والقول هنا بضرورة توافق الإرادتين غير ممكن إذ الدائن وقت وجود الالتزام غير معروف، وقد يكون الدائن غير موجود في الحال، ولكنه سيوجد في المستقبل، فلا يمكن الالتزام نحوه إلا بالإرادة المنفردة.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن هناك فرقًا بين العقد والالتزام، فالعقد لا ينعقد إلا بتوافق الإرادتين، وأما الالتزام فيقوم كل طرف على إرادته هو وحده، فالإيجاب ملزم وحده في حق من صدر عنه، حتى يرفضه من وجه إليه، أو ينشغلا عنه بما يقطعه، أو يتفرقا من المجلس قبل صدور القبول، فالكلام بأنه لابد من تطابق الإرادتين إنما هو في الكلام على انعقاد العقد بين الطرفين، ولزومه في حقهما معًا، مثله تمامًا من اعتبر الوعد بالبيع ملزمًا لصاحبه إذا صدر عنه، ولا ينعقد العقد إلا إذا صدر القبول من صاحب الحق، فقد يكون الإيجاب ملزمًا لصاحبه ولا يلزم منه انعقاد العقد، لكون صاحب الحق في التملك لم يقبل.
стр. 422
الراجح:
إذا أخذنا بخيار المجلس، وهو قد ثبت في أحاديث متفق على صحتها، لم يكن في رجوع الموجب قبل صدور القبول إشكال، لأن حقه في الرجوع قائم حتى بعد صدور القبول، وقبل التفرق، ولكن المالكية لا يرون خيار المجلس كما سيأتي بيان مذهبهم ومناقشته عند بحث المسألة إن شاء الله، بلغنا الله ذلك بمنه وكرمه.
وأما الاشتراط بأن يكون الإيجاب ملزمًا مدة معينة فربما هذا ليس بقول مستقل، وإنما يدخل في باب الشروط في البيع، كاشتراط البائع أو المشتري ما له فيه منفعة، وسوف يأتي
قال السنهوري:
«على أنه لا خلاف في الأمر إذا كان من صدر منه الإيجاب قد اتفق مع الطرف الآخر على أن يبقى ملتزمًا بإيجابه لا يعدل عنه مدة معينة فيكون التزام الموجب مستندًا إلى عقد تم بينه وبين الطرف الآخر، وهو غير العقد المزمع إبرامه، فإن هذا لا يتم إلا إذا اقترن القبول بالإيجاب» (١).
* * *
стр. 423
الشرط الثالث
هل يشترط تقدم الإيجاب على القبول؟
[م - ٧٠] هذه المسألة لا تأتي على مذهب الحنفية؛ لأن الإيجاب عندهم ما صدر أولًا سواء كان من البائع أو المشتري، والقبول ما صدر ثانيًا من أحدهما، وإنما هذه المسألة مفروضة على مذهب الجمهور القائلين بأن الإيجاب ما صدر من البائع، والقبول: ما صدر من المشتري، فإذا تقدم القبول على الإيجاب، وكان مجردًا من الاستفهام (١)، فهل ينعقد البيع عندهم؟
فقيل: ينعقد البيع مطلقًا، وهذا مذهب المالكية (٢)،
والشافعية (٣)، وقول في مذهب الحنابلة (٤).
стр. 424
وقيل: لا ينعقد مطلقًا، وهو قول في مذهب الحنابلة (١).
وقيل: إن تقدم بلفظ الماضي صح، وإن تقدم بلفظ المضارع لم يصح، وإن تقدم بلفظ الأمر، ففيه قولان، أشهرهما الصحة، وهذا ما عليه المتأخرون من الحنابلة (٢).
دليل من قال: ينعقد مطلقًا .
المطلوب في البيع هو حصول الرضا من الطرفين، فالبيع ليس له صيغة معينة يجب الالتزام بها، لأنه ليس من الأمور التعبدية التي لها ألفاظ توقيفيه لا يجوز التصرف فيها، ولذلك يصح البيع حتى بدون ألفاظ كما في بيع المعاطاة.
تعليل من قال: لا ينعقد مطلقًا .
التعليل الأول:
أن القبول رتبته التأخر، لأن القبول إنما يكون للإيجاب، فمتى وجد قبله لم يكن قبولًا.
التعليل الثاني:
القياس على النكاح، فالنكاح عند الحنابلة لا يجوز فيه تقدم القبول على الإيجاب، فكذلك البيع.
стр. 425
ويجاب:
لم يقم الدليل الصحيح على منع تقدم القبول على الإيجاب في النكاح حتى يصح قياس البيع عليه، ولو سلمنا الحكم في النكاح لم يكن القياس صحيحًا؛ لأن الاحتياط في باب النكاح أشد منه في باب البيوع.
تعليل من قال: لا ينعقد إذا تقدم بلفظ المضارع .
لم يقبل الحنابلة أن يكون القبول بصيغة المضارع ولو لم يتقدم على الإيجاب، فيكف إذا تقدم، يقول صاحب كشاف القناع: «لو قال البائع بعتك بكذا، فقال المشتري: أنا آخذه بذلك، لم يصح: أي لم ينعقد البيع؛ لأن ذلك وعد بأخذه» (١).
وهذا القول ضعيف، وإذا كان الحنابلة أجازوا كما سبق انعقاد البيع بصيغة الأمر؛ لدلالة العرف، فلماذا لا يجيزون المضارع للعلة نفسها، بل إن المضارع أولى بالقبول، فإن المضارع يدل على الحال والاستقبال، والأمر إنما يدل على الاستقبال فقط.
ولذلك جاء في شرح الخرشي: «المضارع دلالته على البيع والشراء أقوى من دلالة الأمر؛ لأنه يدل على الحال، بخلاف الأمر فإنه لا يدل عليه اتفاقًا» (٢).
الراجح: جواز تقدم القبول على الإيجاب مطلقًا، وسبق لنا التدليل على أن البيع يقع بما يدل على الرضا بأي صيغة كانت.
* * *
стр. 426
المبحث الأول
في تقدم القبول على الإيجاب في بيع المزايدة
تعريف المزايدة (١).
المزايدة اصطلاحًا: عرف السرخسي المزايدة: أن ينادي الرجل على سلعته بنفسه، أو بنائبه، ويزيد الناس بعضهم على بعض ... (٢).
وذكر نحوه ابن جزي في القوانين الفقهية (٣).
وعرفها النفراوي: بقوله: «أن يطلق الرجل سلعته في يد الدلال للنداء عليها فمن أعطى فيها ثمنًا لزمه إن رضي مالكها، وله أن لا يرضى، ويطلب الزيادة وهذا هو المعروف بين الناس اليوم» (٤).
وقوله: «فمن أعطى فيها ثمنًا لزمه» هذا بناء على مذهب المالكية في القول بعدم ثبوت خيار المجلس، وهو مرجوح كما سيأتي إن شاء الله تحريره.
هذا تعريف المزايدة، أما فيما يتعلق بالإيجاب والقبول في بيع المزايدة، وكيف نحددهما في مثل هذا النوع من التعاقد؟
стр. 427
فالذي ينبغي أن ننبه عليه أن طرح البضاعة في سوق المزاد لا يعتبر إيجابًا، لأن هذا الطرح هو مجرد عرض للبيع خال من الثمن،
وقد سبق لنا من خلال تعريف الإيجاب والقبول والذي توجهت له بالبحث في فصل مستقل أن هناك خلافًا بين الجمهور والحنفية في تعريف الإيجاب والقبول، فالحنفية يرون أن الإيجاب ما صدر أولًا، سواء كان اللفظ من البائع أو من المشتري، والقبول: ما صدر ثانيًا.
وأما الجمهور فيرون أن الإيجاب هو اللفظ الصادر من البائع، والقبول هو اللفظ الصادر من المشتري (١). وإذا كان الحال كذلك:
[م - ٧١] فمقتضى مذهب الحنفية أن يكون العطاء الذي يتقدم به المشتري وهو الإيجاب.
وإرساء المزاد يمثل القبول فيه، وبهذا ينعقد العقد.
وأما على مقتضى مذهب الجمهور فيكون الثمن المقدم من المشتري قبولًا متقدمًا على إيجابه، ويعد رسو المزاد من الإيجاب المتأخر على قبوله.
فإذا عرض المشتري ثمنًا للسلعة فإن هذا يعتبر قبولًا على مذهب الجمهور، ويعتبر إيجابًا على مذهب الحنفية، فإذا وقف النداء على أعلى ثمن قدم، ورضي البائع بالبيع فإن رضى البائع يعتبر إيجابًا متأخرًا على مذهب الجمهور، وقبولًا على مذهب الحنفية، والله أعلم.
وتكون هذه المسألة على قول الجمهور مبنية على جواز تقدم القبول على الإيجاب، والله أعلم.
стр. 428
والراجح من الخلاف، أن نقول: إن الخلاف في هذه المسألة خلاف اصطلاحي ليس له أثر فقهي اللهم إلا فيمن يخالف في تقدم القبول على الإيجاب في بعض الحالات، وهذه المسألة ليست منها، لأن الأئمة الأربعة قد اتفقوا على جواز مثل هذا البيع، وحكي فيها الإجماع، وسوف أعقد فصلًا خاصًا في حكم بيع المزايدة.
* * *
стр. 429
المبحث الثاني
سقوط الإيجاب في المزايدة
[م - ٧٢] إذا عرضت البضاعة في المزاد، فعرض المشتري ثمنًا فإنه يعتبر إيجابًا منه وهذا لا إشكال فيه، ولكن إذا زاد عليه مشتر آخر، فهل يعتبر هذا الإيجاب الجديد مسقطًا لما قبله، باعتبار أن العطاء الأكثر يجعل البائع يعرض عن العطاء الأقل، والإعراض عن الإيجاب يسقطه، أو يحق للبائع أن يفضل صاحب العطاء الأقل على صاحب العطاء الأكثر؟.
في هذه المسألة خلاف بين أهل العلم،
فقيل: البائع مخير في أن يمضيها لمن شاء ممن أعطى فيها، ولو زاد غيره عليه، وهذا مذهب المالكية.
يقول ابن رشد في البيان والتحصيل: «وهو - يعني البائع - مخير في أن يمضيها لمن شاء، ممن أعطى فيها ثمنًا، وإن كان غيره قد زاد عليه» (١).
وقيل: إذا زاد عليه غيره سقط إيجابه، وهو اختيار الأبياني من المالكية، وكان العمل عليه في أكثر البلاد.
وقال الحطاب: «بيع المزايدة يلزم كل من زاد في السلعة، ولو زاد غيره عليه خلافًا للأبياني.
وقد جرى العرف في مكة، وكثير من البلاد على ما قاله الأبياني» (٢).
стр. 430
تعليل المالكية:
لما عرض المتقدم عطاء لزمه ذلك العطاء، وليس وجود عطاء أكثر منه يعتبر إبراء له مما تقدم به.
يقول ابن رشد: «لأن حق صاحب السلعة أن يقول للذي أراد أن يلزمها إياه إن أبى من التزامها، وقال له: بع سلعتك من الذي زاد علي فيها؛ لأنك إنما طلبت الزيادة، وقد وجدتها: أنا لا أحب معاملة الذي زاد في السلعة عليك، وليس طلبي الزيادة فيها وإن وجدتها إبراء مني لك فيها» (١).
تعليل من قال: لا يلزمه .
أن العمل والعرف قد جرى في أكثر البلاد أن البيع لا يلزمه إذا زاد عليه غيره، والمعروف عرفًا كالمشروط شرطًا.
الراجح:
أن يقال: إن في هذا تفصيلًا:
إن كان البائع هو مالك السلعة، فإن له الحق أن يبيع سلعته ممن يشاء، وذلك أن البائع قد لا يرغب في التعاقد مع صاحب العطاء الأكثر إما لأنه مماطل، أو لأنه قليل الخبرة في القيام بما تعاقدا عليه كما لو كان المطلوب عملًا معينًا، أو كان عسرًا في تعامله أو قاسيًا على الدابة كما لو كان المباع حيوانًا، أو لغير ذلك من الأعمال، وأما إذا كان البائع وكيلًا فلا يجوز له أن يمضي البيع لصاحب العطاء الأقل إلا بإذن صاحبه، وكذلك الشأن في عقود المناقصات، وما يباع في المزاد من أملاك الدولة لا يجوز أن يباع على صاحب العطاء الأقل، لأن البائع
стр. 431
وكيل عن المسلمين ممثلين في بيت المال، وإلا حصل في هذا الأمر تلاعب لا يخفى قد تضيع فيه الأموال العامة بحجة أنه يجوز أن يرسو المزاد على صاحب العطاء الأقل (١).
وبعد كتابة هذا النص وقفت على كلام للشيخ الزرقاء ﵀، يحسن أن أنقله بحروفه: قال الشيخ: «الذي يظهر في الجواب التفصيل بين حالين:
فإذا كانت المزايدة جارية بطريق المزاد العلني الذي تقع فيه الزيادات متعاقبة إذ يزيد الواحد زيادة يطلع عليها سواه ويزيد عليه، فإن كل زيادة تقع تبطل ما قبلها، وتكون هي الإيجاب المنفرد الذي يصح أن يبني عليه قبول ملزم؛ لأنه العرف، ولأن انتظار البائع وتطلعه إلى زيادة جديدة إلى أن تقع هو إعراض عن الإيجاب الواقع بسابقتها، والإيجاب يبطل بالإعراض.
стр. 432
وبهذا الحكم تتميز المزايدة عن بيع المساومة العادي بأن الإيجاب فيها يبطل بعمل شخص ثالث مزاحم غير المتبايعين، ومثل ذلك يقال في المناقصة.
وأما إذا كانت المزايدة أو المناقصة جارية بطريق الظرف المختوم بأن يرسل المتزاحمون معروضاتهم في الأسعار دون أن يعلم أحدهم بما قدم الآخر، ثم تفتح هذه المعروضات فإنها تعتبر بحكم إيجابات متعددة، فيصح للطرف الآخر - أي البائع في حال المزايدة والمشتري في حال المناقصة - أن يبني قبوله على ما شاء منها، فيلزم صاحبه، ولو كان ما قد قبله هو الأقل في حال المزايدة، أو الأكثر في حال المناقصة.
على أن هذا الاختيار لا يصح في المزايدات أو المناقصات التي تروجها الدوائر الرسمية من فروع الحكومة فيما تحتاج إلى بيعه وشرائه؛ لأنها لا يجوز لها أن تختار من الأسعار المعروضة إلا ما هو أوفق لمصلحة بيت المال العام، وهو السعر الأكثر في حال المزايدة، والأقل في حال المناقصة «(١).
* * *
стр. 433
الفصل الخامس
مبطلات الإيجاب
المبحث الأول
رجوع الموجب قبل صدور القبول
[م - ٧٣] إذا رجع الموجب عن إيجابه قبل صدور القبول، فهل يبطل الإيجاب، هذه المسألة ناقشتها بالتفصيل فيما سبق من خلال الكلام على الآثار المترتبة على تحديد مجلس العقد، وبينت أن الجمهور قد اختلفوا في هذه المسألة مع المالكية،
فذهب الجمهور إلى أن للموجب حق الرجوع عن إيجابه مطلقًا قبل أن يتصل به القبول، وإذا رجع بطل الإيجاب (١).
стр. 434
بل اعتبر بعضهم لو صدر القبول مع الرجوع في وقت واحد، اعتبر الرجوع، وبطل به الإيجاب.
قال ابن الهمام: «لو صادف رد البائع قبول المشتري بطل» (١).
وقيل: لا يبطل الإيجاب، وليس للموجب حق الرجوع مطلقًا إذا صدر بصيغة الماضي، أو صدر بغير الماضي وكان هناك قرينة أنه أراد البيع (٢)، أما إذا كانت الصيغة بغير الماضي، ولم يكن هناك قرينة أنه أراد البيع، وادعى أنه ما أراد البيع، فيحلف، ويصدق، وهو مذهب المالكية (٣).
وقيل: إذا حدد الموجب إيجابًا محدد المدة يكون ملزمًا بالبقاء على إيجابه خلال تلك المدة، وليس له الرجوع عنه، اختاره بعض المالكية (٤)، ورجحه مجمع الفقه الإسلامي (٥).
وقد ذكرنا أدلة هذه الأقوال في بحث متقدم، فأغنى عن إعادته هنا.
* * *
стр. 435
المبحث الثاني
رفض الإيجاب من الطرف الآخر
[م - ٧٤] يبطل الإيجاب إذا رفضه من عرض عليه، إما صراحة كأن يقول: لا أقبل، أو حكمًا بأن يشتغل عنه بأجنبي.
كما أن أي تعديل يتضمنه القبول يعتبر رفضًا للإيجاب.
وقولنا: بطل الإيجاب هذا من باب التجوز لأنه من باب بطلان ما لم يتم أصلًا.
جاء في درر الحكام شرح مجلة الأحكام: «إذا أوجب أحد المتبايعين البيع، فرد الثاني إيجابه، يبطل الإيجاب، فلو حصل القبول بعدئذ، فلا ينعقد البيع» (١).
وقال أيضًا: «ومما يبطل به الإيجاب أن يرده الطرف الآخر، فلو قبل بعد ذلك، فالبيع لا ينعقد» (٢).
وقال الزركشي في المنثور في القواعد الفقهية: «إذا لم يقبل المخاطب بطل
стр. 436
الإيجاب، فهذا بطلان ما لم يتم، لا بطلان ما تم» (١).
وجاء قي قواعد ابن رجب: «إذا لم يقبل المخاطب بطل الإيجاب» (٢).
ومثل الرد الصريح الرد الضمني، وذلك بالاشتغال عن البيع بأجنبي، فإنه دليل على الإعراض عن البيع.
جاء في البحر الرائق: «المجلس المتحد: أن لا يشتغل أحد المتعاقدين بعمل غير ما عقد له المجلس، أو ما هو دليل الإعراض عن العقد» (٣).
وقال الحطاب: «وإن تراخى القبول عن الإيجاب حتى انقضى المجلس لم يلزمه البيع اتفاقًا، وكذا لو حصل فاصل يقتضي الإعراض عما كانا فيه حتى لا يكون كلامه جوابًا للكلام السابق في العرف، لم ينعقد البيع» (٤).
وقال في الإنصاف: «وإن تراخى القبول عن الإيجاب: صح ما داما في المجلس، ولم يتشاغلا بما يقطعه. قيد الأصحاب قولهم «ولم يتشاغلا بما يقطعه» بالعرف» (٥).
كما أن أي تعديل يتضمنه القبول يعتبر رفضًا للإيجاب، وقد فصلت الكلام في هذه المسألة عند التعرض لشروط الصيغة بأنه يجب أن يوافق القبول الإيجاب من جميع الوجوه، فإن خالفه بأن قبل غير ما أوجبه، أو بعض ما أوجبه، أو بغير ما أوجبه، فلا ينعقد العقد (٦).
стр. 437
المبحث الثالث
يبطل الإيجاب بانتهاء المجلس قبل القبول
[م - ٧٥] سبق أن ذكرنا في شروط صيغة العقد اتحاد مجلس العقد، وناقشنا ما المقصود في تحديد مجلس العقد بين الحنفية والجمهور، وذكرنا أن الحنفية بالغوا في الشكل المادي لمجلس العقد، حيث جعلوا التتابع وهما يمشيان أو يركبان ولو دابة واحدة يقطع مجلس العقد؛ لاشتراطهم أن يكون الإيجاب والقبول في مجلس واحد (١).
بل اعتبر الحنفية لو كان من صدر منه الإيجاب جالسًا، وحين قام الطرف الآخر قال قبلت لم ينعقد البيع، فاعتبروا القيام ولو لم يفارق المجلس ينهي حالة المجلس بين المتعاقدين.
جاء في درر الحكام شرح مجلة الأحكام: «إذا قال البائع للمشتري: بعتك مالي بكذا، وكانا جالسين، فقام أحدهما بطل الإيجاب، ولو لم يمش; لأن القيام دليل على الرجوع والإعراض» (٢).
وقال في درر الحكام شرح غرر الأحكام: «لأن القيام دليل الرجوع والدلالة تعمل عمل الصريح» (٣).
стр. 438
وجاء أيضًا: «إذا تبايع شخصان، وكان أحدهما داخل الدار، والآخر خارجها، وبعد أن أوجب أحدهما البيع خرج الآخر من الدار، وقال: قبلت فالإيجاب باطل والبيع لا ينعقد» (١).
فهم يوجبون عليه أن يعلن قبوله قبل خروجه من الدار، حتى ولو كان خروجه سوف يجمعه بالطرف الآخر فإنه ينهي عندهم حالة اتحاد المجلس حال صدور الإيجاب والقبول، وهذا لا شك أنه قول فيه ضعف.
بينما الجمهور كانوا أكثر توفيقًا في تحديد مجلس العقد حيث اعتبروا المجلس هو الزمن الذي يظل فيه المتعاقدان مشتغلين بالتعاقد، فإن أعرضا عن العقد واشتغلا عنه بما يقطعه عرفًا فقد انقطع المجلس، ومن الإعراض عن العقد انفضاض المجلس قبل صدور القبول.
فإذا انفض المجلس قبل صدور القبول بطل الإيجاب وقد حكي الإجماع على بطلانه، قال ابن نجيم في البحر الرائق: «لو أوجب أحد المتعاقدين فلم يقبل الآخر في المجلس فإنه يبطل الإيجاب لا نعلم فيه خلافا، لا فرق في هذا بين البيع والنكاح وغيرهما من العقود» (٢).
يقول الحطاب: «وإن تراخى القبول عن الإيجاب حتى انقضى المجلس لم يلزمه البيع اتفاقًا» (٣).
ونقل الحطاب عن ابن رشد قوله: «لو قال: أبيعك سلعتي بعشرة إن شئت، فلم يقل أخذتها حتى انقضى المجلس لم يكن له شيء اتفاقًا» (٤).
стр. 439
وسبق لي انتقاد حكاية الإجماع حتى على مذهب المالكية، وناقشت مذهب ابن العربي في ذلك، ومع ذلك يستثنى من هذا الإجماع ثلاث مسائل:
الأولى: لو قيد الإيجاب بمدة إلى ما بعد المجلس، فإن المالكية لا يبطلون الإيجاب بانتهاء المجلس، وإنما يجعلون التقييد ملزمًا إلى انتهاء هذه المدة المحددة، وسبق الكلام على هذا.
الثانية: الإيجاب في بيع المزايدة. فلا يبطل الإيجاب ولو طال الزمن في بيع المزايدة على مذهب المالكية. قال الدسوقي: «وللبائع إلزام المشتري في المزايدة، ولو طال الزمان، أو انفض المجلس، حيث لم يجر العرف بعدم إلزامه» (١).
الثالثة: إذا كان الإيجاب بكتابة إلى غائب، فهل يسقط بانتهاء المجلس؟
ظاهر عبارة الهداية على سقوط الإيجاب بانتهاء المجلس، إذ يقول:
«الكتاب كالخطاب وكذا الإرسال حتى اعتبر مجلس بلوغ الكتاب وأداء الرسالة» (٢).
وقال ابن الهمام: « .... لما بلغه الكتاب وفهم ما فيه، قال: قبلت في المجلس انعقد» (٣).
واختار شيخ الإسلام جواهر زاده أن الإيجاب إذا كان بالكتابة فقرئ في مجلس، فلم يتصل به القبول، جاز إتمام العقد بقراءته مرة أخرى في مجلس آخر يتصل به القبول، وتكون قراءته في المجلس الثاني بمثابة تكرار الإيجاب.
стр. 440
جاء في حاشية ابن عابدين: «ذكر شيخ الإسلام جواهر زاده في مبسوطه: الكتاب والخطاب سواء إلا في فصل واحد، وهو أنه لو كان حاضرًا، فخاطبها بالنكاح، فلم تجب في مجلس الخطاب، ثم أجابت في مجلس آخر، فإن النكاح لا يصح، وفي الكتاب إذا بلغها، وقرأت الكتاب، ولم تزوج نفسها منه في المجلس الذي قرأت الكتاب فيه، ثم زوجت نفسها في مجلس آخر بين يدي الشهود، وقد سمعوا كلامها، وما في الكتاب يصح النكاح؛ لأن الغائب إنما صار خاطبًا لها بالكتاب، والكتاب باق في المجلس الثاني بمنزلة ما لو تكرر الخطاب من الحاضر في مجلس آخر، فأما إذا كان حاضرًا، فإنما صار خاطبًا لها بالكلام، وما وجد من الكلام لا يبقى إلى المجلس الثاني ... قال ابن عابدين: وظاهر أن البيع كذلك، وهو خلاف ظاهر الهداية، فتأمل» (١).
وظاهر كلام ابن عابدين أن القبول في المجلس الثاني متوقف على قراءة الكتاب مرة أخرى في المجلس الجديد.
وقد اختلف العلماء المعاصرون في هذه المسألة على قولين:
الأول: يرى أن حكم الإيجاب يظل باقيًا حتى يرفضه من وجه إليه، أو يرد ما يدل على رجوع صاحبه عنه، وأن الأمر لا يحتاج إلى قراءته في مجلس آخر، وممن اختار هذا الرأي الشيخ على الخفيف رحمه الله تعالى.
يقول الشيخ: «جاء في كتاب النكاح من فتح القدير أن الإيجاب إذا كان بالكتابة فقرئ الكتاب في مجلس، فلم يتصل به قبول فيه جاز إتمام العقد بقراءته مرة أخرى في مجلس آخر يتصل به القبول فيه، وعلل ذلك بأن الغائب إنما صار مخاطبًا للمخطوبة بالكتاب، والكتاب باق في المجلس الثاني، وفي رأيي أن
стр. 441
عقد البيع وغيره من عقود المال أولى بهذا الحكم من عقد النكاح، إذ يتساهل في البيع ونحوه بما لا يتساهل به في عقد النكاح، وعلى ذلك يجوز لمن أرسل إليه الإيجاب بالكتاب إذا قرأه، فلم يقبله في أول مجلس، أن يقرأه في مجلس آخر، ثم يقبل، ويكون مجلس العقد مجلس كل قراءة، ويؤيد ذلك ما جاء في رد المحتار: أن الإيجاب بالبيع إذا كان في كتاب مرسل إلى المشتري يتجدد بقراءة الكتاب مرة أخرى في مجلس آخر، فيصح حينئذ القبول في هذا المجلس، وإن لم يقبل في المجلس السابق، وهذا يخالف ظاهر ما جاء في الهداية.
وقد يقال مع هذا: إن التلفظ ليس شرطًا في عقود المعاوضات المالية، بخلاف عقد النكاح، فلا ينعقد إلا باللفظ (١)، وإذن فلا داعي لقراءة الكتاب مرة أخرى، بل يعتبر وجوده وقيامه إيجابًا بالكتابة، فإذا علم مضمونه كان للمرسل إليه أن يقبل في أي وقت، وينشأ بذلك العقد لقيام الإيجاب بقيام الكتاب، وعندئذ لا يمكن إلا أن يعتبر مجلس العقد في هذه الحالة هو مجلس القبول، ويصح قبوله في كل وقت ما لم يرفض» (٢).
والكلام هذا وجيه إلا أنه يتضمن ضررًا على الموجب إذا قيل: إن للقابل أن يؤخر القبول إلى أي وقت يشاء، والضرر منتف.
واختار أبو زهرة أن قياس البيع على النكاح قياس مع الفارق؛ لأن مجلس الكتاب بالنسبة للنكاح ليس مجلس وصول الكتاب، وإنما المجلس الذي يحضر فيه الشهود؛ لأن النكاح يحتاج إلى شهود على القول بأن الشهود شرط في صحة
стр. 442
النكاح، فتضطر المرأة إلى تأخير إعلان القبول إلى أن يتوفر لها الشهود على ذلك (١).
وقد اختار هذا القول الدكتور محمد يوسف موسى، ونشأت إبراهيم الدريني.
يقول الدكتور الدريني: «وأرجح ظاهر الهداية .. ثم علل ذلك بقوله: «الإيجاب إذا كان يبطل بالإعراض عنه، أو بمغادرة المجلس في التعاقد بين حاضرين، فإنه يجب أن يبطل بذلك إذا كان بكتابة أو برسالة؛ لأن الكتابة ليست أقوى من النطق، والرسالة ليست أقوى من الخطاب مع حاضر، ولأن الموجب يتضرر بالتأخير، وقد رأينا أنهم قرروا أن الأصل اتصال القبول بالإيجاب، ولكنهم خالفوا هذا الأصل لمصلحة القابل والموجب، فمن مصلحة القابل أن يتأخر القبول إلى آخر المجلس؛ ليتدبر أمره، ومن مصلحة الموجب ألا يتأخر القبول إلى ما وراء المجلس؛ لئلا يتضرر بالتأخير، وما أجيز استثناء من الأصل يجب أن يقدر بقدر ما أجيز من أجله لا يتعداه، وقد قالوا: إن ما أجيز للضرورة يقدر بقدرها، والمصلحة التي أجيز من أجلها مخالفة الأصل يكفي في تحققها تأخر القبول إلى آخر المجلس، فمن مصلحة الموجب ألا يتأخر القبول إلى آخر ما وراء المجلس، وعدم جواز القبول بعد المجلس ليس فيه ضرر على القابل بعد أن أعطي فرصة للتدبر إلى آخر المجلس».
وخلاصة هذا أن نظرية المجلس - التي تقضي بجواز تأخير القبول إلى آخر المجلس إذا ظل الإيجاب قائمًا، وعدم جواز القبول بعد المجلس - تخالف الأصل، فلا يصح التوسع فيها، سواء في التعاقد بين حاضرين، أو بين غائبين» (٢).
* * *
стр. 443
المبحث الرابع
بطلان الإيجاب بهلاك المعقود عليه أو تغيره قبل القبول
[م -٧٦] يبطل الإيجاب بهلاك المعقود عليه أو تغيره بزيادة أو نقص قبل صدور القبول (١).
قال في البحر الرائق: «والحاصل أن الإيجاب يبطل بما يدل على الإعراض، وبرجوع أحدهما عنه .... وبتغيير المبيع: بقطع يد، وتخلل عصير، وزيادة بولادة، وهلاكه ... » (٢).
وقال في درر الحكام شرح مجلة الأحكام: «ومما يبطل به الإيجاب ... أن يتغير المبيع قبل القبول ... فإذا قال البائع للمشتري: بعتك هذا الدقيق، فقبل المشتري البيع بعد أن تحول الدقيق خبزًا، فالبيع لا ينعقد» (٣).
وهذه المسألة لم ينص عليها في القانون الغربي، ولا في القوانين العربية، والتي هي في الغالب منقولة عنه.
يقول الدكتور نشأت إبراهيم: «أما سقوط الإيجاب في الفقه الإسلامي بهلاك المحل، أو بتغيره، أو بزيادته قبل القبول فهو وإن لم يرد في الفقه الغربي فإن الدكتور السنهوري يرى أنه يمكن قبوله في الفقه الغربي؛ لأنه لا يخالف أصوله» (٤).
стр. 444
وهذا كالاعتذار من الدكتور السنهوري ﵀ عن عجز القوانين الغربية على أن تكون شاملة لحالات قد تقع كثيرًا في معاملات الناس، وليست من المسائل الشاذة ولا النادرة، والله أعلم.
* * *
стр. 445
المبحث الخامس
تغيير الإيجاب قبل القبول بما يخالف الإيجاب الأول
[م -٧٧] هذه المسألة لها تعلق في بحث سابق، وهو هل للبائع أن يرجع عن إيجابه قبل صدور القبول، وقد فصلنا هذه المسألة وبينا خلاف المالكية مع الجمهور، فالمالكية يرون أن الإيجاب ملزم وحده للبائع، ولا يحق له الرجوع عن إيجابه إلا أن يعرضا عن البيع أو ينفض المجلس بدون صدور القبول،
بينما جماهير أهل العلم يرون أن من حق البائع الرجوع عن إيجابه قبل صدور القبول، وإذا كان يحق له الرجوع عن إيجابه ورفضه بالكلية جاز له تعديله من باب أولى. وقد ذكرنا أدلة الفريقين فأغنى عن إعادته هنا.
* * *
стр. 446
المبحث السادس
موت العاقد أو فقد أهليته قبل صدور القبول
[م - ٧٨] موت أحد المتبايعين أو فقد أهليته بجنون أو إغماء قبل صدور القبول، هل يبطل الإيجاب؟
مثاله: لو أوجب البائع ثم مات قبل صدور القبول من المشتري، هل يبطل إيجابه؟
أو مات المشتري قبل صدور القبول منه، هل يبطل الإيجاب، أو يكون للورثة حق القبول كما لو كان الوارث حاضرًا في المجلس، في هذه المسألة خلاف بين أهل العلم.
فقيل: يبطل الإيجاب، وهو قول أكثر أهل العلم.
جاء في بدائع الصنائع: «إذا أوجب البيع ثم مات المشتري قبل القبول، أو أوجب الهبة ثم مات الموهب له قبل القبول ... يبطل الإيجاب».
وعلل ذلك بـ «أن القبول أحد ركني العقد، وقد فات بالموت، فيبطل الركن الآخر» (١).
стр. 447
وقيل: يقوم وارثه مقامه إذا كان حاضرًا، نص عليه القرافي من المالكية في الذخيرة، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعية، اختاره الدارمي.
قال القرافي في الذخيرة: «وخيار الإقالة والقبول: إذا أوجب البيع لزيد، فلورثته خيار القبول أو الرد» (١).
قال النووي: «ولو مات المشتري بعد الإيجاب وقبل القبول، ووارثه حاضر فقبل، فوجهان:
الصحيح: لا يصح البيع؛ لعدم الإيجاب والقبول من المتعاقدين.
والثاني: الصحة وبه قال الدارمي؛ لأن الوارث كالميت ولهذا يقوم مقامه
стр. 448
في خيار المجلس على الصحيح المنصوص والله أعلم» (١).
وفرق بعض الشافعية بين الوارث وبين الموكل، فقبل من الثاني ولم يقبل من الأول.
جاء في أسنى المطالب: «ولو مات المشتري بعد الإيجاب بحضرة وارثه لم يقبل وارثه، ولا يقبل وكيله، بل ولا موكله كما جزم به المصنف في شرح الإرشاد وهو مقتضى كلام الأصحاب.
وخالف بعضهم فقال بالصحة في الموكل» (٢).
والراجح من الخلاف:
بعد استعراض الأقوال في المسألة فقد رجح الشيخ مصطفى الزرقاء ﵀ القول ببطلان الإيجاب بالموت أو فقد الأهلية.
قال الشيخ: «رجوع الموجب عن إيجابه قبل أن يقبل الطرف الآخر مبطل للإيجاب، فلا يعتبر القبول بعده، وكذا وفاة الموجب أو زوال أهليته قبل القبول، وهذا قد يكثر في حالات التعاقد بالكتابة بين الغائبين فقد يرسل شخص كتابًا يتضمن إيجاب العقد من طرفه، ثم يموت أو يجن قبل وصول الكتاب، فلا يعتبر عندئذ قبول المرسل إليه عندما يصل إليه الكتاب ويقرؤه؛ لانهدام الإيجاب المبني عليه بوفاة الموجب قبل وقوع القبول» (٣).
стр. 449
كما رجح الدكتور نشأت الدريني بأن الإيجاب يسقط بموت الموجب أو فقده
стр. 450
أهليته إذا كان الإيجاب غير ملزم، ولا يسقط إذا كان الإيجاب ملزمًا كما لو قيد الإيجاب بمدة معينة، يقول الدكتور: «ولما كان القول الصحيح في الفقه الإسلامي هو عدم الإلزام بالإيجاب وحده إذا كان غير مقيد بمدة، وكان قول المالكية - الذي أرجحه - هو الإلزام بالإيجاب إذا قيد بمدة، فإني أرجح سقوط الإيجاب بموت الموجب، أو فقده أهليته إذا كان الإيجاب غير ملزم، وبقاءه إذا كان ملزمًا؛ لأنه إذا كان غير ملزم فلا نتأكد من إصرار الموجب على الإيجاب لاحتمال رجوعه لو بقي على أهليته قبل قبول الآخر، أما إذا كان ملزمًا فلا حق له في الرجوع لو بقي على أهليته، فيبقى الإيجاب، ويجوز أن يتصل به القبول؛ لأني لا أرى وجهًا قويًا حينئذ لتأثير الموت أو فقد الأهلية» (١).
وهذا القول وسط بين القولين: بين من يقول: لا يسقط الإيجاب بالموت مطلقًا، و بين من يقول: يسقط الإيجاب بالموت مطلقًا، وهذا القول وسط بينهما، وذلك إن كان الإيجاب ملزمًا لصاحبه كما لو ضرب له مدة معينة فإنه لا يسقط بالموت ولا بفقد الأهلية ما دام أن القبول قد صدر خلال تلك المدة المعينة، وأما إذا كان الإيجاب غير ملزم كما لو كان لصاحبه الحق أن يرجع عن إيجابه متى شاء، فإن الموت وكذا فقد الأهلية يسقط الإيجاب، والله أعلم.
* * *
стр. 451
الباب الرابع
في الشروط المتعلقة بالعاقدين
تناولنا فيما سبق الركن الأول من أركان البيع: وهو الإيجاب والقبول (الصيغة)، وبينا أحكامه وشروطه.
وفي هذا الباب سوف نتناول إن شاء الله الركن الثاني للبيع، وهو العاقد، وهو الذي يباشر الإيجاب أو القبول في العقد؛ لأن الإيجاب والقبول لا يمكن تصور وجودهما من غير عاقد، والمقصود بالعاقد في عقد البيع: البائع والمشتري، ومن ينوب منابهما. ولما كان العاقد يشترط فيه شروط لا بد من توفرها حتى يكون البيع صحيحًا؛ فليس كل عاقد صالحًا لإبرام العقود، خصصنا هذا الباب لذكر الأحكام والشروط المتعلقة بالعاقدين (البائع والمشتري) نسأل الله العون والتوفيق.
* * *
стр. 452
الشرط الأول
في توفر الأهلية في العاقد
المبحث الأول
في تعريف الأهلية
تعريف الأهلية (١).
الأهلية في الاصطلاح: عبارة عن صلاحيته لوجوب الحقوق المشروعة له وعليه، وهي الأمانة التي أخبر الله بحمل الإنسان إياها بقوله ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ﴾ [الأحزاب: ٧٢].
وهي ضربان:
أهلية الوجوب: أي صلاحيته لوجوب الحقوق المشروعة له وعليه.
فكل إنسان صالح لأن تكون له حقوق، وعليه واجبات، وتثبت له هذه الأهلية من وقت ميلاده، بل من وقت كونه جنينًا إلى وقت موته، فإذا انعدمت أهلية الوجوب انعدمت الشخصية معها، وذلك كالجنين يولد ميتًا.
стр. 453
وقد أجمع الفقهاء على ثبوت هذه الأهلية للإنسان منذ ولادته، حتى يكون صالحًا لوجوب الحقوق له وعليه، فيثبت له ملك النكاح بتزويج الولي إياه، ويجب عليه المهر بعقد الولي (١).
الضرب الثاني: أهلية الأداء: أي صلاحيته لصدور الفعل منه على وجه يعتد به شرعًا.
وهذا هو الذي يعنينا في هذا الباب، فإذا أطلقنا الأهلية فالمقصود بها أهلية الأداء.
وأهلية الأداء قد تكون كاملة، وقد تكون ناقصة، وقد تكون معدومة.
стр. 454
فالكاملة هي في حق البالغ الحر الرشيد غير المحجور عليه، فمن اتصف بهذه الصفات تحققت له أهلية الأداء الكاملة، ويكون حرًا طليقًا في تصرفاته إلا بما نهى عنه الشرع أو قيده.
وتكون الأهلية ناقصة في حق الصبي، والمميز، والسفيه، والعبد.
وتكون معدومة في حق الصبي غير المميز، والمجنون ونحوهما.
ونريد أن نتوقف عند بيان الأهلية الكاملة.
فقلنا الأهلية الكاملة: هي في حق المكلف الحر الرشيد.
والمكلف: هو البالغ العاقل.
فقيد العاقل: أخرج المجنون والسكران، والمعتوه.
وقيد الحرية: أخرج العبد.
وقيد البلوغ: أخرج الصبي.
وللبلوغ علامات طبيعية منها ما هو محل وفاق، ومنها ما هو محل خلاف، ومنها ما هو مشترك بين الذكر والأنثى، ومنها ما هو خاص بأحدهما.
ومن هذه العلامات:
الأولى: الاحتلام .
والمقصود به خروج المني من الرجل أو المرأة بلا علة، يقظة، أو منامًا.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَئْذِنُوا كَمَا اسْتَئْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ الآية [النور: ٥٩].
وجه الاستدلال:
أنه حين بلغ الأطفال الحلم كلفوا بوجوب الاستئذان، بينما قبل البلوغ كان
стр. 455
الخطاب موجهًا إلى أوليائهم، فقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَئْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ﴾ [النور: ٥٨].
وقال تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦].
وجه الاستدلال:
جعل الله بلوغ النكاح موجبًا لارتفاع الولاية عن اليتيم، بشرط كونه راشدًا.
(ح-٣٠) ومن السنة ما رواه مسلم، حدثنا عمرو بن سواد العامري، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرنا عمرو بن الحارث، أن سعيد بن أبي هلال، وبكير بن الأشج حدثاه، عن أبي بكر بن المنكدر، عن عمرو بن سليم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري،
عن أبيه ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: غسل يوم الجمعة على كل محتلم، وسواك، ويمس من الطيب ما قدر عليه. رواه البخاري، ومسلم واللفظ له (١).
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ : (على كل محتلم) فجعل الاحتلام محلًا للتكليف.
وأما الإجماع، فقال الحافظ في الفتح: «أجمع العلماء على أن الاحتلام في الرجال والنساء يلزم به العبادات، والحدود وسائر الأحكام» (٢).
العلامة الثانية: الحيض، وتختص به الأنثى .
стр. 456
قال الحافظ في الفتح: «وأجمع العلماء على أن الحيض بلوغ في حق النساء» (١).
(ح-٣١) وروى الإمام أحمد، قال: حدثنا يونس، ثنا حماد، عن قتادة، عن ابن سيرين، عن صفية بنت الحارث،
عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: لا تقبل صلاة حائض إلا بخمار (٢).
[الحديث حسن لغيره إن شاء الله. ورواية قتادة قد اضطرب عليه فيها، والراجح فيه ابن سيرين عن عائشة، وليست بالمتصلة، لكن لها شاهد ضعيف من حديث أبي قتادة] (٣).
العلامة الثالثة: الإنبات .
[م - ٧٩] وقد اختلف الفقهاء في اعتبار الإنبات علامة من علامات البلوغ.
فقيل: ليس بعلامة مطلقًا، لا في الحقوق الواجبة للخالق، ولا في حقوق الآدميين. وهو مذهب الحنفية (٤).
وقيل: إن الإنبات علامة مطلقًا في حق المسلم والكافر، في حق الله وحق المخلوق. وهو مذهب الحنابلة (٥)، ورواية عن أبي يوسف من الحنفية (٦).
стр. 457
واعتبر المالكية الإنبات علامة إلا أنهم اختلفوا فيها على قولين:
فقيل: الإنبات علامة مطلقًا. قال في الشرح الكبير وهو المذهب (١).
وقال بعضهم: الإنبات علامة على البلوغ فيما بين الشخص وبين غيره من الآدميين من قذف، وقطع، وقتل. وأما فيما بين الشخص وبين الله تعالى من حقوق فليس بعلامة (٢).
وقالت الشافعية: الإنبات علامة على البلوغ في حق صبيان الكفار.
وأما المسلمون فاختلفوا فيهم على وجهين:
الوجه الأول: أنه علامة على البلوغ في حقهم كالكفار.
الوجه الثاني: وهو الصحيح عندهم أنه ليس علامة على البلوغ عندهم (٣).
وانظر أدلة كل قول في هذه المسألة في كتابي الحيض والنفاس، فقد ذكرتها بالتفصيل، فأغنى عن إعادتها هنا.
وقد ترجح لي أن الإنبات علامة من علامات البلوغ مطلقًا في حق الله وحق الآدمي، من المسلمين والكفار، والله أعلم.
стр. 458
العلامة الرابعة: البلوغ بالسن.
[م - ٨٠] اختلف الفقهاء في سن البلوغ.
فقيل: تمام خمس عشرة سنة، للذكر والأنثى.
وهو مذهب الشافعية (١)، ومذهب الحنابلة (٢)، واختاره ابن وهب من المالكية (٣). وأبو يوسف ومحمد من الحنفية (٤)، وهو رواية عن أبي حنيفة (٥).
وقيل: للغلام أن يتم له ثماني عشرة سنة، وللجارية أن يتم لها سبع عشرة سنة (٦).
وفي المذهب المالكي أقوال:
المشهور منها بلوغ ثماني عشرة سنة للذكر الأنثى (٧).
وقيل: تسع عشرة.
وقيل: سبع عشرة.
وقيل: ست عشرة (٨).
стр. 459
واختار ابن حزم: تمام تسع عشرة (١).
ولم يترجح لي شيء منها، والأدلة في ابن خمس عشرة سنة محتملة، ويندر أن يتأخر البلوغ إلى ما بعد ثماني عشرة سنة، والله أعلم.
وإذا عرفنا علامات البلوغ، فلا يكفي في المرء حتى تتحقق فيه الأهلية الكاملة أن يكون بالغًا عاقلًا حتى يكون رشيدًا.
والرشد في الاصطلاح (٢): اختلف العلماء في تعريفه على قولين:
فمنهم من عرف الرشد: بالصلاح في المال، وهذا مذهب الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والحنابلة (٥).
стр. 460
ومنهم من عرف الرشد: بالصلاح في الدين والمال، وهو مذهب الشافعية (١).
والمراد بالصلاح في الدين: أن لا يرتكب محرمًا يسقط العدالة، وفي المال ألا يبذر (٢).
والصحيح أن الرشد يختلف من مقام لآخر.
فالرشد في ولي النكاح مثلًا: معرفته بالكفء، ومصالح النكاح، وليس له علاقة بحفظ المال.
والرشد في المال: هو حفظه وإصلاحه، ولا يدخل فيه الرشد في الدين، ولو كان صلاح الدين شرطًا في الرشد لوجب الحجر على المنافقين والمبتدعة، بل يجب الحجر على كل من اغتاب مسلمًا ولم يتب من هذه المعصية وذلك لارتكابه كبيرة من كبائر الذنوب، ويجب الحجر على كل من كذب في بيعه، أو غش فيه.
فتلخص لنا أنه يشترط في العاقد أن يكون جائز التصرف، وهو الحر المكلف الرشيد، وهذا لا خلاف في جواز بيعه وشرائه، وسائر تصرفاته، كما أن المجنون لا خلاف في أنه لا يصح بيعه، وشراؤه، وسائر تصرفاته العقدية.
واختلفوا في بيع الصبي، والسكران، والسفيه، والمعتوه، وسوف نفصل أحكامهم إن شاء الله تعالى في الفصول التالية.
* * *