغلب اللفظ، أو يغلب المعنى باعتباره هو المقصود، واللفظ مجرد دليل عليه؟
فلو قال العاقد: وهبتك هذه الدابة بألف، فهل ذكر العوض يجعل العقد من عقود المعاوضات فيكون بيعًا؟ أو نعتبر اللفظ، ونفسد العقد؛ لأن عقود التبرعات لا عوض فيها.
[م-٨٢٤] الصحيح أن العبرة في العقود للمقاصد والمعاني، لا للألفاظ والمباني. وعلى هذا مذهب الحنفية (١)،
стр. 3820
والمالكية (١)، وأحد الوجهين في مذهب الشافعية (٢)، ومذهب أحمد (٣).
والشافعية وحدهم هم الذين يقولون: إن العبرة بالعقود باللفظ لا بالمعنى،