الباب الثاني
في أركان الإجارة
[م-٨٢١] أركان عقد الإجارة هي نفس أركان عقد البيع، والخلاف في أركان البيع جار في أركان الإجارة.
فقيل: أركان الإجارة هي الصيغة فقط (الإيجاب والقبول)، وهذا مذهب الحنفية.
وقيل: أركان الإجارة: الصيغة (الإيجاب والقبول).
والعاقدان (المؤجر والمستأجر).
والمحل (المنفعة والأجرة)، وهذا مذهب الجمهور (١).
وسبب الاختلاف:
أن الحنفية يرون أن الركن: هو ما يتوقف عليه وجود الشيء، وكان جزءًا داخلًا في حقيقته، وهذا خاص في الإيجاب والقبول، أما العاقدان والمعقود عليه فهي من لوازم العقد، وليست جزءًا من حقيقة العقد، وإن كان يتوقف عليها وجوده.
بينما الجمهور يرون أن الركن: ما توقف عليه وجود الشيء وتصوره عقلًا،
стр. 3817
سواء أكان جزءًا من حقيقته أم لم يكن، ووجود العقد يتوقف على العاقدين والمعقود عليه، وإن لم يكن هؤلاء جزءًا من حقيقته.
ومذهب الحنفية أجود، وأدق، والجمهور لا يطَّردون في تحديد الأركان، فاللوازم تارة يعتبرونها من الأركان، وتارة لا يدخلونها، فهم يجعلون الفاعل ركنًا في مثل عقد البيع والنكاح، ولا يجعلونه ركنًا في العبادات كالصلاة والحج، وإن كان لا يتصور قيام الحج والصلاة بدون فاعل.
قال في المصباح المنير: «والفرق عسر ... » (١).
* * *
стр. 3818
الفصل الأول
في أحكام الصيغة
[م-٨٢٢] ذكرنا في الباب الثالث من عقد البيع أحكام الصيغة (الإيجاب والقبول) من ذلك:
الخلاف في تحديد الإيجاب والقبول.
وانقسام الإيجاب والقبول إلى صريح وكناية، وإلى صيغة قولية، وفعلية.
وتكلمت عن الصيغة القولية للإيجاب والقبول في صيغه المختلفة، كصيغة الماضي، والمضارع، والأمر، والجملة الاسمية، وفي القبول بكلمة (نعم).
وتكلمت عن الصيغة الفعلية كالإيجاب والقبول بالمعاطاة، والخلاف الفقهي في اعتبارها، وفي الإيجاب والقبول عن طريق الإشارة والكتابة، وعن صيغ الإيجاب والقبول بوسائل الاتصال الحديثة، وفي صدور الإيجاب والقبول من طرف واحد، وفي الإيجاب والقبول الصوري كبيع التلجئة، والهازل في البيع.
وتعرضت لشروط الإيجاب والقبول، ولرجوع الموجب، وهل يشترط تقدم الإيجاب على القبول، وفي مبطلات الإيجاب.
وبينت مواضع الاتفاق ومواضع الخلاف في كل هذه المسائل، مع بيان الراجح فيها، وما بينته في عقد البيع يجري على عقد الإجارة، ويغني عن تكراره هنا، ولله الحمد وحده، وقد بقي بعض المباحث مما يخص عقد الإجارة سيتوجه لها البحث في المباحث التالية، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه.
стр. 3819
المبحث الأول
انعقاد الإجارة بلفظ البيع
[م-٨٢٣] اتفق الفقهاء على صحة انعقاد الإجارة باللفظ الصريح فيها، وجمهورهم على صحة انعقاد الإجارة بأي لفظ دال عليها.
واختلفوا في صحة انعقاد الإجارة بلفظ البيع كما لو قال: بعني دارك لأسكنها سنة، أو قال للأجير: بعني عملك يومًا.
تحرير محل الخلاف:
الأصل في ألفاظ العقود أن تكون مطابقة للمعنى المراد من العاقدين؛ لأن اللفظ هو المعبر عن المعنى القائم في نفس المتعاقدين، والأصل حمل كلام المتعاقدين على ظاهره، واللغة ما جعلت إلا لتعبر عما في النفس، ولو حملنا الكلام على غير ظاهره بدون صارف بطلت فائدة اللغة، وفائدة التخاطب، وهذا مما لا خلاف فيه، ولكن الخلاف فيما لو تيقنا أن العاقد أراد معنى مخالفًا للفظ الصادر منه، فهل يغلب اللفظ، أو يغلب المعنى باعتباره هو المقصود، واللفظ مجرد دليل عليه؟
فلو قال العاقد: وهبتك هذه الدابة بألف، فهل ذكر العوض يجعل العقد من عقود المعاوضات فيكون بيعًا؟ أو نعتبر اللفظ، ونفسد العقد؛ لأن عقود التبرعات لا عوض فيها.
[م-٨٢٤] الصحيح أن العبرة في العقود للمقاصد والمعاني، لا للألفاظ والمباني. وعلى هذا مذهب الحنفية (١)،
стр. 3820
والمالكية (١)، وأحد الوجهين في مذهب الشافعية (٢)، ومذهب أحمد (٣).
والشافعية وحدهم هم الذين يقولون: إن العبرة بالعقود باللفظ لا بالمعنى،
стр. 3821
ومع ذلك قد يغلبون المعنى في بعض المسائل كما في هبة الثواب، فإنها بيع مع أنها بلفظ الهبة (١).
قال في مغني المحتاج: «والأصحاب تارة يعتبرون اللفظ، وهو الأكثر، كما لو قال: بعتك هذا بلا ثمن لا ينعقد بيعًا، ولا هبة على الصحيح.
وكما لو قال: اشتريت منك ثوبًا صفته كذا بكذا ينعقد بيعًا، لا سلمًا على الصحيح. وتارة يعتبرون المعنى، كما لو قال: وهبتك هذا الثوب بكذا ينعقد بيعًا على الصحيح ..... وتارة لا يراعون اللفظ ولا المعنى، فيما إذا قال: أسلمت إليك هذا الثوب في هذا العبد، فإن الصحيح أنه لا ينعقد بيعًا، ولا سلمًا» (٢).
[م-٨٢٥] إذا عرفنا مخرج الخلاف نأتي إلى مسألتنا، فإذا وقعت الإجارة بلفظ البيع فهل تنعقد الإجارة؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
تنعقد الإجارة بلفظ البيع، وهو مذهب الجمهور وقول مرجوح في مذهب الشافعية، إلا أن الحنفية اشترطوا التوقيت، واشترط الحنابلة أن يضاف العقد إلى المنفعة (٣).
стр. 3822
دليل من قال: بالجواز:
الدليل الأول:
(ح-٥٥٩) ما رواه مسلم من طريق عبيد الله بن عبد المجيد، حدثنا سليم ابن حيان، حدثنا سعيد بن ميناء،
قال سمعت جابر بن عبد الله يقول: إن رسول الله ﷺ قال: من كان له فضل أرض فليزرعها، أو ليزرعها أخاه، ولا تبيعوها. فقلت لسعيد: ما قوله ولا تبيعوها، يعني الكراء؟ قال: نعم (١).
وجه الاستدلال:
في الحديث دليل على صحة إطلاق لفظ البيع على الإجارة.
الدليل الثاني:
(ح-٥٦٠) ما رواه البخاري من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، قال: أخبرني محمد بن إبراهيم التيمي، أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي يقول:
سمعت عمر بن الخطاب ﵁ على المنبر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو إلى امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه (٢).
الدليل الثالث:
أن الإجارة بيع منافع قائمة على المعاوضة المحضة، فانعقدت بلفظ البيع كالصرف.
الدليل الرابع:
«الألفاظ مقصودة لغيرها، ومعاني العقود هي التي تراد لأجلها، فإذا ألغيت،
стр. 3823
واعتبرت الألفاظ التي لا تراد لنفسها، كان هذا إلغاء لما يجب اعتباره، واعتبارًا لما قد يسوغ إلغاؤه، وكيف يقدم اعتبار اللفظ الذي قد ظهر كل الظهور أن المراد خلافه» (١).
قال ابن القيم: « ... من عرف مراد المتكلم بدليل من الأدلة وجب اتباع مراده، والألفاظ لم تقصد لذواتها، وإنما هي أدلة يستدل بها على مراد المتكلم، فإذا ظهر مراده ووضح بأي طريق كان، عمل بمقتضاه، سواء كان بإشارة أو كتابة أو بإيماءة، أو دلالة عقلية، أو قرينة حالية، أو عادة له مطردة لا يخل بها» (٢).
الدليل الخامس:
إذا كان السامع لا يفهم معنى الجملة إلا بحسب متعلقاتها، فكذلك اللفظ يتغير معناه بحسب ما يتعلق به، فإذا قال الإنسان: رأيت أسدًا في الغابة فالمقصود به الأسد الحقيقي، وإذا قال: رأيت أسدًا في ساحة الوغى فالمراد به الرجل الشجاع، وكلمة أسد لفظ واحد تغير معناه بحسب ما يتعلق به، فكذلك ألفاظ العقود، فإذا اشتهر لفظ في عقد، ثم أتى بعده بمتعلق يدل على عقد آخر، فإن السامع لا يفهم منه العقد الأول، بل العقد الثاني، فلا بد أن يقبل ما أراده المتكلم ودلت عليه القرينة؛ لأن المراد بالتخاطب أن يفهم المخاطب كلام المتكلم.
الدليل السادس:
معلوم أن البيع والإجارة والهبة ونحوها لم يحد الشارع لها حدًا في
стр. 3824
كتاب الله، ولا سنة رسوله ﷺ ، ولا نقل عن أحد من الصحابة والتابعين أنه عيَّن للعقود صفة معينة من الألفاظ أو غيرها، فإذا لم يكن لذلك حد في الشرع، ولا في اللغة، كان المرجع فيه إلى عرف الناس وعاداتهم، فما سموه إجارة فهو إجارة.
القول الثاني:
لا تنعقد بلفظ البيع، وهو الأصح في مذهب الشافعية، ووجه مرجوح في مذهب الحنابلة (١).
وجه من قال: لا تنعقد الإجارة بلفظ البيع:
الوجه الأول:
أن لفظ البيع موضوع لملك الأعيان فلا يستعمل في المنافع، ولا يكون كناية فيها أيضًا؛ لأن لفظ البيع ينافي قوله (إلى سنة) فلا يكون صريحًا، ولا كناية (٢).
الوجه الثاني:
أن لفظ الإجارة يخالف البيع في الاسم والحكم فلم ينعقد بلفظه كالنكاح (٣).
والراجح مذهب الجمهور لقوة أدلته.
* * *
стр. 3825
المبحث الثاني
في تعليق الصيغة في عقد الإجارة
قال ابن القيم: تعليق العقود والفسوخ والتبرعات والالتزامات وغيرها بالشروط أمر قد تدعو إليه الضرورة، أو المصلحة، فلا يستغني عنه المكلف (١). اهـ
العقد المنجز: هو الذي خلت صيغة العقد فيه عن التعليق أو الإضافة.
ومثال التعليق: أن يقول: أجرتك داري إن قدم زيد.
والمقصود بالإضافة: إضافة العقد إلى زمن مستقبل أن يقول: أجرتك داري إذا دخل شهر رمضان.
والعقد المعلق: قيل في تعريفه: هو ربط حصول مضمون جملة بحصول مضمون جملة أخرى بأداة من أدوات الشرط (٢).
مثاله: أن يعلق أحد المتعاقدين الصفقة على رضا أبيه، أو موافقة زيد من الناس، أو على قدومه.
والأصل في عقد الإجارة أن يكون العقد منجزًا كغيره من العقود، فإذا لم يوجد ما يصرف الصيغة عن التنجيز فإن الإجارة تبدأ من وقت العقد، وتكون منجزة.
стр. 3826
[م-٨٢٦] إذا علم ذلك فما حكم التعليق في عقد الإجارة؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
لا يصح تعليق عقد الإجارة على شرط مطلقًا، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية والحنابلة (١).
بل يذهب الأئمة إلى أنه لا يصح تعليق جميع عقود المعاوضات المالية، وقد سبق لنا حكم تعليق عقد البيع عند الكلام على عقد البيع (٢).
دليل الجمهور على منع التعليق:
الدليل الأول:
الأصل في عقد الإجارة وفي عقود المعاوضات المالية أن يترتب عليه أثره في
стр. 3827
الحال، فتنتقل العين إلى المستأجر، وينتقل الأجر إلى المؤجر، والتعليق يمنع ذلك فيكون منافيًا لما يقتضيه العقد.
ونوقش هذا:
قولكم: إن عقود التمليك تقتضي انتقال الملكية في الحال، إن أردتم أن هذا مقتضى عقود التمليك المطلقة التي لم تقيد بشيء، فهذا مسلم، وإن أردتم أن هذا مقتضى العقد على كل حال فلا قائل بذلك، فإن شرط الخيار وهو مجمع على جوازه كما سبق بيانه في باب الخيار هو في الحقيقة تعليق للعقد؛ لأن المشترط إن اختار إتمام العقد انعقد، وإن اختار الرد انفسخ العقد، وما الفرق بين هذا وبين التعليق على شرط.
الدليل الثاني:
أن في التعليق معنى القمار والمخاطرة حيث يتردد العقد بين الوجود إذا تحقق الشرط، أو العدم إذا لم يتحقق.
ونوقش هذا:
العقد المعلق ليس فيه غرر ولا قمار، غاية ما فيه أن التعليق ينقل العقد من كونه لازمًا إلى كونه جائزًا، فإن وجد شرط لزومه لزم، وإن لم يوجد لم يلزم، وعلى كلا التقديرين لا يكون أحد المتعاقدين قد أكل مال الآخر بالباطل، ولا قمر أحدهما الآخر.
الدليل الثالث:
انتقال الملك يعتمد على الرضا، والرضا إنما يكون مع الجزم، ولا جزم مع التعليق؛ لأن الشأن في جنس المُعَلَّق عليه أن يعترضه عدم الحصول (١).
стр. 3828
ويناقش:
القول بأن الرضا لا يكون إلا مع الجزم دعوى بلا دليل، فالعاقدان في العقد المعلق قد تم برضا الطرفين، ولم يكره أحد منهما على العقد، ولو صحت هذه الدعوى لقيل إن الرضا لا يتحقق في العقود التي لا تقع إلا معلقة كالوصية، ولا قائل به.
وأما قولكم: إن العقد المعلق يعترضه عدم الحصول، فهذا لا حرج فيه، لأنه إذا لم يحصل لم يترتب عليه أكل أموال الناس بالباطل، فإن مال كل واحد من العاقدين لم يخرج عن ملكه.
القول الثاني:
يجوز تعليق البيع على شرط مطلقًا، وبه قال أحمد، وقدماء أصحابه، وهو اختيار ابن تيمية، وابن القيم (١).
قال ابن تيمية: «وذكرنا عن أحمد نفسه جواز تعليق البيع بشرط، ولم أجد عنه، ولا عن قدماء أصحابه نصًا بخلاف ذلك، بل ذكر من ذكر من المتأخرين أن هذا لا يجوز» (٢).
стр. 3829
دليل من قال بجواز التعليق في العقود:
الدليل الأول:
(ح-٥٦١) روى البخاري في صحيحه معلقًا بصيغة الجزم،
قال البخاري: عامل عمر الناس على إن جاء عمر بالبذر فله الشطر، وإن جاؤوا بالبذر فلهم كذا.
[مرسل، وقد جاء من طريق آخر مرسلًا أيضًا، قال الحافظ: فيتقوى أحدهما بالآخر] (١).
الدليل الثاني:
أن الأصل في الشروط الصحة والجواز، ولا يبطل منها إلا ما دل الدليل على بطلانه، أو كان في التزام الشرط ما يؤدي إلى الوقوع في محذور شرعي من غرر، أو ظلم، أو أكل لأموال الناس بالباطل، وتعليق العقود لم يقم دليل في النهي عنه، ولم يكن في التزامه ما يؤدي إلى الوقوع في محذور شرعي، بل إن فيه مصلحة راجحة، فمثله لا يمكن أن ينهى الشارع عنه؛ لأن الشريعة جاءت في اعتبار مصالح العباد، والنهي عما يضر بها.
بل إن المانعين للتعليق قد استثنوا صورًا من تعليق البيع بالشرط، فقد استثنى الحنفية والمالكية إذا علق البيع على رضا شخص أو مشورته (٢).
стр. 3830
فما الفرق بين ما استثني وبين ما لم يستثن، فكان يلزمكم إما منع جميع صور التعليق، أو القول بالجواز مطلقًا، وهو الحق.
* * *
стр. 3831
الباب الثالث
في شروط الإجارة
الفصل الأول
في شروط الإجارة المتعلقة بالعاقد
الشرط الأول
في أهلية العاقد
عند الكلام على شروط الإجارة تجد الفقهاء يحيلون تفاصيل شروط الإجارة على ما سبق لهم أن قرروه في عقد البيع (١).
قال السيوطي: «ضابط كل ما جرى عليه عقد البيع في كتاب التبايع من الشروط يجري عليه عقد الإجارة، ويوصف في كتاب الإجارة بلفظ (الإجارة)، وفي كتاب التبايع بلفظ (التبايع)، ولا يخفى ذلك على الحذاق الممارسين لهذه الصنعة ووقائعها» (٢).
وقد فصلت الكلام على شروط البيع إلا أنني لم أجمع الشروط في مبحث واحد، فذكرت شروط البيع المتعلقة بالصيغة عند الكلام على الإيجاب والقبول.
وذكرت شروط البيع المتعلقة بالعاقدين عند الكلام على أحكام العاقدين.
стр. 3832
وذكرت شروط البيع المتعلقة بالمعقود عليه عند الكلام على أحكام المبيع وأحكام الثمن، فجاءت شروط البيع مفرقة على هذه الأحكام الكثيرة والمختلفة، لذا سوف أذكر هنا بعض الشروط، وأحيل ما بقي منها على ما هو مقرر في عقد البيع ..
الشرط الأول: أهلية العاقد.
[م-٨٢٧] وقد سبق لنا في عقد البيع تعريف الأهلية وأقسامها بما يغني عن إعادته هنا.
والأهلية قد تكون كاملة، وقد تكون ناقصة، وقد تكون معدومة.
فالكاملة: في حق البالغ الحر الرشيد غير المحجور عليه. فمن اتصف بهذه الصفات تحققت له أهلية الأداء الكاملة، ويكون حرًا طليقًا في تصرفاته إلا فيما نهى عنه الشرع أو قيده.
وتكون الأهلية ناقصة في حق الصبي المميز، والسفيه، والعبد.
وتكون معدومة في حق الصبي غير المميز، والمجنون ونحوهما.
[م-٨٢٨] فمن كانت أهليته معدومة كالمجنون والصبي غير المميز فإن إجارتهما لا تنعقد، ولا فرق في الصبي غير المميز بين أن يأذن له الولي أو لا يأذن.
لأن أهلية العاقد شرط انعقاد التصرف، والأهلية لا تثبت بدون عقل ولا تمييز فلا يثبت الانعقاد بدونهما ... (١).
стр. 3833
ولأن المجنون وغير المميز أقوالهما وأفعالهما ملغاة لا اعتداد بها شرعًا فلا تصح بهما عبادة ولا تجب بهما عقوبة ولا ينعقد معهما بيع ولا شراء، ولا إجارة.
حتى تلك العبادات التي تصح من غير المميز كالحج والعمرة، لا تصح منه النية، وإنما ينوي عنه وليه.
وإذا لم يصح منهما قصدٌ (النية)، فكيف يقع منهما إيجاب أو قبول، وكيف يتصور وقوع الرضا منهما، وهو شرط أساسي في صحة العقود، ومنها الإجارة.
[م-٨٢٩] وأما البلوغ فهل يكون شرطًا للانعقاد؟ اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
تصح إجارة الصبي المميز، ويكون موقوفًا على إجازة الولي، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية (١).
قال الكاساني في بدائع الصنائع: «وأما الصبي العاقل فتصح منه التصرفات النافعة بلا خلاف، ولا تصح منه التصرفات الضارة المحضة بالإجماع، وأما الدائرة بين الضرر والنفع، كالبيع، والشراء، والإجارة، ونحوها فينعقد عندنا موقوفًا على إجازة وليه، فإن أجاز جاز، وإن رد بطل. وعند الشافعي ﵀ لا تنعقد أصلًا .. » (٢).
стр. 3834
القول الثاني:
لا تصح إلا أن يكون مبنيًا على إذن سابق، وهذا مذهب الحنابلة (١).
لأن الصبي إذا لم يؤذن له في التصرف كان محجورًا عليه، وتصرفات المحجور عليه باطلة غير صحيحة قياسًا على السفيه (٢).
القول الثالث:
منع الشافعية الصبي من التصرف مطلقًا، سواء أكان مأذونًا له أم لا، وإنما الذي يباشر العقد عنه وليه.
وقد فصلت أدلتهم في عقد البيع من المجلد الأول فأغنى عن إعادتها في كتاب الإجارة.
إذا علم ذلك ترتب على هذا ما يلي:
الأول: أن الصبي غير المميز والمجنون لو أجرا أنفسهما فلا أجرة لهما مطلقًا؛ لأن العقد لم ينعقد أصلًا عند الجمهور.
واختار المالكية أن الإجارة إن وقعت فالأكثر من المسمى أو أجرة المثل.
جاء في الذخيرة: «إذا استأجر صبيًا أو مجنونًا بغير إذن وليه امتنع، فإن وقع فالأكثر من المسمى أو أجرة المثل» (٣).
الثاني: إذا أجر الصبي المميز نفسه بإذن وليه فله الأجرة على مذهب الجمهور من الحنفية والمالكية والحنابلة.
стр. 3835
وإن أجر نفسه بلا إذن، فأجازه الولي صحت الإجارة عند الحنفية والمالكية، ولم تصح عند الحنابلة.
لأن الحنابلة يشترطون الإذن المسبق، والحنفية والمالكية يشترطون الإجازة، والفرق بينهما أن الإجازة تكون بعد انتهاء العقد، والإذن لا بد أن يكون سابقًا للعقد.
وإن أجر نفسه بلا إذن وليه فلم يعلم الولي إلا بعد انقضاء المدة، فهل يستحق الصبي المميز الأجر لما عمل؟ اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
له الأجر المسمى، وهذا مذهب الحنفية (١).
القول الثاني:
له الأكثر من الأجر المسمى وأجر المثل، وهذا مذهب المالكية (٢).
القول الثالث:
إذا أجر الصبي نفسه لم تصح إجارته، فلا يستحق الأجر المسمى، وهل يستحق أجرة المثل؟ قولان في مذهب الشافعي.
أحدهما: لا يستحق.
والثاني: له أجر المثل، باعتبار أن الإجارة فاسدة، والشافعية يوجبون في
стр. 3836
الإجارة الفاسدة أجرة المثل بخلاف الإجارة الباطلة فلا يجب فيها شيء، وهذه من المواضع التي يفرق فيها الشافعية بين الفاسد والباطل (١).
وجاء في الفتاوى الفقهية الكبرى للهيتمي: «سئل عما إذا رد الصبي العين المجعول عليها جعل، فهل يستحق الجعل؟
فأجاب بقوله: نعم يستحقه كما اقتضاه إطلاقهم، وأفتى به البارزي وقاسه على ما لو قال له: خط هذا الثوب ولك أجرة.
وله احتمال أنه يستحق أجرة المثل، كما لو عقد الإجارة مع الصبي على عمل ... » (٢).
وأما الإجارة الباطلة فلا يجب فيها شيء عند الشافعية.
قال في مغني المحتاج بعد أن بين أن الإجارة الفاسدة يجب فيها أجرة المثل، قال: «وخرج بالفاسدة الباطلة، كاستئجار صبي بالغًا على عمل فعمله، فإنه لا يستحق شيئًا» (٣).
والقائلون بأن له الأجر أقوى؛ لأن الحجر على الصبي المميز إنما هو من أجل مصلحته، وعدم أخذ الأجرة في مقابل عمله إضرار به، وليس من قبيل المحافظة على ماله، وأخذ الأجرة نفع محض لا ضرر فيه، والحجر عليه إنما كان من أجل حظه، فلا يحرم أجرة ما عمله، ولأنه بمثابة ما لو احتطب الصبي ملك ذلك بالاحتطاب.
стр. 3837
واعتبار الأكثر من الأجر المسمى أو أجر المثل أقوى من اعتبار أجر المثل؛ لأن الأجر المسمى إن كان أكثر من أجر المثل فقد رضي المؤجر ببذله، وما رضي ببذله وجب عليه، وإن كان الأجر المسمى دون أجر المثل فلا يقبل منه استغلاله للصبي، فيعطى له أجر المثل، والله أعلم.
[م-٨٣٠] وفي إجارة المعتوه:
صحح الحنفية إجارته إذا أجازه الولي.
جاء في مجلة الأحكام: «المعتوه في حكم الصغير المميز» (١)، وقد علمنا حكم تصرف الصبي المميز عند الحنفية.
وأما المالكية والحنابلة فلا يصححون إجارته.
جاء في الشرح الصغير: «ولا تصح - يعني الإجارة - من مجنون ومعتوه ومكره» (٢).
وقال ابن قدامة في تعريف المعتوه: «وهو زائل العقل بجنون مطبق» (٣).
وإذا كان بحكم المجنون لم تصح إجارته.
والمدار على التمييز، فإن كان مع العته تمييز صار بمنزلة الصبي المميز، وإن كان ليس معه تمييز كان بمنزلة الصبي غير المميز، لا تصح إجارته، وقد فصلت الكلام على بيع المعتوه، والإجارة في حكم البيع، فأغنى عن الإعادة، والحمد لله.
стр. 3838
[م-٨٣١] وفي إجارة السكران:
لم يتكلم الفقهاء في إجارته، ولكن تكلموا عن بيعه وسائر تصرفاته، والإجارة مقيسة عليه، وقد اختلف في بيعه على قولين.
القول الأول:
يصح بيعه، وسائر تصرفاته، وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة في المشهور (٣)،
واختيار ابن نافع من المالكية (٤).
стр. 3839
القول الثاني:
لا يصح شيء من تصرفاته، وهو قول أبي يوسف، وأبي الحسن الكرخي، وأبي جعفر الطحاوي من الحنفية (١)،وهو مذهب مالك وعامة أصحابه (٢)، وقول في مذهب الشافعية (٣)، وقول في مذهب الحنابلة (٤)، واختيار ابن حزم (٥).
وقد فصلت أدلة الأقوال في عقد البيع فأغنى عن إعادته هنا، والذي أميل إليه أن الذي لا يتأثر بالسكر مطلقًا؛ لكونه قد شرب قليلًا منه، أو لكونه قد اعتاد شربه حتى أصبح لا يؤثر في عقله، أنه لا فرق بينه وبين الصاحي؛ لأن الحكم يدور مع علته، فالعلة هي الخوف من تأثير السكر على العقل، فإذا انتفى التأثير انتفى الحكم. ولذلك قال تعالى ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء:٤٣] فجعل غاية النهي هي إدراك ما يقول.
وأما من أثر فيه السكرـ ولو لم يذهب عقله بالكلية، فإنه لا يصح تصرفه؛ لأنه معروف أن من يشرب الخمرة فقد تدفعه إلى الإقدام على الصفقة من غير إدراك لعواقبها، وإن كان لا يزال معه بقية من عقله، وقد تحول البخيل إلى كريم، والجبان إلى شجاع كما قال حسان:
ونشربها فتتركنا ملوكًا وأسدًا ما ينهنهنا اللقاء
стр. 3840
وقال آخر:
فإذا شربت فإنني ... رب الخورنق والسدير
وإذا صحوت فإنني رب الشويهة والبعير
وفي إجارة السفيه:
[م-٨٣٢] اختلف الفقهاء في إجارته على ثلاثة أقوال:
فيرى أبو حنيفة أن تصرفه نافذ؛ لأنه لا يرى الحجر على الحر البالغ العاقل، وإن كان سفيهًا (١).
وذهب المالكية والحنابلة إلى أن تصرفه لا يصح إلا بإذن وليه كالصبي المميز (٢).
стр. 3841
ويرى الشافعية أن تصرفه باطل مطلقًا أذن له وليه، أو لم يأذن له (١).
وقد تكلمنا على ذلك في عقد البيع، وذكرنا أدلة كل قول، فأغنى عن إعادته هنا، والحمد لله.
* * *
стр. 3842
الشرط الثاني
أن يكون العاقد مختارًا
[م-٨٣٣] يشترط في كل من العاقدين أن يكون مختارًا للعقد.
والدليل على اشتراط الرضا (الاختيار) في العقود.
من القرآن قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء:٢٩].
فقوله: ﴿عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء:٢٩] صفة للتجارة، أي تجارة صادرة عن تراض بالعقد (١).
(ح-٥٦٢) ومن السنة ما رواه ابن ماجه، قال: ثنا مروان بن محمد، ثنا عبد العزيز بن محمد، عن داود بن صالح المدني، عن أبيه، قال:
سمعت أبا سعيد الخدري ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : إنما البيع عن تراض (٢).
[حسن] (٣).
وإذا كان الرضا شرطًا في صحة العقد، فلا بد أن يكون الرضا خاليًا من كل ما ينافيه، كالإكراه، والغلط، والتدليس، والغبن.
فالإكراه، بحيث لو خلي المكره وسبيله لم يرض بالعقد.
والغلط بحيث لو علم من وقع في الغلط ما أقدم على التعاقد.
стр. 3843
والتدليس على المتعاقد بحيث لو تكشفت الحقيقة للمتعاقد المدلس عليه (المخدوع) ما أقدم على التعاقد.
أو وقع في غبن فاحش، فهذه العيوب كلها تنافي الرضا، وقد سماها بعض القانونيين عيوب الإرادة، وبعضهم يسميها العيوب التي تلحق الرضا.
وقد تكلمنا عن هذه العيوب بشيء من التفصيل في عقد البيع فأغنى ذلك عن إعادته هنا، والحمد لله.
* * *
стр. 3844
المبحث الأول
في إكراه العاقد على الإجارة
الفرع الأول
في الإكراه على الإجارة بحق
قال ابن عابدين: «الإكراه بحق لا يعدم الاختيار شرعًا» (١).
[م-٨٣٤] إن كان الإكراه على الإجارة بحق انعقدت الإجارة.
والإكراه بحق لا يؤثر في صحة العقد، ولا يفسد الرضا، لإقامة رضا الشرع مقام رضا المالك، ويصح العقد عند أهل العلم، وحكي فيه الإجماع (٢).
ومثل له بعض الحنفية فيما لو انتهت مدة إجارة الظئر، والصغير لا يأخذ ثدي غيرها، ولم يستغن بالطعام، فإنها تجبر على إرضاعه بأجر المثل توقيًا من تضرر الصغير (٣).
وقال ابن تيمية: «ومن ذلك أن يحتاج الناس إلى صناعة ناس، مثل حاجة الناس إلى الفلاحة، والنساجة، والبناية، فإن الناس لابد لهم من طعام يأكلونه، وثياب يلبسونها، ومساكن يسكنونها، فإذا لم يجلب لهم من الثياب ما يكفيهم، كما كان يجلب إلى الحجاز على عهد رسول الله ﷺ .... احتاجوا إلى من ينسج لهم الثياب .......
стр. 3845
والمقصود هنا: أن ولي الأمر إن أجبر أهل الصناعات على ما تحتاج إليه الناس من صناعتهم، كالفلاحة، والحياكة، والبناية، فإنه يقدر أجرة المثل، فلا يمكن المستعمل من نقص أجرة الصانع عن ذلك، ولا يُمَكَّن الصانع من المطالبة بأكثر من ذلك، حيث تعين عليه العمل، وهذا من التسعير الواجب، وكذلك إذا احتاج الناس إلى من يصنع لهم آلات الجهاد، من سلاح، وجسر للحرب، وغير ذلك، فيستعمل بأجرة المثل، لا يمكن المستعملون من ظلمهم، ولا العمال من مطالبتهم بزيادة على حقهم، مع الحاجة إليهم، فهذا تسعير في الأعمال، وأما في الأموال: فإذا احتاج الناس إلى سلاح الجهاد، فعلى أهل السلاح أن يبيعوه بعوض المثل، ولا يمكنون من أن يحبسوا السلاح حتى يتسلط العدو، أو يبذل لهم من الأموال ما يختارون .. » (١).
* * *
стр. 3846
الفرع الثاني
في الإكراه على الإجارة بغير حق
الإكراه ينافي الرضا بالاتفاق، وهل ينافي الاختيار:
[م-٨٣٥] اختلف الفقهاء في الإكراه هل ينافي الاختيار على قولين:
القول الأول:
إن كان الإكراه ملجئًا كما لو خاف المكره على نفسه، أو على تلف عضو من أعضائه، فإن هذا من الإكراه الكامل المنافي للاختيار، فلا ينعقد معه عقد؛ لأن الاختيار الذي هو شرط لانعقاد العقد لم يوجد، فضلًا أن يوجد الرضا الذي هو شرط لصحته.
وإن كان الإكراه غير ملجئ، وهو الإكراه القاصر، كما لو أكرهه بما لا يخاف على نفسه، ولا على تلف عضو من أعضائه، كالإكراه بالضرب المحتمل، أو القيد، أو الحبس، فإنه يعدم الرضا، ولا يفسد الاختيار، وبالتالي ينعقد العقد فاسدًا، وليس باطلًا. وهذا مذهب الحنفية (١).
والفرق بين الرضا والاختيار:
أن الاختيار: هو ترجيح شيء على آخر (٢).
стр. 3847
والرضا: هو الرغبة بالفعل والارتياح إليه، والانشراح النفسي به (١)، ولا تلازم بينهما، فقد يختار المرء أمرًا لا يرضاه، ولا يحبه، ولكنه لا يرضى شيئًا إلا وهو يحبه، قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُم﴾ [البقرة: ٢١٦].
القول الثاني:
لم يقسم الجمهور الإكراه إلى ملجئ وغير ملجئ، ولكنهم تكلموا بما يتحقق به الإكراه، وما لا يتحقق.
فما سماه الحنفية إكراهًا ملجئًا هو إكراه عندهم بالاتفاق.
وما سماه الحنفية إكراهًا غير ملجئ، مختلفون في تَحقِّق الإكراه فيه على قولين:
قيل: يعتبر إكراهًا.
وقيل: لا يعتبر إكراها، وهما قولان في مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
стр. 3848
[م-٨٣٦] إذا عرفت ذلك، فهل يصح عقد الإجارة مع الإكراه إذا كان الإكراه بغير حق؟
اختلف العلماء في ذلك في عقد البيع، والإكراه على الإجارة مقيس عليه.
فقيل: ينعقد فاسدًا، وهذا مذهب الحنفية (١).
стр. 3849
وقيل: ينعقد صحيحًا غير لازم، فللمكره الخيار بين إمضائه ورده، وهذا مذهب المالكية (١)، واختيار زفر من الحنفية (٢).
وقيل: لا ينعقد مطلقًا، وهو مذهب الشافعية (٣)، والحنابلة (٤).
وقد ذكرنا أدلتهم في عقد البيع فأغنى عن إعادته هنا، والحمد لله.
* * *
стр. 3850
الشرط الثالث
أن يكون العاقد له ولاية على المعقود عليه
المبحث الأول
في إجارة الفضولي
يشترط لصحة عقد الإجارة أن يكون العاقد له ولاية على العين المؤجرة بأي طريق من طرق الولاية كالملك أو الوكالة أو الوصاية أو نحوها.
فإذا تصرف عاقد الإجارة في ملك غيره بدون ولاية، فإنه يقع على نوعين من التصرف:
النوع الأول:
أن يتصرف في ملك الغير لنفسه، وليس لحظ المالك، وهذا هو الغاصب، وله أحكام مستقلة سوف نبحثها إن شاء الله تعالى في بابها، بلغنا الله ذلك بمنه وكرمه.
النوع الثاني:
أن يتصرف فيه لحظ مالكه، وهذا ما يسمى لدى الفقهاء في إجارة الفضولي، وهو المقصود هنا، فقد يحتاج الإنسان إلى إجارة ملك غيره قبل أن يرجع إلى المالك، بحيث لو انتظر، ورجع إلى المالك لفاتت الصفقة على المالك، ويكون الباعث على ذلك تحقيق مصلحة للمالك، بحيث يلحظ المتصرف غبطة للمالك في الإجارة، أو يغلب على ظنه أنه يسر بذلك. فما حكم هذا التصرف؟
стр. 3851
[م-٨٣٧] اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
عقده صحيح، ويكون موقوفًا على إجازة المالك.
وهذا مذهب الحنفية (١)،
والمالكية (٢)، والقديم من قول الإمام
стр. 3852
الشافعي (١)، وأحمد في رواية عنه (٢)، اختارها ابن تيمية (٣)، وابن القيم (٤).
القول الثاني:
عقده باطل، وهو قول الشافعي في الجديد (٥)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٦)، واختيار ابن حزم (٧).
وقد ذكرنا أدلتهم في عقد البيع فأغنى عن إعادته هنا.
* * *
стр. 3853
المبحث الثاني
في تأجير المستأجر لما استأجره
[م-٨٣٨] إذا اشترط المالك على المؤجر أن يستوفي المنفعة بنفسه وألا يؤجرها لغيره لم يملك المستأجر تأجير ما استأجره وفاء للشرط.
[م-٨٣٩] أما إذا لم يشترط عليه، وكان المستأجر يملك المنفعة مدة الإجارة، فهل يملك أن يؤجرها بمقتضى العقد؟
اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
للمستأجر الحق في تأجير العين المستأجرة للمالك ولغيره، وهذا مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والمعتمد عند الحنابلة (١).
стр. 3854
القول الثاني:
له أن يؤجرها بمثل ما استأجرها به، أو أقل، ولا يؤجرها بأكثر حتى لا يربح فيما لم يضمن. وهذا القول رواية عن الإمام أحمد.
قال ابن رجب في القواعد: «ويتخرج له - أي للإمام أحمد - قول آخر: أن المنهي عنه حقيقة الربح دون البيع بالثمن الذي اشتراه به، فإنه منع في رواية من إجارة المنافع المستأجرة إلا بمثل الأجرة؛ لئلا يربح فيما لم يضمن» (١).
قال ابن تيمية: «للمستأجر أن يؤجرها بمثل الأجرة، وإنما تنازعوا في إيجارها بأكثر من الأجرة؛ لئلا يكون ذلك ربحًا فيما لا يضمن، والصحيح جواز ذلك؛ لأنها مضمونة على المستأجر؛ فإنها إذا تلفت مع تمكنه من الاستيفاء كانت من ضمانه ولكن إذا تلفت قبل تمكنه من الاستيفاء لم تكن من ضمانه» (٢).
القول الثالث:
لا يجوز للمستأجر أن يؤجر العين المستأجرة مطلقًا، وهو قول مرجوح في مذهب الحنابلة.
قال ابن قدامة: «ذكر القاضي فيه رواية أخرى أنه لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ربح ما لم يضمن، والمنافع لم تدخل في ضمانه.
ولأنه عقد على ما لم يدخل في ضمانه، فلم يجز كبيع المكيل والموزون قبل قبضه» (٣).
وقد ذكرنا أدلة القوم في سندات الإجارة من المجلد الثالث عشر، فأغنى عن
стр. 3855
إعادته هنا، والحمد لله رب العالمين وقد رجحت جواز إجارة العين المستأجرة بشرطه، بحيث لا يتضمن العقد الثاني ضررًا على العين، ولو كان بأكثر مما استأجرها له؛ لأن من موجبات الإجارة تملك المنفعة المعقود عليها، والناس مسلطون على ما يملكون شريطة ألا يخل ذلك بأي من شروط الإجارة. والله أعلم.
* * *