← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

القول الثاني: يجوز أن يؤجرها إلى مدة لا تبقى فيها العين غالبًا، حكاه النووي في الروضة وجهًا في المذهب الشافعي، وعلل ذلك: بأن الأصل الدوام، فإن هلكت لعارض فكانهدام الدار ونحوه (١). القول الثالث: مدة الإجارة سنة واحدة، وهو قول في مذهب الشافعية (٢). القول الرابع: قال الشافعي: له أن يؤجر عبده وداره ثلاثين سنة (٣). واختلف أصحابه هل الثلاثين حد لا يجوز الزيادة عليها، فيكون قولًا ثالثًا في المذهب؟ قال إمام الحرمين: وهذا أضعف الأقوال (٤). أو أنه ليس بحد، بل تجوز الإجارة على أكثر منها على ما يشاء العاقدان، فيرجع هذا القول إلى القول المشهور السابق (٥). قال الشيرازي: «واختلف قوله في أكثر مدة الإجارة والمساقاة، فقال في موضع: سنة وقال في موضع: يجوز ما شاء. وقال في موضع: يجوز ثلاثين سنة.

стр. 4027

فمن أصحابنا من قال فيه ثلاثة أقوال: أحدها: لا تجوز بأكثر من سنة؛ لأنه عقد على غرر أجيز للحاجة، ولا تدعو الحاجة إلى أكثر من سنة؛ لأن منافع الأعيان تتكامل في سنة والثاني: تجوز ما بقيت العين؛ لأن كل عقد جاز إلى سنة جاز إلى أكثر منها كالكتابة والبيع إلى أجل. والثالث: أنه لا تجوز أكثر من ثلاثين سنة؛ لأن الثلاثين شطر العمر، ولا تبقى الأعيان على صفة أكثر من ذلك. ومنهم من قال: هي على القولين الأولين، وأما الثلاثون فإنما ذكره على سبيل التكثير لا على سبيل التحديد، وهو الصحيح» (١). فخلصنا من هذا الخلاف إلى أن المسألة فيها أربعة أقوال: قول بأنه لا حد لأكثر مدة الإجارة بشرط أن يكون ذلك في مدة تبقى فيها العين غالبًا، وهو قول أكثر الفقهاء. يقابله قول آخر: بأنه يجوز تأجير العين إلى مدة لا تبقى فيها العين غالبًا. وقول يرى التحديد بالسنة. وآخر يرى التحديد بثلاثين سنة. دليل من قال: لا حد لأكثر مدة الإجارة: لم يرد دليل من كتاب الله، ولا من سنة رسوله ﷺ على تحديد المدة في عقد الإجارة، والأصل عدم التحديد بمقدار معين، فيكون التقدير بمدة معينة تقديرًا من غير دليل.

стр. 4028

جاء في مغني المحتاج: «يصح عقد الإجارة مدة معلومة تبقى فيها العين المؤجرة غالبًا؛ لإمكان استيفاء المعقود عليه، ولا يقدر بمدة؛ إذ لا توقيف فيه، والمرجع في المدة التي تبقى فيها العين غالبًا إلى أهل الخبرة» (١). وجاء في المحلى: «أن بيان المدة واجب فيما استؤجر لا لعمل معين فإذ هو كذلك فلا فرق بين مدة ما، وبين ما أقل منها، أو أكثر منها; والمفرق بين ذلك مخطئ بلا شك لأنه فرق بلا قرآن ولا سنة ولا رواية سقيمة ولا قول صاحب أصلا ولا قول تابع نعلمه ولا قياس ولا رأي له وجه يعقل والمخاوف لا تؤمن في قصير المدد كما لا تؤمن في طويلها. وأما إن عقدت الإجارة إلى مدة يوقن أنه لا بد من أن يخترم أحدهما دونها أو لا بد من ذهاب الشيء المؤاجر دونها فهو شرط متيقن الفساد بلا شك لأنه إما عقد منهما على غيرهما وهذا لا يجوز - وإما عقد في معدوم وذلك لا يجوز - وبالله تعالى التوفيق» (٢). تعليل من حدد المدة بالسنة: بأن عقد الإجارة عقد على غرر أجيز للحاجة، ولا تدعو الحاجة إلى أكثر من سنة، ولأن منافع الأعيان تتكامل في سنة (٣). ونوقش هذا: بأن الله قال في كتابه: ﴿عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص:٢٧]، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما يبطله، ولم يرد في شرعنا ما يدل على بطلان عقد الإجارة في أكثر من سنة.

стр. 4029

تعليل من حدد المدة بثلاثين سنة: علل الشافعية بأن الثلاثين هي شطر العمر غالبًا، فكان ما زاد عليه لغير العاقد (١). الراجح: القول بعدم تحديد مدة الإجارة هو القول الراجح، فيجوز في كل مدة تبقى فيها العين غالبًا، واشتراطنا بقاء العين إنما يكون في إجارة الدار؛ لأن العقد وارد على منفعة الدار، وهو يختلف عن الحكرة والصبرة وهي الإجارة الواردة على منفعة الأرض، فإن فيها خلافًا في جواز أن تكون الإجارة فيها على مدة طويلة.

стр. 4030

المبحث الخامس في كيفية احتساب مدة الإجارة [م-٨٩٢] إذا قدرت مدة الإجارة بالسنين، ولم يبين نوعها، حمل على السنة الهلالية؛ لأنها المعهودة في الشرع. قال تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩] فوجب أن يحمل العقد عليها (١). وإذا كان العقد في غرة الشهر اعتبر بالأهلة بلا خلاف. قال ابن الهمام: «إذا استأجر ثلاثة أشهر في رأس الشهر اعتبرت بالأهلة اتفاقًا ناقصة كانت أو كاملة» (٢). وإن وقع العقد بعد ما مضى بعض الشهر، فإن كانت المدة شهرًا اعتبر هذا الشهر ثلاثين يومًا؛ لتعذر اعتبار الأهلة، حكى الإجماع على ذلك الكاساني في بدائع الصنائع (٣). وسيأتي عن ابن تيمية أن الشهر يكمل بحسبه، إن كان تامًا أكمل تامًا، وإن كان ناقصًا أكمل ناقصًا. [م-٨٩٣] أما إذا كانت المدة شهورًا، فهل تحسب المدة بالأهلة، أو تحسب بالأيام؟

стр. 4031

اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: تعتبر الشهور كلها بالأيام، وهو قول أبي حنيفة، ورواية الإمام أحمد (١). وجه هذا القول: أن الشهر الأول إذا وجب احتسابه ثلاثين يومًا من العقد سيكون الشهر الثاني ناقصًا، فيجب أن يكمل هو أيضًا، وهكذا يلزم تكميل الجميع ثلاثين يومًا. ونوقش هذا: بأن الله قال: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] فنص الشارع على أن المعتبر الأهلة، أجمعنا على مخالفة النص في الشهر الأول لعدم انضباط النقص فيما قبل العقد أو بعده، فيبقى ما عداه على مقتضى النص (٢). القول الثاني: يستوفى الشهر الأول بالعدد ثلاثين يومًا، وسائرها بالأهلة، وهذا القول رواية أخرى عن أبي حنيفة، وقول أبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والمشهور من مذهب الإمام أحمد (٣).

стр. 4032

جاء في المدونة: «قلت: أرأيت إن أجرت دارًا سنة بعد ما مضى عشرة أيام من هذا الشهر، كيف تكون الإجارة؟ وكيف تحسب الشهور أبالأهلة أم على عدد الشهور؟ قال: تحسب هذه الأيام بقية هذا الشهر الذي قد ذهب بعضه، ثم يحسب أحد عشر شهرًا بعده بالأهلة، ثم يكمل مع الأيام التي كانت بقيت من الشهر الأول الذي استأجر الدار فيه ثلاثين يومًا، فيكون شهرًا واحدًا من إجارة هذه الدار على الأيام وأحد عشر شهرا على الشهور» (١). وجاء في المهذب: «وإن كان العقد ... . في أثناء الشهر عد ما بقي من الشهر، وعد بعده أحد عشر شهرًا بالأهلة، ثم كمل عدد الشهر الأول بالعدد ثلاثين يومًا؛ لأنه تعذر إتمامه بالشهر الهلالي، فتمم بالعدد» (٢). وجه هذا القول: أن الشهر الأول اعتبرنا فيه العدد لتعذر إتمامه بالهلال، وأما ما عداه فقد أمكن استيفاؤه بالهلال، فوجب؛ لأنه الأصل للآية الكريمة السابقة.

стр. 4033

القول الثالث: يحسب الشهر الأول بحسب تمامه ونقصانه، فإن كان تامًا أكمل تامًا، وإن كان ناقصًا أكمل ناقصًا، وإن استأجره سنة فإنه يحسب إلى مثل تلك الساعة، وهذا اختيار ابن تيمية (١). وهذا ذهاب من الشيخ بأنه لم يتعذر العمل بالهلال في الشهر الأول، وقد يشكل عليه أن مدة العقد انقسمت على شهرين، حيث كان ابتداؤه في شهر وبقيته في شهر آخر، وليس اعتبار الابتداء بأحق من اعتبار الانتهاء، خاصة إذا كان نصيب الشهر الثاني أكثر من نصيب الشهر الأول، وإذا كان أحدهما ناقصًا والآخر تامًا فما الذي يعتبر الابتداء أم الانتهاء، لذا كان العمل بالعدد مع أنه قول عامة الفقهاء فهو أبعد عن النزاع، وقول ابن تيمية ﵀ لم أقف عليه لغيره، والله أعلم. * * *

стр. 4034

المبحث السادس في الجمع بين المدة والعمل [م-٨٩٤] الإجارة الواردة على الأعمال تارة تعين بالزمن، كاستئجار الأجير على البناء لمدة يوم أو أسبوع أو شهر، فإذا عينت الإجارة بالزمن استحق العامل الأجرة إذا سلم نفسه في ذلك الزمن، وإن قل عمله، أو لم يتهيأ له عمل. وتارة تعين بالعمل كالمقاولة على بناء حائط معين، أو خياطة ثوب، ويستحق الأجرة بالفراغ من العمل طال الزمن أو قصر. فإن جمع بين الزمن والعمل، كأن يقول: خط هذا الثوب في هذا اليوم، فقد اختلف العلماء في صحة الإجارة على قولين: القول الأول: لا يصح الجمع بين تقدير المدة والعمل، فإن جمع بينهما فسد العقد. وهذا قول أبي حنيفة، وأصح الوجهين عند الشافعية، والمشهور عند الحنابلة (١). وجه من قال: لا يصح الجمع بين المدة والعمل مطلقًا: الوجه الأول: أن العقد على المدة يقتضي وجوب الأجر ولو من غير عمل إذا سلم نفسه في

стр. 4035

المدة؛ لأنه يكون أجيرًا خاصًا. والعقد على العمل يقتضي ألا يستحق الأجرة إلا بالفراغ من العمل؛ لأنه يصير أجيرًا مشتركًا، ولا يمكن أن يكون كلاهما معقودًا عليه لاختلاف أحكامهما، فكان المعقود عليه أحدهما، وليس أحدهما بأولى من الآخر فكان الجمع بينهما يؤدي إلى جهالة المعقود عليه، وجهالة المعقود عليه تفسد العقد. الوجه الثاني: أن الجمع بين المدة والعمل يزيد العقد غررًا؛ لأنه قد يفرغ من العمل قبل انقضاء المدة فإن استعمل في بقية المدة فقد زاد على ما وقع عليه العقد وإن لم يعمل كان تاركًا للعمل في بعض المدة. وقد لا يفرغ من العمل في المدة فإن أتمه عمل في غير المدة وإن لم يعمله لم يأت بما وقع عليه العقد وهذا غرر أمكن التحرز عنه ولم يوجد مثله في محل الوفاق فلم يجز العقد معه (١). القول الثاني ذهب المالكية إلى أنه لا يصح الجمع إذا كان الزمان أنقص أو كان مساويًا للعمل، فإن كان الزمان أوسع من العمل، فقال ابن عبد السلام: يجوز اتفاقًا. وقال ابن رشد: بل تفسد على المشهور (٢). دليل من قال: يجوز إن كان الوقت أوسع من العمل: إذا كان الوقت أوسع من العمل أمكن الأجير أن يخلص من العمل في المدة،

стр. 4036

فانتفى الغرر. وإذا كان الزمن مساويًا أو أنقص فقد لا يتمكن الأجير من الوفاء بالتزاماته لذا منع الجمع بينهما. القول الثالث: يصح الجمع بين المدة والعمل، وهو قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن، وهو قول في مذهب المالكية، وأحد الوجهين في مذهب الشافعية، ورواية في مذهب الحنابلة (١). دليل من قال بالصحة: أن المعقود عليه هو العمل، وهو معلوم، وإنما ذكر الوقت للتعجيل لا لتعليق العقد به، فكأنه استأجره للعمل على أن يفرغ منه في أسرع الأوقات، وعلى هذا فإنه إذا فرغ العامل قبل انقضاء المدة لم يلزمه العمل في بقيتها؛ لأنه قام بما عليه قبل مدته، فلم يلزمه شيء آخر، وإن مضت المدة قبل فراغ العمل فعليه أن يعمله، ولو بعد انتهائها؛ لأنه المعقود عليه (٢). الراجح: القول بالصحة هو القول الراجح، وعليه عمل الناس اليوم، والله أعلم. * * *

стр. 4037

الباب الرابع أنواع الإجارة بحسب ما يؤجر الفصل الأول في إجارة العقارات كالدور والأراضي المبحث الأول المراد من كلمة عقار [م -٨٩٥] الفقهاء متفقون على أن ما لا يمكن نقله وتحويله من مكان إلى آخر يسمى عقارًا، وأن ما يمكن نقله وتحويله من مكان إلى آخر مع بقاء صورته وهيئته منقول. واختلفوا فيما يمكن نقله مع تغيير صورته عند النقل كالبناء والغراس، هل هو عقار أو منقول؟ فذهب الحنفية إلى اعتباره من المنقولات إلا إذا كانا تابعين للأرض فيسري عليهما حكم العقار بالتبعية (١). وذهب الجمهور إلى اعتبار ذلك من العقار (٢).

стр. 4038

جاء في مجلة الأحكام الشرعية الحنبلية: «العقار هو الأرض وحدها، أو ما اتصل بها للقرار، كالدور والبساتين» (١). والراجح - والله أعلم - قول الجمهور، وهو أن العقار يشمل الأرض وما اتصل بها من بناء أو غرس. قال في مختار الصحاح: العقار بالفتح مخففًا: الأرض والضياع والنخل (٢). وفي اللسان: العقار بالفتح: الضيعة، والنخل والأرض (٣). الاصطلاح العرفي: يرى بعض الباحثين أن العقار أصبح له مدلول عرفي عام جرى استعماله على ألسنة الناس حيث أصبحوا يقصرون كلمة العقار على المباني، وأما الأرض غير المبنية سواء كانت زراعية أو سكنية فإنه يطلق عليها أرض، وتخص بالوصف، فيقال: أرض زراعية، أو أرض مباني .... الخ (٤). وسوف أتناول إن شاء الله تعالى حكم إجارة العقار من خلال مبحثين: الأول: في إجارة الدور، وما يلحق بها من مرافق. الثاني: في إجارة الأراضي. أسأل الله الكريم عونه وتوفيقه. * * *

стр. 4039

المبحث الثاني في أحكام إجارة الدور والمباني [م-٨٩٦] يدخل بالدور المنازل المعدة للسكنى، والدكاكين، والمخازن، والمستودعات ونحوها. ولا خلاف بين العلماء في جواز استئجار الدور والمباني والمنازل والمخازن، قال ابن المنذر: «أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن استئجار المنازل والدواب جائز» (١). ونقل الإجماع على ذلك ابن القطان في كتابه الإقناع على مسائل الإجماع (٢). ولم يختلف في شيء من ذلك إلا في إجارة دور مكة، فقد اختلفوا في إجارتها كما اختلفوا في بيعها. * * *

стр. 4040

الفرع الأول في إجارة دور مكة المكرمة من المعلوم أن مكة شرفها الله فتحت عنوة. قال في التاج والإكليل: «لا خلاف أن مكة افتتحت عنوة، وأنها لم تقسم» (١). وإذا فتح المسلمون بلادًا كان الإمام مخيرًا بين أن يقسمها بين الغانمين كما فعل رسول الله ﷺ حين فتح خيبر، وإما أن يوقفها على المسلمين ويضرب عليها خراجًا مستمرًا، كما فعل عمر ﵁ حين فتح أرض الشام، ومصر، والعراق، وكان الذي حمل عمر ﵁ على وقفها أن ينتفع منها أجيال المسلمين. (ث-١٠٣) فقد روى البخاري في صحيحه، قال عمر: لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها بين أهلها كما قسم النبي ﷺ خيبر. وتختلف مكة وأرض الحرم بأنها أماكن عبادة، قال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] [م-٨٩٧] وقد اختلف العلماء في إجارة دور مكة كما اختلفوا في بيعها على أقوال: القول الأول: يجوز بيع أراضيها، وإجارتها، بلا كراهة، وهو قول أبي يوسف ومحمد ابن الحسن، وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة (٢)، قال ابن رشد: وهو أشهر

стр. 4041

الروايات، والمعتمد الذي به الفتوى، وعليه جرى العمل من أئمة الفتوى والقضاة بمكة (١)، وهو مذهب الشافعية (٢). القول الثاني: لا يجوز البيع، ولا الإجارة، وهو المشهور من مذهب المالكية (٣)، والمشهور من مذهب الحنابلة (٤). وهذان قولان متقابلان. القول الثالث: يجوز بيع بناء بيوت مكة، ولا يجوز بيع أراضيها. وهذا أحد القولين عن أبي حنفية (٥). القول الرابع: يجوز البيع دون الإجارة، وهو اختيار ابن تيمية، وابن القيم (٦).

стр. 4042

القول الخامس: يكره بيع دور مكة، وكراؤها، وهو مروي عن مالك، قال في الموازنة: فإن قصد بالكراء الآلات والأخشاب جاز، وإن قصد البقعة فلا خير فيه. قال الحطاب: وظاهره أن الكراهة على بابها: أي للتنزيه (١). القول السادس: يكره كراؤها في أيام الموسم خاصة، وهو قول لأبي حنيفة (٢)، وقول في مذهب المالكية (٣).

стр. 4043

فخلاصة الأقوال: منع البيع والكراء مطلقًا. جواز البيع والكراء مطلقًا. كراهة البيع والكراء مطلقًا. منع بيع الأرض دون المباني. جواز البيع دون الإجارة. وقد ذكرت أدلة هذه الأقوال في كتاب البيع، في المجلد الخامس فأغنى عن إعادته هنا، والحمد لله.

стр. 4044

الفرع الثاني في تأجير العقار عن طريق الوصف [م-٨٩٨] تأجير العقار عن طريق الوصف له طريقان: إما أن يكون العقار الموصوف غير معين، أو يكون معينًا. فإن كان الوصف لعقار غير معين، بحيث يثبت في الذمة فهذا غير جائز لدى الأئمة الأربعة لعدم جواز ثبوت العقار في الذمة، فلا يصح أن يسلم في العقار، لجهالة المعقود عليه (١). ولأن العقار لا بد أن يبين موضعه لتفاوت قيمته باختلاف موضعه، وتبيين موضعه يعني تعيينه، وإذا تعين خرج من كونه في الذمة. قال في الشرح الكبير: «وعين دار وحانوت، وحمام، وخان، ونحوها؛ إذ لا يصح أن يكون العقار في الذمة» (٢). قال في حاشية الدسوقي معلقًا: «لأنه لا بد في إجارته إذا لم يعين بالإشارة إليه، أو بأل العهدية من ذكر موضعه، وحدوده، ونحو ذلك مما تختلف به الأجرة، وهذا يقتضي تعيينه» (٣). وقال في الذخيرة: «يمتنع السلم في الدور والأرضين؛ لأن خصوص المواضع فيها مقصود للعقلاء، فإن عين لم يكن سلمًا؛ لأن السلم لا يكون إلا في الذمة، وإن لم يعين كان سلمًا في مجهول» (٤).

стр. 4045

وعلل الحنفية بأن عقد الإجارة لا بد له من محل، والمنافع معدومة وقت العقد، وليست مالًا في نفسها عندهم، وإنما ينعقد بإقامة العين مقام المنفعة، فإذا كانت العين غير موجودة لم يصح العقد، ولهذا منع الحنفية أن يكون العقد على المنافع، فلا يقول: أجرتك منافع هذه الدار، وإنما يصح بإضافته إلى العين، فيقول: أجرتك هذه الدار. ولأن المباني ليست مثلية، وإذا كانت كذلك لم تثبت في الذمة، فلا يجوز إلا أن تكون معينة، ولهذا منع الحنفية إجارة الحيوان إلا معينًا (١). [م-٨٩٩] وأما تأجير العقار المعين عن طريق الوصف فهذا هو الذي اختلف الفقهاء فيه على ثلاثة أقوال: القول الأول: يصح مطلقًا بلا وصف، وله خيار الرؤية إذا رآه، وهذا مذهب الحنفية. جاء في المبسوط: «إذا تكارى دارًا لم يرها فله الخيار إذا رآها ; لأن الإجارة كالبيع يعتمد تمام الرضا فكما لا يتم الرضا في البيع قبل الرؤية فكذلك في الإجارة» (٢). وجاء في بدائع الصنائع: «لو استأجر دارًا لم يرها ثم رآها فلم يرض بها أنه يردها; لأن الإجارة بيع المنفعة فيثبت فيها خيار الرؤية كما في بيع العين فإن رضي بها بطل خياره كما في بيع العين» (٣).

стр. 4046

حجة الحنفية على جواز تأجير العقار المعين بلا وصف ولا رؤية: دليل الحنفية على استئجار العين بلا وصف ولا رؤية هو دليله في جواز بيع العين بلا وصف ولا رؤية، فما صح في البيع صح في الإجارة، وقد ذكرت دليلهم في كتاب البيع، فأغنى عن إعادته هنا، والحمد لله. القول الثاني: يصح تأجير العقار المعين إذا ضبط بالصفة. وهذا مذهب المالكية، وقول أبي ثور. فإن طابق الصفة الموصوف لزم العقد، وإلا كان له الخيار للخلف في الصفة. جاء في المدونة: «قال ابن القاسم: قال لي مالك: ولو اشترى رجل دارًا في بلدة غائبة عنه إذا وصفت فذلك جائز» (١). وجاء في المدونة: «يجوز لي أن أتكارى دارًا بإفريقية وأنا بمصر؟ قال: قال مالك: لا بأس أن تشتري دارًا بإفريقية وأنت بمصر فكذلك الكراء، ولا بأس بالنقد في ذلك في قول مالك؟ قال: لأن الدار مأمونة. قلت: أرأيت لو أن رجلا من أهل المدينة اكترى دارًا بمصر فلما قدم مصر نظر إليها فقال: هذه حاشية، وهذه بعيدة من المسجد فلا أرضاها؟ قال: الكراء لا يصلح إلا أن يكون قد رأى الدار وعرف موضعها، أو على صفة الدار وموضعها وإلا فالكراء باطل» (٢).

стр. 4047

القول الثالث: لا يصح بالوصف مطلقًا، بل لا بد من رؤية الدار، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة. جاء في نهاية المحتاج: «إجارة العقار لا تكون إلا عينية، والإجارة العينية يشترط فيها لكل من العاقدين رؤية العين» (١). وجاء في أسنى المطالب: «وإجارة العقار لا تكون في الذمة؛ لأنه لا يثبت فيها بدليل منع السلم فيه» (٢). وجاء في حاشية الجمل: «وإجارة العقار لا تكون إلا على العين، ومثل العقار السفينة؛ فإنه لا يصح السلم فيها، ولا يثبت في الذمة، فلا تكون إجارتها إلا على العين .... » (٣). وجاء في المغني: «ولا خلاف بين أهل العلم في إباحة إجارة العقار قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن استئجار المنازل والدواب جائز ..... ولا بد من مشاهدته وتحديده فإنه لا يصير معلومًا إلا بذلك ولا يجوز إطلاقه ولا وصفه» (٤). وقول الحنفية قول قوي إلا أنه لا بد من اشتراط الخيار؛ لأن الخيار لا يثبت بالعقد إلا بنص صحيح، والحديث الوارد في الباب ضعيف، ولكن يمكن أن يثبت بالشرط، فإذا رآه، ولم يعجبه كان له الخيار، والله أعلم. * * *

стр. 4048

الفرع الثالث في اشتراط بيان ما يستأجر العقار له [م-٩٠٠] هل يشترط على المستأجر بيان ما استأجرها له؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى جواز إجارة الدور والحوانيت دون أن يبين ما تستأجر له؛ لأن العمل المتعارف فيها أنها للسكنى (١). واعتبر الحنفية الجواز من باب الاستحسان، وإلا فالقياس ألا تجوز هذه الإجارة حتى يبين ما يعمل فيها. قال السرخسي: «إذا استأجر الرجل من الرجل دارًا سنة بكذا ولم يسم الذي يريدها له فهو جائز; لأن المقصود معلوم بالعرف، فإنما يستأجر الدار للسكنى ويبنى لذلك ألا ترى أنها تسمى مسكنًا، والمعلوم بالعرف كالمشروط بالنص» (٢). وجاء في البحر الرائق: «والقياس ألا تجوز هذه الإجارة حتى يبين ما يعمل فيها; لأن الدار تصلح للسكنى ولغيرها وكذا الحوانيت تصلح لأشياء مختلفة، فينبغي ألا تجوز حتى يبين ما يعمل فيها كاستئجار الأرض للزراعة والثياب للبس.

стр. 4049

وجه الاستحسان: أن العمل المتعارف فيها السكنى والمتعارف كالمشروط; ولأن إجارتها لا تختلف باختلاف العامل والعمل فجاز إجارتها مطلقا بخلاف الأراضي والثياب ; لأنهما يختلفان» (١). وجاء في المهذب: «ولا يفتقر إلى ذكر السكنى ... لأن الدار لا تكترى إلا للسكنى، وذلك معلوم بالعرف، فاستغني عن ذكرها كالبيع بثمن مطلق فيه نقد معروف» (٢). وقال العمراني في البيان: «إذا استأجر دارًا للسكنى فليس من شرطه أن يفسر السكنى؛ لأنه لا يمكن ضبطها بالوصف» (٣). وقال ابن قدامة: «وإذا اكترى دارًا جاز إطلاق العقد، ولم يحتج إلى ذكر السكنى، ولا صفتها. وهذا قول الشافعي وأصحاب الرأي» (٤). القول الثاني: قال أبو ثور: لا يجوز حتى يقول: أبيت تحتها أنا وعيالي، ولو اكتراها ليسكنها، فتزوج امرأة لم يكن له أن يسكنها معه (٥). واختار بعض الحنابلة بأنه يجب ذكر السكنى، وصفتها، وعدد من يسكنها وصفتهم إن اختلفت الأجرة (٦).

стр. 4050

ورد هذا: بأن الدار لا تكترى إلا للسكنى، فاستغني عن ذكره، والتفاوت في السكنى يسير، فلم يحتج إلى ضبطه، وما ذكره أبو ثور لا يصح؛ فإن الضرر لا يكاد يختلف بكثرة من يسكن وقلتهم، ولا يمكن ضبط ذلك، فاكتفي فيه بالعرف، ولو اشترط ما ذكره لوجب أن يذكر عدد السكان، وألا يبيت عنده ضيف، ولا زائر، ولا غير من ذكره (١). [م-٩٠١] إذا استأجر الرجل المحل للسكنى لم يعمل فيها حدادة، ولا قصارة، ولم يجعلها مخزنًا للطعام (٢). لأن المستأجر ليس له أن يفعل ما يضر بالبناء ويوهنه؛ ولأن ذلك إتلاف للعين، ولم يدخل تحت العقد؛ إذ الإجارة بيع المنفعة، لا بيع العين. [م-٩٠٢] وهل يجوز أن يسكنها دابته، في ذلك خلاف بين العلماء: قيل: لا يسكنها دابته (٣). والصحيح أن ذلك يختلف باختلاف العادة، فإن كانت الإجارة في موضع جرت العادة بذلك، كأن يكون في الدار مربط للدابة فله ذلك، وإلا فلا» (٤). قال في كشاف القناع: «ولا أن يسكنها دابة، قلت: إن لم تكن قرينة كالدار الواسعة التي فيها إسطبل معد للدواب عملًا بالعرف» (٥).

стр. 4051

والخلاصة أن المستأجر له أن ينتفع بالعين المستأجرة بشرط ألا يتضرر العقار. * * *

стр. 4052

الفرع الرابع في اشتراط ألا يسكنها غير المستأجر [م-٩٠٣] إذا اشترط المؤجر ألا يسكنها غير المستأجر، فهل يصح الشرط، اختلف العلماء في ذلك على أقوال: القول الأول: العقد صحيح، والشرط لاغ، وهذا مذهب الجمهور. وجهه: أن التقييد لا يفيد؛ لعدم التفاوت في السكنى (١). جاء في مواهب الجليل: «إذا استأجر الرجل دارًا ليسكنها، أو دابة ليركبها، ونحو ذلك، لم يتعين عليه أن يسكنها، أو يركبها هو بنفسه، ولو عين نفسه للسكنى أو للركوب، بل له أن يسكنها، أو يكريها لمن شاء ممن هو في رفقه في السكنى، وفي خفته في الركوب، وحذقه في المسير، وذلك لأنه قد ملك المنفعة بالعقد فله أن يملكها لمن شاء كسائر أملاكه» (٢). وجاء في المدونة: «قلت: أرأيت أن أكريت بيتي من رجل، وشرطت عليه ألا يسكن معه أحد، فتزوج، واشترى رقيقًا أيكون له أن يسكنهم معه إذا أبى عليه رب البيت ذلك؟ قال: ينظر في ذلك، فإن كان لا ضرر على رب البيت في سكنى هؤلاء معه فلا يكون له أن يمنعه ..... » (٣).

стр. 4053

وجاء في المغني: «لو استأجر دارًا ليسكنها كان له أن يسكنها غيره» (١). القول الثاني: العقد والشرط صحيحان، وهذا قول في مذهب الحنابلة، واختيار أبي ثور والصيرمي من الشافعية، وابن حزم (٢). قال أبو ثور: لو اكتراها ليسكنها وحده، فتزوج امرأة لم يكن له أن يسكنها معه. قال الصيرمي من الشافعية: وهو القياس (٣). «وقيل لأحمد: يجيء إليه زوار عليه أن يخبر صاحب البيت بذلك؟ قال: ربما كثروا، وأرى أن يخبر، وقال: إذا كان يجيئه الفرد ليس عليه أن يخبره» (٤). القول الثالث: لا يصح العقد ولا الشرط (٥)، وهو قول في مذهب المالكية، والصحيح من مذهب الشافعية، ووجه في مذهب الحنابلة. جاء في حاشية الرملي: «لو أجره بشرط أن يستوفي المنفعة بنفسه لم يصح على الصحيح» (٦).

стр. 4054

وفي حاشيتي قليوبي وعميرة: «فإن قال: على أن تسكنها، أو بشرط أن تسكنها، أو لتسكنها وحدك لم تصح» (١). يعني الإجارة. وعلل الشافعية بطلان العقد: بأن في هذا الشرط حجرًا على المستأجر فيما ملكه بالإجارة. وعلل بعضهم البطلان بأنه شرط يخالف مقتضى العقد، فكان كما لو شرط عليه ألا يستوفي المنافع. وقال ابن قدامة في المغني: «وقد ذكرنا فيما إذا شرط مكتري الدار أنه لا يسكنها غيره وجهًا في صحة الشرط، ووجهًا آخر في فساد العقد» (٢). والراجح مذهب الجمهور، إلا أن يكون للشرط معنى مقصود، كما لو كان محل الإجارة لا يتحمل أكثر من واحد، وقد يرغب المؤجر حين يؤجر داره لشخص بعينه، ولولا هذا الشخص لم يرغب في تأجير داره لعلمه أن المستأجر حريص على سلامة ماله كحرص صاحبه أو أحسن، أما إذا كان يشترط هذا الشرط على كل مستأجر، سواء كان يعرفه أو لا يعرفه، فهو حجر وتقييد لا معنى له، والله أعلم. * * *

стр. 4055

المبحث الثالث في إجارة الأراضي الفرع الأول إجارة الأراضي بالذهب والفضة قال ابن عبد البر: كل ما جاز أن يكون ثمنًا لشيء فجائز أن يكون أجرة في كراء الأرض ما لم يكن مجهولًا أو غررًا (١). [م-٩٠٤] اختلف العلماء في إجارة الأرض بالذهب والفضة على قولين: القول الأول: تجوز إجارتها بالذهب والفضة، وهذا مذهب الأئمة الأربعة (٢). دليل من قال بالجواز: الدليل الأول: (ح-٥٨٨) ما رواه مسلم من طريق حنظلة بن قيس الأنصاري، قال: سألت

стр. 4056

رافع بن خديج عن كراء الأرض بالذهب والورق، فقال: لا بأس به، إنما كان الناس يؤاجرون على عهد النبي ﷺ على الماذيانات، وأقبال الجداول وأشياء من الزرع، فيهلك هذا ويسلم هذا، ويسلم هذا ويهلك هذا، فلم يكن للناس كراء إلا هذا، فلذلك زجر عنه، فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به. وقد رواه البخاري بنحوه (١). الدليل الثاني: الإجماع، حكى الإجماع جماعة من أهل العلم، منهم الطبري، وابن المنذر، وابن بطال وغيرهم. قال الطبري: «واختلفوا في كراء الأرض البيضاء بشيء من جنس المكترى له بعد إجماعهم على أنها إذا اكتريت بالذهب والورق فجائز» (٢). وقال ابن المنذر: «وأجمعوا على أن اكتراء الأرض بالذهب والفضة وقتًا معلومًا جائز» (٣). وقال الحافظ في فتح الباري: «وقد أطلق ابن المنذر أن الصحابة أجمعوا على جواز كراء الأرض بالذهب والفضة، قال: ونقل ابن بطال اتفاق فقهاء الأمصار عليه» (٤). قال ابن بطال: «اتفقوا على أنه يجوز كراء الأرض بالذهب والفضة، قال ابن المنذر: وهذا إجماع الصحابة» (٥).

стр. 4057

وكأن من نقل الإجماع لم يتلفت إلى خلاف بعض السلف، وابن حزم. الدليل الثالث: (ح-٥٨٩) ما رواه أحمد من طريق محمد بن عكرمة، عن محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة، عن سعيد بن المسيب. عن سعد بن أبي وقاص أن أصحاب المزارع في زمان رسول الله ﷺ كانوا يكرون مزارعهم بما يكون على السواقي من الزروع، وما سعد بالماء مما حول البئر، فجاؤوا رسول الله ﷺ ، فاختصموا في بعض ذلك، فنهاهم رسول الله ﷺ أن يكروا بذلك، وقال: أكروا بالذهب والفضة (١). [إسناده ضعيف] (٢).

стр. 4058

الدليل الرابع: (ث-١٠٤) روى عبد الرزاق في المصنف، قال: أخبرنا معمر، عن عبد الكريم الجزري، قال: قلت لسعيد بن جبير: إن عكرمة يزعم أن كراء الأرض لا يصلح، فقال: كذب عكرمة. سمعت ابن عباس يقول: إن خير ما أنتم صانعون في الأرض البيضاء أن تكروا الأرض البيضاء بالذهب والفضة (١). [إسناده صحيح] (٢). الدليل الخامس: من النظر، فإن القياس يدل على جواز إجارة الأرض بالذهب والفضة، وذلك أن الأرض عين مباحة يمكن استيفاء المنفعة منها مع بقاء عينها فجازت إجارتها بالأثمان كغيرها. القول الثاني لا تجوز إجارتها بالذهب والفضة، وهذا قول طاووس والحسن البصري، وعبد الرحمن بن كيسان ورجحه ابن حزم (٣).

стр. 4059

دليل من قال: لا يجوز: (ح-٥٩٠) روى مسلم في صحيحه من طريق ابن وهب أخبرني عمرو - وهو ابن الحارث - أن بكيرًا حدثه، أن عبد الله بن أبي سلمة حدثه، عن النعمان ابن أبي عياش. عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ نهى عن كراء الأرض. قال بكير وحدثني نافع، أنه سمع ابن عمر يقول: كنا نكري أرضنا ثم تركنا ذلك حين سمعنا حديث رافع بن خديج (١). و أجيب: بأن رافعًا ﵁ قد أخبر بالعلة التي نهى رسول الله ﷺ عن ذلك، وهو الجهل بالبدل، وأخبر أن كراءها جائز بكل شيء معلوم. (ح-٥٩١) فقد روى البخاري من طريق حنظلة الزرقي، قال: سمعت رافع بن خديج ﵁ يقول كنا أكثر الأنصار حقلًا، فكنا نكري الأرض، فربما أخرجت هذه ولم تخرج ذه، فنهينا عن ذلك ولم ننه عن الورق (٢). وفي رواية للبخاري: كنا أكثر أهل المدينة حقلًا، وكان أحدنا يكري أرضه، فيقول: هذه القطعة لي، وهذه لك، فربما أخرجت ذه، ولم تخرج ذه، فنهاهم النبي ﷺ عن ذلك (٣). وفي رواية للبخاري: وأما الذهب والورق فلم يكن يومئذ (٤). وفي رواية عن رافع بن خديج، قال: حدثني عماي أنهم كانوا يكرون الأرض

стр. 4060

على عهد النبي ﷺ بما ينبت على الأربعاء، أو شيء يستثنيه صاحب الأرض، فنهى النبي ﷺ عن ذلك. فقلت لرافع: فكيف هي بالدينار والدرهم؟ فقال رافع: ليس بها بأس بالدينار والدرهم. وقال الليث: وكان الذي نهي عن ذلك ما لو نظر فيه ذوو الفهم بالحلال والحرام لم يجيزوه لما فيه من المخاطرة (١). وفي رواية لمسلم: عن حنظلة بن قيس، أنه سأل رافع بن خديج عن كراء الأرض فقال نهى ﷺ عن كراء الأرض قال: فقلت: أبالذهب والورق؟ فقال: أما بالذهب والورق فلا بأس به (٢). فإذا نظرنا إلى مجموع هذه الروايات خرجنا منها بالآتي: أن النهي عن كراء الأرض إنما كان متوجهًا إلى كرائها بجزء معين معلوم مما يخرج منها، فربما أخرجت هذه، ولم تخرج تلك، فلحق الأجرة جهالة، ولذلك قال الليث قوله السابق. أما الذهب والورق فجاء جوازه من قول رافع، واستدل رافع تارة بقوله: وأما الذهب والورق فلم يكن يومئذ، وبلفظ آخر: فلم ننه عنه، واحتج رافع للجواز بكونه معلومًا. قال ابن حجر في فتح الباري: «يحتمل أن يكون رافع قال ذلك باجتهاده، ويحتمل أن يكون علم ذلك بطريق التنصيص على جوازه، أو علم أن النهي عن كراء الأرض ليس على إطلاقه، بل بما إذا كان بشيء مجهول، أو نحو ذلك، فاستنبط من ذلك جواز كراء الأرض بالذهب والفضة» (٣).

стр. 4061

وتعقب هذا: بأن رافعًا ﵁ قد قال هذا اجتهادًا منه في فهم الحديث، وليس بالنص من المعصوم ﵊، وفهم الصحابي غير معصوم، وحديث رافع فيه اختلاف كثير في ألفاظه، ولذلك ذهب بعض أهل العلم إلى أن أحاديث رافع في ذلك مضطربة الألفاظ، مختلفة المعاني، وقد روي النهي عن كراء الأرض في حديث جابر، والنهي مطلق، لم يستثن شيئًا، ولم يختلف على جابر كما اختلف على رافع (١). «وكان أحمد بن حنبل يقول: أحاديث رافع في كراء الأرض مضطربة، وأحسنها حديث يعلى بن حكيم، عن سليمان بن يسار، عن رافع بن خديج» (٢). ويجاب: بأن هذا ليس فهم رافع وحده، بل هو إجماع الصحابة على جواز كراء الأرض بالذهب والفضة. قال ابن بطال: «اتفقوا على أنه يجوز كراء الأرض بالذهب والفضة، قال ابن المنذر: وهذا إجماع الصحابة» (٣). الراجح: قول الجمهور، وهو جواز كراء الأرض بالذهب والفضة، والله أعلم. * * *

стр. 4062

الفرع الثاني إجارة الأراضي بالعروض سوى الطعام قال السرخسي: كل ما يصلح ثمنًا في البيع يصلح أجرة في الإجارة (١). [م-٩٠٥] اختلف العلماء في إجارة الأرض بالعروض عدا الطعام: فذهب الأئمة الأربعة إلى القول بالجواز، وهو قول عامة أهل العلم (٢). قال ابن قدامة: «تجوز إجارتها بالورق والذهب وسائر العروض سوى المطعوم في قول أكثر أهل العلم» (٣). وقال ربيعة وسعيد بن المسيب: لا يجوز كراء الأرض إلا بالذهب والفضة (٤).

стр. 4063

وقال بعض السلف، واختاره ابن حزم: لا يجوز كراء الأرض مطلقًا (١)، وسبق ذكر هذا القول. وأدلة هذه المسألة هي أدلة المسألة السابقة، ولذلك قال ابن قدامة: «والحكم في العروض كالحكم في الأثمان» (٢). * * *

стр. 4064

الفرع الثالث في إجارة الأرض بالطعام المسألة الأولى إجارة الأرض بطعام معلوم من غير الخارج منها [م-٩٠٦] هل يصح إجارة الأرض بطعام معلوم من غير الخارج منها، اختلف العلماء في ذلك على أربعة أقوال: القول الأول: ذهب الجمهور إلى جوازه. قال ابن قدامة: وهو قول أكثر أهل العلم (١). دليل الجمهور القائلين بالجواز: دليل القائلين بالجواز هي نفس الأدلة المتقدمة في حكم إجارة الأرض بالذهب والفضة، وقد سبق ذكرها. القول الثاني: لا يجوز إجارة الأرض بما تنبت سواء كان طعامًا كالقمح، أو غير طعام

стр. 4065

كالكتان، ولا يجوز إجارة الأرض بطعام سواء كان ينبت فيها كالقمح، أو لا ينبت فيها كالعسل والسمن واللحم. وهذا قول مالك (١). دليل المالكية على منع إجارة الأرض بالطعام مطلقًا: أن هذا الطعام إن كان مما سوف ينبته المكتري ويزرعه في الأرض فإن النهي عن ذلك للنهي عن المحاقلة. وإن كان الطعام من غيره مما لا تنبته الأرض كالعسل، واللحم، فإن النهي من أجل بيع الطعام بالطعام إلى أجل، وذلك أن المنفعة المقصودة من كراء الأرض هو الطعام، فكراؤها بالطعام يدخله بيع الطعام بالطعام نسيئة، وذلك منهي عنه (٢). جاء في المنتقى: «قال ابن حبيب: قال مالك: فيما نهي عنه من المحاقلة: هو اكتراء الأرض بالحنطة. ووجه ذلك من جهة المعنى: أنه منفعة الأرض التي اكتريت لها، وهي
следующие страницы →