وتعقب هذا:
بأن رافعًا ﵁ قد قال هذا اجتهادًا منه في فهم الحديث، وليس بالنص من المعصوم ﵊، وفهم الصحابي غير معصوم، وحديث رافع فيه اختلاف كثير في ألفاظه، ولذلك ذهب بعض أهل العلم إلى أن أحاديث رافع في ذلك مضطربة الألفاظ، مختلفة المعاني، وقد روي النهي عن كراء الأرض في حديث جابر، والنهي مطلق، لم يستثن شيئًا، ولم يختلف على جابر كما اختلف على رافع (١).
«وكان أحمد بن حنبل يقول: أحاديث رافع في كراء الأرض مضطربة، وأحسنها حديث يعلى بن حكيم، عن سليمان بن يسار، عن رافع بن خديج» (٢).
ويجاب:
بأن هذا ليس فهم رافع وحده، بل هو إجماع الصحابة على جواز كراء الأرض بالذهب والفضة.
قال ابن بطال: «اتفقوا على أنه يجوز كراء الأرض بالذهب والفضة، قال ابن المنذر: وهذا إجماع الصحابة» (٣).
الراجح:
قول الجمهور، وهو جواز كراء الأرض بالذهب والفضة، والله أعلم.
* * *
стр. 4062
الفرع الثاني
إجارة الأراضي بالعروض سوى الطعام
قال السرخسي: كل ما يصلح ثمنًا في البيع يصلح أجرة في الإجارة (١).
[م-٩٠٥] اختلف العلماء في إجارة الأرض بالعروض عدا الطعام:
فذهب الأئمة الأربعة إلى القول بالجواز، وهو قول عامة أهل العلم (٢).
قال ابن قدامة: «تجوز إجارتها بالورق والذهب وسائر العروض سوى المطعوم في قول أكثر أهل العلم» (٣).
وقال ربيعة وسعيد بن المسيب: لا يجوز كراء الأرض إلا بالذهب والفضة (٤).
стр. 4063
وقال بعض السلف، واختاره ابن حزم: لا يجوز كراء الأرض مطلقًا (١)، وسبق ذكر هذا القول.
وأدلة هذه المسألة هي أدلة المسألة السابقة، ولذلك قال ابن قدامة: «والحكم في العروض كالحكم في الأثمان» (٢).
* * *
стр. 4064
الفرع الثالث
في إجارة الأرض بالطعام
المسألة الأولى
إجارة الأرض بطعام معلوم من غير الخارج منها
[م-٩٠٦] هل يصح إجارة الأرض بطعام معلوم من غير الخارج منها، اختلف العلماء في ذلك على أربعة أقوال:
القول الأول:
ذهب الجمهور إلى جوازه. قال ابن قدامة: وهو قول أكثر أهل العلم (١).
دليل الجمهور القائلين بالجواز:
دليل القائلين بالجواز هي نفس الأدلة المتقدمة في حكم إجارة الأرض بالذهب والفضة، وقد سبق ذكرها.
القول الثاني:
لا يجوز إجارة الأرض بما تنبت سواء كان طعامًا كالقمح، أو غير طعام
стр. 4065
كالكتان، ولا يجوز إجارة الأرض بطعام سواء كان ينبت فيها كالقمح، أو لا ينبت فيها كالعسل والسمن واللحم. وهذا قول مالك (١).
دليل المالكية على منع إجارة الأرض بالطعام مطلقًا:
أن هذا الطعام إن كان مما سوف ينبته المكتري ويزرعه في الأرض فإن النهي عن ذلك للنهي عن المحاقلة.
وإن كان الطعام من غيره مما لا تنبته الأرض كالعسل، واللحم، فإن النهي من أجل بيع الطعام بالطعام إلى أجل، وذلك أن المنفعة المقصودة من كراء الأرض هو الطعام، فكراؤها بالطعام يدخله بيع الطعام بالطعام نسيئة، وذلك منهي عنه (٢).
جاء في المنتقى: «قال ابن حبيب: قال مالك: فيما نهي عنه من المحاقلة: هو اكتراء الأرض بالحنطة. ووجه ذلك من جهة المعنى: أنه منفعة الأرض التي اكتريت لها، وهي
стр. 4066
المنفعة المقصودة منها إنما هو الطعام الخارج، فإذا اكتراها منه بطعام فهو طعام بطعام غير مقبوض ولا مقدر» (١).
(ح-٥٩٢) وقد روى الشيخان من طريق ابن جريج، عن عطاء،
سمع جابر بن عبد الله ﵄، نهى النبي ﷺ عن المخابرة، والمحاقلة، وعن المزابنة، وعن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه .... الحديث (٢).
(ح-٥٩٣) وروى الشيخان النهي عن المحاقلة من حديث أبي سعيد الخدري (٣).
وفي رواية مسلم زيادة: والمحاقلة: كراء الأرض.
وفي رواية مالك في الموطأ: والمحاقلة: كراء الأرض بالحنطة.
(ح-٥٩٤) وروى الإمام البخاري بإسناده عن ابن عباس ﵄، قال: نهى النبي ﷺ عن المحاقلة والمزابنة (٤).
(ح-٥٩٥) وروى البخاري أيضًا بإسناده عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة .... الحديث (٥).
(ح-٥٩٦) وروى مسلم النهي من مسند أبي هريرة، من طريق سهيل ابن أبي صالح، عن أبيه عنه (٦).
стр. 4067
وجه الاستدلال:
جاء في الأحاديث السابقة النهي عن المحاقلة والمخابرة. والمحاقلة لها تفسيران:
أحدهما: في معنى المزابنة، وذلك شراء الزرع الذي استحصد بحب من جنسه.
والثاني: كراء الأرض بما يخرج منها، وقد جاء في حديث أبي سعيد عند مسلم، والموطأ النهي عن المحاقلة، وفيه والمحاقلة كراء الأرض زاد مالك بالحنطة، قالوا: وفي معنى كراء الأرض بالحنطة كراؤها بجميع أنواع الطعام، سواء كان مما يخرج منها، أو من سائر صنوف الطعام (١).
والمخابرة: هو كراء الأرض بما يخرج منها (٢).
(ح-٥٩٧) وقد روى مسلم بسنده عن ابن المسيب مرسلًا،
أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع المزابنة، والمحاقلة، والمزابنة: ثمر النخيل بالتمر، والمحاقلة: أن يباع الزرع بالقمح، واستكراء الأرض بالقمح (٣).
فذكر ابن المسيب التفسيرين معًا في تعريف المحاقلة.
ونوقش هذا:
لم يرض الجمهور تفسير الإمام مالك المحاقلة بأنه كراء الأرض بالحنطة، وإنما فسروها كما فسرها جابر عند مسلم، المحاقلة في الزرع: بيع الزرع القائم
стр. 4068
بالحب كيلًا (١). أو هو بيع الحنطة في سنبلها بحنطة صافية ومالك لا يمانع من أن هذا يطلق عليه محاقلة، ولكن لا يقصر المحاقلة على ذلك، بل يشمل هذا ويشمل كراء الأرض بالحنطة، كما ورد في حديث أبي سعيد عند مسلم والموطأ، ومرسل سعيد بن المسيب (٢).
وأجاب ابن قدامة عن حديث أبي سعيد بقوله:: «حديث أبي سعيد يحتمل المنع من كرائها بالحنطة إذا اكتراها لزرع الحنطة» (٣).
ولو سلم أن كراء الأرض بالحنطة من قبيل المحاقلة، فإن مالكًا يمنع كراء الأرض بالسمن والعسل واللحم، وليس في ذلك محاقلة.
الدليل الثاني:
(ح-٥٩٨) ما رواه مسلم من طريق يعلى بن حكيم، عن سليمان بن يسار.
عن رافع بن خديج قال: كنا نحاقل الأرض على عهد رسول الله ﷺ فنكريها بالثلث، والربع، والطعام المسمى، فجاءنا ذات يوم رجل من عمومتي، فقال: نهانا رسول الله ﷺ عن أمر كان لنا نافعًا، وطواعية الله ورسوله أنفع لنا، نهانا أن نحاقل بالأرض، فنكريها على الثلث، والربع، والطعام المسمى، وأمر رب الأرض أن يزرعها، أو يزرعها وكره كراءها وما سوى ذلك (٤).
стр. 4069
قال ابن رشد: «وعمدة من أجاز كراءها بكل شيء ما عدا الطعام ..... حديث يعلى بن حكيم، عن سليمان بن يسار، عن رافع بن خديج، قال: قال رسول الله ﷺ من كانت له أرض فليزرعها أو ليزرعها أخاه ولا يكرها بثلث، ولا ربع، ولا بطعام معين، قالوا: وهذا هو معنى المحاقلة التي نهى رسول الله ﷺ عنها، وذكروا حديث سعيد بن المسيب مرفوعًا، وفيه: والمحاقلة استكراء الأرض بالحنطة .... » (١).
القول الثالث:
لا تكرى بالحنطة وأخواتها كالشعير والسلت، وتكرى بما سوى ذلك من مطعوم وغيره. وهذا قول ابن نافع (٢).
وجه قول ابن نافع:
يرجع قول ابن نافع إلى مذهب المالكية أن الحنطة والشعير والسلت جنس واحد في الربا، فكل ما يجوز فيه التفاضل بينه وبين القمح فإنه يجوز أن تكرى به الأرض كالذهب والفضة (٣).
القول الرابع:
لا تكرى بشيء إذا أعيد فيها نبت، وتكرى بغير ذلك من طعام أو غيره مما لا تنبت. وهذا قول ابن كنانة (٤).
стр. 4070
وجه قول ابن كنانة:
أن إجارة الأرض بما لا ينبت فيها جائز قياسًا على إجارتها بالحطب والجذوع، وقد أجازه مالك (١).
الراجح:
أرى أن قول الجمهور أقرب للصواب، فقد قال رافع بن خديج في صحيح مسلم: فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس (٢).
* * *
стр. 4071
المسألة الثانية
إجارة الأرض بطعام معلوم من جنس الخارج منها
[م-٩٠٧] في المسألة السابقة ناقشنا حكم إجارة الأرض بطعام معين معلوم من غير الخارج منها، وفي هذه المسألة نبحث حكم إجارتها بطعام معلوم في ذمة المكتري من جنس ما يزرع فيها إذا لم يشترط أن يكون مما يخرج منها، كإجارتها بمائة صاع من حنطة أو شعير، ويكون الزرع من جنس ذلك العوض المتفق عليه، فقد اختلف فيه الفقهاء على قولين:
فقيل: يجوز، وهو قول الجمهور.
وقيل: لا يجوز، وهو قول مالك، ورواية عن الإمام أحمد.
وقد سبق لنا أن مالكًا لا يفرق في المنع بين كون الأجرة طعامًا من جنس ما يخرج من الأرض أو من غيره، وسواء كان مما تنبت الأرض أو مما لا تنبت كاللحم والعسل.
قال ابن قدامة: «إجارتها بطعام معلوم من جنس ما يزرع فيها كإجارتها بقفزان حنطة لزرعها فقال أبو الخطاب: فيها روايتان:
إحداهما: المنع. وهي التي ذكرها القاضي مذهبًا وهي قول مالك ; لما تقدم من الأحاديث؛ ولأنها ذريعة إلى المزارعة عليها بشيء معلوم من الخارج منها؛ لأنه يجعل مكان قوله زارعتك آجرتك فتصير مزارعة بلفظ الإجارة والذرائع معتبرة.
والثانية: جواز ذلك. اختارها أبو الخطاب. وهو قول أبي حنيفة
стр. 4072
والشافعي; لما ذكرنا في القسم الأول ولأن ما جازت إجارته بغير المطعوم جازت به كالدور» (١).
وهذه المسألة فرد من المسألة السابقة، وأدلتها هي أدلة المسألة السابقة، فارجع إليه إن شئت.
و الراجح هو القول بالجواز، والمعاوضة هي بين الطعام وبين إجارة الأرض، وليست المعاوضة بين الطعام وما يخرج من الأرض لسببين:
الأول: أن ما يخرج من الأرض مجهول، والإجارة يجب أن تكون على شيء معلوم، والمعلوم هو الأرض لا ما يخرج منها بالزرع.
الثاني: أننا لو جعلنا المعاوضة بين الأجرة، وبين قصد المستأجر من الأرض، لقلنا بتطبيق أحكام الربا بين الثمن وسلع التجار، فإن التاجر عندما يشتري أو يبيع السلع إنما يقصد بذلك الثمن لا عين السلعة، فإذا كان الثمن في المبيع نقدًا وجب تطبيق أحكام الربا والصرف باعتبار أن مقصود التاجر من السلع هو النقد، والثمن نقد، والأثمان يجري فيها ربا الفضل والنسيئة، ولم يقل بذلك أحد من أهل العلم، وإذا كنا لا ننظر إلى قصد التاجر من شراء السلع وبيعها، وأن المعاوضة في البيع بين عرض وثمن بصرف النظر عن قصد البائع، فكذلك عقد الإجارة هو بين إجارة أرض من جهة وبين الطعام كأجرة، وليس بين الطعام وما يقصده المستأجر من الأرض، بل إن المالكية قد أجازوا إجارة الظئر بطعامها، وسبق بحثها، وهو طعام في مقابل طعام، بل هو أبلغ من إجارة الأرض بالطعام، والله أعلم.
* * *
стр. 4073
المسألة الثالثة
إجارة الأرض بجزء مشاع معلوم مما يخرج منها
[م-٩٠٨] اختلف العلماء في إجارة الأرض بجزء مشاع معلوم مما يخرج منها كالثلث والنصف والربع:
فقيل: لا يجوز، وهو قول أبي حنيفة، ومذهب المالكية، والشافعية، واختاره أبو الخطاب من الحنابلة، ورجحه ابن قدامة (١).
وقيل: تجوز، وهو قول أبي يوسف، ومحمد بن الحسن من الحنفية، وعليه الفتوى في المذهب، واختاره بعض المالكية، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، ورجحه ابن حزم (٢).
стр. 4074
وقد اختلف في هذا العقد، هل هو إجارة، أو مزارعة، والراجح أنه مزارعة بلفظ الإجارة، ولهذا تجد أن صاحب الأرض والمزارع يشتركان في المغنم والمغرم، فإن حصل شيء اشتركا فيه، وإن لم يحصل اشتركا في الحرمان، ولا يجوز أن يشترط لأحدهما شيء مقدر من النماء كالمضاربة، وهذه أحكام المزارعة، وليست أحكام الإجارة، وما دام الشأن كذلك فسوف نذكر أدلة هذه المسألة إن شاء الله تعالى في باب المزارعة، بلغنا الله ذلك بمنه وكرمه.
* * *
стр. 4075
المسألة الرابعة
في إجارة الأرض المشغولة بالزرع للغير
[م-٩٠٩] اختلف العلماء في إجارة الأرض المشغولة بالزرع، ومثله الدار المشغولة بمتاع الساكن على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
إن كان وجود الزرع بحق فلا تجوز إجارتها ما لم يستحصد الزرع إلا أن يؤجرها مضافة إلى المستقبل.
وإن كان وجود الزرع بغير مستند شرعي صحت الإجارة؛ لأن الزرع واجب القلع، والمؤجر قادر على تسليم ما أجره بأن يجبر صاحب الزرع بقلعه سواء أدرك أو لم يدرك؛ لأنه لا حق لصاحبه في إبقائه، وهذا مذهب الحنفية (١).
القول الثاني:
لا تصح إجارة الأرض المشغولة بالزرع والمتاع، وهذا مذهب الشافعية، وأحد القولين في مذهب الحنابلة (٢).
قال الشافعي في الأم: «وإذا تكارى الرجل من الرجل أرضًا فيها زرع لغيره لا يستطيع إخراجه منها إلى أن يحصده فالكراء مفسوخ لا يجوز حتى يكون المكتري يرى الأرض لا حائل دونها من الزرع، ويقبضها لا حائل دونها من الزارعين؛ لأنا نجعله بيعًا من البيوع، فلا يجوز أن يبيع لرجل عينًا لا يقدر
стр. 4076
المبتاع على قبضها حين تجب له ويدفع الثمن ولا أن نجعل على المبتاع والمكتري الثمن ولعل المكترى أن يتلف قبل أن يقبضه ولا يجوز أن نقول له: الثمن دين إلى أن يقبض فذلك دين بدين» (١).
القول الثالث:
تصح إجارة الأرض المشغولة بالزرع والمتاع إذا كانت مضافة إلى زمن مستقبل يمكن فيها إخلاء الأرض من الزرع والمتاع. وهو قول في مذهب الحنابلة (٢).
قال ابن القيم: «لا تصح إجارة الأرض المشغولة بالزرع فإن أراد ذلك فله حيلتان جائزتان:
إحداهما: أن يبيعه الزرع ثم يؤجره الأرض فتكون الأرض مشغولة بملك المستأجر فلا يقدح في صحة الإجارة فإن لم يتمكن من هذه الحيلة لكون الزرع لم يشتد أو كان زرعا للغير انتقل إلى الحيلة الثانية وهي أن يؤجره إياها لمدة تكون بعد أخذ الزرع ويصح هذا بناء على صحة الإجارة المضافة» (٣).
القول الرابع:
اختار ابن تيمية الجواز مطلقًا، وهو أحد القولين في مذهب الحنابلة (٤).
ولعل دليله في هذا أن هذا حق للمستأجر فإذا علم بذلك، ورضي فقد تنازل عن حقه برضاه، والله أعلم.
* * *
стр. 4077
الفصل الثاني
في إجارة الحيوان
المبحث الأول
في إجارة الفحل للضراب
[م-٩١٠] اختلف الفقهاء في إجارة الفحل للضراب على قولين:
القول الأول:
لا يجوز، وهو مذهب الجمهور (١).
القول الثاني:
تجوز إجارة الفحل للضراب مدة معلومة، وهو مذهب المالكية (٢)، وقول في مذهب الشافعية (٣)، وقول في مذهب الحنابلة (٤).
واختار ربيعة جواز ذلك إذا كان له أجل ينتهي إليه ضرابه، ولم يكن يضمن له اللقاح (٥).
стр. 4078
دليل من قال: لا يجوز:
الدليل الأول:
(ح-٥٩٩) ما رواه البخاري من طريق علي بن الحكم، عن نافع،
عن ابن عمر ﵄، قال: نهى رسول الله ﷺ عن عسب الفحل (١).
وجه الاستدلال:
لا يمكن حمل النهي على نفس العسب، وهو الضراب؛ لأن ذلك جائز بالإعارة، فيحمل على إجارته للضراب إلا أنه حذف ذلك وأضمره فيه، كما في قوله تعالى: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف:٨٢].
الدليل الثاني:
أن المعقود عليه مجهول وغير متقوم، ولا مقدور على تسليمه.
قال ابن قدامة: «لأنه مما لا يقدر على تسليمه، فأشبه إجارة الآبق، ولأن ذلك متعلق باختيار الفحل وشهوته، ولأن المقصود هو الماء، وهو مما لا يجوز إفراده بالعقد، وهو مجهول» (٢).
وقال الزيلعي في تبيين الحقائق: «وإنما نهي عنه للجهالة التي فيه، ولا بد في الإجارة من تعيين العمل، ومعرفة مقداره» (٣).
وقال بعضهم: «بأن ثمرته المقصودة غير معلومة، فإنه قد يلقح، وقد لا يلقح، فهو غرر» (٤). وهذا معنى التعليل بالجهالة.
стр. 4079
وأجاب المالكية:
بأن النهي محمول على ما فيه غرر كما لو اشترط الحمل (١).
ويجاب:
بأن اشتراط الحمل لم يرد في شيء من النصوص، فحمل النهي على أمر لم يذكر في النص تأويل غير سائغ.
الدليل الثالث:
يرى الحنفية بأن منع إجارة الفحل للضراب لكون الضراب ليس مالًا (٢).
وهذا يصدق على مذهب الحنفية وحدهم باعتبار أن المنافع عندهم ليست من قبيل الأموال، أما الجمهور فلا يعللون بذلك؛ لأن المنافع عندهم أموال.
الدليل الرابع:
علل الحنفية النهي بكون المعقود عليه معدومًا عند العقد. قال في بدائع الصنائع: «عسب الفحل ضرابه، وهو عند العقد معدوم» (٣).
ويجاب:
أن هذا شأن المنافع كلها عند العقد تكون معدومة، ولكن الفقهاء اعتبروا قبض العين بمثابة قبض المنفعة، والله أعلم.
الدليل الخامس:
علل الشيرازي بأن ماء الفحل لا قيمة له لكونه محرمًا،
стр. 4080
قال في المهذب: «نهى عن ثمن عسب الفحل؛ لأن المقصود منه هو الماء الذي يخلق منه، وهو محرم، لا قيمة له، فلم يجز أخذ العوض عليه، كالميتة والدم» (١).
ويناقش:
بأن هذا يصدق على مذهب الشافعية القائلين بنجاسة المني مطلقًا، واشتراط الطهارة في المعقود عليه، أما من يرى أن طهارة المعقود عليه ليس بشرط في المعقود عليه كما حررت ذلك في عقد البيع، أو يرى طهارة المني من الحيوان الطاهر فلا يصلح هذا تعليلًا للنهي عنده.
الدليل السادس:
قال ابن القيم: «النهي عن بيع عسب الفحل من محاسن الشريعة وكمالها، فإن مقابلة ماء الفحل بالأثمان، وجعله محلًا لعقود المعاوضات مما هو مستقبح، ومستهجن عند العقلاء» (٢).
دليل من قال: تجوز إجارته لمدة معلومة .
الدليل الأول:
القياس على إجارة الظئر للرضاع، مع أنه ممنوع بيع لبنها.
ويناقش:
بأن هذا قياس فاسد؛ لأنه نظر في مقابل النص.
الدليل الثاني:
القياس على جواز الإجارة على تلقيح النخل.
стр. 4081
ويناقش:
بأن تلقيح النخل أمر ظاهر معلوم، والإنسان قادر على تسليم المنفعة بخلاف ماء الفحل فإنه مجهول، وغير مقدور على تسليمه.
الدليل الثالث:
أن الضراب منفعة مقصودة، والحاجة تدعو إليه، ولولا ذلك لانقطع النسل، والعقد إنما هو على ضراب الفحل، وهي منفعة معلومة، والماء تابع، والغالب حصوله عقيب نزوه، فيكون كالعقد على الظئر.
ويجاب عن ذلك:
بأن قيام الحاجة إليه ليس مسوغًا لجواز بيعه، فهذا الكلب نهى الشارع عن أخذ ثمنه، مع قيام الحاجة إليه في الحراسة، والصيد، ونحوهما، والمقصود هو ماء الفحل، والضراب وسيلة إليه، وإذا كان الفقهاء قد منعوا من بيع اللبن في الضرع مع أن تحصيله أمر ممكن مقدور عليه، فالنهي عن بيع عسب الفحل من باب أولى؛ لأنه عين غائبة، غير مقدور على تسليمها، والله أعلم.
الدليل الرابع:
ذكر بعض المالكية بأن مالكًا إنما أجاز إجارة الفحل؛ لأن العمل عليه عند أهل المدينة، ومعروف رأي مالك في الاحتجاج بعمل أهل المدينة (١).
ويجاب:
بأن الحجة هو في الدليل الشرعي من كتاب، أو سنة، أو إجماع، أما عمل أهل المدينة، فلم نؤمر عند النزاع بالرجوع إليه.
стр. 4082
قال تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩].
الراجح:
بعد استعراض أقوال العلماء أجد أن القول بالمنع أقوى دليلًا، خاصة مع صحة النهي عن المعصوم ﵊، وإذا لم يجد الإنسان فحلًا بالإعارة جاز له دفع الأجرة على ذلك، والإثم على المؤجر وحده بعد أن يبين له أنه لا يحل له أخذ العوض على الضراب، والله أعلم.
* * *
стр. 4083
المبحث الثاني
في إجارة الكلب للصيد
[م-٩١١] اختلف العلماء في استئجار الكلب للصيد على قولين.
القول الأول:
لا يجوز، وهو مذهب الحنفية، والصحيح من مذهب الشافعية، والحنابلة (١).
القول الثاني:
يجوز استئجار الكلب للصيد، وهو مذهب المالكية، واختيار ابن حزم (٢).
وسبق تحرير الخلاف في المسألة مع ذكر الأدلة.
* * *
стр. 4084
الفصل الثالث
في إجارة الأشخاص
المبحث الأول
في أقسام إجارة الأشخاص
[م-٩١٢] تنقسم إجارة الأشخاص إلى قسمين:
القسم الأول:
الأجير الخاص: وهو من يكون العقد واردًا على منافعه، ولا تصير منافعه معلومة إلا بذكر المدة بحيث تكون منافعه مستحقة للمستأجر في تلك المدة.
ويسميه بعض الفقهاء (أجير الواحد) كالخادم، والموظف.
القسم الثاني:
الأجير المشترك: وهو من يكون عقده واردًا على عمل معلوم ببيان محله، ويعمل للمؤجر ولغيره كالنجار، والحداد، والبناء، والقصار.
والفرق بين الأجير المشترك والخاص من وجوه:
أحدها: أن الأجير المشترك يشترك الناس في منفعته بخلاف الخاص حيث يختص المستأجر بمنفعته مدة العقد دون سائر الناس.
الثاني: أن العقد في الأجير المشترك وارد على العمل، فمنافعه ليست مستحقة للمستأجر، بخلاف الخاص فإن العقد وارد على المنفعة، فمنافعه مستحقة للمستأجر خلال مدة الإجارة. وينبني على هذا الفرق التالي:
стр. 4085
الثالث: أن الأجير المشترك يستحق الأجرة بالعمل، لا بتسليم النفس؛ لأنه يعمل للعامة، ولأن المعقود عليه هو العمل فلا يستحق أجرة إذا لم يعمل، وأما الأجير الخاص فيستحق الأجرة بالوقت دون العمل، فإذا سلم نفسه في الوقت، وإن لم يعمل فقد استحق الأجرة؛ لأن المعقود عليه هو منفعته.
الرابع: يضمن الأجير المشترك إذا كان التلف بسبب يرجع إلى الصنعة على الصحيح، سواء أكان متعديًا أم لم يكن، وسواء تجاوز المعتاد أو لم يتجاوز؛ لأن ما يدخل تحت عقد الإجارة هو العمل السليم، وأما العمل الفاسد فلا يدخل تحت الإجارة، وأما ما تلف بسبب لا يرجع إلى الصنعة كالحفظ ونحوه فلا يضمنه إن لم يكن منه تعد أو تفريط (١).
وأما الأجير الخاص فلا يضمن مطلقًا إلا بالتعدي والتفريط؛ لأنه أمين، ولأن المنافع مملوكة للمستأجر، فإذا أمره بالتصرف في ملكه صح، ويصير فعله منسوبًا إليه (المستأجر) كأنه فعله بنفسه، فلهذا لا يضمن، وهذا بالاتفاق. وسيأتي مزيد بحث للضمان في مباحث مستقلة إن شاء الله تعالى
الخامس: لا يجوز للأجير الخاص أن يستأجر غيره لإنجاز ما استؤجر عليه، لأن العقد وقع على منافعه نفسه، لا على عمل غيره، ويجوز للأجير المشترك إذا لم يشترط عليه العمل بنفسه أن يكلف غيره بذلك العمل.
السادس: لا بد من بيان العمل المعقود عليه في الأجير المشترك علمًا ينفي الجهالة، ويقطع النزاع، وأما الأجير الخاص فليس من شرطه أن يكون معلومًا من كل الوجوه، فيكفي أن يستأجره للبناء يومًا، أو شهرًا، أو سنة، أو نحو ذلك
стр. 4086
دون بيان لمقدار ما سوف يبنيه، والأجراء يتفاوتون، فقد يبني أحدهم في يوم ما يبنيه الآخر في يومين أو في ثلاثة وهكذا (١).
* * *
стр. 4087
المبحث الثاني
في إجارة الظئر
الفرع الأول
في تعريف الظئر
[م-٩١٣] الظئر: هي المرضعة لغير ولدها من الناس والإبل (١).
ويقع لفظ الظئر على الأنثى والذكر، ولذا يقال لزوج المرضعة ظئر (٢):
(ح-٦٠٠) ففي صحيح البخاري: دخلنا مع رسول الله ﷺ على أبي سيف القين، وكان ظئرًا لإبراهيم ﵇ .... الحديث (٣).
قال العيني: الظئر زوج المرضعة، وتسمى المرضعة ظئرًا (٤).
وفي المصباح المنير: الظئر .... الناقة تعطف على غير ولدها، ومنه قيل للمرأة الأجنبية تحضن ولد غيرها ظئر، وللرجل الحاضن ظئر (٥).
وجاء في معجم مقاييس اللغة: الظاء والهمزة والراء أصل صحيح يدل على العطف والدنو. وإنما سميت بذلك لعطفها على من تربيه (٦).
* * *
стр. 4088
الفرع الثاني
في حكم استئجار الظئر
[م-٩١٤] لم يختلف الفقهاء في جواز استئجار الظئر (١).
قال ابن قدامة: «أجمع أهل العلم على جواز استئجار الظئر» (٢)، وحكى الإجماع ابن نجيم والزيلعي وغيرهما (٣).
ومستند ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦].
وقوله تعالى: ﴿وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق:٦].
(ح-٦٠١) وما رواه مسلم من طريق أيوب، عن عمرو بن سعيد،
عن أنس بن مالك قال: ما رأيت أحدًا كان أرحم بالعيال من رسول الله ﷺ قال: كان إبراهيم مسترضعًا له في عوالي المدينة، فكان ينطلق، ونحن معه، فيدخل البيت وإنه ليدخن، وكان ظئره قينًا، فيأخذه فيقبله، ثم يرجع، قال عمرو: فلما توفي إبراهيم قال رسول الله ﷺ : إن إبراهيم ابني، وإنه مات في الثدي، وإن له لظئرين تكملان رضاعه في الجنة (٤).
وفي رواية لمسلم، قال: ولد لي الليلة غلام، فسميته باسم أبي إبراهيم، ثم دفعه إلى أم سيف امرأة قين يقال له أبو سيف .... الحديث (٥).
стр. 4089
وقد ذكر الحنفية أن جواز إجارة الظئر من باب الاستحسان، وأن القياس عدم جوازه؛ لأنها إجارة ترد على استهلاك العين، وقد حاول بعض الفقهاء الخروج من هذا إما بالقول بأن العقد جاز؛ لأن الضرورة تدعو إليه لبقاء الآدمي، ولا يقوم غيرها مقامها (١).
وإما بالقول: إن العقد وارد على حضانة الصبي، وتلقيمه ثديها، وخدمته وتربيته، واللبن تابع (٢).
ويرى آخرون أن إجارة الظئر على وفق القياس، بل لا يوجد في الشريعة حكم على خلاف القياس الصحيح (٣). وسبق بحث هذه المسألة في مبحث مستقل، والحمد لله.
* * *
стр. 4090
الفرع الثالث
العقد على الرضاع هل يدخل فيه الحضانة
[م-٩١٥] إذا شرطت الحضانة على المرضع، أو كان العرف يقضي بذلك فإن الحضانة على المرضع؛ لأن المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا (١).
أما إذا أطلق العقد، ولم ينص على الحضانة، ولم يكن هناك عرف فهل تدخل الحضانة في العقد من تربية الصبي وحفظه وجعله في سريره وربطه ودهنه وكحله وتنظيفه وغسل خرقه وأشباه ذلك، أو لا تدخل؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
تدخل في العقد الحضانة، وهذا مذهب الحنفية، وأحد القولين في مذهب الشافعية والحنابلة، واختاره بعض المالكية (٢).
وجه ذلك:
علل بعض الشافعية دخولها باعتبار أن الحضانة تابعة للرضاع، فاستحقت بالعقد (٣).
قال في الحاوي: «فإن شرط عليها مع الرضاع حضانة الطفل وخدمته لزمها،
стр. 4091
وإن أغفلا ذلك ففي لزومه لها وجهان من اختلاف أصحابنا في الحضانة، هل مقصودها الرضاع والخدمة أم الخدمة، والرضاع تبع. فأحد الوجهين: أن الخدمة تبع للرضاع في الحضانة، فعلى هذا لا تجبر على خدمته. والثاني: أن الرضاع تبع للخدمة، فعلى هذا تجبر على خدمته» (١).
وعلل الحنفية دخولها لجريان العرف بذلك، فالعقود المطلقة تحمل فيما لا نص فيه على العرف والعادة، والعادة جارية بقيام المرضع على حضانة الطفل.
القول الثاني:
لا تدخل، بل تكون على أبيه وهو قول أبي ثور، ومذهب المالكية، وأحد القولين في مذهب الشافعية والحنابلة (٢).
جاء في منح الجليل: «لا يلزم الظئر حضانة، ولا الحاضنة إرضاع ... » (٣).
وجه عدم دخولها:
أن الحضانة والرضاعة منفعتان مقصودتان تنفرد إحداهما عن الأخرى، فلا يلزم من العقد على الإرضاع دخول الحضانة.
قال ابن قدامة: «فيه وجهان أحدهما: لا تدخل. وهو قول أبي ثور وابن المنذر; لأن العقد ما تناولها.
стр. 4092
والثاني: تدخل. وهو قول أصحاب الرأي; لأن العرف جار بأن المرضعة تحضن الصبي فحمل الإطلاق على ما جرى به العرف والعادة، ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين» (١).
الراجح:
أن الحضانة لا تدخل إلا بشرط أو عرف، والله أعلم.
* * *
стр. 4093
الفرع الرابع
وجوب امتناع الظئر عما يفسد لبنها
[م-٩١٦] صرح الحنفية والشافعية أن للمستأجر أن يمنع المرضع عن أكل كل ما يضر بلبنها.
جاء في البحر الرائق: «ولا تأكل شيئًا يفسد لبنها، وتضمن به» (١).
وقال الماوردي: «ولولي الطفل أن يمنعها من أكل ما يضر بلبنها» (٢).
قال في مغني المحتاج: «قال الماوردي ... والصيرمي والرويان: إن له منعها من أكل ما يضر بلبنها» (٣).
وقال بعض الشافعية والحنابلة: على المرضع أن تأكل وتشرب كل ما يكثر به اللبن، وللمكتري تكليفها بذلك.
جاء في البهجة الوردية: «ويلزم المرضعة أن تأكل وتشرب ما يدر به اللبن، وللمكتري أن يكلفها ذلك، قاله الشيخان. قال ابن الرفعة: وفيه نظر، والذي قاله الماوردي أن للمكتري أن يمنعها من أكل ما يضر باللبن» (٤).
وجاء في المغني: «على المرضعة أن تأكل وتشرب ما يدر به لبنها ويصلح به وللمكتري مطالبتها بذلك؛ لأنه من تمام التمكين من الرضاع وفي تركه
стр. 4094
إضرار بالصبي» (١).
وبعض الشافعية جمع بين الأمرين، جاء في حاشية الجمل: «وتكلف المرضعة تناول ما يكثر اللبن، وترك ما يضره .... » (٢).
والذي يظهر لي أن الإكراه على نوع الطعام لكونه يكثر لبنها ليس ممكنًا؛ لأن الإنسان لا يأكل إلا ما يشتهي، وفي الوقت الذي يشتهي، والناس مختلفون في ذلك، وأما منع الظئر من أكل ما يضر بلبنها فهو قول وجيه جدًا؛ لأن الإنسان ممنوع من تعاطي ما يضر بالغير، ولو كان مباحًا في نفسه، والله أعلم.
* * *
стр. 4095
الفرع الخامس
في وجوب تعيين الرضيع
[م-٩١٧] اختلف العلماء في وجوب تعيين الرضيع على ثلاثة أقوال.
القول الأول:
يجب تعيين الرضيع إما بالمشاهدة أو بالوصف، وإن لم يجرب رضاعه؛ لأن الرضاع متقارب، وهو المشهور من مذهب المالكية، والمعتمد في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة صوبه المرداوي في الإنصاف وتصحيح الفروع (١).
قال في الحاوي: «وإذا استأجر امرأة لرضاع طفل جاز إذا عرفت سنه مشاهدة، أو خبرًا، وكان زمان رضاعه معلومًا، فإن لم تشاهده، ولا أخبرت بسنه لم يجز؛ لاختلاف شربه باختلاف سنه» (٢).
القول الثاني:
تشترط رؤية الرضيع، ولا يكفي وصفه عن رؤيته، وهو المعتمد عند الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (٣).
стр. 4096
لأن الرضاع يختلف باختلاف الرضيع كبرًا، وصغرًا، ونهمة وقناعة، ولأن الوصف لا يأتي على المقاصد المتعلقة بالرضاع.
القول الثالث:
لا بد من معرفة رضاعه، وهذا اختيار سحنون من المالكية (١).
الراجح: أن وصف الرضيع وذلك بمعرفة سنه كافية عن تعيينه، والله أعلم.
* * *
стр. 4097
الفرع السادس
إذا سقت الظئر الرضيع لبن غيرها
المسألة الأولى
أن تدفعه إلى امرأة أخرى ترضعه
[م-٩١٨] إذا دفعت الظئر الرضيع إلى امرأة أخرى ترضعه، ولم يشرط في العقد أنها ترضعه بنفسها، فهل تستحق الأجرة؟ اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
لها الأجرة، وهذا مذهب الحنفية، واختاره أهل العراق من الشافعية (١).
وجه كون الأجرة لها:
أن الظئر بمنزلة الأجير المشترك، وليست بمنزلة الأجير الخاص؛ لأنها لا تستحق الأجرة بتسليم نفسها، بل لا بد من قيامها بالإرضاع، قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦]. أما الأجير الخاص فهو يستحق الأجرة بمضي المدة، ولو لم يعمل إذا سلم نفسه في المدة المتفق عليها.
جاء في بدائع الصنائع: «فإن استأجرت الظئر ظئرًا أخرى، فأرضعته، أو
стр. 4098
دفعت الصبي إلى جاريتها فأرضعته، فلها الأجر استحسانا والقياس ألا يكون لها الأجر ........
وجه الاستحسان: أن إرضاعها قد يكون بنفسها وقد يكون بغيرها; لأن الإنسان تارة يعمل بنفسه وتارة بغيره; ولأن الثانية لما عملت بأمر الأولى وقع عملها للأولى فصار كأنها عملت بنفسها. هذا إذا أطلق فأما إذا قيد ذلك بنفسها فليس لها أن تسترضع أخرى; لأن العقد أوجب الإرضاع بنفسها فإن استأجرت أخرى فأرضعته لا تستحق الأجر كما قلنا في الإجارة على الأعمال» (١).
وعلل بعض الحنفية بأنها قد التزمت فعل الإرضاع، فلا يتعين عليها مباشرته بنفسها، فسواء أقامت بنفسها أو بخادمها فقد حصل مقصود أهل الصبي.
القول الثاني:
لا تستحق شيئًا من الأجرة، وهذا مذهب المالكية والحنابلة (٢).
لأنهم استأجروها بعينها على أن ترضع لهم، ولم تفعل.
القول الثالث:
إن كانت الإجارة في الذمة فلها الأجرة، وإن كانت معينة فلا أجرة لها. وهذا هو المذهب عند الشافعية (٣)، وهو الراجح.
قال في الحاوي: «وإذا سقت المرضعة الطفل من لبن غيرها فإن كانت
стр. 4099
الإجارة في الذمة فلها الأجرة، وإن كانت معينة فلا أجرة لها. وقال أهل العراق: لها الأجرة» (١).
الراجح:
إن كانت عين المرضع مقصودة في العقد كما لو كانت معروفة بكثرة الرضاع لم يقم غيرها مقامها، وإن كان غير مقصودة قامت غيرها مقامها، والله أعلم.
* * *
стр. 4100
المسألة الثانية
في الظئر تسقي الرضيع لبن الغنم بدلًا من لبنها
[م-٩١٩] إذا سقت الظئر الرضيع لبن الأغنام بدلًا من لبنها، فلا تستحق الأجرة، نص على ذلك الحنفية، والحنابلة (١).
وعلل ذلك الحنفية: بأنها لم تأت بالعمل الواجب عليها، وهو الإرضاع، وهذا إيجار، وليس بإرضاع، وهو غير ما وقع عليه عقد الإجارة.
وعلل الحنابلة بأنها لم توف بالمعقود عليه، أشبه ما لو اكتراها لخياطة ثوب فلم تخطه.
ولأن لبن الجنس لا يقارن بلبن غيره، فكما لو طلب المشتري عينًا وأحضر له البائع أخرى أقل منها لم يلزمه قبولها.
ولم أقف على نص عند المالكية، وأما الشافعية فقد وقفت على النص التالي، وليس صريحًا في المسألة فليتأمل، فقد تكلم الشافعية فيما لو استأجر المرأة للرضاع والحضانة، فانقطع اللبن فإن العقد لا ينفسخ في الحضانة، وينفسخ في الرضاع إلا أنهم قالوا: «لو أتت باللبن من محل آخر، ولم يتضرر الولد به جاز» (٢).