دليل القائلين بالجواز:
الدليل الأول:
أنه عمل في مقابلة عوض، أشبه العمل في ذمته.
الدليل الثاني:
إذا كان يجوز التعامل مع الكفار بالبيع والشراء، وهو عقد معاوضة، جازت الإجارة.
القول الثاني:
لا يجوز، وإن وقع ذلك فسخ الحاكم الإجارة، واستحق الأجير الأجر المسمى، وهو مذهب المالكية، والحنابلة (١).
دليل القائلين بالتحريم:
الدليل الأول:
ادعى بعض الفقهاء الإجماع على التحريم.
стр. 3922
جاء في الموسوعة الكويتية: «اتفق الفقهاء على أنه يحرم على المسلم حرًا كان أو عبدًا أن يخدم الكافر، سواء أكان ذلك بإجارة، أو إعارة، ولا تصح الإجارة ولا الإعارة لذلك؛ لأن في ذلك إهانة للمسلم، وإذلالًا له، وتعظيمًا للكافر، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١] (١).
والصحيح أن الخلاف محفوظ:
ولا يوجد عندي فرق بين الأجير الخاص وبين الخادم؛ لأن كلايهما يعمل تحت يد المستأجر وسلطته، وإذا قام الأجير الخاص بعمل ما للكافر فإنما يقوم بذلك خدمة للمستأجر بخلاف الأجير المشترك.
جاء في روضة الطالبين: «يجوز إعارة العبد المسلم لكافر قطعًا» (٢).
قلت: الإعارة تمليك للانتفاع، ومن ذلك خدمته.
وجاء في شرح الوجيز: «ويصح استئجاره وارتهانه للعبد المسلم على أقيس الوجهين؛ لأنه لا ملك فيه كالإعارة والإيداع» (٣).
وجاء في المهذب: «واختلفوا في الكافر إذا استأجر مسلمًا إجارة معينة، فمنهم من قال: فيه قولان؛ لأنه عقد يتضمن حبس المسلم، فصار كبيع العبد المسلم منه. ومنهم من قال: يصح قولًا واحدًا؛ لأن عليًا كرم الله وجهه كان يستقي الماء لامرأة يهودية كل دلو بتمرة» (٤).
стр. 3923
وجاء في الإنصاف: «وأما إجارته لخدمته فلا تصح على الصحيح من المذهب .... وعنه يجوز، وقدمه في المحرر، والرعاية الصغرى، والحاوي الصغير، وجزم به في المنور» (١).
الدليل الثاني:
أن في إجارة المسلم للكافر حبس المسلم عنده، وإذلاله، والإسلام يعلو ولا يعلى عليه.
ويناقش:
بأن الأمر ليس فيه إذلال للمسلم، ذلك أن المسلم بذل عمله مقابل عوض مالي راضيًا مختارًا، ولم يقدم عمله إكرامًا للكافر، والعمل الذي يقوم به المسلم عمل مباح في نفسه، فلم يستأجره على أن يقدم له الخمر.
الدليل الثالث:
القياس على البيع، فإذا كان لا يجوز بيع العبد المسلم للكافر، فلا تجوز إجارته له.
و أجيب:
قال ابن قدامة: الإجارة «لا يشبه الملك؛ لأن الملك يقتضي سلطانًا واستدامة، وتصرفًا بأنواع التصرفات في رقبته بخلاف الإجارة» (٢).
الراجح:
أرى جواز عمل المسلم عند الكافر بثلاثة شروط:
стр. 3924
الأول: أن تكون الإجارة على عمل مباح للمسلم أن يفعله، أما إذا كانت الإجارة على عمل يتضمن تعظيم دينهم أو شعائره، أو كانت على عمل محرم في دين الإسلام فلا يجوز له إجارة نفسه لذلك.
الثاني: ألا يمنعه الكافر من أداء عبادة واجبة عليه أثناء العمل كالصلاة والصيام ونحوهما.
الثالث: ألا يعينه على ما يعود ضرره على المسلمين، والله أعلم.
* * *
стр. 3925
الفرع الثاني
في استئجار الكافر مسلمًا على عمل في الذمة
[م-٨٦٢] إذا استأجر الكافر مسلمًا ليعمل له عملًا في ذمته، كخياطة الثوب، وقصارته جاز بالاتفاق.
قال ابن قدامة في المغني: «إن آجر نفسه منه - أي من الكافر - في عمل معين في الذمة كخياطة ثوب وقصارته جاز بغير خلاف نعلمه؛ لأن عليًا ﵁ آجر نفسه من يهودي يستقي له كل دلو بتمرة، وأخبر النبي ﷺ بذلك فلم ينكره» (١).
وجاء في مواهب الجليل: «إجارة المسلم نفسه من اليهودي والنصراني على أربعة أقسام: جائزة، ومكروهة، ومحظورة، وحرام، فالجائز كأن يعمل له المسلم عملًا كالصانع الذي يعمل للناس. والمكروهة: أن يستبد بجميع عمله من غير أن يكون تحت يده، مثل أن يكون مقارضًا أو مساقيًا، والمحظورة: أن يؤاجر نفسه في عمل يكون فيه تحت يده، كأجير الخدمة في بيته، وإجارة المرأة لترضع له ابنته في بيته، وما أشبه ذلك، فهذه تفسخ إن عثر عليها، فإن فاتت مضت، وكانت لها الأجرة. والحرام أن يؤاجر نفسه منه فيما لا يحل من عمل الخمر، أو رعي الخنازير، فهذا يفسخ قبل العمل، فإن فات تصدق بالأجرة على المساكين ... » (٢).
وقال في الإنصاف: «تجوز إجارة المسلم للذمي إذا كانت الإجارة في الذمة بلا نزاع أعلمه» (٣).
* * *
стр. 3926
الفرع الثالث
في استئجار الكافر المسلم ليحمل له خمرًا
[م-٨٦٣] إذا استأجر الكافر المسلم ليحمل له خمرًا، فإن كان الغرض من ذلك إراقتها جاز باتفاق الفقهاء.
وإن كان حمل الخمر لشربها، فإن نُصَّ عليه في العقد حرم العقد، وإن كان العقد خاليًا من ذكر الشرب فقد اختلف الفقهاء على قولين:
القول الأول:
صحح العقد أبو حنيفة (١)، وصححه أحمد في رواية مع الكراهة (٢).
دليل أبي حنيفة:
الدليل الأول:
(ث-١٠١) روى عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن إبراهيم بن عبد الأعلى،
عن سويد بن غفلة، قال: بلغ عمر بن الخطاب أن عماله يأخذون الجزية من الخمر، فناشدهم ثلاثًا، فقال بلال: إنهم ليفعلون ذلك، قال: فلا تفعلوا، ولكن ولوهم بيعها، فإن اليهود حرمت عليهم الشحوم، فباعوها، وأكلوا أثمانها (٣).
стр. 3927
ورواه أبو عبيد من طريق إسرائيل، عن إبراهيم بن عبد الأعلى،
عن سويد بن غفلة، أن بلالًا قال لعمر بن الخطاب: إن عمالك يأخذون الخمر والخنازير في الخراج، فقال: لا تأخذوا منهم، ولكن ولوهم بيعها، وخذوا أنتم من الثمن (١).
[إسناده صحيح] (٢).
وجه الاستدلال:
فهذا الأثر يدل على أن الخمر ليس حرامًا على الذمي من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن أمر الإمام العادل بالبيع يدل على أن البيع صحيح.
وثانيها: إيجاب العشر في ثمنها، ولا يجب إلا في كسب صحيح.
وثالثها: تسمية ما يقابلها ثمنًا، وهو لا يكون إلا في بيع صحيح عند الإطلاق (٣).
وإذا لم تكن حرامًا عليه، لم يحرم حملها له.
الدليل الثاني:
أن حمل الخمر ليس بمعصية في نفسه بدليل أن حملها للإراقة مباح، وكذا الحمل ليس سببًا للمعصية، وهو الشرب؛ لأن ذلك يحصل بفعل فاعل مختار، وليس الحمل من ضرورات الشرب، فكانت سببًا محضًا فلا حكم له، كعصر العنب وقطفه (٤).
стр. 3928
القول الثاني:
يحرم، ولا يصح، وهذا اختيار الجمهور، ورجحه أبو يوسف ومحمد ابن الحسن من الحنفية (١).
وجه القول بالتحريم:
الوجه الأول:
قال تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢].
وحمل الخمر من الإعانة على الإثم والمعصية، وهو لا يجوز.
و أجيب:
بأن حمل الخمر ليس فيه إعانة على الشرب، وإنما الحمل سبب في الشرب؛ لأن الشرب هو فعل الفاعل، وليس الشرب متوقفًا على الحمل.
الوجه الثاني:
(ح-٥٧٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا حيوة، أخبرني مالك بن خير الزيادي، أن مالك بن سعد التجيبي حدثه،
أنه سمع ابن عباس يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول: أتاني جبريل فقال يا محمد إن الله قد لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها والمحمولة إليه، وبائعها ومبتاعها، وساقيها ومستقيها (٢).
الراجح:
مذهب الجمهور، والله أعلم وقد جاء في فتاوى الأزهر السؤال التالي:
الدين الإسلامي حرم نقل الخمر، وجعل حامل الخمر مثل الشارب، ولكن في إيطاليا يختلف الوضع، فالشعب كله مسيحي، فهم يحتسون الخمر، فهل يجوز للمسلم شرعًا أن ينقل أو يحمل الخمر، أو يوصل الخمر إليهم ليشربوها، أم أنه يحرم على المسلم شرعًا القيام بهذا العمل؟
وكان نص الجواب: «إذا كان حمل الخمر ونقلها وتوصيلها لأهل الذمة ليشربوها تعين طريقًا لإعاشة المسلم، ولم يكن له طريق سواها، ولولاها لتضور جوعًا وهلك، جاز له شرعًا في هذه الحالة فقط أن يحملها، وينقلها، ويوصلها للمسيحيين ليشربوها؛ وذلك لأن الخمر مال متقوم في حق غير المسلمين من المسيحيين واليهود، يجوز لهم بيعها وشراؤها فيما بينهم، ولكن لا يحل لمسلم شرعًا حملها ونقلها، وتوصيلها لهم إلا للضرورة الملحة التي أسلفنا الإشارة إليها تطبيقًا لقاعدة الإسلام العامة (الضرورات تبيح المحظورات) (١).
стр. 3933
وهذه الفتوى نص في تحريم نقلها، ولو كان ذلك إلى من يعتقد حلها؛ لأن الفتوى إنما أجازت ذلك للضرورة، والضرورة تبيح المحرم.
* * *
стр. 3934
الفرع الرابع
عمل الكافر عند المسلم
المسألة الأولى
في استئجار الكافر لكتابة المصحف
[م-٨٦٤] اختلف الفقهاء في المسلم يستأجر كافرًا ليكتب له مصحفًا بأجر على قولين.
القول الأول:
العقد فاسد، وله أجر المثل لا المسمى، وهذا مذهب الشافعية (١)، وقول في مذهب الحنابلة.
جاء في الإنصاف: «قيل لأحمد: يعجبك أن تكتب النصارى المصاحف؟ قال: لا يعجبني. قال الزركشي: فأخذ من ذلك رواية بالمنع» (٢).
القول الثاني:
العقد صحيح، وهو مذهب الحنفية والحنابلة.
جاء في مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر: «والمذهب عندنا أن كل طاعة يختص بها المسلم فالاستئجار عليها باطل، كالأذان والحج والإمامة ... بخلاف بناء المساجد، وأداء الزكاة، وكتابة المصحف، والفقه وتعليم الكتابة والنجوم والطب ... فإن أخذ الأجرة في الجميع جائز بالاتفاق» (٣).
стр. 3935
«وقال ابن عقيل الحنبلي في التذكرة: يجوز استئجار الكافر على كتابة المصحف إذا لم يحمله، قال أبو بكر: لا يختلف قول أحمد أن المصاحف يجوز أن يكتبها النصارى.
قال القاضي في الجامع: يحتمل قول أبي بكر يكتبه (مكتبًا) بين يديه، ولا يحمله، وهو قياس المذهب أنه يجوز؛ لأن مس القلم للحرف كمس العود للحرف» (١).
والراجح جوازه؛ لأن الراجح جواز أخذ الأجرة على كتابة المصحف، وهو مذهب الأئمة الأربعة.
قال الطحاوي: قال أصحابنا لا بأس بالاستئجار على كتابة المصحف والفقه وسائر العلوم ... » (٢).
وجاء في المدونة: «قلت: أرأيت إن استأجرت كاتبًا يكتب لي شعرًا ... أو مصحفًا. قال مالك: أما كتابة المصحف فلا بأس بذلك» (٣).
وقال ابن قدامة: «ويجوز أن يستأجر من يكتب له مصحفًا في قول أكثر أهل العلم. وروي ذلك عن جابر بن زيد ومالك بن دينار، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأبو ثور وابن المنذر. وقال ابن سيرين: لا بأس أن يستأجر الرجل شهرًا ثم يستكتبه مصحفًا.
وكره علقمة كتابة المصحف بالأجر. ولعله يرى أن ذلك مما يختص فاعله بكونه من أهل القربة فكره الأجر عليه كالصلاة.
стр. 3936
ولنا أنه فعل مباح يجوز أن ينوب فيه الغير عن الغير فجاز أخذ الأجر عليه ككتابة الحديث وقد جاء في الخبر (أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله) (١).
والقول بالجواز هو القول الراجح، والله أعلم.
* * *
стр. 3937
المسألة الثانية
في استئجار الكافر لبناء المسجد
[م-٨٦٥] اختلف الفقهاء في استئجار الكافر لعمارة المسجد إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول:
أجاز الحنفية والحنابلة استئجار الكافر لبناء المسجد مطلقًا (١).
جاء في الإنصاف: «يجوز استئجار الذمي لعمارة المساجد على الصحيح من المذهب، وجزم به المصنف وغيره. وكلام القاضي في أحكام القرآن يدل على أنه لا يجوز» (٢).
وجاء في مطالب أولي النهى: «ولا يجوز لكافر دخول حرم مكة، ولا المدينة، ولا مساجد الحل ولو بإذن مسلم، ويجوز دخولها للذمي والمعاهد والمستأمن إذا استؤجر لعمارتها» (٣).
القول الثاني: مذهب المالكية .
أجاز المالكية استئجار الكافر لعمارة المسجد إذا لم يوجد نجار أو بناء غيره، أو وجد غيره ولكن كان الكافر أتقن للصنعة.
стр. 3938
جاء في شرح الخرشي: «يحرم على الكافر دخول أي مسجد كان، وإن أذن له المسلم فيه خلافًا للشافعية ما لم تدع ضرورة كبناء» (١).
قال في حاشية الدسوقي: «ما لم تدع ضرورة لدخوله كعمارة: أي بأن لم يوجد نجار أو بناء غيره، أو وجد مسلم غيره، ولكن كان هو أتقن للصنعة، فلو وجد مسلم غيره مماثل له في إتقان الصنعة، لكن كانت أجرة المسلم أزيد من أجرة الكافر، فإن كانت الزيادة يسيرة لم يكن هذا من الضرورة وإلا كان منها على الظاهر. كذا قرر شيخنا» (٢).
قال ابن رجب: واختلفوا في تمكينهم من عمارة المسجد بالبنيان والترميم ونحوه على قولين:
أحدهما: المنع من ذلك ... ذكر ذلك كثير من المفسرين، كالواحدي، وأبي فرج بن الجوزي، وكلام القاضي أبي يعلى في كتاب أحكام القرآن يوافق ذلك، وكذلك كيا الهراسي من الشافعية» (٣).
القول الثالث: مذهب الشافعية:
صحح الشافعية استئجار الكافر لبناء المسجد إلا أنهم جعلوا العقد غير لازم بالنسبة للمستأجر (٤).
قال الماوردي: «ما تصح فيه الإجارة، ويثبت فيه الخيار، وهو ما كان من الأعمال طاعة مقصودة، كبناء المساجد، ونحر الأضاحي، فإن كانت الإجارة
стр. 3939
معينة فللمستأجر الخيار في المقام أو الفسخ؛ لأن قيام المسلم به أعظم ثوابًا، وإن كانت في الذمة قيل للأجير: إن استنبت فيها مسلمًا فلا خيار للمستأجر، وإن توليتها بنفسك فللمستأجر الخيار» (١).
وقد أجاز الشافعية استئجار الذمية لكنس المسجد (٢).
الراجح:
الأعمال التي تأتي على وجه القربة بالنية، وتأتي على غير القربة إن قام بها مسلم فهو أفضل، وإن قام بها كافر صح إلا المسجد الحرام فلا يستأجر كافر لبنائه مع وجود غيره من المسلمين، لكونه ممنوعًا من دخول الحرم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة:٢٨] والمراد بالمسجد الحرام: الحرم كله لقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا﴾ [الإسراء:١] وإنما أسري به من بيت أم هانئ من خارج المسجد.
وأما بقية المساجد فلا بأس بدخول الكافر للحاجة والمصلحة، ومن ذلك حرم المدينة، فهو في هذه المسألة كغيره من المساجد، وقد ربط فيها النبي ﷺ ثمامة في المسجد قبل إسلامه ﵁، وأقر النبي ﷺ وفد ثقيف حين دخلوا المسجد قبل أن يسلموا، وقدم عليه وفد النصارى فأدخلهم المسجد.
وقال ابن نجيم: «الأعمال ثلاثة أنواع: ما يجوز فيه الأرزاق والإجارة كبناء المساجد، ونحوها. وما يمتنع فيه الإجارة دون الأرزاق كالقضاء والإفتاء، وما
стр. 3940
اختلف في جواز الإجارة فيه دون الأرزاق، كالإمامة والأذان والحج» (١). والله أعلم.
* * *
стр. 3941
المسألة الثالثة
في استئجار الكافر في الخياطة والبناء
[م-٨٦٦] اختلف الفقهاء في استئجار الكافر في أعمال الصناعة كالخياطة والبناء مما ليس عبادة مقصودة في نفسه إلى قولين.
القول الأول:
ذهب عامة الفقهاء إلى القول بالجواز.
قال ابن بطال: «استئجار المشركين عند الضرورة وغيرها جائز حسن؛ لأن ذلك ذلة وصغار لهم ...... وعامة الفقهاء يجيزون استئجارهم عند الضرورة وغيرها» (١).
وقال الكاساني في بدائع الصنائع: «وإسلامه ليس بشرط أصلًا، فتجوز الإجارة والاستئجار من المسلم والذمي، والحربي والمستأمن؛ لأن هذا من عقود المعاوضات، فيملكه المسلم والكافر جميعًا كالبياعات» (٢).
وقال في الفواكه الدواني: «ولا يشترط إسلام العاقد ... » (٣).
وقال الماوردي: «ما تصح فيه الإجارة، ولا خيار للمستأجر فيه، وهو أعمال الصناعات التي ليس فيها طاعة مقصودة، كبناء دار، أو عمارة أرض، أو رعي ماشية؛ لأن هذه أعمال يستوي فيها المسلم والكافر» (٤).
стр. 3942
وقال الغزالي: «أما إسلام العاقد فغير مشروط إلا في شراء العبد المسلم، وفيه قولان ... » (١).
وقال النووي: «إسلام المتعاقدين ليس بشرط في مطلق التبايع لكن لو اشترى كافر عبدًا مسلمًا، أو اتهبه، أو أوصي له به لم يملكه على الأظهر» (٢).
دليل الجمهور على الجواز:
الدليل الأول:
(ح-٥٧٦) ما رواه البخاري من طريق معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير،
عن عائشة ﵂ قالت: استأجر النبي ﷺ وأبو بكر رجلا من بني الديل، ثم من بني عبد بن عدي هاديًا خريتًا- الخريت الماهر بالهداية - قد غمس يمين حلف في آل العاص بن وائل، وهو على دين كفار قريش، فأمناه، فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحلتيهما صبيحة ليال ثلاث، فارتحلا وانطلق معهما عامر بن فهيرة، والدليل الديلي فأخذ بهم أسفل مكة وهو طريق الساحل (٣).
وجه الاستدلال:
قال ابن حجر: «وفي الحديث استئجار المسلم الكافر على هداية الطريق إذا أمن إليه» (٤).
وقال ابن القيم: «وفي استئجار النبي ﷺ عبد الله بن أريقط الديلي هاديًا
стр. 3943
في وقت الهجرة، وهو كافر دليل على جواز الرجوع إلى الكافر في الطب، والكحل، والأدوية، والكتابة، والحساب، والعيوب، ونحوها، ما لم يكن ولاية تتضمن عدالة، ولا يلزم من مجرد كونه كافرًا ألا يوثق به في شيء أصلًا؛ فإنه لا شيء أخطر من الدلالة في الطريق، ولاسيما في مثل طريق الهجرة» (١).
الدليل الثاني:
إذا جاز للمسلم أن يودع ماله عند الكافر، جاز له أن يستأجره على حفظه.
قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥].
وقد جاء في صحيح البخاري عن خزاعة: (وكانوا عيبة نصح لرسول الله ﷺ ) (٢).
قال الحافظ تعليقًا: «العيبة: .... ما توضع فيه الثياب لحفظها، أي أنهم موضع النصح له، والأمانة على سره ... كأنه شبه الصدر الذي هو مستودع السر بالعيبة التي هي مستودع الثياب» (٣).
الدليل الثالث:
(ح-٥٧٧) ما رواه أبو داود، قال: حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد.
عن سعد قال: مرضت مرضًا أتاني رسول الله ﷺ يعودني، فوضع يده بين ثديي حتى وجدت بردها على فؤادي،
стр. 3944
فقال: إنك رجل مفئود، ائت الحارث ابن كلدة أخا ثقيف، فإنه رجل يتطبب، فليأخذ سبع تمرات من عجوة المدينة فليجأهن بنواهن ثم ليلدك بهن (١).
[ضعيف] (٢).
وجه الاستدلال:
الحارث بن كلدة كان طبيب العرب في وقته، وأصله من ثقيف، ومات في أول الإسلام، ولم يصح إسلامه، كما ذكر ذلك ابن عبد البر (٣)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٤). قال ابن أبي حاتم: دل على أن الاستعانة بأهل الذمة في الطب جائزة (٥).
стр. 3945
وإذا جاز استطباب الكافر جاز استئجاره لذلك إذا كان من أهله.
القول الثاني:
اختار بعض أهل العلم ومنهم البخاري في صحيحه أنه لا يجوز استئجار الكافر إلا في حال الضرورة.
فقد ترجم البخاري في صحيحه بقوله: (باب استئجار المشركين عند الضرورة، أو إذا لم يوجد أهل الإسلام، وعامل النبي ﷺ يهود خيبر) (١).
قال الحافظ في الفتح: «هذه الترجمة مشعرة بأن المصنف يرى بامتناع استئجار المشرك حربيًا كان أو ذميًا إلا عند الاحتياج إلى ذلك كتعذر وجود مسلم يكفي في ذلك، وقد روى عبد الرزاق، عن ابن جريج،
عن ابن شهاب، قال: لم يكن للنبي ﷺ عمال يعملون بها نخل خيبر، وزرعها، فدعا النبي ﷺ يهود خيبر، فدفعها إليهم .. الحديث.
وفي قصة استشهاده بقصة معاملة النبي ﷺ يهود خيبر على أن يزرعوها، وباستئجاره الدليل المشرك لما هاجر على ذلك نظر؛ لأنه ليس فيها تصريح بالمقصود من منع استئجارهم، وكأنه أخذ ذلك من هذين الحديثين مضمومًا إلى قوله ﷺ : إنا لا نستعين بمشرك. أخرجه مسلم، وأصحاب السنن، فأراد الجمع بين الأخبار بما ترجم به» (٢).
ويجاب عن حديث: إنا لا نستعين بمشرك بأجوبة منها:
الجواب الأول:
حديث: إنا لا نستعين بمشرك، قيل في سياق الاستعانة بالكافر على الكفار،
стр. 3946
في باب من أبواب الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام، فهو يختلف عن موضوعنا، وهو استئجار الكفار على أمور البناء والخياطة والصناعات.
وقد استعان الرسول ﷺ بالنجاشي في هجرة أصحابه إلى الحبشة، واستعان الرسول ﷺ بعبد الله بن أريقط كدليل له في هجرته إلى المدينة، واستعان النبي ﷺ بالمطعم ابن عدي في إجارته له حين رجع من الطائف إلى مكة.
الجواب الثاني:
قال بعضهم: إن هذا الحديث قيل في خروج النبي ﷺ لبدر، وهو منسوخ بالحوادث التي جاءت بعد ذلك في الاستعانة بهم.
فقد تحالف النبي ﷺ مع اليهود على حماية المدينة من أي عدوان، ووافق الرسول ﷺ على دخول خزاعة في الحلف الذي أبرمه مع قريش عام الحديبية، وشهد صفوان بن أمية حرب حنين، وهو مشرك، قال البيهقي: إنه معروف فيما بين أهل المغازي.
الجواب الثالث:
أن محل جواز الاستعانة بالمشرك إنما هو عند الحاجة أو الضرورة، ولا تجوز في غير ذلك، والرسول ﷺ ما كان في بدر محتاجًا إلى من يساعده؛ لأن خروجه لم يكن للحرب، بل لاعتراض قافلة قريش، ولذلك أخذ معه نحو ثلاثمائة صحابي أو يزيدون قليلًا، ولو كان يريد الحرب لأخذ كثيرًا من المسلمين الذين تركهم في المدينة (١).
وتبقى مسألة الاستعانة بالمشركين في باب الجهاد، وهو ليس موضوع البحث، وإنما البحث في مسألة الاستعانة بالمشرك على أمر من أمور الدنيا.
стр. 3947
الراجح من الخلاف:
الراجح أن إسلام العاقد في الإجارة ليس بشرط، فتجوز الإجارة والاستئجار من المسلم والذمي، والحربي والمستأمن، والله أعلم.
* * *
стр. 3948
الفصل الثالث
في الشروط المتعلقة الأجرة
المبحث الأول
في تعريف الأجرة
تعريف الأجرة اصطلاحًا (١):
عرف بعضهم الأجرة بأنها «العوض الذي يعطى مقابل منفعة الأعيان، أو منفعة الآدمي» (٢).
والأجرة في عقد الإجارة كالثمن في عقد البيع، ولذلك وضع الفقهاء قاعدة عامة لبيان ما يصلح أن يكون أجرة، فقالوا: كل ما جاز ثمنًا في البيع جاز عوضًا في الإجارة» (٣).
وعللوا ذلك: بأنها عقد معاوضة فأشبه البيع، فعلى هذا يجوز أن يكون العوض في الإجارة عينًا معينة، أو عينًا موصوفة في الذمة، أو منفعة أخرى على الصحيح، سواء كان الجنس واحدًا كمنفعة دار بمنفعة أخرى، أو مختلفًا كمنفعة دار بمنفعة عبد. وسيأتي تحرير الخلاف في كون الأجرة منفعة إن شاء الله تعالى (٤).
* * *
стр. 3949
المبحث الثاني
في شروط الأجرة
الشرط الأول
أن تكون الأجرة معلومة
[م-٨٦٧] سبق لي أن ذكرت في عقد البيع شروط الثمن، وكل ما يشترط في ثمن المبيع يشترط في الأجرة، ومن ذلك معرفة الأجرة، وذلك أن عقد الإجارة من عقود المعاوضة، والمنفعة إنما تبذل في مقابل الأجرة، وإذا كان يشترط أن يعلم المستأجر بالمنفعة والتي سوف يبذل المال في تحصيلها، فإنه يشترط في حق المؤجر أن يعلم بالأجرة والتي رضي أن يبذل منفعته للمستأجر في مقابلها، فالعلم بالأجرة يأخذ حكم العلم بالمنفعة؛ لأنها أحد العوضين.
جاء في المدونة: «قال مالك: كل ما جاز لك أن تبيعه فلا بأس أن تستأجر به، وما لا يجوز لك أن تبيعه فلا يجوز لك أن تستأجر به» (١).
ويتوصل إلى معرفة الأجرة إما بالإشارة والتعيين كما لو كانت الأجرة عينًا معينة، وإما بالوصف والبيان كما لو كانت الإجارة على شيء موصوف في الذمة، وهذه لا بد من معرفتها وذلك ببيان الجنس والنوع والصفة والمقدار؛ لأن عدم العلم بالأجرة يجعل الأجرة مجهولة، وجهالة الأجرة مفسدة للعقد (٢).
قال في تبيين الحقائق: «وشرطها - يعني الإجارة - أن تكون الأجرة والمنفعة
стр. 3950
معلومتين؛ لأن جهالتهما تفضي إلى المنازعة» (١).
وقال ابن حبيب المالكي كما في المنتقى للباجي: «لا ينبغي أن يستعمل الصانع إلا بأجر معلوم مسمى. ولعله أراد ما في الموازية وغيرها: أنه سئل عن العمل بالقيمة، فقال: لا أحبه، ولا يصلح في جعل ولا إجارة بغير تسمية، يريد أن يعقد بينهما بذلك عقد إجارة أو جعل، فأما إذا وقع ذلك بغير عقد فلا بأس» (٢).
وجاء في مغني المحتاج: «ويشترط كون الأجرة التي في الذمة معلومة جنسًا وقدرًا وصفة كالثمن في البيع، فإن كانت معينة كفت مشاهدتها إن كانت على منفعة معينة على المذهب، أو في الذمة على الأصح» (٣).
وقال ابن حزم: «ولا تجوز الإجارة إلا بمضمون مسمى محدود في الذمة أو بعين معينة متميزة معروفة الحد والمقدار» (٤).
وقال ابن قدامة: «يشترط في عوض الإجارة كونه معلومًا. لا نعلم في ذلك خلافًا; وذلك لأنه عوض في عقد معاوضة فوجب أن يكون معلومًا كالثمن في البيع .... ويعتبر العلم بالرؤية أو بالصفة كالبيع سواء» (٥).
وقد تنازع الفقهاء في أنواع من الأجرة هل هي مجهولة أم لا، وهل الجهالة فيها تؤدي إلى المنازعة فتمنع، أو يمكن معرفتها ولو في المآل فتجوز، وسوف نعرض في المباحث التالية أمثلة لهذا النوع المختلف فيه، وما لم يذكر يكون مقيسًا على ما ذكر.
* * *
стр. 3951
المبحث الأول
إذا أجره ولم يذكر له مقدار الأجرة
قال الكاساني: الأجرة في الإجارات معتبرة بالثمن في البياعات (١).
وجاء في المبسوط: العقد المطلق يجب حمله على المتعارف (٢).
[م-٨٦٨] إذا استأجر الإنسان حمالًا أو خياطًا أو حلاقًا، ولم يتعرضا للأجرة، أو تعرضا لها دون أن يذكرا مقدارها، كما لو قال: احمل متاعي على ما هو متعارف، أو قال له: احمله وسأرضيك، فهل يصح ذلك؟
اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
له أجر المثل مطلقًا، أي سواء كان منتصبًا للعمل أم لا، وهو مذهب الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، وقول في مذهب الشافعية (٥)، والمشهور من مذهب
стр. 3952
الحنابلة (١)، واختاره ابن تيمية (٢)، ونسبه ابن القيم إلى الجمهور (٣).
القول الثاني:
ليس له أجر مطلقًا، سواء كان معروفًا بذلك العمل أم لا، وهو الأصح في مذهب الشافعية (٤).
القول الثالث:
القول بالتفصيل: إن كان منتصبًا للعمل فله أجر المثل، وإن لم يكن منتصبًا فليس له أجرة، وهو قول في مذهب الحنفية (٥)، وقول في مذهب الشافعية (٦)،
стр. 3953
واختاره ابن قدامة من الحنابلة (١).
القول الرابع:
له أجر المثل إذا لم يكن من أهل التبرع كالمحجور عليه لسفه، والعبد (٢).
وقد ذكرنا أدلة الأقوال في عقد المقاولة عند ذكر شروط الأجرة من المجلد الثامن، ورجحت جواز الإجارة من غير ذكر الأجرة؛ لأن المتعاقدين حين تعاقدا من غير ذكر الأجرة كان لسان حالهما أنهما قد تراضيا في الرجوع إلى أجرة المثل، فإذا تراضيا على ذلك جاز، والأجرة وإن لم تكن مقدرة هنا لكنها قابلة للتقدير، كما أن الرجوع إلى أجرة المثل أدعى للعدل مما لو تعاقدا على أجر مسمى، فقد يغبن أحدهما الآخر، ولا زال الناس يتعاملون في البيع بمثل ذلك، فيأخذ الرجل حاجته من البقال أو اللحام أو الفاكهي، ولا يتفقان على ثمن وقت الأخذ، ثم يحاسبه في آخر الشهر، وكان هذا البيع صورة من صور بيع المعاطاة، وما جاز في ثمن المبيع جاز في الأجرة. وقد سبق أن ناقشت البيع بدون ذكر الثمن ورجحت جوازه، فارجع إليه إن شئت في عقد البيع، والله أعلم.
* * *
стр. 3954
المبحث الثاني
في استئجار الظئر بطعامها وكسوتها
[م-٨٦٩] إذا استأجر الرجل الظئر بطعامها وكسوتها دون أن يبين مقدار الطعام وصفة الكسوة، فهل يصح عقد الإجارة؟
اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:
القول الأول:
يصح ذلك، وهو مذهب أبي حنيفة، والمالكية، والحنابلة (١).
دليل من قال بالجواز:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٦].
وقال تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
ومعلوم أن الرضاع يختلف، فيكون صبي أكثر رضاعًا من آخر، وامرأة أكثر
стр. 3955
إرضاعًا من أخرى، ويختلف لبنها، فيقل أو يكثر، ومع ذلك جازت الإجارة على هذا.
قال ابن قدامة: «ولم يفرق بين المطلقة وغيرها، بل في الآية قرينة تدل على طلاقها؛ لأن الزوجة تجب نفقتها وكسوتها بالزوجية، وإن لم ترضع؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] والوارث ليس بزوج» (١).
الدليل الثاني:
بعث رسول الله ﷺ والناس يتعاملون به، فأقرهم عليه، وكانوا عليه في الجاهلية.
الدليل الثالث:
حاجة الناس إلى جوازه، والأم قد تعجز عن الإرضاع لمرض أو موت، أو تأبى الإرضاع، فلا طريق إلى تحصيل المقصود سوى استئجار الظئر. وترك تقدير الأجرة إلى ما يتعارف عليه الناس لا حرج فيه كما ترك تقدير نفقة الزوجة ومقدار الطعام في الكفارة إلى عرف الناس، والناس يستأجرون الحمام دون ذكر لمقدار ما يستعمل من الماء، والناس يتفاوتون في ذلك، ومع ذلك تساهل الناس في هذا المقدار من الجهالة، والله أعلم.
القول الثاني:
لا يصح، وهو اختيار أبي يوسف ومحمد بن الحسن، ومذهب الشافعية، ورواية عن أحمد، وبه قال أبو ثور (٢).
стр. 3956
دليل من قال: لا يجوز:
العلم بالأجرة شرط في صحة عقد الإجارة، وإطلاق الطعام والكسوة دون وصفهما يجعل الطعام مجهول الجنس والمقدار والصفة، كما أن الناس يختلفون في الأكل اختلافًا متفاوتًا، وكذلك الشأن في الكسوة، فيؤدي ذلك إلى جهالة الأجرة، والجهالة به مفسدة للعقد؛ لأنها تفضي إلى التنازع.
وأجيب من وجهين:
الوجه الأول:
القول بأن الأجرة مجهولة مسلم، والجهالة نوع من الغرر، والغرر والجهالة لا يمنعان صحة العقد لعينهما، بل لإفضائها إلى المنازعة أو الوقوع في المخاطرة، وجهالة الأجرة في هذا الباب لا تفضي إلى المنازعة ولا توقع في المخاطرة؛ لأن العادة جرت بالمسامحة مع الظئر والتوسيع عليها وعدم المماكسة معهن، وإعطائهن شهواتهن شفقة على الأولاد (١).
الوجه الثاني:
أن الجهالة لو كانت مؤثرة في هذا العقد لامتنع استئجار المرضعة مطلقًا حتى ولو كانت الأجرة من النقود لاختلاف الأطفال في مقدار الشرب، واختلاف المرضعات في كثرة الحليب وقلته، وقد تزيد حاجة الطفل إلى الرضاع وقد
стр. 3957
تنقص تبعًا لصحته ومرضه، والطفل عرضة للمرض خلال مراحل نموه الأولى، فدل على أن الشرع سهل في هذا العقد، ولم ينظر إلى ما يتطرق إلى العقد من جهالة يسيرة، لحاجة الناس إلى هذا العقد، والله أعلم.
* * *
стр. 3958
المبحث الثالث
في استئجار الأجير بطعامه وكسوته
إذا استأجر الرجل الأجير مقابل طعامه وكسوته أو دابة بعلفها، فإما أن يوصف الطعام والكسوة وصفًا دقيقًا بحيث يعرف جنس كل منهما ومقداره، وترتفع الجهالة عن العوض، أو يذكر الطعام والكسوة دون أن يحدد العاقدان مقدار الطعام وصفة الكسوة.
[م-٨٧٠] فإنْ وصف الطعام والكسوة بما يكفي في السلم صح ذلك، وحكي إجماعًا، حكاه جمع من أهل العلم منهم الزيلعي من الحنفية (١)، وابن المنذر من الشافعية (٢)، وابن قدامة من الحنابلة (٣)، وغيرهم.
[م-٨٧١] أما إذا لم يبين العاقدان جنس ومقدار الطعام والكسوة فقد اختلف الفقهاء في حكم استئجار الأجير بطعامه وكسوته على قولين:
القول الأول:
لا يجوز، وهو مذهب الحنفية، والراجح عند الشافعية، ورواية في مذهب الحنابلة، واختاره ابن حزم (٤).
стр. 3959
دليل من قال بالمنع:
العلم بالثمن شرط في صحة عقد الإجارة، وإطلاق الطعام والكسوة دون وصفهما يجعل الطعام مجهول الجنس والمقدار والصفة، كما أن الناس يختلفون في الأكل اختلافًا متفاوتًا، وكذلك الشأن في الكسوة، فيؤدي ذلك إلى جهالة الثمن، والجهالة به مفسدة للعقد؛ لأنها تفضي إلى التنازع، فكل طرف يبحث عن مصلحته.
(ح-٥٧٨) وقد روى الإمام أحمد، قال: حدثنا أبو كامل، عن حماد، عن إبراهيم،
عن أبي سعيد الخدري، أن النبي ﷺ نهى عن استئجار الأجير حتى يبين له أجره ... الحديث (١).
ويناقش من وجهين:
الأول: أن الحديث ضعيف مرفوعًا، والموقوف منقطع، فلا حجة فيه.
الثاني: على فرض صحته فإن من استأجر أجيرًا بنفقته وكسوته فقد بين له نوع أجره، والمرجع في مقداره عند التنازع إلى الوسط في عرف الناس، وما يوجد في ذلك من الغرر فهو من الغرر المعفو عنه؛ لأنه لا يفضي إلى التنازع.
стр. 3960
القول الثاني:
يجوز، وهو مذهب المالكية (١)، والمذهب عند الحنابلة (٢)، واختيار ابن تيمية (٣).
دليل من قال بالجواز .
الدليل الأول:
القياس على الظئر، قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٦].
وقال تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٣٣].
ومعلوم أن الرضاع يختلف، فيكون صبي أكثر رضاعًا من آخر، وامرأة أكثر رضاعًا من أخرى، ويختلف لبنها، فيقل أو يكثر، ومع ذلك جازت الإجارة على هذا.