← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.

стр. 3991

وقال البهوتي: «المال شرعا ما يباح نفعه مطلقا: أي في كل الأحوال، أو يباح اقتناؤه بلا حاجة. فخرج ما لا نفع فيه كالحشرات، وما فيه نفع محرم كخمر، وما لا يباح إلا عند الاضطرار كالميتة، وما لا يباح اقتناؤه إلا لحاجة كالكلب» (١). * * *

стр. 3992

الشرط الرابع في اشتراط القدرة على تسليم الأجرة [م-٨٧٨] المقصود بالعجز عن التسليم هو العجز الحسي، وأما العجز الشرعي عن التسليم لحق الآدمي كالمرهون فلا يدخل في هذا، فإنه يصح، ويقف اللزوم فيه على إجازة المرتهن؛ لأن الحق له، فيكون اشتراطه في اللزوم لا في الصحة؛ إذ هي حاصلة بدونه (١). ولا يعنون بالقدرة على التسليم هو وجوب التعجيل، فإن الأجرة يصح أن تكون حالة وأن تكون مؤجلة كما يصح ذلك في تأجيل ثمن المبيع، بل ويصح تأجيل المبيع كبيع السلم، فكذلك يصح تأجيل الأجرة خاصة إذا كانت الأجرة من الأموال المثلية، كالنقود والعروض المثلية من مكيل أو موزون، وسوف أخصص مبحثًا خاصًا عن تعجيل الأجرة، وإنما يقصدون بالقدرة على التسليم في الأجرة المعينة إذا لم تكن مملوكة، أو كان معجوزًا عن تسليمها كالشارد والضال والآبق، والمغصوب. والخلاف في العجز عن تسليم الأجرة كالخلاف في العجز عن تسليم ثمن المبيع، فإذا عجز عن تسليم الأجرة فقد اختلف العلماء في صحة عقد الإجارة على ثلاثة أقوال: القول الأول: ذهب الجمهور إلى أنه يشترط في المعقود عليه من مبيع وثمن القدرة على تسليمه، فإن كان المبيع أو الثمن غير قادر على تسليمه لم يصح البيع (٢).

стр. 3993

القول الثاني: ذهب الحنفية في التفريق بين المبيع والثمن، فيشترطون القدرة على التسليم في المبيع، ولا يشترط ذلك في الثمن (١). القول الثالث: ذهب ابن حزم رحمه الله تعالى إلى أنه لا يشترط في البيع القدرة على التسليم مطلقًا أي لا في المبيع ولا في الثمن (٢). وقد ذكرت أدلة هذه المسألة في عقد البيع عند الكلام على شروط المعقود عليه، الشرط الرابع فأغنى عن إعادته هنا، والحمد لله.

стр. 3994

الشرط الخامس في تعجيل الأجرة وتأجيلها المبحث الأول في اشتراط تعجيل الأجرة [م-٨٧٩] يجوز اشتراط تعجيل الأجرة في قول عامة أهل العلم، ولم يخالف في ذلك إلا ابن حزم. قال الكاساني في بدائع الصنائع: «إن شرط فيه تعجيل البدل فعلى المستأجر تعجيلها، والابتداء بتسليمها سواء كان ما وقع عليه الإجارة شيئًا ينتفع بعينه كالدار والدابة وعبد الخدمة أو كان صانعًا أو عاملًا ينتفع بصنعته أو عمله كالخياط والقصار والصياغ والإسكاف; لأنهما لما شرطا تعجيل البدل لزم اعتبار شرطهما لقوله ﷺ (المسلمون عند شروطهم) (١). وجاء في الجوهرة النيرة: «المؤجر إذا شرط تعجيل الأجرة في العقد كان له حبس الدار حتى يستوفي الأجرة; لأن المنافع كالمبيع والأجرة كالثمن فكما وجب حبس المبيع إلى أن يستوفي الثمن فكذا يجب حبس المنافع حتى يستوفي الأجرة المعجلة» (٢). وقال في مواهب الجليل: «اعلم أنه يقضى بتعجيل الأجرة إذا شرط التعجيل سواء كانت الأجرة شيئا بعينه أو شيئا مضمونا في الذمة» (٣).

стр. 3995

وجاء في كفاية الأخيار: «الإجارة عقد لو شرط في عوضه التعجيل أو التأجيل اتبع» (١). وجاء في شرح منتهى الإرادات: «ويصح شرط تعجيلها أي الأجرة» (٢). وقد استدل الفقهاء على صحة اشتراط التعجيل بالقياس على الثمن، فإجارة العين كبيعها، وبيعها يصح بثمن حال، ويصح بثمن مؤجل (٣). وخالف في ذلك ابن حزم بناء على مذهبه في الشروط، وأن الأصل في كل الشروط البطلان إلا شرطًا جاء النص على جوازه. قال ابن حزم: «ولا يجوز اشتراط تعجيل الأجرة، ولا تعجيل شيء منها، ولا اشتراط تأخيرها، ولا تأخير شيء منها كذلك .... لأنه شرط ليس في كتاب الله فهو باطل» (٤). وقد أجبت على قول ابن حزم، وبينت ضعفه في الكلام على الشروط الجعلية، وهل الأصل في الشروط الصحة والجواز، أو البطلان والتحريم، فأغنى عن إعادته، والحمد لله رب العالمين. * * *

стр. 3996

المبحث الثاني في اشتراط تأجيل الأجرة الفرع الأول في تأجيل الأجرة والمستأجر معين [م-٨٨٠] إذا كان المستأجر معينًا كدار معينة، أو دابة معينة، فإن كانت الأجرة نقودًا، أو عروضًا مثلية موصوفة في الذمة كالمكيل والموزون فإنه يجوز تأجيل الأجرة في قول عامة الفقهاء، ولم يخالف في ذلك إلا ابن حزم، وسبق ذكر مذهبه في المسألة التي قبل هذه. [م-٨٨١] وأما إذا كانت الأجرة عروضًا معينة فقد اختلف الفقهاء في جواز التأجيل على قولين: القول الأول: يجوز التأجيل، وهذا مذهب الحنفية والحنابلة. جاء في الفتاوى الهندية: «الأجر لا يملك بنفس العقد، ولا يجب تسليمه به عندنا عينًا كان أو دينًا» (١). وإذا كان لا يجب تسليم الأجرة ولو كانت عينًا فإن ذلك يعني جواز التأجيل للأجرة ولو كانت معينة. وقال المرداوي الحنبلي: «يجوز تأجيل الأجرة مطلقًا على الصحيح من

стр. 3997

المذهب، وعليه الأصحاب، وجزم به في المغني .... وقيل: يجوز تأجيلها إذا لم تكن نفعًا في الذمة» (١). فعلى كلا القولين الحنابلة يجيزون تأخير الأجرة إما مطلقًا، أو إذا لم تكن منفعة في الذمة. وجاء في الكافي في فقه الإمام أحمد: «وتجوز - أي الإجارة - بأجرة حالة ومؤجلة؛ لأن الإجارة كالبيع، وذلك جائز فيه» (٢). ولم يفرق بين أن تكون الأجرة معينة أو غير معينة. القول الثاني: لا يجوز شرط التأجيل إذا كانت الأجرة عينًا، وهذا مذهب المالكية والشافعية. جاء في حاشية الدسوقي: «(وعجل) الأجر وجوبًا فلا يؤخر لأكثر من ثلاثة أيام وإلا فسد العقد (إن عين) أي إن كان معينًا كثوب بعينه» (٣). وإنما جواز التأجيل لثلاثة أيام فأقل بناء على قاعدتهم أن الثلاثة فأقل في حكم المعجل. وجاء في الإقناع للشربيني: «لو كان العوض منفعة عين فإنه لا يصح تأجيلها» (٤).

стр. 3998

وجاء في أسنى المطالب: «ويصح الإصداق بتعليم الفاتحة .... فلو لم يحسن الزوج التعليم لِمَا شرط تعليمه لم يجز إصداقه إلا في الذمة .... وإن شرط أن يتعلم ثم يعلمها لم يصح؛ لأن العمل متعلق بعينه، والأعيان لا تؤجل» (١). وسبب الاختلاف: هل الأعيان تقبل التأجيل، أو لا تقبل التأجيل، فإذا كانت الأجرة معينة فالحق يتعلق بعينها، وهي عرضة للتلف أو التغير بخلاف ما في الذمة فإنه ليس عرضة للسقوط؛ لأن الحق متعلق بشيء غير معين، فمن رأى أن المعين لا يقبل التأجيل، لأن الله قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢]. فالآية تدل على جواز التأجيل في الديون، ولم يرد في النصوص ما يشير إلى جواز تأجيل الأعيان. وقال السيوطي: «الأجل شرع رفقًا للتحصيل، والمعين حاصل» (٢). والصحيح أن النظر لا يمنع من تأجيل المعين، وإذا جاز على الصحيح أن يبيع الدار ويستثني سكناها مدة معلومة، وباع جابر جمله على النبي ﷺ ، واستثنى ظهره إلى المدينة، وهو معين، وهذا يقتضي عدم تسليم المعين، وما جاز في البيع جاز في الإجارة، كما تجوز الإجارة على مدة لا تلي العقد على الصحيح، وهذا يعني تأخير تسليم المعين. وقد بحثت هذا الشرط في كتاب الشروط في البيع (اشتراط التأجيل في العقد) فانظره هناك. * * *

стр. 3999

الفرع الثاني في تأجيل الأجرة والمستأجر موصوف في الذمة [م-٨٨٢] إذا كانت الإجارة على عمل في الذمة، كخياطة الثوب، وبناء الجدار، فهل يصح تأجيل الأجرة؟ اختلف الفقهاء في ذلك على قولين: القول الأول: يجوز تأجيل الأجرة، وهو مذهب الحنفية، والحنابلة، وقول في مذهب الشافعية (١). القول الثاني: يجب تقديم الأجرة إذا كان المعقود عليه في ذمة الأجير، وهو مذهب المالكية، والأصح عند الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (٢). واستثنى المالكية إذا شرع المستأجر في استيفاء المنفعة في خلال ثلاثة أيام من تاريخ العقد فيجوز تأخير الأجرة باعتبار أن شروعه في الاستيفاء بمثابة القبض، فلا يكون دينًا بدين.

стр. 4000

وسبب الاختلاف: اختلافهم في الإجارة في الذمة، هل تعتبر من قبيل السلم في المنافع، والسلم يشترط له تعجيل الثمن حتى لا يكون ذلك من باب بيع الكالئ بالكالئ، أو لا يعتبر ذلك باعتبار أن الأجرة لا تستحق بالعقد، وإنما تستحق إما بالفراغ من العمل، أو بحسب استيفاء المنفعة شيئًا فشيئًا، فاختلف ذلك عن بيع السلم، وهي مسألة خلافية سنتعرض لها إن شاء الله في مبحث مستقل. وما ذهب إليه الحنفية والحنابلة هو الراجح للأسباب التالية: أولًا: أن المالكية قالوا بتعجيل الأجرة قياسًا على السلم، ومع ذلك لم يطبقوا عليها أحكام السلم من كل وجه، فالسلم الحال لا يجوز عند المالكية، وتعجيل الإجارة فيما إذا كانت على عمل في الذمة جائز عندهم، وهذا يبين أن الإجارة على الذمة لا تأخذ حكم السلم من كل وجه. قال الباجي في المنتقى: «فأما الكراء المضمون (ما كان في الذمة) فإنه يجوز أن يكون معجلًا بخلاف السلم على المشهور من المذهب ووجه ذلك أن المنافع هذا حكمها لا يجوز أن يعقد منها إلا على موجود مع الإجماع على جوازه فيمن يعتبر بقوله ولذلك قال تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص:٢٧] فإذا ثبت ذلك فالتعيين في العين المعقود على منافعها إنما هو تعيين لعين المعقود عليه فإذا جاز العقد على منافع دابة معينة مؤجلة فكذلك على منافع دابة غير معينة» (١). ثانيًا: أن تأخير الأجرة هو الذي يقتضيه حال الناس اليوم لكون الإجارة لم تكن على ثوب يقدمه صاحبه إلى حائك، وإنما بلغت الإجارة اليوم على أعمال

стр. 4001

مكلفة جدًا، كإنشاء مطارات، وسكك حديدية، وأبراج ضخمة، فلو عجلت الأجرة لخيف من أن يتهاون الأجير في الالتزام بالعمل المطلوب، وقد سبق بحث هذه المسألة ولله الحمد في عقد المقاولة فأغنى عن إعادة الأدلة، والله أعلم» (١). * * *

стр. 4002

الفرع الثالث في استحقاق المؤجر الأجرة تجب الأجرة بالعقد، وتستحق بتسليم العين، وتستقر بمضي المدة. متى يستحق المؤجر الأجرة؟ هل يستحقها بالعقد، أو يستحقها بتسليم العين وقبل انقضاء المدة، أو بعد استيفاء المنفعة؟ وللجواب على ذلك نقول: [م-٨٨٣] السؤال مفروض فيما إذا كان العقد مطلقًا، أما إذا كان هناك شرط في تعجيل الأجرة فيجب العمل به، ولم يخالف في ذلك إلا الظاهرية (١)، وسبق التعرض لقولهم والجواب عن دليلهم في حكم اشتراط تعجيل الأجرة، فانظره هناك مشكورًا. [م-٨٨٤] كما يجب تعجيل الأجرة إذا كان هناك عرف في التعجيل؛ لأن المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا. وكذا يستحق التعجيل إذا عجلها المستأجر ابتداء. [م-٨٨٥] وأما تأجيل الأجرة فيجب كذلك إذا كان هناك شرط أو عرف، ولم يخالف في ذلك إلا ابن حزم من الظاهرية (٢)، وكذا المالكية والشافعية في إجارة الذمة، فإنه يجب تعجيل الأجرة عندهم، لأنه من قبيل السلم في المنافع، وحتى لا يترتب على ذلك ابتداء دين بدين، وهذا منهي عنه، وقد سبق بحث كل ذلك في المباحث السابقة.

стр. 4003

[م-٨٨٦] فإن كان عقد الإجارة مطلقًا، ولم يكن هناك عرف، فقد اختلف العلماء متى يستحق المؤجر المطالبة بالإجارة؟ القول الأول: ذهب الحنفية وابن حزم من الظاهرية إلى أن الأجرة لا تملك بالعقد، وإنما تستحق بالاستيفاء شيئًا فشيئًا (١). وقد وافقهم المالكية في إجارة العين دون إجارة الذمة (٢). جاء في العناية: «ومن استأجر دارًا فللمؤجر أن يطالبه بأجرة كل يوم؛ لأنه استوفى منفعة مقصودة» (٣). وجاء في شرح الخرشي: «كلما استوفى منفعة يوم، أو تمكن من استيفائها لزمه أجرته، والمراد باليوم: القطعة المعينة من الزمن، لا حقيقة اليوم» (٤). قال في منح الجليل: «ولا يجب عليه شيء قبله» (٥). أي قبل اليوم. وفي الإجارة على المسافة يسلم أجر كل مرحلة إذا انتهى إليها، وهو قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن، ورجع إليه أبو حنيفة في قوله الثاني.

стр. 4004

جاء في الهداية: «ومن استأجر بعيرًا إلى مكة فللجمال أن يطالبه بأجرة كل مرحلة؛ لأن سير كل مرحلة مقصود ...... وكان القياس يقتضي استحقاق الأجر ساعة فساعة لتحقيق المساواة إلا أن المطالبة في كل ساعة تفضي إلى ألا يتفرغ لغيره، فيتضرر به» (١). واستدل أصحاب هذا القول بأدلة منها: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦]. الدليل الثاني: (ح -٥٨٢) ما رواه البخاري من طريق سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًا، فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه، ولم يعط أجره (٢). وجه الاستدلال: في الحديث وعيد على من امتنع عن دفع الأجر بعد العمل، فدل على أنها حالة الوجوب. الدليل الثالث: (ح-٥٨٣) ما رواه الطحاوي في مشكل الآثار من طريق محمد بن عمار المؤذن، عن المقبري. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه (٣).

стр. 4005

[أكثر طرقه لا تخلو من ضعف، وبعضها ضعيف جدًا، وأرجو أن يكون حسنًا بمجموع طرقه] (١). وجه الاستدلال: أَمَر الرسول ﷺ بإعطاء الأجرة بعد الفراغ من العمل وقبل أن يجف عرقه وفي هذا دليل على تأخير التسليم، وأن الأجرة لا تملك بمجرد العقد. جواب ابن قدامة عن الأدلة السابقة: قال ابن قدامة: «فأما الآية فيحتمل أنه أراد الإيتاء عند الشروع في الإرضاع أو تسليم نفسها كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل:٩٨]. أي إذا أردت القراءة. ولأن هذا تمسك بدليل الخطاب ولا يقولون به وكذلك الحديث يحققه أن الأمر بالإيتاء في وقت لا يمنع وجوبه قبله كقوله: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤] والصداق يجب قبل الاستمتاع وهذا هو الجواب عن الحديث ويدل عليه أنه إنما توعد على ترك الإيفاء بعد الفراغ من العمل وقد قلتم: تجب الأجرة شيئا فشيئا. ويحتمل أنه توعده على ترك الإيفاء في الوقت الذي تتوجه المطالبة فيه عادة. جواب آخر: أن الآية والأخبار إنما وردت في من استؤجر على عمل فأما ما وقعت الإجارة فيه على مدة فلا تعرض لها به .... وأما إذا كانت الإجارة على عمل فإن الأجر يملك بالعقد أيضا لكن لا يستحق تسليمه إلا عند تسليم العمل ..... وإنما توقف استحقاق تسليمه على العمل ; لأنه عوض فلا يستحق تسليمه إلا

стр. 4006

مع تسليم المعوض كالصداق والثمن في المبيع وفارق الإجارة على الأعيان؛ لأن تسليمها جرى مجرى تسليم نفعها ومتى كان على منفعة في الذمة لم يحصل تسليم المنفعة ولا ما يقوم مقامها فتوقف استحقاق تسليم الأجر على تسليم العمل» (١). وسبق لي في عقد المقاولة الكلام عن الإجارة على العمل متى يستحق الأجرة، وهو ما يسمى بالأجير المشترك، فأغنى عن إعادته هنا. الدليل الرابع: أن المعاوضة المطلقة إذا لم يثبت الملك فيها في أحد العوضين لا يثبت في العوض الآخر، إذ لو ثبت لا يكون معاوضة حقيقية؛ لأنه لا يقابله عوض. ولأن المساواة في العقود المطلقة مطلوب العاقدين، ولا مساواة إذا لم يثبت الملك في أحد العوضين، والملك لم يثبت في المنفعة؛ لأنه عمل في المستقبل، فلا يثبت في الأجرة في الحال. ويناقش: بأن هناك فرقًا بين ملك المنفعة وبين قبض المنفعة، فالملك قد ثبت بمجرد العقد، والعقد إنما ينعقد بصدور القبول مطابقًا للإيجاب كما ينعقد البيع والنكاح وسائر العقود اللازمة، والإجارة عقد لازم كالبيع، فهو ملزم للطرفين، وأما قبض المنفعة فهو الذي يحدث شيئًا فشيئًا، ولا يعتبر قبض العين المؤجرة شرطًا لبقاء العقد على الصحة كما هو في الصرف، بل يجري قبض العين مجرى قبض المنافع؛ لأن قبض المنافع جملة واحدة يستحيل فإذا مكن من العين وخلي بينه وبينها أصبح بمنزلة من قبض منافعها، والله أعلم.

стр. 4007

الدليل الخامس: أن المنفعة إنما يملكها المستأجر شيئًا فشيئًا على حسب حدوث الزمان، فكذلك استحقاق الأجرة تستحق شيئًا فشيئًا، ولا تستحق بمجرد العقد. والجواب عن هذا الدليل كالجواب عن هذا الذي قبله. القول الثاني: ذهب الحنابلة إلى أن الأجرة تملك بالعقد، وتستحق بتسليم العين (١). وقد وافقهم الشافعية على ذلك في إجارة العين دون إجارة الذمة فإنه يجب تعجليها كما بينت ذلك في المباحث السابقة (٢). جاء في الحاوي الكبير: «وإذا دفع ما أكرى وجب له جميع الكراء كما إذا دفع جميع ما باع وجب له جميع الثمن» (٣). وجاء في الفروع: «وتجب الأجرة بالعقد .... وتستحق بتسليم العين» (٤). وقال ابن قدامة: «المؤجر يملك الأجرة بمجرد العقد إذا أطلق، ولم يشترط المستأجر أجلًا كما يملك البائع الثمن بالبيع» (٥). وجاء في الإنصاف: «وتجب الأجرة بنفس العقد، هذا المذهب، سواء كانت

стр. 4008

إجارة عين أو في الذمة ..... وتستحق الأجرة كاملة بتسليم العين .... وله الطلب بالتسليم، ولا تستقر الأجرة إلا بمضي المدة بلا نزاع» (١). وجه قول الشافعية والحنابلة: الوجه الأول: أن الإجارة عقد معاوضة وقد وجدت مطلقة، والمعاوضة المطلقة تقتضي ثبوت الملك في العوضين عقيب العقد كالبيع. واعترض: بأن الأجرة تسقط إذا تلفت المنافع قبل استيفائها، وهذا دليل على أنها لا تملك إلا بالاستيفاء. ويرد على هذا الاعتراض: بأن العين المستأجرة لما كان قبضها ليس قبضًا كاملًا باعتبار أن استيفاءها شرط، فكانت تملك بالعقد، ويملك المطالبة بها بتسليم العين، وتستقر الأجرة بمضي المدة، ولهذا كان ضمانها على المؤجر إذا تلفت بلا تعد، فإذا تلفت سقطت الأجرة الباقية بتلف المنفعة قبل الاستيفاء (٢). أرأيت الثمرة إذا اشتريت مبقاة إلى الجذاذ فإن المشتري يملكها بالعقد، وينتفع بها، وإذا أصابتها جائحة كانت من ملك البائع؛ لأن ضمانها عليه، لأن قبضها لم يكن قبضًا كاملًا.

стр. 4009

الوجه الثاني: أن المستأجر قد مكن من الاستيفاء وقبض العين، وليس هناك شرط أو عرف بالتأجيل، فيتعجل قياسًا على الثمن في المبيع، والصداق في النكاح. الراجح: بعد استعراض الأقوال وأدلتها أجد أن مذهب الشافعية والحنابلة أقوى من مذهب الحنفية والمالكية، ولأن المستأجر قد يهرب بعد استيفاء المنفعة فيضيع حق المؤجر. * * *

стр. 4010

الفصل الرابع في بيان مدة الإجارة إذا كانت على مدة المبحث الأول في اشتراط بيان المدة في الإجارة الواردة على المنفعة الإجارة الواردة على المنفعة يشترط فيها تحديد المدة بخلاف الإجارة الواردة على العمل . [م-٨٨٧] يختلف عقد الإجارة عن عقد البيع بأن البيع تمليك للعين على التأبيد، وأما عقد الإجارة فإنه عقد مؤقت، والإجارة فيه تارة ترد على منفعة، وتارة ترد على العمل. فأما ما يرد على العمل فلا يشترط فيه تحديد المدة، وإنما ينتهي بانتهاء ذلك العمل كاستئجار رجل على خياطة ثوب، أو بناء جدار. وأما ما يرد على المنفعة كسكنى الدار والحوانيت فلا بد فيه من تحديد المدة. قال ابن حزم: «من الإجارات ما لا بد فيه من ذكر العمل الذي يستأجر عليه فقط، ولا يذكر فيه مدة كالخياطة، والنسج، وركوب الدابة إلى مكان مسمى ونحو ذلك. ومنها ما لا بد فيه من ذكر المدة كسكنى الدار، وركوب الدابة ونحو ذلك ومنه ما لا بد فيه من الأمرين معا كالخدمة ونحوها فلا بد من ذكر المدة

стр. 4011

والعمل؛ لأن الإجارة بخلاف ما ذكرنا مجهولة وإذا كانت مجهولة فهي أكل مال بالباطل» (١). وقد حكي في اشتراط بيان المدة في مثل سكنى الدار وركوب الدابة الإجماع: قال الجصاص: «لا خلاف في أن الإجارات لا تجوز إلا على مدة معلومة» (٢). وقال في الإنصاف: «ويشترط كون المدة معلومة بلا نزاع في الجملة» (٣). وقال في المغني: «الإجارة إذا وقعت على مدة يجب أن تكون معلومة كشهر وسنة. ولا خلاف في هذا نعلمه؛ لأن المدة هي الضابطة للمعقود عليه المعرفة له فوجب أن تكون معلومة كعدد المكيلات فيما بيع بالكيل» (٤). ولأن عدم تحديد المدة يؤدي إلى الغرر والجهالة المفضية إلى المنازعة، وذلك أن المعقود عليه في الإجارة هو المنفعة، ولا بد من العلم بها، ولا يعلم قدر المنفعة إلا ببيان المدة، فلا يصح: أسكني دارك مدة حياتي أو مدة حياتك، أو إلى أن يقدم زيد، وقدومه غير معلوم. (ح-٥٨٤) لما رواه مسلم من طريق أبي الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة قال نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر (٥).

стр. 4012

قال الكاساني في بدائع الصنائع: «ولا تصح الإجارة مع جهالة المدة» (١). وقال السبكي: «الإجارة إذا كانت المدة مجهولة كانت باطلة» (٢). وقال الكاساني أيضًا في معرض كلامه عن شروط الإجارة: «ومنها بيان المدة في إجارة الدور والمنازل والبيوت والحوانيت .... لأن المعقود عليه لا يصير معلوم القدر بدونه، فترك بيانه يفضي إلى المنازعة» (٣). ولأن الأجرة تختلف باختلاف المدة، فوجب العلم بها (٤). ولأن المستأجر يختص بمنفعة العين المؤجرة دون غيره مدة الإجارة، فاشترط العلم بها، وإلا كان ذلك العقد بيعًا.

стр. 4013

وتحديد المدة تارة يكون بالنص عليها، كاستئجار الدار يومًا، أو شهرًا، أو سنة، وتارة يكون التحديد عرفًا، كاستئجار غرفة في فندق، فإن العادة جرت أن تحدد المدة بيوم متفق على بدايته ونهايته. وقد وردت نصوص من الكتاب والسنة تبين مدة الإجارة. فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ﴾ [القصص:٢٧]. (ح-٥٨٥) وروى البخاري في صحيحه من طريق نافع، عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: مثلكم ومثل أهل الكتاب كمثل رجل استأجر أجراء، فقال: من يعمل لي من غدوة إلى نصف النهار على قيراط، فعملت اليهود، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط، فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل لي من العصر إلى أن تغيب الشمس على قيراطين، فأنتم هم، فغضبت اليهود والنصارى فقالوا: ما لنا أكثر عملا وأقل عطاء؟ قال: هل نقصتكم من حقكم؟ قالوا: لا. قال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء (١). * * *

стр. 4014

المبحث الثاني في تعين ابتداء مدة الإجارة الأصل في العقود المطلقة أن تكون ناجزة . الإجارة إما أن تكون على مدة تلي العقد، أو على مدة لا تلي العقد وإنما تكون مضافة إلى الزمن المستقبل. فإن كانت على مدة تلي العقد فلا يحتاج إلى ذكر ابتدائها. [م-٨٨٨] واختلف الفقهاء فيما إذا آجره وأطلق فهل يشترط بيان وقت الابتداء؟ اختلف الفقهاء في ذلك على قولين: القول الأول: إذا قال: آجرتك شهرًا أو سنة ولم يبين وقت ابتداء المدة، فإن ذلك يصح، ويكون ابتداء المدة من حين العقد؛ وهذا قول جمهور العلماء، ورجحه ابن قدامة من الحنابلة، وجزم به في الإقناع (١).

стр. 4015

لأن الأصل في العقود المطلقة أن تكون ناجزة بحيث يترتب عليها أثرها في الحال، ولأنه لو لم تتعين عقيب العقد لصارت مجهولة، وبه تبطل الإجارة. ويدل لذلك قوله تعالى حكاية عن شعيب: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ﴾ [القصص:٢٧]. ولم يذكر شعيب ابتداء المدة. القول الثاني: اختار العراقيون من الشافعية إلى أنه لا بد من اشتراط أن تكون المدة من حين العقد، ونقل بعض الحنابلة عن الإمام أحمد بأنه لا بد من النص على ابتداء المدة (١). قال ابن قدامة: «وإن أطلق. فقال: أجرتك سنة أو شهرًا صح وكان ابتداؤه من حين العقد. وهذا قول مالك وأبي حنيفة. وقال الشافعي وبعض أصحابنا: لا يصح حتى يسمي الشهر ويذكر أي سنة هي ; فإن أحمد قال في رواية إسماعيل بن سعيد: إذا استأجر أجيرًا شهرًا فلا يجوز حتى يسمي الشهر. ولنا قول الله تعالى إخبارًا عن شعيب ﵇ ﴿عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧] ولم يذكر ابتداءها.

стр. 4016

ولأنه تقدير بمدة ليس فيها قربة فإذا أطلقها وجب أن تلي السبب الموجب كمدة السلم والإيلاء وتفارق النذر; فإنه قربة» (١). والراجح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء. [م-٨٨٩] وإن كانت الإجارة على مدة لا تلي العقد، بأن كانت مضافة إلى المستقبل كما لو قال المؤجر: أجرتك داري إذا دخل شهر رمضان، فهل تنعقد الإجارة؟ اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: يصح إضافة الإجارة إلى زمن مستقبل، ولا يصح ذلك في البيع، وهذا ما عليه جماهير أهل العلم (٢). وجه التفريق بين البيع والإجارة: أن المبيع المعين لا يقبل التأجيل وإذا لم يقبل التأجيل لم يصح إضافته إلى المستقبل، وأما الإجارة فتقبل التأجيل مطلقًا معينة كانت أو في الذمة؛ فتصح إضافتها إلى المستقبل، لأن التأجيل في عقد الإجارة ضرورة؛ لأن الإجارة تتضمن تمليك المنافع، والمنافع لا يتصور وجودها في الحال، فدعت الضرورة إلى الإضافة، ولا ضرورة في بيع العين. (ح-٥٨٦) ولما رواه البخاري من طريق عروة. عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ

стр. 4017

قالت: واستأجر رسول الله رجلًا من بني الديل هاديًا خريتًا، وهو على دين كفار قريش، فدفعا إليه راحلتيهما، ووعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحلتيهما صبح ثلاث (١). فدل هذا على جواز إضافة عقد الإيجار إلى الزمن المستقبل. القول الثاني: التفريق بين إجارة العين وإجارة الذمة، فلا يصح في إجارة العين إضافتها إلى المستقبل، ويصح ذلك في الإجارة إذا كانت في الذمة، وهذا مذهب الشافعية (٢). وجه التفريق بين إجارة العين وإجارة الذمة: أن الشافعية لم يفرقوا بين البيع والإجارة، فالأعيان عندهم لا تقبل التأجيل مطلقًا بيعًا كان أو إجارة، وما في الذمة يجوز حالًا ومؤجلًا بيعًا كان أو إجارة كالسلم. قال الشيرازي: «وما عقد من الإجارة على منفعة موصوفة في الذمة يجوز حالًا ومؤجلًا؛ لأن الإجارة في الذمة كالسلم والسلم يجوز حالًا ومؤجلًا، فكذلك الإجارة في الذمة ..... وما عقد على منفعة معينة لا يجوز إلا حالًا، فإن كان على مدة لم يجز إلا على مدة يتصل ابتداؤها بالعقد، وإن كان على عمل معين لم يجز إلا في الوقت

стр. 4018

الذي يمكنه الشروع في العمل؛ لأن إجارة العين كبيع العين، وبيع العين لا يجوز إلا على ما يمكن الشروع في قبضها فكذلك الإجارة» (١). واستثنى الشافعية من إجارة العين ما لو أجرت العين مدة جديدة لنفس المستأجر قبل انقضائها لاتصال المدتين مع اتحاد العين المستأجرة. القول الثالث: اختار ابن حزم منع اشتراط الإضافة إلى المستقبل بناء على مذهبه الضيق في تحريم كل الشروط، ولو كان شرطًا لا محذور فيه إلا ما نص الشارع بعينه على جوازه. قال ابن حزم: «ولا يجوز تأخير الشيء المستأجر ولا تأخير العمل المستأجر له طرفة عين فما فوق ذلك؛ لأنه شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل» (٢). الراجح من الخلاف: الراجح أن التأجيل سائغ مطلقًا في البيع والإجارة عينًا كان أو في الذمة بشرط أن يكون في مدة لا يخشى على العين من التغير، والحاجة داعية إلى ذلك، فالمسافر يحتاج إلى حجز مقعد له للركوب برًا أو بحرًا أو جوًا قبل بدء السفر بفترة معينة، وقد تطول أو تقصر حسب الأحوال، فالمنع من ذلك فيه ضيق وحرج، وقد انتقض قول الشافعية فيمن استأجر دارًا بمكة، والمستأجر في مصر، ولا يمكنه الوصول إلى مكة إلا بعد شهر، وكما لو استأجره ليلًا لما يعمل نهارًا (٣).

стр. 4019

وقد اشترى رسول الله ﷺ جمل جابر، واستثنى جابر ظهره إلى المدينة، وهذا التأجيل في المبيع المعين، وأجاز الحنابلة بيع الدار واشتراط سكناها مدة معلومة مطلقًا، وقيده المالكية بمدة لا يتغير فيها المبيع، وما جاز في عقد البيع جاز في الإجارة. وقد فصلت كل ذلك في كتاب البيع فأغنى عن إعادته هنا، والحمد لله (١). * * *

стр. 4020

المبحث الثالث في الإجارة إذا كانت غير معلومة النهاية [م-٨٩٠] إذا أجره داره كل شهر بكذا، فما حكم هذه الإجارة؟ اختلف العلماء في هذا العقد، هل يصح، أو لا يصح، وإذا صح فهل يصح في شهر واحد أو في أكثر؟ على ثلاثة أقوال: القول الأول: قيل: يعتبر العقد لازمًا صحيحًا في الشهر الأول، وأما في الشهر الثاني فلا يلزم إلا إذا تلبس فيه من غير فسخ. وهذا مذهب الحنفية (١)، والحنابلة (٢)، ورواية مطرف وابن الماجشون عن مالك (٣)، واختيار ابن سريج من الشافعية (٤).

стр. 4021

واستثنى هؤلاء ما عدا الشافعية فيما إذا نقد المستأجر الأجرة فإن العقد يلزم في مقدار ما عجل من الأجرة، فإذا قال كل شهر بمائة، ونقد ألفًا لزم العقد في عشرة أشهر. دليل هذا القول: الدليل الأول: (ح-٥٨٧) ما رواه أحمد، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم أنبأنا أيوب، عن مجاهد قال: قال علي ﵁ جعت مرة بالمدينة جوعا شديدًا، فخرجت أطلب العمل في عوالي المدينة، فإذا أنا بامرأة قد جمعت مدرًا، فظننتها تريد بله، فأتيتها فقاطعتها كل ذنوب على تمرة فمددت ستة عشر ذنوبا حتى مجلت يداي، ثم أتيت الماء فأصبت منه، ثم أتيتها فقلت بكفي هكذا بين يديها وبسط إسماعيل يديه وجمعهما فعدت لي ستة عشر تمرة فأتيت النبي ﷺ فأخبرته فأكل معي منها (١). [منقطع مجاهد لم يسمع من علي] (٢). الدليل الثاني: أن كلمة (كل) في قوله كل شهر بكذا إذا دخلت على مجهول، وأفراده معلومة

стр. 4022

انصرفت إلى الواحد لكونه معلومًا، وتفسد في الباقي للجهالة، وترتفع الجهالة عن الباقي بأمرين (١): أحدهما: أن يعجله الأجر لمدة معلومة فترتفع الجهالة عندهم فيما عدا الشافعية؛ لأن تعجيل الأجرة دليل على الرضا بانعقاد العقد لتلك المدة. الثاني: أن يتلبس المستأجر في الشهر الثاني دون أن يفسخ أحدهما، فإن هذا يعني أنهما تراضيا على انعقاد العقد في الشهر الثاني، فصار كأنهما جددا العقد، ويعتبر هذا عند مضي كل شهر. فإن فسخ أحدهما بنهاية الشهر، أو ترك التلبس فقد انتهى عقد الإجارة. القول الثاني: قيل: إن العقد غير لازم، ولكل منهما فسخه متى شاء، ويلزمه فيما سكن حصته من الكراء إلا أن ينقده، فما نقده من أجرة لزم العقد بمقدار ما عجل من الأجرة، وهذه رواية ابن القاسم عن مالك، وهو القول المشهور في المذهب (٢).

стр. 4023

وجه القول بعدم اللزوم: أنهما لما حددا مقدار الأجرة، ولم يحددا مدة الإجارة، وإنما عبر بكلمة (كل شهر بكذا) من غير تحديد، ولم ينقد المستأجر الأجرة دل ذلك على أنهما أرادا بذلك عقد الإجارة على اعتبار خيار الفسخ لكل واحد منهما، فلا يملك المؤجر ولا المستأجر أن يلزم أحدهما الآخر مدة معينة لعدم الاتفاق عليها. القول الثالث: وقيل العقد فاسد، وهو المعتمد عند الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (١). وجه القول بالفساد: أنه إذا قال له: كل شهر بدينار فقد ذكر مقدار الأجرة، ولم يذكر مدة الإجارة، ومن الخطأ اعتقاد أنه استأجر الشهر الأول؛ لأن قوله (كل شهر) دليل على أنه لم يعقد على الشهر الأول، فالشهر الأول كغيره، فرجع فساد العقد إلى الجهل بالمدة. الراجح من الخلاف: الذي أميل إليه، وهو المعمول به عندنا أنه إذا استأجر منه كل شهر بكذا لم يلزم العقد إلا بالسكنى، وإذا باشر السكنى، فإذا سكن بعض الشهر لزمه بقيته، ولا يلزمه بقية الشهور، وكل شهر سكن بعضه لزمه بقيته، والله أعلم. * * *

стр. 4024

المبحث الرابع في أقصى مدة الإجارة [م-٨٩١] من المعلوم أن الإجارة تخالف البيع بأنها عقد مؤقت بوقت وليس على التأبيد، فهل لهذه المدة حد لا تتجاوزه؟ اختلف الفقهاء في أقصى مدة الإجارة على أقوال: القول الأول: ذهب الحنفية إلى صحة الإجارة على أي مدة طالت أو قصرت، وقيد ذلك المالكية والشافعية في المعتمد، والحنابلة في المشهور، وابن حزم أن تكون في مدة تبقى فيها العين غالبًا. زاد ابن حزم: ويبقى فيها العاقدان (١).

стр. 4025

واستثنى الحنفية إجارة الوقف، فلا يزاد فيها على ثلاث سنين، وعلل الحنفية ذلك كي لا يدعي المستأجر ملكها. ومنع المالكية النقد فيما لا يؤمن تغيره فيه لطول المدة، أو لضعف البناء فيجوز العقد دون النقد، فإن غلب على الظن أنها لا تبقى إلى المدة المعينة فلا يجوز كراؤها إليه (١).

стр. 4026

القول الثاني: يجوز أن يؤجرها إلى مدة لا تبقى فيها العين غالبًا، حكاه النووي في الروضة وجهًا في المذهب الشافعي، وعلل ذلك: بأن الأصل الدوام، فإن هلكت لعارض فكانهدام الدار ونحوه (١). القول الثالث: مدة الإجارة سنة واحدة، وهو قول في مذهب الشافعية (٢). القول الرابع: قال الشافعي: له أن يؤجر عبده وداره ثلاثين سنة (٣). واختلف أصحابه هل الثلاثين حد لا يجوز الزيادة عليها، فيكون قولًا ثالثًا في المذهب؟ قال إمام الحرمين: وهذا أضعف الأقوال (٤). أو أنه ليس بحد، بل تجوز الإجارة على أكثر منها على ما يشاء العاقدان، فيرجع هذا القول إلى القول المشهور السابق (٥). قال الشيرازي: «واختلف قوله في أكثر مدة الإجارة والمساقاة، فقال في موضع: سنة وقال في موضع: يجوز ما شاء. وقال في موضع: يجوز ثلاثين سنة.

стр. 4027

فمن أصحابنا من قال فيه ثلاثة أقوال: أحدها: لا تجوز بأكثر من سنة؛ لأنه عقد على غرر أجيز للحاجة، ولا تدعو الحاجة إلى أكثر من سنة؛ لأن منافع الأعيان تتكامل في سنة والثاني: تجوز ما بقيت العين؛ لأن كل عقد جاز إلى سنة جاز إلى أكثر منها كالكتابة والبيع إلى أجل. والثالث: أنه لا تجوز أكثر من ثلاثين سنة؛ لأن الثلاثين شطر العمر، ولا تبقى الأعيان على صفة أكثر من ذلك. ومنهم من قال: هي على القولين الأولين، وأما الثلاثون فإنما ذكره على سبيل التكثير لا على سبيل التحديد، وهو الصحيح» (١). فخلصنا من هذا الخلاف إلى أن المسألة فيها أربعة أقوال: قول بأنه لا حد لأكثر مدة الإجارة بشرط أن يكون ذلك في مدة تبقى فيها العين غالبًا، وهو قول أكثر الفقهاء. يقابله قول آخر: بأنه يجوز تأجير العين إلى مدة لا تبقى فيها العين غالبًا. وقول يرى التحديد بالسنة. وآخر يرى التحديد بثلاثين سنة. دليل من قال: لا حد لأكثر مدة الإجارة: لم يرد دليل من كتاب الله، ولا من سنة رسوله ﷺ على تحديد المدة في عقد الإجارة، والأصل عدم التحديد بمقدار معين، فيكون التقدير بمدة معينة تقديرًا من غير دليل.

стр. 4028

جاء في مغني المحتاج: «يصح عقد الإجارة مدة معلومة تبقى فيها العين المؤجرة غالبًا؛ لإمكان استيفاء المعقود عليه، ولا يقدر بمدة؛ إذ لا توقيف فيه، والمرجع في المدة التي تبقى فيها العين غالبًا إلى أهل الخبرة» (١). وجاء في المحلى: «أن بيان المدة واجب فيما استؤجر لا لعمل معين فإذ هو كذلك فلا فرق بين مدة ما، وبين ما أقل منها، أو أكثر منها; والمفرق بين ذلك مخطئ بلا شك لأنه فرق بلا قرآن ولا سنة ولا رواية سقيمة ولا قول صاحب أصلا ولا قول تابع نعلمه ولا قياس ولا رأي له وجه يعقل والمخاوف لا تؤمن في قصير المدد كما لا تؤمن في طويلها. وأما إن عقدت الإجارة إلى مدة يوقن أنه لا بد من أن يخترم أحدهما دونها أو لا بد من ذهاب الشيء المؤاجر دونها فهو شرط متيقن الفساد بلا شك لأنه إما عقد منهما على غيرهما وهذا لا يجوز - وإما عقد في معدوم وذلك لا يجوز - وبالله تعالى التوفيق» (٢). تعليل من حدد المدة بالسنة: بأن عقد الإجارة عقد على غرر أجيز للحاجة، ولا تدعو الحاجة إلى أكثر من سنة، ولأن منافع الأعيان تتكامل في سنة (٣). ونوقش هذا: بأن الله قال في كتابه: ﴿عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص:٢٧]، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما يبطله، ولم يرد في شرعنا ما يدل على بطلان عقد الإجارة في أكثر من سنة.

стр. 4029

تعليل من حدد المدة بثلاثين سنة: علل الشافعية بأن الثلاثين هي شطر العمر غالبًا، فكان ما زاد عليه لغير العاقد (١). الراجح: القول بعدم تحديد مدة الإجارة هو القول الراجح، فيجوز في كل مدة تبقى فيها العين غالبًا، واشتراطنا بقاء العين إنما يكون في إجارة الدار؛ لأن العقد وارد على منفعة الدار، وهو يختلف عن الحكرة والصبرة وهي الإجارة الواردة على منفعة الأرض، فإن فيها خلافًا في جواز أن تكون الإجارة فيها على مدة طويلة.

стр. 4030

المبحث الخامس في كيفية احتساب مدة الإجارة [م-٨٩٢] إذا قدرت مدة الإجارة بالسنين، ولم يبين نوعها، حمل على السنة الهلالية؛ لأنها المعهودة في الشرع. قال تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩] فوجب أن يحمل العقد عليها (١). وإذا كان العقد في غرة الشهر اعتبر بالأهلة بلا خلاف. قال ابن الهمام: «إذا استأجر ثلاثة أشهر في رأس الشهر اعتبرت بالأهلة اتفاقًا ناقصة كانت أو كاملة» (٢). وإن وقع العقد بعد ما مضى بعض الشهر، فإن كانت المدة شهرًا اعتبر هذا الشهر ثلاثين يومًا؛ لتعذر اعتبار الأهلة، حكى الإجماع على ذلك الكاساني في بدائع الصنائع (٣). وسيأتي عن ابن تيمية أن الشهر يكمل بحسبه، إن كان تامًا أكمل تامًا، وإن كان ناقصًا أكمل ناقصًا. [م-٨٩٣] أما إذا كانت المدة شهورًا، فهل تحسب المدة بالأهلة، أو تحسب بالأيام؟
следующие страницы →