← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.

стр. 3956

دليل من قال: لا يجوز: العلم بالأجرة شرط في صحة عقد الإجارة، وإطلاق الطعام والكسوة دون وصفهما يجعل الطعام مجهول الجنس والمقدار والصفة، كما أن الناس يختلفون في الأكل اختلافًا متفاوتًا، وكذلك الشأن في الكسوة، فيؤدي ذلك إلى جهالة الأجرة، والجهالة به مفسدة للعقد؛ لأنها تفضي إلى التنازع. وأجيب من وجهين: الوجه الأول: القول بأن الأجرة مجهولة مسلم، والجهالة نوع من الغرر، والغرر والجهالة لا يمنعان صحة العقد لعينهما، بل لإفضائها إلى المنازعة أو الوقوع في المخاطرة، وجهالة الأجرة في هذا الباب لا تفضي إلى المنازعة ولا توقع في المخاطرة؛ لأن العادة جرت بالمسامحة مع الظئر والتوسيع عليها وعدم المماكسة معهن، وإعطائهن شهواتهن شفقة على الأولاد (١). الوجه الثاني: أن الجهالة لو كانت مؤثرة في هذا العقد لامتنع استئجار المرضعة مطلقًا حتى ولو كانت الأجرة من النقود لاختلاف الأطفال في مقدار الشرب، واختلاف المرضعات في كثرة الحليب وقلته، وقد تزيد حاجة الطفل إلى الرضاع وقد

стр. 3957

تنقص تبعًا لصحته ومرضه، والطفل عرضة للمرض خلال مراحل نموه الأولى، فدل على أن الشرع سهل في هذا العقد، ولم ينظر إلى ما يتطرق إلى العقد من جهالة يسيرة، لحاجة الناس إلى هذا العقد، والله أعلم. * * *

стр. 3958

المبحث الثالث في استئجار الأجير بطعامه وكسوته إذا استأجر الرجل الأجير مقابل طعامه وكسوته أو دابة بعلفها، فإما أن يوصف الطعام والكسوة وصفًا دقيقًا بحيث يعرف جنس كل منهما ومقداره، وترتفع الجهالة عن العوض، أو يذكر الطعام والكسوة دون أن يحدد العاقدان مقدار الطعام وصفة الكسوة. [م-٨٧٠] فإنْ وصف الطعام والكسوة بما يكفي في السلم صح ذلك، وحكي إجماعًا، حكاه جمع من أهل العلم منهم الزيلعي من الحنفية (١)، وابن المنذر من الشافعية (٢)، وابن قدامة من الحنابلة (٣)، وغيرهم. [م-٨٧١] أما إذا لم يبين العاقدان جنس ومقدار الطعام والكسوة فقد اختلف الفقهاء في حكم استئجار الأجير بطعامه وكسوته على قولين: القول الأول: لا يجوز، وهو مذهب الحنفية، والراجح عند الشافعية، ورواية في مذهب الحنابلة، واختاره ابن حزم (٤).

стр. 3959

دليل من قال بالمنع: العلم بالثمن شرط في صحة عقد الإجارة، وإطلاق الطعام والكسوة دون وصفهما يجعل الطعام مجهول الجنس والمقدار والصفة، كما أن الناس يختلفون في الأكل اختلافًا متفاوتًا، وكذلك الشأن في الكسوة، فيؤدي ذلك إلى جهالة الثمن، والجهالة به مفسدة للعقد؛ لأنها تفضي إلى التنازع، فكل طرف يبحث عن مصلحته. (ح-٥٧٨) وقد روى الإمام أحمد، قال: حدثنا أبو كامل، عن حماد، عن إبراهيم، عن أبي سعيد الخدري، أن النبي ﷺ نهى عن استئجار الأجير حتى يبين له أجره ... الحديث (١). ويناقش من وجهين: الأول: أن الحديث ضعيف مرفوعًا، والموقوف منقطع، فلا حجة فيه. الثاني: على فرض صحته فإن من استأجر أجيرًا بنفقته وكسوته فقد بين له نوع أجره، والمرجع في مقداره عند التنازع إلى الوسط في عرف الناس، وما يوجد في ذلك من الغرر فهو من الغرر المعفو عنه؛ لأنه لا يفضي إلى التنازع.

стр. 3960

القول الثاني: يجوز، وهو مذهب المالكية (١)، والمذهب عند الحنابلة (٢)، واختيار ابن تيمية (٣). دليل من قال بالجواز . الدليل الأول: القياس على الظئر، قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٦]. وقال تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٣٣]. ومعلوم أن الرضاع يختلف، فيكون صبي أكثر رضاعًا من آخر، وامرأة أكثر رضاعًا من أخرى، ويختلف لبنها، فيقل أو يكثر، ومع ذلك جازت الإجارة على هذا.

стр. 3961

قال ابن قدامة: «ولم يفرق بين المطلقة وغيرها، بل في الآية قرينة تدل على إطلاقها؛ لأن الزوجة تجب نفقتها وكسوتها بالزوجية، وإن لم ترضع؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] والوارث ليس بزوج ... وإذا ثبت في الظئر بالآية، فيثبت في غيرها بالقياس عليها» (١). الدليل الثاني: قال تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩] فأطلق الطعام والكسوة على ما يعرف الناس، فقام العرف مقام التسمية كنفقة الزوجة، ولأن للكسوة عرفًا، وهي كسوة الزوجات، وللإطعام عرفًا، وهو الإطعام في الكفارات، فجاز إطلاقه كنقد البلد (٢). الدليل الثالث: (ح-٥٧٩) ما رواه ابن ماجه، قال: حدثنا محمد بن المصفى الحمصي، حدثنا بقية بن الوليد، عن مسلمة بن علي عن سعيد بن أبي أيوب، عن الحارث بن يزيد عن علي بن رباح قال: سمعت عتبة بن الندر يقول: كنا عند رسول الله ﷺ فقرأ طس حتى إذا بلغ قصة موسى قال: إن موسى ﷺ آجر نفسه ثماني سنين أو عشرا على عفة فرجه وطعام بطنه (٣).

стр. 3962

[ضعيف جدا] (١). الدليل الرابع: (ث-١٠٢) ما رواه ابن ماجه، قال: حدثنا أبو عمر حفص بن عمرو، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سليم بن حيان سمعت أبي يقول: سمعت أبا هريرة يقول نشأت يتيما، وهاجرت مسكينا، وكنت أجيرًا لابنة غزوان بطعام بطني وعقبة رجلي، أحطب لهم إذا نزلوا، وأحدو لهم إذا ركبوا فالحمد لله الذي جعل الدين قوامًا وجعل أبا هريرة إماما (٢). [حسن لغيره] (٣).

стр. 3963

ونوقش هذا: بأن الحديث يحتمل أن يكون ذلك قبل إسلام أبي هريرة، وقد ذكر ذلك في سياق ما أنعم الله عليه بالإسلام، ويحتمل أن يكون آجر نفسه على مقدار معلوم من الطعام (١). الراجح: جواز إجارة الأجير بطعامه وكسوته، وعند النزاع رأى بعض العلماء أن له مدًا من الطعام قياسًا على إطعام المسكين في الكفارة، والذي أميل إليه أن له طعام مثله، وهو يختلف من حرفة إلى أخرى، فطعام المهندس يختلف عن طعام الحرفي. وبالنسبة للكسوة فنص ابن قدامة بأن له أقل لباس لمثله، ولو قيل: له الوسط من لباس مثله لكان أولى، والله أعلم. * * *

стр. 3964

المبحث الرابع في استئجار الدار بترميمها [م-٨٧٢] اختلف الفقهاء في الرجل يستأجر العين على أن يقوم بترميمها، فإن استأجر الدار بعمارتها، أو اشترط أنها إن احتاجت إلى ترميم فإن ترميمها عليه، أو استأجر الدار بدراهم معلومة واشترط عليه عمارتها خارجًا عن الأجرة، فهذا لا يجوز لدى جمهور الفقهاء (١). جاء في البحر الرائق: «لو استأجر الدار بكذا على أن يعمرها فالإجارة فاسدة» (٢). وجاء في المدونة: «سألنا مالكًا عن الرجل يكتري الدار، ويشترط عليه أنه إن انكسرت خشبة، أو احتاجت الدار إلى مرمة يسيرة كان ذلك على المتكاري، قال مالك: لا خير في ذلك إلا أن يشترطه من كرائها» (٣). وجاء في الوسيط للغزالي: «لو أجر الدار بعمارتها لم يجز، فإن العمارة مجهولة» (٤).

стр. 3965

وأما إذا أجر الدار بدارهم معلومة على أن ينفق المستأجر ما تحتاج إليه محتسبًا ذلك من كرائها، فاختلف الفقهاء في ذلك على قولين: القول الأول: يصح، وهذا مذهب المالكية، والحنابلة. ومثله إذا كان الترميم مبينًا معلومًا، ولم يعلق بالحاجة، واستأجرها على أن يقوم بذلك مرة أو مرتين بالسنة. جاء في المدونة «قلت: أرأيت إن استأجرت دارًا على أن عليَّ تطيين البيوت؟ قال: هذا جائز إذا سميتم تطيينها كل سنة مرة أو مرتين، أو في كل سنة مرة، فهذا جائز، فإن كان إنما قال له ذلك: إذا احتاجت طينها، فهذا مجهول، ولا يجوز. قلت: وهذا قول مالك؟ قال: هذا رأيي» (١). وجاء في الروض المربع: «فإن أجره الدار بعمارتها، أو عوض معلوم، وشرط عليه عمارتها خارجًا عن الأجرة لم تصح، ولو أجره بمعين على أن ينفق المستأجر ما تحتاج إليه محتسبًا به من الأجرة صح» (٢). القول الثاني: لا يصح، وهذا مذهب الشافعية. قال النووي في الروضة: «لو أجرها بدارهم معلومة على أن يصرفها إلى العمارة لم يصح؛ لأن الأجرة الدراهم مع الصرف إلى العمارة، وذلك عمل مجهول» (٣).

стр. 3966

وأرى أن الراجح في ذلك مذهب المالكية والحنابلة، وذلك لأن الكراء دراهم معلومة، وصرفها إلى الترميم من قبيل الوكالة، وكونه يقوم بصرفها على الترميم عمل معلوم، وليس مجهولًا كما يقول الشافعية، وعلى التسليم بأن فيه جهالة فهو لا يتعلق بالأجرة، وإنما يتعلق بالوكالة، والوكالة تجوز بأجرة وبدون أجرة، ولن يباشر الترميم بنفسه غاية ما في ذلك أن يدفع تكاليف الترميم من المال المستحق للمؤجر، وهذا لا يؤدي إلى الجهالة والله أعلم. * * *

стр. 3967

المبحث الخامس في الأجرة إذا كانت منفعة قال القرافي: كل ما جازت أجرته جاز أجره (١). وقال ابن قدامة: كل ما جاز ثمنًا في البيع جاز عوضًا في الإجارة (٢). وقال ابن عابدين: الأصل أن المنافع تجري مجرى الأعيان (٣). [م-٨٧٣] إذا اتفق المتعاقدان على أن تكون أجرة الدار منفعة أخرى يقوم بها المستأجر للمؤجر، وهو ما يسمى مقايضة المنافع: فإن اختلفت المنفعتان كالسكنى بالركوب، والركوب بالتعليم فذلك جائز عند الأئمة، ولم أقف على خلاف في المسألة. وإن كانت الأجرة منفعة من جنس المعقود عليه كإجارة السكنى بالسكنى، والركوب بالركوب فاختلف الفقهاء فيها على قولين: القول الأول: متى كانت المنفعتان من جنس واحد بطل العقد، وهذا مذهب الحنفية (٤).

стр. 3968

دليل من قال: لا يجوز: الدليل الأول: يذهب الحنفية إلى جريان ربا النسيئة في كل ما اتحد جنسه، سواء كان ذلك من الأعيان كمبادلة الثوب بثوب من جنسه نسيئة، أو من المنافع كمبادلة منفعة بأخرى من جنسها. فإذا أبدل منفعة بمنفعة من جنسها، وكانت المنافع بحكم المعدومة؛ لأنها تحدث شيئًا فشيئًا أدى ذلك إلى الوقوع في ربا النسيئة. و أجيب: قال ابن قدامة: «المنافع في الإجارة ليست في تقدير النسيئة، ولو كانت نسيئة ما جاز في جنسين؛ لأنه يكون بيع دين بدين» (١). فلما أجاز الحنفية ذلك في المنافع من أجناس مختلفة كالسكنى بالركوب دل على جوازها من جنس واحد. ولأن الدين هو ما تعلق في الذمة، ومنافع الأعيان تتعلق بأعيانها لا في الذمم، وقد شرع المستأجر في قبضها، وقَبْضُ العين قَبْضٌ للمنفعة فليست دينًا (٢). وقد ناقشت هذا المذهب في كتاب الربا، وبينت أن ربا النسيئة لا يجري إلا في الأموال الربوية بشرط اتحاد العلة، سواء كانت من جنس واحد كالبر بالبر، أو كان جنسها مختلفًا كالبر بالشعير، والذهب بالفضة، فأغنى عن إعادته هنا.

стр. 3969

الدليل الثاني: أن الإجارة أجيزت على خلاف القياس للحاجة، ولا حاجة إلى استئجار المنفعة بجنسها؛ لأنه يستغني بما عنده منها (١). ويجاب: قد يختلف المكان، فتكون حاجته إلى سكنى دار بمكة بسكنى دار في نجد، فلا تندفع حاجته بما عنده منها. القول الثاني: يصح العقد سواء اتفقت المنفعتان أو اختلفت، وهذا مذهب الجمهور، واختيار ابن حزم (٢). دليل من قال بالجواز: الدليل الأول: الأصل الجواز، فمن ادعى المنع فعليه الدليل من كتاب الله، أو سنة رسول ﷺ ، أو إجماع الصحابة.

стр. 3970

الدليل الثاني: قياس المنافع على الأعيان، فإذا جازت المقايضة في الأعيان التي من جنس واحد، جازت المقايضة في المنافع (١). وناقش الحنفية ذلك: بأنه لا خلاف في جواز بيع دار بدار، كجوازه بغير الدور إلا أن ذلك أعيان، وللمنافع أصل آخر في امتناع جواز الجنس بالجنس منه، وهو ما روي عن النبي ﷺ من النهي عن الشغار .... وهو عقد بضع ببضع، والأبضاع منافع، فالعقود عليها كعقود الإجارات على المنافع (٢). ويجاب: بأن البضع ليس بمال، فالمنع ليس من قبيل أنه منفعة بمنفعة من جنسها، وإنما المنع؛ لأن النكاح يشترط لصحته وجود المهر، وأن يكون مالًا، قال تعالى: ﴿أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤]، وإذا طلب البضع في مقابل بضع آخر، فقد كان العقد خلوًا من المال. الدليل الثالث: أن المنافع نوع من أنواع المال، فما جازت إجارته جاز أجره. الراجح: جواز إجارة المنافع بمنافع أخرى من جنسها، لعدم جريان الربا فيها، والله أعلم. * * *

стр. 3971

المبحث السادس في احتساب الأجرة بالحصة احتساب الأجرة بالحصة من الإنتاج تارة تكون تلك الأجرة حصة شائعة، كأن تكون الأجرة ثلث الإنتاج، أو ربعه، أو خمسه، وهكذا. وتارة تكون الأجرة مقدارًا محددًا، كأن يطحن الأجير الحنطة بقفيز من دقيقها. فهاتان مسألتان، وسوف نبحث كل واحدة منها في مبحث مستقل إن شاء الله تعالى، نسأل الله وحده عونه وتوفيقه. * * *

стр. 3972

الفرع الأول في الأجرة تكون حصة معينة من الإنتاج [م-٨٧٤] إذا كانت الأجرة حصة معينة من الإنتاج، كأن يدفع الحنطة لمن يطحنها بقفيز من دقيقها (١)، أو يعصر الزيتون بجزء معين معلوم منه، أو يدفع الغزل إلى حائك لينسجه بجزء معين منه، أو يسلخ الشاة في مقابل جلدها، أو ينقي تراب المعادن أو الصاغة بمقدار معين منه كأوقية منه مثلًا، فهل تصح الأجرة؟ اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: لا يصح مطلقًا، وهذا مذهب الجمهور (٢). واستدل هذا القول: الدليل الأول: (ح-٥٨٠) ما رواه الدارقطني، قال: حدثنا محمد بن الفضل بن الزيات،

стр. 3973

أخبرنا يوسف بن موسى، أخبرنا وكيع وعبيد الله بن موسى، قالا: أخبرنا سفيان، عن هشام أبي كليب، عن ابن أبي نعيم البجلي، عن أبي سعيد الخدري، قال: نهى عن عسيب الفحل. زاد عبيد الله: وعن قفيز الطحان (١). [اختلف في متنه وفي إسناده، قال الذهبي في الميزان: هذا منكر، وراويه لا يعرف، وقال ابن تيمية: باطل لا أصل له] (٢).

стр. 3974

الدليل الثاني: رأى الطحاوي أن سبب المنع من استئجار الطحان بقفيز منه، أنه استأجره بمعين ليس عنده، فالقفيز معين، وليس في الذمة؛ لأن تعيين الحنطة تعيين للدقيق، وإذا كانت الأجرة معينة فإنه يشترط أن تكون موجودة وقت العقد، والدقيق ليس عند المستأجر يوم يستأجر، لأنه لم يطحنه بعد.

стр. 3975

يقول الطحاوي: «ما يفعله أهل الجهل إلى يومنا هذا من دفع القمح إلى الطحان على أن يطحنه لهم بقفيز من دقيقه الذي يطحنه منه فكان ذلك استئجارًا من المستأجر بما ليس عنده إذ كان دقيق قمحه ليس عنده في الوقت الذي استأجر، وكان في ذلك ما قد دل أن الاستئجار لا يكون بما ليس عند المستأجر يوم يستأجر، كما لا يكون الابتياع بما ليس عند المبتاع يوم يبيع، وبما ليس عند المبتاع يوم يبتاع من الأشياء التي ليست عنده مما ليس معناها معنى الأثمان كالدراهم وكالدنانير، وكما سواها من ذوات الأمثال التي قد تكون دينا في الذمم وبالله التوفيق» (١). ويقول الزيلعي: «والمعنى فيه: أن المستأجر عاجز عن تسليم الأجر؛ لأنه بعض ما يخرج من عمل الأجير، والقدرة على التسليم شرط لصحة العقد، وهو لا يقدر بنفسه، وإنما يقدر بغيره، فلا يعد قادرًا ففسد، ولأنه جعل الأجر شيئًا لا يمكن تسليمه إلا بعمل الأجير، العمل الذي يجب عليه بحكم العقد، فتكون القدرة التي هي شرط العقد قائمة بحكم العقد، فتصير بمنزلة حكم العقد، والشرط لا يصلح حكمًا، فكذا لا يصلح قائمًا به» (٢). الدليل الثالث: علل الشافعية المنع بما قاله الماوردي في الحاوي، قال: «وإذا استأجر طحانًا ليطحن له عشرة أقفزة بقفيز منها مطحونًا لم يجز؛ لأنه جعل المعقود عليه معقودًا به .... ولكن لو استأجر لطحن تسعة أقفزة بالقفيز العاشر منها جاز؛ لأنه جعل تسعة أعشاره معقودًا عليه، وعشره معقودًا به» (٣).

стр. 3976

القول الثاني: يصح مطلقًا، وهذا القول اختاره ابن قدامة، وصوبه المرداوي من الحنابلة، ورجحه ابن القيم (١)، وجوزه بعض مشايخ بلخ من الحنفية (٢). استدل أصحاب هذا القول: الدليل الأول: احتج ابن القيم في الجواز بأن المؤجر إذا دفع حنطة إلى من يطحنها بقفيز منها، أو غزله إلى من ينسجه ثوبًا بجزء منه، أو زيتونه إلى من يعصره بجزء منه، ونحو ذلك أن الأجرة معلومة، ولا غرر فيها، ولا خطر، ولا قمار، ولا أكل مال بالباطل (٣). وهذا ينازع فيه المالكية: بأنه لو استأجره بجلده لم يكن معلومًا، هل يخرج

стр. 3977

الجلد سليمًا أو معيبًا، وكذا الزيتون لو كان بعضه جيدًا، وبعضه رديئًا لم يكن معلومًا هذا الجزء من الأجرة هل تخرج من الجيد، أو من الرديء. الدليل الثاني: استدل ابن القيم في الجواز بالقياس على المضاربة، قال ﵀: «هو نظير دفع ماله إلى من يتجر فيه بجزء من الربح، بل أولى، فإنه قد لا يربح المال فيذهب عمله مجانًا، وهذا لا يذهب عمله مجانًا، فإنه يطحن الحب، ويعصر الزيتون، ويحصل على جزء منه يكون به شريكًا لمالكه، فهو أولى بالجواز من المضاربة، فكيف يكون المنع منه موافقًا للأصول، والمزارعة التي فعلها رسول الله ﷺ وخلفاؤه الراشدون خلاف الأصول» (١). ويناقش: بأن القياس على المضاربة لا يصح، لأن الفقهاء مجمعون على أن المضارب لو ضارب بالمال واشترط أن يكون نصيبه دراهم معلومة كان العقد باطلًا. كما أن تسويته بين هذه المسألة وبين مسألة المزارعة ليست صائبة، فابن القيم يسوي بين الأجرة بمقدار محدد من الإنتاج، وهي مسألة قفيز الطحان، وبين الأجرة بجزء شائع من الإنتاج، وهي مسألة المزارعة، فلا يلزم من رد الأجرة بمقدار محدد من الإنتاج رد المزارعة التي كان العمل بها في وقت الرسول ﷺ وخلفائه، والتي كان النصيب فيها جزءًا مشاعًا. القول الثالث: القول بالتفصيل: إن كان الدقيق والزيتون نوعًا واحدًا، كله جيد أو كله رديء

стр. 3978

صح ذلك، وإن كان بعضه جيدًا وبعضه رديئًا لم يصح للجهالة، ومثله ما لو استأجره ليسلخ شاة في مقابل جلدها فهذا لا يصح؛ لأنه لا يعلم هل يخرج الجلد سليمًا أو معيبًا، وهذا مذهب المالكية (١). دليل المالكية على التفصيل: المالكية لم ينظروا إلى تعليلات الجمهور، وإنما كان النظر منهم موجهًا إلى نوعية الأجرة، فإن كان يلحقها جهالة، كما لو كان الخارج من الزيت أو الدقيق من أنواع مختلفة يختلف باختلافها الخارج من الطحن أو العصر، أو كانت الأجرة جلد الشاة قد يلحقه عيب عند السلخ منعوا من ذلك، وإذا كان الدقيق أو الزيت نوعًا واحدًا لا يختلف الخارج منه أجازوا ذلك، والله أعلم. وأري أن قول المالكية أقرب إلى الصواب، والله أعلم.

стр. 3979

الفرع الثاني في الأجرة تكون حصة شائعة من الإنتاج قال مالك: كل ما جاز لك أن تبيعه فلا بأس أن تستأجر به (١). وذكر الحنابلة بأن العين التي تنمى بالعمل يجوز العمل عليها ببعض نمائها (٢). [م-٨٧٥] اختلف الفقهاء في حكم الإجارة إذا كانت الأجرة حصة شائعة من الإنتاج كالثلث والربع والنصف على ثلاثة أقوال: القول الأول: ذهب الحنفية والشافعية (٣) إلى أن عقد الإجارة لا يصح أن يكون بحصة شائعة منه مطلقًا، لا فرق في ذلك بين أن يكون عقد الإجارة على نسج الثياب وخياطتها، أو على حصد الزرع ودرسه، أو على جني الثمار وعصرها. دليل الحنفية والشافعية: لم يفرق الحنفية والشافعية بين الأجرة بمقدار معين، أو الأجرة بحصة شائعة، وأدلتهم في منع هذه المسألة هي عين أدلتهم في المسألة التي قبلها، وقد ذكرت أدلتهم بالتفصيل في المسألة السابقة فأغنى ذلك عن إعادتها هنا.

стр. 3980

القول الثاني . ذهب الحنابلة وابن حزم من الظاهرية إلى جواز دفع الغزل لمن ينسجه بحصة شائعة منه، وكذا دفع الزيت لمن يعصره بحصة شائعة منه، وإعطاء الزرع لمن يحصده بحصة شائعة منه (١). وهو قول جماعة من أهل الحديث. قال البخاري في صحيحه: قال إبراهيم وابن سيرين وعطاء والحكم والزهري، وقتادة: لا بأس أن يعطى الثوب بالثلث، أو الربع أو نحوه» (٢).

стр. 3981

دليل القائلين بالجواز: فرق الحنابلة بين الأجرة بمقدار معين وبين الأجرة بحصة شائعة، فمنعوا الأولى، وصححوا الثانية، وكان عمدتهم في الاستدلال على صحة الإجارة بحصة شائعة: القياس على المساقاة والمزارعة، وكونها عينًا تنمى بالعمل فصح العقد عليها ببعض نمائها. قال ابن قدامة: «لا بأس بالثوب يدفع بالثلث والربع لحديث جابر أن النبي ﷺ أعطى خيبر على الشطر، وهذا يدل على أنه قد صار في هذا ومثله إلى الجواز؛ لشبهه بالمساقاة والمزارعة لا إلى المضاربة ولا إلى الإجارة، ونقل أبو داود عن أحمد فيمن يعطي فرسه على النصف من الغنيمة: أرجو ألا يكون به بأس» (١). وقال في شرح منتهى الإرادات: «ويصح دفع عبد، أو قربة، أو قدر، أو آلة حرث .... لمن يعمل به بجزء من أجرته، ويصح خياط ثوب، ونسج غزل، وحصاد زرع، ورضاع قن، واستيفاء مال ونحوه كبناء دار وطاحون ونجر باب، وطحن نحو بر بجزء مشاع منه؛ لأنها عين تنمى بالعمل فصح العقد عليها ببعض نمائها كالشجر في المساقاة، والأرض في المزارعة، ولا يصح تخريجها على المضاربة بالعروض؛ لأنها إنما تكون بالتجارة والتصرف في رقبة المال، وهذا بخلافه» (٢). وعلل ابن حزم الجواز بكون الإجارة محدودة في شيء موجود قائم (٣).

стр. 3982

القول الثالث: مذهب المالكية: ذهب المالكية إلى التفصيل: فإن كان ما يخرج معلومًا حين العقد أجازوه، وإن كان ما يخرج مجهولًا حين العقد منعوه للجهالة بالأجرة. ولهذا منع المالكية أن يدفع الرجل غزله لينسجه بحصة شائعة منه، كما منعوا عصر الزيت والسمسم بحصة شائعة منه للجهالة بمقدار الخارج وصفته حين العقد (١). بينما أجاز المالكية أن يقول الرجل لآخر: احصد زرعي ولك نصفه؛ لأنه معلوم مشاهد فكان كبيع الجزاف، بينما لو قال: احصد وادرس زرعي، ولك نصف الحب فلا يجوز؛ لأن العقد لم يقع على كمية الزرع، وإنما على الحب، وهو مجهول المقدار والصفة حين العقد. يقول الخرشي: «وكذلك تجوز الإجارة إذا قال له: احصد زرعي، وما حصدت فلك نصفه، فلو قال: احصد زرعي وادرسه، ولك نصفه لم يجز؛ لأنه

стр. 3983

استأجره بنصف ما يخرج من الحب، فهو لا يدري كم يخرج، ولا كيف يخرج، ولأنك لو بعته زرعًا جزافًا قد يبس على أن عليك حصاده ودرسه لم يجز؛ لأنه اشترى حبًا فلم يعاين جملته» (١). وجاء في المدونة: «قلت: أرأيت إن دفعت سفينتي إلى رجل فقلت له: أكرها فما كان فيها من كراء فهو بيني وبينك أيجوز هذا في قول مالك؟ قال: لا يجوز هذا عند مالك، ولا يجوز أن يعطيه الدار أو الحمام فيقول: أكرها فما كان من كراء فهو بيني وبينك; لأن الرجل قد آجر نفسه بشيء لا يدري ما هو. قلت: ولمن يكون جميع الكراء؟ قال: قال مالك: لرب السفينة والدار والحمام» (٢). الراجح من الخلاف: الذي أطمئن إليه القول بجواز الإجارة بحصة شائعة منه حتى ولو لم تكن الأجرة معلومة عند التعاقد فإن هذه الأجرة حين كانت مركبة من عين وعمل، أصبح لها شبه بعقد المساقاة والمزارعة أكثر من كونها إجارة محضة، والله أعلم.

стр. 3984

الشرط الثاني في اشتراط طهارة الأجرة [م-٨٧٦] سبق لنا اختلاف العلماء في اشتراط طهارة المعقود عليه في البيع، وكما اختلفوا في طهارة ثمن المبيع اختلفوا في اشتراط طهارة الأجرة في عقد الإجارة على قولين: القول الأول: لا يشترط الحنفية طهارة الأجرة، وإنما يشترطون أن يكون مالًا متقومًا، وهو اصطلاح خاص. فالمال عندهم ينقسم إلى قسمين: (أ) - مال غير متقوم لا يجوز أن يكون أجرة، لا فرق في ذلك بين أن يكون نجسًا كالميتة والدم، أو يكون طاهرًا كلبن الآدمية المنفصل عنها، فإنهم منعوا بيعه وإن كان طاهرًا لعدم جريان تموله بين الناس. يقول ابن نجيم: «فما يكون مباح الانتفاع بدون تمول الناس لا يكون مالًا» (١). (ب) - ومال متقوم يجوز أن يكون مبيعًا وثمنًا وأجرة، ولو لو يكن طاهرًا إذا جرى الانتفاع به بين المسلمين، واعتادوا تموله من غير نكير كالسرجين النجس. يقول ابن عابدين: «المال أعم من المتقوم (٢) ; لأن المال ما يمكن ادخاره، ولو غير مباح كالخمر والمتقوم ما يمكن ادخاره مع الإباحة فالخمر مال لا متقوم» (٣).

стр. 3985

وجاء في تبيين الحقائق: «كره بيع العذرة لا السرقين، وقال الشافعي ﵀: لا يجوز بيع السرقين أيضًا؛ لأنه نجس العين ... ولنا: أن المسلمين تمولوا السرقين، وانتفعوا به في سائر البلدان والأعصار من غير نكير، فإنهم يلقونه في الأراضي لاستكثار الريع بخلاف العذرة؛ لأن العادة لم تجر بالانتفاع بها ... » (١). فجعل المدار على جريان الانتفاع به، وليس على طهارته أو نجاسته. وأجاز الحنابلة في قول بيع بعض الأعيان النجسة. قال ابن قدامة: كل مملوك أبيح الانتفاع به يجوز بيعه إلا ما استثناه الشرع من الكلب وأم الولد والوقف .... والمنفعة المباحة يباح له استيفاؤها فجاز له أخذ عوضها، وأبيح لغيره بذل ماله فيها توصلًا إليها، ودفعًا لحاجته كسائر ما أبيح بيعه، وسواء في هذا ما كان طاهرًا كالثياب والعقار وبهيمة الأنعام والخيل

стр. 3986

والصيود، أو مختلفًا في نجاسته كالبغل والحمار وسباع البهائم التي تصلح للصيد كالفهد والصقر والبازي والشاهين والعقاب .... وأشباه ذلك فكله يجوز بيعه ..... وقال أبو بكر عبد العزيز وابن أبي موسى: لا يجوز بيع الفهد والصقر ونحوهما؛ لأنها نجسة، فلم يجز بيعها كالكلب. ولنا أنه حيوان أبيح اقتناؤه، وفيه نفع مباح من غير وعيد في حبسه، فأبيح بيعه كالبغل، وما ذكراه يبطل بالبغل والحمار، فإنه لا خلاف في إباحة بيعها، وحكمها حكم سباع البهائم في الطهارة والنجاسة» (١). والحقيقة أن مذهب الحنابلة غير مطرد في حكم النجاسة، فهم يمنعون بيع أشياء، ويعللون ذلك بالنجاسة، ويجيزون بيع أشياء مع حكمهم لها بالنجاسة. فالحنابلة يجوزن بيع الحمار والبغل وسباع البهائم والطير التي تقبل التعليم والقرد مع الحكم بنجاستها، ويمنعون بيع السرجين النجس قال في المغني: «ولا يجوز بيع السرجين النجس، وبهذا قال مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة يجوز .... ولنا أنه مجمع على نجاسته فلم يجز بيعه كالميتة» (٢).

стр. 3987

القول الثاني: ذهب الجمهور من المالكية والشافعية وبعض الحنابلة إلى اشتراط طهارة الثمن (١). جاء في شرح الخرشي: «وشرط الأجر في الإجارة كالثمن في المبيع من كونه طاهرًا» (٢). وقال في حاشية الصاوي وهو يذكر شروط الأجرة: «(طاهرًا) فلا يصح بنجس، ولا متنجس لا يقبل التطهير، فإن قبله صح، ووجب البيان» (٣). وجاء في إعانة الطالبين في ذكر شروط الأجرة: «أن يكون طاهرًا منتفعًا به» (٤). ويعبر الحنابلة أحيانًا عن هذا باشتراط إباحة الانتفاع، ويقصدون به إخراج شيئين:

стр. 3988

الأول: ما يحرم الانتفاع لنجاسته، كالخمر والكلب والميتة والخنزير فلا يجوز أن يكون عندهم ثمنًا ولا أجرة، ولا مبيعًا. الثاني: ما يحرم الانتفاع به لحرمته، وإن كان طاهرًا كآلات اللهو، والأصنام. وأدلة المسألة هي أدلة اشترط طهارة المعقود عليه في المبيع، وقد ذكرتها على وجه التفصيل فأغنى عن إعادتها هنا، والحمد لله أولًا وآخرًا. * * *

стр. 3989

الشرط الثالث أن تكون الأجرة فيها منفعة مباحة [م-٨٧٧] يشترط في الأجرة أن تكون مشتملة على منفعة مباحة. واشتراط المنفعة في الأجرة يخرج ما لا نفع فيه، فلا يجوز أن يكون أجرة؛ لأنه لا يعتبر مالًا. قال الصاوي عند الكلام على شروط الأجرة: «فلا يصح بما لا نفع فيه أصلًا» (١). وقال النووي: «أن يكون منتفعًا به، فما لا نفع فيه ليس بمال» (٢). وقال ابن قدامة: «لا يجوز بيع ما لا نفع فيه» (٣). وما لا يجوز بيعه لا يجوز أن يكون أجرة. والدليل على اشتراط المنفعة: أن بذل العين المستأجرة في مقابلة ما لا نفع فيه يعتبر من إضاعة المال، وقد نهينا عن إضاعة المال. (ح-٥٨١) لما رواه الشيخان من طريق الشعبي، عن كاتب المغيرة. عن المغيرة قال: إن الله كره لكم قيل وقال: وإضاعة المال، وكثرة السؤال (٤). كما أن أخذ أموال الناس في مقابل ما لا نفع فيه يعتبر من أكل أموال الناس بالباطل، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِل﴾ [البقرة:١٨٨].

стр. 3990

ويكفي أصل المنفعة وإن قَلَّت قيمتها، كما في التراب والماء، ولا يقدح في المنفعة إمكانية تحصيلها بلا مئونة أو تعب (١). جاء في مواهب الجليل «إذا تقرر اشتراط المنفعة فيكفي مجرد وجودها وإن قلت ولا يشترط كثرة القيمة فيها ولا عزة الوجود بل يصح بيع الماء والتراب والحجارة؛ لتحقيق المنفعة .. » (٢). وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها؛ لأنه إذا لم يبد صلاحها لم يكن منتفعًا بها، فلا تكون مالًا، فلا يجوز بيعها (٣). ويشترط في المنفعة أن تكون مباحة فإن كانت المنفعة محرمة لا يجوز أن تكون أجرة، كالميتة فإنها وإن كان يدهن بها السفن ويطلى بها الجلود فلا تجوز أن تكون أجرة، وكالخمر فإنه وإن كان فيه منافع كما ذكر الله لك في القرآن إلا أن منافعه محرمة، والمنافع المحرمة في الحكم بمنزلة ما لا نفع فيه؛ لأن وجودها كعدمها، ولأن فوات المنافع قد يكون حسيًا كالحشرات، وقد يكون شرعيًا كالميتة والخمر (٤).

стр. 3991

وقال البهوتي: «المال شرعا ما يباح نفعه مطلقا: أي في كل الأحوال، أو يباح اقتناؤه بلا حاجة. فخرج ما لا نفع فيه كالحشرات، وما فيه نفع محرم كخمر، وما لا يباح إلا عند الاضطرار كالميتة، وما لا يباح اقتناؤه إلا لحاجة كالكلب» (١). * * *

стр. 3992

الشرط الرابع في اشتراط القدرة على تسليم الأجرة [م-٨٧٨] المقصود بالعجز عن التسليم هو العجز الحسي، وأما العجز الشرعي عن التسليم لحق الآدمي كالمرهون فلا يدخل في هذا، فإنه يصح، ويقف اللزوم فيه على إجازة المرتهن؛ لأن الحق له، فيكون اشتراطه في اللزوم لا في الصحة؛ إذ هي حاصلة بدونه (١). ولا يعنون بالقدرة على التسليم هو وجوب التعجيل، فإن الأجرة يصح أن تكون حالة وأن تكون مؤجلة كما يصح ذلك في تأجيل ثمن المبيع، بل ويصح تأجيل المبيع كبيع السلم، فكذلك يصح تأجيل الأجرة خاصة إذا كانت الأجرة من الأموال المثلية، كالنقود والعروض المثلية من مكيل أو موزون، وسوف أخصص مبحثًا خاصًا عن تعجيل الأجرة، وإنما يقصدون بالقدرة على التسليم في الأجرة المعينة إذا لم تكن مملوكة، أو كان معجوزًا عن تسليمها كالشارد والضال والآبق، والمغصوب. والخلاف في العجز عن تسليم الأجرة كالخلاف في العجز عن تسليم ثمن المبيع، فإذا عجز عن تسليم الأجرة فقد اختلف العلماء في صحة عقد الإجارة على ثلاثة أقوال: القول الأول: ذهب الجمهور إلى أنه يشترط في المعقود عليه من مبيع وثمن القدرة على تسليمه، فإن كان المبيع أو الثمن غير قادر على تسليمه لم يصح البيع (٢).

стр. 3993

القول الثاني: ذهب الحنفية في التفريق بين المبيع والثمن، فيشترطون القدرة على التسليم في المبيع، ولا يشترط ذلك في الثمن (١). القول الثالث: ذهب ابن حزم رحمه الله تعالى إلى أنه لا يشترط في البيع القدرة على التسليم مطلقًا أي لا في المبيع ولا في الثمن (٢). وقد ذكرت أدلة هذه المسألة في عقد البيع عند الكلام على شروط المعقود عليه، الشرط الرابع فأغنى عن إعادته هنا، والحمد لله.

стр. 3994

الشرط الخامس في تعجيل الأجرة وتأجيلها المبحث الأول في اشتراط تعجيل الأجرة [م-٨٧٩] يجوز اشتراط تعجيل الأجرة في قول عامة أهل العلم، ولم يخالف في ذلك إلا ابن حزم. قال الكاساني في بدائع الصنائع: «إن شرط فيه تعجيل البدل فعلى المستأجر تعجيلها، والابتداء بتسليمها سواء كان ما وقع عليه الإجارة شيئًا ينتفع بعينه كالدار والدابة وعبد الخدمة أو كان صانعًا أو عاملًا ينتفع بصنعته أو عمله كالخياط والقصار والصياغ والإسكاف; لأنهما لما شرطا تعجيل البدل لزم اعتبار شرطهما لقوله ﷺ (المسلمون عند شروطهم) (١). وجاء في الجوهرة النيرة: «المؤجر إذا شرط تعجيل الأجرة في العقد كان له حبس الدار حتى يستوفي الأجرة; لأن المنافع كالمبيع والأجرة كالثمن فكما وجب حبس المبيع إلى أن يستوفي الثمن فكذا يجب حبس المنافع حتى يستوفي الأجرة المعجلة» (٢). وقال في مواهب الجليل: «اعلم أنه يقضى بتعجيل الأجرة إذا شرط التعجيل سواء كانت الأجرة شيئا بعينه أو شيئا مضمونا في الذمة» (٣).

стр. 3995

وجاء في كفاية الأخيار: «الإجارة عقد لو شرط في عوضه التعجيل أو التأجيل اتبع» (١). وجاء في شرح منتهى الإرادات: «ويصح شرط تعجيلها أي الأجرة» (٢). وقد استدل الفقهاء على صحة اشتراط التعجيل بالقياس على الثمن، فإجارة العين كبيعها، وبيعها يصح بثمن حال، ويصح بثمن مؤجل (٣). وخالف في ذلك ابن حزم بناء على مذهبه في الشروط، وأن الأصل في كل الشروط البطلان إلا شرطًا جاء النص على جوازه. قال ابن حزم: «ولا يجوز اشتراط تعجيل الأجرة، ولا تعجيل شيء منها، ولا اشتراط تأخيرها، ولا تأخير شيء منها كذلك .... لأنه شرط ليس في كتاب الله فهو باطل» (٤). وقد أجبت على قول ابن حزم، وبينت ضعفه في الكلام على الشروط الجعلية، وهل الأصل في الشروط الصحة والجواز، أو البطلان والتحريم، فأغنى عن إعادته، والحمد لله رب العالمين. * * *
следующие страницы →