← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.

стр. 3851

[م-٨٣٧] اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: عقده صحيح، ويكون موقوفًا على إجازة المالك. وهذا مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والقديم من قول الإمام

стр. 3852

الشافعي (١)، وأحمد في رواية عنه (٢)، اختارها ابن تيمية (٣)، وابن القيم (٤). القول الثاني: عقده باطل، وهو قول الشافعي في الجديد (٥)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٦)، واختيار ابن حزم (٧). وقد ذكرنا أدلتهم في عقد البيع فأغنى عن إعادته هنا. * * *

стр. 3853

المبحث الثاني في تأجير المستأجر لما استأجره [م-٨٣٨] إذا اشترط المالك على المؤجر أن يستوفي المنفعة بنفسه وألا يؤجرها لغيره لم يملك المستأجر تأجير ما استأجره وفاء للشرط. [م-٨٣٩] أما إذا لم يشترط عليه، وكان المستأجر يملك المنفعة مدة الإجارة، فهل يملك أن يؤجرها بمقتضى العقد؟ اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: للمستأجر الحق في تأجير العين المستأجرة للمالك ولغيره، وهذا مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والمعتمد عند الحنابلة (١).

стр. 3854

القول الثاني: له أن يؤجرها بمثل ما استأجرها به، أو أقل، ولا يؤجرها بأكثر حتى لا يربح فيما لم يضمن. وهذا القول رواية عن الإمام أحمد. قال ابن رجب في القواعد: «ويتخرج له - أي للإمام أحمد - قول آخر: أن المنهي عنه حقيقة الربح دون البيع بالثمن الذي اشتراه به، فإنه منع في رواية من إجارة المنافع المستأجرة إلا بمثل الأجرة؛ لئلا يربح فيما لم يضمن» (١). قال ابن تيمية: «للمستأجر أن يؤجرها بمثل الأجرة، وإنما تنازعوا في إيجارها بأكثر من الأجرة؛ لئلا يكون ذلك ربحًا فيما لا يضمن، والصحيح جواز ذلك؛ لأنها مضمونة على المستأجر؛ فإنها إذا تلفت مع تمكنه من الاستيفاء كانت من ضمانه ولكن إذا تلفت قبل تمكنه من الاستيفاء لم تكن من ضمانه» (٢). القول الثالث: لا يجوز للمستأجر أن يؤجر العين المستأجرة مطلقًا، وهو قول مرجوح في مذهب الحنابلة. قال ابن قدامة: «ذكر القاضي فيه رواية أخرى أنه لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ربح ما لم يضمن، والمنافع لم تدخل في ضمانه. ولأنه عقد على ما لم يدخل في ضمانه، فلم يجز كبيع المكيل والموزون قبل قبضه» (٣). وقد ذكرنا أدلة القوم في سندات الإجارة من المجلد الثالث عشر، فأغنى عن

стр. 3855

إعادته هنا، والحمد لله رب العالمين وقد رجحت جواز إجارة العين المستأجرة بشرطه، بحيث لا يتضمن العقد الثاني ضررًا على العين، ولو كان بأكثر مما استأجرها له؛ لأن من موجبات الإجارة تملك المنفعة المعقود عليها، والناس مسلطون على ما يملكون شريطة ألا يخل ذلك بأي من شروط الإجارة. والله أعلم. * * *

стр. 3856

الفصل الثاني في شروط الإجارة المتعلقة في المنفعة الشرط الأول أن تكون المنفعة معلومة قال السرخسي: «المنفعة عرض يقوم بالعين» (١). وهي تشمل أمرين: أحدهما: منفعة الأعيان كالسكنى والركوب. والثاني: منفعة الأشخاص، كالبناء والخياطة والتعليم. [م-٨٤٠] ويشترط في المنفعة ما يشترط في المبيع، فلابد من العلم بالمنفعة قدرًا ووصفًا كسكنى الدار، أو خدمة الآدمي، فلا يجوز عقد الإجارة على منفعة مجهولة كما لو استأجر آلة لا يدري ما يعمل بها. قال الشيرازي: «ولا تصح الإجارة إلا على منفعة معلومة القدر؛ لأنا بينا أن الإجارة بيع، والبيع لا يصح إلا في معلوم القدر، فكذلك الإجارة، ويعلم مقدار المنفعة بتقدير العمل أو بتقدير المدة ... » (٢). والدليل على اشتراط ذلك، أدلة كثيرة، منها: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء:٢٩].

стр. 3857

فاشترطت الآية الرضا، والرضا لا يتعلق إلا بمعلوم. ومنها: النهي عن بيع الغرر، وهو أصل متفق عليه في الجملة (ح ـ ٥٦٣) لما رواه مسلم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر (١). ولمعرفة المنفعة طريقان: أحدهما: تقدير المنفعة بالمدة كاستئجار الدار سنة. والثاني: تقدير المنفعة بالعمل كخياطة ثوب معين، وحمل شيء معلوم إلى مكان معين (٢). وهل يصح تقدير المنفعة بالزمن والعمل معًا، كأن يقول المستأجر للأجير: خط هذا الثوب في هذا اليوم؟ في ذلك خلاف بين العلماء سيأتي تحريره إن شاء الله تعالى عند الكلام على بيان مدة الإجارة.

стр. 3858

الشرط الثاني أن تكون المنفعة متقومة [م-٨٤١] جرى خلاف بين الحنفية والجمهور هل المنافع متقومة بنفسها أم لا؟ فالحنفية يرون أن المنافع ليست بأموال متقومة (١)، خلافًا لمذهب الجمهور، وقد فصلت أدلتهم في عقد البيع فأغنى عن إعادته. ويقصد الفقهاء بالمتقومة: أي ما لها قيمة شرعًا، واحترز بذلك من أمرين: (١) ـ ما كانت منفعته محرمة، لأن المنفعة المحرمة لا قيمة لها شرعًا، فوجودها كعدمها، وقد جعلنا إباحة المنفعة شرطًا مستقلًا لأهميته. (٢) ما لا قيمة له لقلته أو لتفاهته، فلا يجوز بذل المال في مقابلته. قال القرافي: «متى اجتمعت في المنفعة ثمانية شروط ملكت بالإجارة .... الثالث: كون المنفعة متقومة احترازًا من التافه الحقير الذي لا يقابل بالعوض ..... » (٢). وقال في مغني المحتاج: «ويشترط كون المنفعة متقومة، لم يرد بالمتقومة هنا مقابلة المثلية، بل ما لها قيمة ليحسن بذل المال في مقابلتها، كاستئجار دار للسكنى والمسك والرياحين للشم، فإنها إذا لم تكن لها قيمة إما لحرمتها، أو لخستها، أو قلتها يكون بذل المال في مقابلتها سفهًا وتبذيرًا» (٣).

стр. 3859

وجاء في مطالب أولي النهى: «وأن يكون متقومًا بخلاف نحو تفاح لشم» (١). وقد يطلق الفقهاء بدلًا من كلمة المتقومة عبارة (منافع مقصودة)، وهما بمعنى واحد؛ لأن التقوم تارة يكون شرعيًا، وتارة يكون عرفيًا. جاء في درر الحكام شرح مجلة الأحكام: «ولا يكفي لصحة الإجارة أن تكون المنفعة مقصودة للمستأجر، بل لا بد أن يكون فيها منفعة مقصودة في الشرع، وفي نظر العقلاء» (٢). فالمنافع المحرمة ليست متقومة من جهة الشارع. والمنافع المهملة التي ترك الناس الانتفاع بها في عصر أو بلد ليست متقومة عرفًا. وسوف نتناول إن شاء الله تعالى بعض المسائل الذي جرى فيها خلاف هل هي متقومة أو لا؟ في المباحث التالية. * * *

стр. 3860

المبحث الأول استئجار الأشجار لتجفيف الثياب [م-٨٤٢] الجمهور متفقون على اشتراط أن تكون المنفعة متقومة لكنهم يختلفون في جواز الإجارة ومنعها في فروع لاختلافهم هل المنفعة فيها متقومة أم لا؟ من ذلك: استئجار الشجر لتجفيف الثياب عليها: فإذا استأجر شخص حبلًا ليجفف الثياب عليه صح قولًا واحدًا؛ لأن ذلك منفعة مقصودة منه (١). وإذا استأجر أحدهم شجرة ليجفف الثياب عليها، فقد اختلف العلماء في صحة هذه الإجارة على قولين. وسبب الاختلاف: اختلافهم في كون المنفعة متقومة أو غير متقومة. القول الأول: لا يجوز، وهو مذهب الحنفية (٢)، وأحد القولين في مذهب المالكية اختاره ابن القاسم (٣)، وأحد الوجهين في مذهب الشافعية رجحه الشيرازي (٤).

стр. 3861

يقول الكاساني: «ومنها أن تكون المنفعة مقصودة يعتاد استيفاؤها بعقد الإجارة، ويجري بها التعامل بين الناس، فلا يجوز استئجار الأشجار لتجفيف الثياب عليها .... لأن هذه منفعة غير مقصودة من الشجر» (١). وقد علل الشيرازي المنع: بأن الأشجار لا تراد لذلك، فكان بذل العوض في ذلك من السفه، وأخذ العوض عنه من أكل أموال الناس بالباطل، ولأنه لا يضمن منفعتها بالغصب فلم يضمن بالعقد (٢). القول الثاني: يجوز، وهو المعتمد عند المالكية، وأحد الوجهين في مذهب الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (٣). جاء في التاج والإكليل «في إجارة الأشجار لتجفيف الثياب قولان، ولا أعرف المنع، ومقتضى المذهب الجواز كإجارة مصب مرحاض، وحائط لحمل خشب» (٤). وقال النووي: «وفي إجارة الأشجار لتجفيف الثياب عليها، والوقوف في ظلها، وربط الدواب فيها الوجهان. قال بعضهم: الأصح هنا الصحة؛ لأنها منافع مهمة» (٥).

стр. 3862

وصحح ذلك الماوردي إن كان ذلك مقصودًا عرفًا. جاء في الحاوي الكبير: «وإن استأجر ذلك لمنفعة تستوفى مع بقاء العين كالاستظلال بالشجر، أو ربط مواش إليها، فذلك ضربان: أحدهما: أن يكون هذا غالبًا فيها، ومقصودًا من منافعها، فتصح الإجارة عليها. الثاني: أن يكون نادرًا غير مقصود في العرف فيكون على ما مضى من الوجهين» (١). وجاء في أسنى المطالب: «ولو استأجر الشجرة لظلها ... الخ أو لتجفيف الثياب عليها قال الأسنوي: لقائل أن يقول كيف يتصور الخلاف في استئجار الشجرة للوقوف في ظلها؛ لأن الأرض التي يقف فيها المستأجر إن كانت رقبتها أو منفعتها له فليس لصاحب الشجرة منعه من الوقوف فيها، وهو واضح، وإن كانت مباحة فكذلك، وإن كانت لصاحب الشجرة فالاستئجار في هذه الحالة صحيح بلا خلاف؛ لأنه استئجار على الاستقرار في هذه الأرض فما صورة الخلاف؟ وجوابه أن يقال: يتصور فيما إذا كانت الأرض المذكورة مباحة، أو للمستأجر وكانت الأغصان مائلة إلى ملك صاحب الشجرة، وأمكن تمييلها إلى الأرض المذكورة، فاستأجرها للوقوف في ظلها ليميلها إلى جهته، وكذلك إذا كانت الأغصان مائلة إلى الأرض التي يقف فيها المستأجر، فاستأجرها ليمتنع المالك من قطعها» (٢).

стр. 3863

وجاء في كشاف القناع: «(ويجوز استئجار الشجرة ليجفف عليها الثياب أو لبسطها أي الثياب عليها أي الشجرة ليستظل بظلها; لأنه منفعة مباحة مقصودة يمكن استيفاؤها مع بقاء العين فجاز استئجارها لها كالحبال، والخشب والشجر المقطوع» (١). الراجح: القول بالجواز، والله أعلم. * * *

стр. 3864

المبحث الثاني استئجار المشمومات لشمها [م-٨٤٣] اختلف الفقهاء في حكم استئجار المشمومات لشمها على قولين: القول الأول: لا يجوز، وهذا مذهب الحنفية والمالكية (١)، واختاره إمام الحرمين من الشافعية (٢). وعلل الكاساني المنع بكون الشم ليس منفعة مقصودة، ولكونه لا يعتاد استيفاؤها بعقد الإجارة (٣). وعلل السرخسي المنع بأن «من اشتم مسك غيره لا يضمن شيئًا؛ لأن الرائحة ليست بمنفعة، ولكنها بخار يفوح من العين كدخان الحطب، ولهذا لا يملك بعقد الإجارة حتى لو استأجر مسكًا ليشمه لا يجوز، ولا يضمن بالعقد صحيحًا كان أو فاسدًا» (٤). وعلل إمام الحرمين المنع بأن الشم وإن كان منفعة فليست من المنافع التي تبذل عليها الأموال (٥).

стр. 3865

القول الثاني: يجوز، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة (١). وعللوا الجواز بكون شم الرائحة الطيبة منفعة مباحة مقصودة، فجاز بذل المال في تحصيلها. قال النووي: «نصوا على جواز استئجار المسك والرياحين للشم ... » (٢). وجاء في نهاية الزين: «ولا يصح إلا في منفعة متقومة أي لها قيمة؛ ليحسن بذل المال في مقابلتها كاستئجار ريحان للشم وطائر للأنس بصوته أو لونه، وشجرة للاستظلال بظلها» (٣). وجاء في كشاف القناع: «ويجوز استئجار ما يبقى من الطيب كالعنبر والصندل، وقطع الكافور ونحوه، كمسك للشم مدة معينة ثم يرده؛ لأنها منفعة مباحة أشبهت استئجار الثوب للبس مع أنه لا ينفك من إخلاق» (٤). و الراجح القول بالجواز؛ لأن التلذذ بشم الرائحة الطيبة منفعة مباحة مقصودة، فجاز بذل المال في مقابلها، والله أعلم. * * *

стр. 3866

المبحث الثالث في استئجار الرجل ما يجمل به حانوته وبيته [م-٨٤٤] إذا استأجر الرجل ما يجمل به حانوته من دراهم أو دنانير أو ثياب أو أطعمة فهل يجوز ذلك؟ اختلف الفقهاء في ذلك على قولين: القول الأول: لا يجوز؛ لأن هذه المنافع ليست مقصودة من هذه الأعيان، وهذا مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). جاء في البحر الرائق: «لو استأجر دابة ليجنبها، ولا يركبها، أو ليربطها على باب داره؛ ليري الناس أن له فرسًا، فالإجارة فاسدة، ولا أجر له، وقيد باللبس في الثوب؛ لأنه لو استأجر ثوبًا ليزين بيته به، أو حانوته فالإجارة فاسدة، ومن هذا النوع ما إذا استأجر آنية يصفها في بيته يتجمل بها، ولا يستعملها، أو دارًا لا يسكنها لكن ليظن الناس أن له دارًا، أو عبدًا على ألا

стр. 3867

يستخدمه، أو دراهم يضعها كذا في الخلاصة. ووجهه أن هذه المنفعة ليست مقصودة من العين» (١). وقال الجصاص: «لم يجيزوا استئجار الدراهم والدنانير؛ لأنها قرض، فكأنه استقرض دراهم على أن يرد عليه أكثر منها» (٢). وقد يقال: هناك فرق بين القرض وبين الإجارة، فالقرض تمليك للعين على أن يرد بدلها، وفي الإجارة لم يملك العين. ولو قيل: إن المنع من أجل أن الباعث على الإجارة هو المفاخرة والمباهاة الكاذبة، وليس الانتفاع المشروع من هذه الأعيان، ولأن المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور. وجاء في الإقناع في فقه الإمام أحمد: «ولا تصح إجارة ما يجمل به دكانه من نقد وشمع ونحوهما، ولا طعام ليتجمل به على مائدته ثم يرده؛ لأن منفعة ذلك غير مقصودة» (٣). القول الثاني: يجوز الانتفاع بها، أجازه القاضي أبو بكر من المالكية (٤)، وهو قول مرجوح في مذهبي الشافعية، والحنابلة (٥). قال ابن رشد: «ومن هذا الباب اختلاف المذهب في إجارة الدراهم والدنانير .... فقال ابن القاسم: لا يصح إجارة هذا الجنس، وهو قرض.

стр. 3868

وكان أبو بكر الأبهري وغيره يزعم أن ذلك يصح، وتلزم الأجرة فيه. وإنما منع من إجارتها؛ لأنه لم يتصور فيها إلا بإتلاف عينها. ومن أجاز إجارتها تصور فيها منفعة مثل أن يتجمل بها، أو يتكثر، أو غير ذلك مما يمكن أن يتصور في هذا الباب» (١). وقال في تكملة المجموع: «واختلفوا في استئجار الدراهم والدنانير ليجمل بها الدكان .... فمنهم من قال: يجوز؛ لأنه منفعة مباحة فجاز الاستئجار لها كسائر المنافع. ومنهم من قال: لا يجوز، وهو الصحيح؛ لأن الدراهم والدنانير لا تراد للجمال» (٢). الراجح: أن استئجار الشيء للتزين به، إن كان التزين مشروعًا كانت إجارة مثل هذه الأشياء مشروعة، ولذلك قال تعالى ممتنًا على عباده: ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل:٨]، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]. وإن كان التزين للمفاخرة والمباهاة، وإظهار الملاءة والغنى فهذا لا يجوز، والله أعلم. * * *

стр. 3869

الشرط الثالث أن تكون المنفعة مباحة الاستيفاء بلا حاجة [م-٨٤٥] بينا في الشروط السابقة أنه يشترط في الإجارة أن تشتمل على منفعة ذات قيمة مقصودة، وهنا يضاف قيد آخر، وهو أن تكون المنفعة مباحة الاستيفاء بلا حاجة، وهذا القيد أخرج شيئين: الأول: أخرج الأعيان التي يباح الانتفاع بها بقيد الضرورة، فلا يجوز عقد الإجارة عليها. الثاني: كذلك أخرج الأعيان التي يباح الانتفاع بها بقيد الحاجة كالكلب للصيد والحراسة. فلا بد أن يكون الانتفاع مأذونًا به شرعًا مطلقًا بلا قيد الحاجة ولا الضرورة، فإذا كانت الإجارة لا تصح على ما لا نفع فيه، فكذلك لا تصح على ما فيه نفع محرم، كالنياحة، وعصر الخمر، واستئجار القراء للقراءة على روح الميت، واستئجار السحرة والكهان والعرافين ونحوها. قال تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النور: ٣٣]. قال ابن كثير: «كان أهل الجاهلية إذا كان لأحدهم أمة أرسلها تزني، وجعل عليها ضريبة يأخذها منها كل وقت، فلما جاء الإسلام نهى الله المؤمنين عن ذلك، وكان سبب نزول هذه الآية الكريمة فيما ذكر غير واحد من المفسرين من السلف والخلف في شأن عبد الله بن أبي بن سلول، فإنه كان له إماء فكان يكرههن على البغاء طلبًا لخراجهن» (١).

стр. 3870

ولذلك قال تعالى: ﴿لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النور: ٣٣] أي أن هذا الفعل من الإكراه لأجل ما تكسبه هذه الأمة بفرجها، وهو متاع قليل يعرض، ثم يزول. (ح-٥٦٤) وروى البخاري من طريق الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي مسعود ﵁، قال: نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب، وحلوان الكاهن، ومهر البغي (١). (ح-٥٦٥) وروى البخاري في صحيحه من طريق أبي حازم، عن أبي هريرة ﵁ قال: نهى النبي ﷺ عن كسب الإماء (٢). فدل على أن المنفعة المحرمة لا قيمة لها شرعًا، ولا يجوز للمسلم تحصيل المنافع المحرمة، ولا بذل المال في سبيل ذلك، فالخمر فيه منافع بنص القرآن: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩] ومع ذلك يحرم تحصيل هذه المنافع؛ لأن الإثم أكبر من النفع.

стр. 3871

المبحث الأول في استجار الكلب لصيد أو حراسة قال الزركشي: ما جوز للحاجة لا يجوز أخذ العوض عليه (١). قال المرداوي: ما حرم بيعه حرم إجارته إلا الحر والحرة (٢). وقال العمراني: كل منفعة لا تضمن بالغصب لا يصح الاستئجار عليها (٣). [م-٨٤٦] اختلف العلماء في استئجار الكلب للصيد على قولين. القول الأول: لا يجوز، وهو مذهب الحنفية، والصحيح من مذهب الشافعية، والحنابلة (٤). القول الثاني: يجوز استئجار الكلب للصيد، وهو مذهب المالكية، واختيار ابن حزم (٥).

стр. 3872

تعليل من قال: لا يجوز: علل الحنفية المنع بأن المنفعة المطلوبة غير مقدورة الاستيفاء، إذ لا يمكن إجبار الكلب على الصيد (١). وعلل الشافعية المنع بأنها منفعة غير مملوكة، وإنما أبيحت للحاجة، كالميتة للمضطر. ولأنه لا قيمة لعين الكلب فكذا منفعته. وعلل الحنابلة المنع بأن الكلب حيوان محرم بيعه لخبثه، فحرمت إجارته، ولأن إباحة الانتفاع به لم تبح بيعه، فكذلك إجارته. وعلل الشافعية والحنابلة أيضًا بكون منفعة الكلب لا تضمن بالغصب، وكل منفعة لا تضمن بالغصب لا يصح الاستئجار عليها. تعليل من قال بالجواز: أن منفعة الكلب منفعة مباحة، فجاز استئجارها كسائر المنافع المباحة. ولأن عقد الإجارة يختلف عن البيع: ففي البيع يكون العقد واردًا على العين، وبيع عينه محرم. وفي عقد الإجارة يكون العقد واردًا على المنفعة، وهي مباحة. قال في أسنى المطالب: «إجارة الكلب للصيد فيه وجهان: قال الجبيلي: هما مبنيان على أن مورد الإجارة ماذا؟ إن قلنا: العين امتنعت، أو المنفعة صحت» (٢).

стр. 3873

واستدل ابن حزم على الجواز بالطريقة الظاهرية، وهو أن البيع غير الإجارة، وإنما نهي عن بيع الكلب، ولم ينه عن إجارته، وقياس الإجارة على البيع قياس باطل لو كان القياس حقًا، فكيف وهو كله باطل! لأنهم موافقون على إجارة الحر نفسه، وتحريمهم لبيعه (١). الراجح: القول بالمنع، وذلك أن منفعته لا يجوز تملكها بالبيع، فلم يجز تملكها بالإجارة، غاية ما فيه أن التملك مؤبد في عقد البيع، ومؤقت في عقد الإجارة، وهذا ليس فرقًا جوهريًا يبيح بذل العوض في عقد الإجارة، والله أعلم. * * *

стр. 3874

المبحث الثاني في إجارة الدور والمحلات لغرض محرم الأصل في كل عقد أن يكون الباعث عليه مباحًا ما لم يقم الدليل على غير ذلك، فإن قام الدليل على أن الباعث على العقد غير مشروع كان العقد محرمًا. [م-٨٤٧] إذا كان عقد الإجارة على عمل مباح، كأن تؤجر الدار لغرض السكنى، ثم يقوم المستأجر باتخاذ البيت للمعصية، فيشرب فيه الخمرة، أو يزني فيه، فالإجارة صحيحة؛ لأن الغرض من الإجارة مباح، وهو السكنى أو التجارة المباحة، فيملك المستأجر منفعة الدار، ولا تنفسخ بمعصية المستأجر؛ لأن العقد وارد على منفعة مباحة. وهذا بالاتفاق. جاء في حاشية ابن عابدين: «قال في لسان الحكام: لو أظهر المستأجر في الدار الشر، كشرب الخمر، وأكل الربا، والزنا، واللواطة يؤمر بالمعروف، وليس للمؤجر ولا لجيرانه أن يخرجوه، فذلك لا يصير عذرًا في الفسخ، ولا خلاف فيه للأئمة الأربعة. وفي الجواهر: إن رأى السلطان أن يخرجه فعل. ا هـ» (١). وجاء في المبسوط: «ولا بأس أن يؤاجر المسلم دارًا من الذمي ليسكنها، فإن شرب فيها الخمر، أو عبد فيها الصليب، أو دخل فيها الخنزير لم يلحق المسلم إثم في شيء من ذلك؛ لأنه لم يؤاجرها لذلك، والمعصية في فعل المستأجر، وفعله دون قصد رب الدار فلا إثم على رب الدار في ذلك .... » (٢).

стр. 3875

وجاء في التاج والإكليل: «إذا ظهرت من مكتري الدار خلاعة، وفسق، وشرب خمر لم ينتقض الكراء، ولكن الإمام يمنعه من ذلك، ويكف أذاه عن الجيران ... » (١). ويقول الخرشي: «الإجارة لا تنفسخ بظهور المستأجر فاسقًا يشرب فيها الخمر، أو يزني، أو نحو ذلك .. » (٢). وجاء في تصحيح الفروع: «قال ابن أبي موسى: كره أحمد أن يبيع داره من ذمي، يكفر فيها، ويستبيح المحظورات، فإن فعل لم يبطل البيع، وكذا قال الآمدي .... » (٣). ولا فرق بين البيع والإجارة. ملحوظة: هناك تنبيهان: الأول: أن القول بعدم الفسخ لا يعني أن المؤجر ليس له أن يمنعه من فعل المعاصي، فإن هذا يطالب به المؤجر كما يطالب به غيره، وهو من قبيل إنكار المنكر الواجب، ولكن الكلام على استحقاق الفسخ بهذا الفعل. ولذلك جاء في شرح منتهى الإرادات: «وإن استأجر ذمي من مسلم دارًا، وأراد بيع الخمر بها فله منعه؛ لأنه محرم» (٤). وفي كشاف القناع: «ولو اكترى ذمي من مسلم دارًا ليسكنها، فأراد بيع الخمر فيها فلصاحب الدار منعه من ذلك؛ لأنه معصية» (٥).

стр. 3876

التنبيه الثاني: إن كان المؤجر يعلم أن المستأجر يريد البيت لفعل المعاصي إما لمعرفته بحاله، أو لوجود القرائن، ففي هذه المسألة خلاف بين أهل العلم، وهي ترجع إلى مسألة سبق بحثها في كتاب البيع، وهو ما إذا كان العقد في نفسه مشروعًا، وكان الباعث على العقد غير مشروع كبيع العصير لمن يتخذه خمرًا، فاستئجار البيت مشروع، ولكن استئجاره ليباع فيه الخمر، أو يتخذ محلًا للدعارة غير مشروع، فهل تحرم الإجارة نظرًا لأن الباعث على هذا الفعل غير مشروع، أو لا تحرم باعتبار أن الإجارة أصلها مباح، والباعث نية في قلب العاقد، لا أثر لها في صحة العقد أو بطلانه. [م-٨٤٨] في هذه المسألة ثلاثة أقوال: القول الأول: لا يصح العقد مطلقًا، وهذا مذهب المالكية (١)، والحنابلة (٢). القول الثاني: يصح مطلقًا إذا لم ينص في العقد على الفعل المحرم، وأما العقد فهل يحرم أو يكره قولان في مذهب الشافعية (٣).

стр. 3877

القول الثالث: القول بالتفصيل: إن كانت العين المؤجرة أو المبيعة تستعمل للمعصية بعينها فإن العقد محرم، وإن كانت العين لا تستعمل للمعصية بعينها، وإنما بفعل المستأجر لم يحرم العقد. فبيع العنب لمن يعصره خمرًا حلال؛ لأن العنب نفسه لا معصية فيه، وإنما المعصية بفعل المستأجر. ومثله يجوز بيع الحديد في زمن الفتنة لمن يصنعه سلاحًا لقتل مظلوم. وأما بيع السلاح لمن يقتل به ظلمًا فلا يجوز؛ لأن المعصية تستعمل بعين السلاح. وعليه فقد اختار أبو حنيفة أن الشخص لو آجر نفسه ليعمل في بناء كنيسة، أو ليحمل خمر الذمي بنفسه، أو على دابته أو ليرعى له الخنازير أو آجر بيتًا ليتخذ بيت نار (معبد مجوسي) أو كنيسة أو بيعة (١) أو يباع فيه الخمر جاز له

стр. 3878

ذلك عند أبي حنيفة؛ لأنه لا معصية في عين العمل وإنما المعصية بفعل المستأجر وهو فعل فاعل مختار كشربه الخمر وبيعها. وعلل الحنفية ذلك بأن الإجارة ترد على منفعة البيت ونحوه، ولهذا تجب الأجرة بمجرد التسليم ولا معصية فيه وإنما المعصية بفعل المستأجر وهو مختار فيه فقطع نسبته عنه. ويرى الصاحبان كراهة ذلك؛ لما فيه من الإعانة على المعصية. بل أجاز أبو حنيفة عفى الله عنه بيع الجارية لمن لا يستبرئها أو يأتيها من دبرها، وبيع الغلام من لوطي (١). وقد طرح بعض الحنفية هذا الضابط: وهو أن ما قامت المعصية بعينه يكره بيعه تحريمًا (كبيع السلاح من أهل الفتنة) وما لم تقم بعينه يكره تنزيهًا (٢). وقد ذكرنا أدلتهم في كتاب البيع تحت عنوان: بيع العنب لمن يعصره خمرًا، وبيع السلاح في زمن الفتنة فأغنى ذلك عن تكراره هنا. * * *

стр. 3879

الشرط الرابع أن تقع الإجارة على المنفعة لا على استهلاك العين الفرع الأول استهلاك العين في عقد الإجارة أصالة جاء في الهداية: «عقد الإجارة لا ينعقد على إتلاف الأعيان مقصودًا». قال الماوردي: ما لم يصح الانتفاع به مع بقاء عينه لم تصح إجارته (١). وقال الحطاب: الأعيان تملك بالبيع والمنافع بالإجارة (٢). وقال ابن القيم: ما جاز أن يستوفى بالعارية جاز أن يستوفى بالإجارة (٣). وقال ابن تيمية: الفوائد التي تستخلف مع بقاء أصولها تجري مجرى المنافع (٤). [م-٨٤٩] إذا كان استهلاك العين في عقد الإجارة مقصودًا بالأصالة وليس على وجه التبع، كأن يستأجر شاة للبنها، أو يستأجر شجرة لثمرتها، ومثله أن يستأجر الشمع ليستعمله، والصابون ليغسل فيه، فهل تصح الإجارة؟ اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال. القول الأول: لا يصح، وهو قول جمهور الفقهاء، واختيار ابن حزم (٥).

стр. 3880

قال ابن حزم: ولا يجوز إجارة ما تتلف عينه أصلًا، مثل الشمع للوقيد، والطعام للأكل، والماء للسقي به، ونحو ذلك؛ لأن هذا بيع لا إجارة، والبيع هو تملك العين، والإجارة لا تملك بها العين» (١). القول الثاني: لا يصح أن يستأجر الشجر لأخذ ثمره، ولا استئجار شاة أو شاتين للبن، ويجوز إجارة القطيع من ذوات اللبن للحلب بشروطه (٢)، ويجوز استئجار البقرة للحرث واشتراط لبنها، واستئجار الشجر للتجفيف، واشتراط ثمرتها، وهذا مذهب المالكية (٣). والحق أن مذهب المالكية لا يختلف عن مذهب الجمهور: فهم لا يجيزون مطلقًا أن يستأجر الشجر من أجل الثمرة، وهذا متفق مع مذهب الجمهور. ولا يجيزون استئجار شاة أو شاتين من أجل اللبن، وهو متفق مع الجمهور أيضًا.

стр. 3881

ويجيزون استئجار البقرة للحرث، واشتراط لبنها، فيكون اللبن تابعًا، وهو متفق مع الجمهور. أما جوازهم شراء اللبن من القطيع، في وقت الإبان إلى أجل لا ينقضي اللبن قبله، فهم يعدون هذا من السلم، وباب السلم هو بيع عين موصوفة، وليس من الإجارة في شيء. لذلك ستكون أدلة الجمهور في المنع هي أدلة المالكية، وسنذكرها قريبًا إن شاء الله تعالى. القول الثالث: يجوز استئجار الشجر من أجل الثمر، والشاة من أجل اللبن، واستئجار الشمع ليوقده، والصابون ليغسل فيه، وهو قول ابن تيمية وابن القيم (١)، وأجاز الشافعية استئجار قناة أو بئر للانتفاع بمائها (٢). دليل من قال: لا يجوز: الدليل الأول: أن إطلاق الإجارة على هذا العقد فيه تجوز؛ لأنه ليس فيه بيع منفعة، وإنما فيه بيع عين. يقول الحطاب: «الأعيان تملك بالبيع والمنافع بالإجارة» (٣).

стр. 3882

ونوقش هذا: بأن هناك فرقًا بين بيع العين وبين إجارة منفعة العين وإن كانت المنافع أعيانًا، فاللبن إن كان يحصل بعلف المالك فهو من قبيل بيع الأعيان، وإن كان يحصل بعلف المستأجر والمستأجر هو الذي يقوم على الدابة فإنه من قبيل استئجار الدابة لا غير (١). الوجه الثاني: أن استئجار الشجر لثمرها والشاة للبنها يؤدي إلى بيع الشيء قبل وجوده، وهذا لا يجوز. ونوقش هذا: بأن هناك فرقًا بين بيع ثمرة الشجرة فالعقد واقع على بيع العين، وهي لم تخلق بعد، ولا علاقة للمشتري بالشجر، وبين استئجار الشجر للثمار فهو عقد على عين موجودة معلومة لينتفع بها في سائر وجوه الانتفاع، وتدخل الثمرة تبعًا، وإن كان هو المقصود، كما قلتم في نقع البئر ولبن الظئر أنه يدخل تبعًا، وإن كان هو المقصود، فالمستأجر يتسلم الشجر، فيخدمها، ويقوم عليها، وفي البيع يقوم البائع على الشجر، ويخدمها، وليس للمشتري الانتفاع بظلها، ولا رؤيتها، ولا نشر الثياب عليها (٢). دليل من قال بالجواز: الدليل الأول: القياس على الظئر، فإجارة الظئر ثابتة بالنص، قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ

стр. 3883

فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، فيقاس عليه جواز إجارة الشاة للبنها، والشجرة لثمرها. ونوقش هذا الاستدلال: بأن الجمهور يرى أن المعقود عليه هو الإرضاع لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ﴾ [الطلاق: ٦] فعلق الأجرة بفعل الإرضاع لا باللبن، واللبن مستحق تبعًا، فالمرضع تحمل الطفل، وتضعه في حجرها، وتلقمه ثديها، وتعصره بقدر الحاجة، ويدخل في ذلك اللبن الذي يمصه الصبي (١). وتعقب هذا: أنكر ابن القيم أن يكون المعقود عليه غير اللبن، وقال: الله يعلم ثم العقلاء قاطبة أن الأمر ليس كذلك، وأن وضع الطفل في حجرها ليس مقصودًا أصلًا، ولا ورد عليه عقد الإجارة لا عرفًا، ولا حقيقة، ولا شرعًا، ولو أرضعت الطفل، وهو في حجر غيرها أو في مهده لاستحقت الأجرة، ولو كان المقصود إلقام الثدي المجرد لاستؤجر له أي امرأة لها ثدي، ولو لم يكن فيها لبن، فهذا هو القياس الفاسد، فكيف يقال: إن إجارة الظئر على خلاف القياس، ويدعي أن هذا هو القياس الصحيح (٢). وأجيب على هذا: ربما جوز هذا لمسيس الحاجة إلى هذه المعاملة، أو للضرورة، والله أعلم.

стр. 3884

ورد هذا: بأن الجواز مطلق، وليس مقيدًا بالحاجة فضلًا أن يقيد بالضرورة. الدليل الثاني: أن الفوائد التي تستحق مع بقاء أصولها تجري مجرى المنافع وإن كانت أعيانًا كثمر الشجر، ولبن الآدميات، والصوف والماء العذب، فإنه كلما خلق من هذه شيء فأخذ، خلق الله بدله مع بقاء الأصل كالمنافع سواء. ونوقش هذا: بأن هناك فرقًا بين المنفعة والعين، فالمنفعة عرض لا تقوم بنفسها، ولا يتصور بقاؤها، بخلاف العين فإنها تقوم بنفسها، وتبقى، وكون العين تحدث شيئًا فشيئًا لا يلحقها بالمنافع. الدليل الثالث: القياس على إجارة الأرض لما نبت فيها من الكلأ والشوك، وهو عين. الدليل الرابع: أن حصول اللبن بعلف المستأجر وخدمته كحصول المغل ببذره وخدمته، ولا فرق بينهما، فإن تولد اللبن من العلف كتولد المغل من البذر. الدليل الخامس: إذا كان يجوز للمالك أن يمنح الشاة غيره مدة معلومة لأجل لبنها، وهي باقية على ملك المانح فتجري منحتها مجرى إعارتها، والعارية إباحة المنافع، وكذلك يجوز له أن يوقف الشجر للانتفاع بثمرته، وحق الواقف إنما هو في منفعة الموقوف، فإذا كان اللبن والثمر يجرى مجرى المنافع في العارية والوقف جرى مجراها في الإجارة.

стр. 3885

قال ابن القيم: ما جاز أن يستوفي بالعارية جاز أن يستوفى بالإجارة، فإن موردهما واحد، وإنما يختلفان في التبرع بهذا، والمعاوضة على الآخر (١). الراجح من الخلاف: أرى أنه يفرق بين مسألتين: بين إجارة الشجر والشاة للبن، فيصح العقد إجارة، وبين إعطاء الشمع ليستهلكه، والصابون ليغسل فيه، فهذا بيع، وليس إجارة، والفرق واضح بين المسألتين، فإن استهلاك الثمرة واللبن لا يؤدي إلى استهلاك الأصل، فالعين باقية، وتكون الثمرة بمنزلة المنافع، بخلاف الشمع، فإن العين تستهلك، وتفنى، فيكون العقد بيعًا، والله أعلم. * * *

стр. 3886

الفرع الثاني استهلاك العين في عقد الإجارة تبعًا جاء في الهداية: «عقد الإجارة لا ينعقد على إتلاف الأعيان مقصودًا». قوله (مقصودًا) قيد أخرج به إتلاف الأعيان تبعًا فيجوز. [م-٨٥٠] إذا كان استهلاك العين في عقد الإجارة تبعًا، وليس أصالة، كالتعاقد مع الصباغ أو الخياط ليصبغ، أو يخيط الثوب، ويكون الصبغ والخيوط من عنده، وكالتعاقد مع الناسخ لينسخ كتابًا على أن يكون الحبر من عنده. فهذه الأعيان وإن كانت تستهلك بالإجارة فقد جاز عقد الإجارة عليها لكونها غير مقصودة أصالة، وإنما تدخل في العقد تبعًا إما بالشرط أو بالعرف (١). وقد أجاز مالك أن يكتري البقرة للحرث، ويشترط حلابها (٢).

стр. 3887

الشرط الخامس أن تكون المنفعة مقدورًا على تسليمها [م-٨٥١] القدرة على التسليم في باب الإجارة يقصد منه أكثر مما يقصد منه في البيع، ففي البيع يكفي في التسليم التخلية، بينما في الإجارة تنقسم القدرة على التسليم إلى قسمين: القسم الأول: القدرة الحسية، وذلك يكون بأمور منها: (أ) التخلية: أي رفع الموانع بين المستأجر وبين العين المستأجرة على الوجه الذي يتمكن به من الانتفاع بها، فتسليم المنازل يكون بالتخلية بينه وبينها، وتسليم السيارات يكون بتسليم مفاتيحها. (ب) يلزم المؤجر أن يقوم بكل ما يلزم ليتم تمكين المستأجر من الانتفاع بالعين المؤجرة، كإيصال الكهرباء، والتصريف الصحي. (جـ) أن يمتنع عن كل ما يفضي إلى حرمان المستأجر من الانتفاع التام. (د) أن يستدام الانتفاع بعد التسليم إلى انتهاء العقد، فعلى المؤجر أن يمنع غيره من أن يتعرض للمستأجر فيحول بينه وبين الانتفاع، فلو تعرضت العين المؤجرة لآفة سماوية أفسدت المنفعة انفسخ العقد، أو تعرضت العين المؤجرة للغصب، كان المؤجر مطالبًا برفع يد الغاصب، فإن لم يستطع كان للمستأجر حق الفسخ فيما بقي، وسوف يأتي بسط هذه المسألة في باب ضمان العين المؤجرة. قال ابن قدامة: «إذا اكترى أرضًا للزرع، فانقطع ماؤها، أو دارًا فانهدمت

стр. 3888

انفسخ العقد في أحد الوجهين؛ لأن المنفعة المقصودة منها تعذرت، فأشبه تلف العبد، والآخر لا ينفسخ؛ لأنه يمكن الانتفاع بها كالسكنى في خيمة، أو يجمع فيها حطبًا أو متاعًا لكن له الفسخ؛ لأنها تعيبت» (١). (هـ) لا يكفي تسليم المحل فقط، بل لا بد من القدرة على تسليم المنفعة المعقود عليها في عقد الإجارة. فلا يصح إجارة بهيمة زمنة لحمل، ولا أرض لا تنبت للزرع، ولا أمي للكتابة، ولا أعمى لما يشترط له الإبصار. لأن الإجارة عقد على المنفعة، ولا يمكن تسليم المنفعة من هؤلاء. جاء في حاشية تبيين الحقائق: «كل عقد لا تثبت القدرة فيه على تسليم المعقود عليه يفسد كإجارة العبد الآبق، والمبيع قبل القبض، وإجارة الأرض السبخة التي لا تنبت للزراعة» (٢). وجاء في مواهب الجليل: «(قدر على تسليمها) قال القرافي: احترز من استئجار الأخرس للكلام، والأعمى للإبصار، وأرض الزراعة لا ماء لها قطعًا، ولا غالبًا» (٣). وجاء في حاشيتي قليوبي وعميرة: «لا يصح استئجار .... أعمى للحفظ: أي حفظ المتاع، وأرض للزراعة لا ماء لها دائم، ولا يكفيها المطر المعتاد» (٤). وجاء في المغني: «نقل إبراهيم الحربي عن أحمد أنه سئل عن الرجل

стр. 3889

يكتري الديك يوقظه لوقت الصلاة: لا يجوز; وذلك لأن ذلك يقف على فعل الديك ولا يمكن استخراج ذلك منه بضرب ولا غيره وقد يصيح وقد لا يصيح وربما صاح بعد الوقت» (١). كل ما ذكرناه سابقًا يتعلق بالقدرة الحسية على التسليم، وهي محل اتفاق بين الفقهاء كما نقلنا، وهناك قدرة أخرى لا بد منها، وهي ما سوف نذكره في القسم الثاني. القسم الثاني: القدرة الشرعية على التسليم، فالعجز الشرعي كالعجز الحسي: فلا يجوز استئجار حائض لكنس المسجد، لتعذر ذلك شرعًا عند عامة الفقهاء، ولا يجوز استئجار كافر لعمل في الحرم، ولا يجوز الاستئجار على إخراج الجان، وحل المربوط، لعدم تحقق المنفعة، ولو خرج لم يؤمن العود، وإذا عاد قد يدعي مخرج الجان أن هذا جان آخر غير الأول (٢). وقد تنازع الفقهاء في بعض الصور، هل تعتبر مما يقدر على تسليمه أم لا؟ وسوف نبحث هذه المسائل في المباحث التالية إن شاء الله تعالى.

стр. 3890

المبحث الأول في إجارة الأراضي المغصوبة والأعيان المفقودة [م-٨٥٢] اختلف الفقهاء في إجارة الأراضي المغصوبة لغير غاصبها ممن لا يقدر على تخليصها، وكذا الأعيان المفقودة، كالشارد، والآبق على قولين. القول الأول: لا تصح الإجارة، وهو مذهب الجمهور (١). قال الكاساني في البدائع: «لا يجوز استئجار الآبق; لأنه لا يقدر على استيفاء منفعته حقيقة؛ لكونه معجوز التسليم حقيقة; ولهذا لم يجز بيعه ولا تجوز إجارة المغصوب من غير الغاصب كما لا يجوز بيعه من غيره; لما قلنا» (٢). القول الثاني: صحح ابن حزم بيع الجمل الشارد، والعبد الآبق، فكان مقتضاه صحة إجارة العين المفقودة؛ لأن ما جاز في البيع جاز في الإجارة (٣). وقد ذكرنا أدلة الجمهور، وأدلة ابن حزم في عقد البيع، عند الكلام على شروط المعقود عليه، فأغنى عن إعادته هنا، والحمد لله. * * *
следующие страницы →