← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.

стр. 4096

لأن الرضاع يختلف باختلاف الرضيع كبرًا، وصغرًا، ونهمة وقناعة، ولأن الوصف لا يأتي على المقاصد المتعلقة بالرضاع. القول الثالث: لا بد من معرفة رضاعه، وهذا اختيار سحنون من المالكية (١). الراجح: أن وصف الرضيع وذلك بمعرفة سنه كافية عن تعيينه، والله أعلم. * * *

стр. 4097

الفرع السادس إذا سقت الظئر الرضيع لبن غيرها المسألة الأولى أن تدفعه إلى امرأة أخرى ترضعه [م-٩١٨] إذا دفعت الظئر الرضيع إلى امرأة أخرى ترضعه، ولم يشرط في العقد أنها ترضعه بنفسها، فهل تستحق الأجرة؟ اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: لها الأجرة، وهذا مذهب الحنفية، واختاره أهل العراق من الشافعية (١). وجه كون الأجرة لها: أن الظئر بمنزلة الأجير المشترك، وليست بمنزلة الأجير الخاص؛ لأنها لا تستحق الأجرة بتسليم نفسها، بل لا بد من قيامها بالإرضاع، قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦]. أما الأجير الخاص فهو يستحق الأجرة بمضي المدة، ولو لم يعمل إذا سلم نفسه في المدة المتفق عليها. جاء في بدائع الصنائع: «فإن استأجرت الظئر ظئرًا أخرى، فأرضعته، أو

стр. 4098

دفعت الصبي إلى جاريتها فأرضعته، فلها الأجر استحسانا والقياس ألا يكون لها الأجر ........ وجه الاستحسان: أن إرضاعها قد يكون بنفسها وقد يكون بغيرها; لأن الإنسان تارة يعمل بنفسه وتارة بغيره; ولأن الثانية لما عملت بأمر الأولى وقع عملها للأولى فصار كأنها عملت بنفسها. هذا إذا أطلق فأما إذا قيد ذلك بنفسها فليس لها أن تسترضع أخرى; لأن العقد أوجب الإرضاع بنفسها فإن استأجرت أخرى فأرضعته لا تستحق الأجر كما قلنا في الإجارة على الأعمال» (١). وعلل بعض الحنفية بأنها قد التزمت فعل الإرضاع، فلا يتعين عليها مباشرته بنفسها، فسواء أقامت بنفسها أو بخادمها فقد حصل مقصود أهل الصبي. القول الثاني: لا تستحق شيئًا من الأجرة، وهذا مذهب المالكية والحنابلة (٢). لأنهم استأجروها بعينها على أن ترضع لهم، ولم تفعل. القول الثالث: إن كانت الإجارة في الذمة فلها الأجرة، وإن كانت معينة فلا أجرة لها. وهذا هو المذهب عند الشافعية (٣)، وهو الراجح. قال في الحاوي: «وإذا سقت المرضعة الطفل من لبن غيرها فإن كانت

стр. 4099

الإجارة في الذمة فلها الأجرة، وإن كانت معينة فلا أجرة لها. وقال أهل العراق: لها الأجرة» (١). الراجح: إن كانت عين المرضع مقصودة في العقد كما لو كانت معروفة بكثرة الرضاع لم يقم غيرها مقامها، وإن كان غير مقصودة قامت غيرها مقامها، والله أعلم. * * *

стр. 4100

المسألة الثانية في الظئر تسقي الرضيع لبن الغنم بدلًا من لبنها [م-٩١٩] إذا سقت الظئر الرضيع لبن الأغنام بدلًا من لبنها، فلا تستحق الأجرة، نص على ذلك الحنفية، والحنابلة (١). وعلل ذلك الحنفية: بأنها لم تأت بالعمل الواجب عليها، وهو الإرضاع، وهذا إيجار، وليس بإرضاع، وهو غير ما وقع عليه عقد الإجارة. وعلل الحنابلة بأنها لم توف بالمعقود عليه، أشبه ما لو اكتراها لخياطة ثوب فلم تخطه. ولأن لبن الجنس لا يقارن بلبن غيره، فكما لو طلب المشتري عينًا وأحضر له البائع أخرى أقل منها لم يلزمه قبولها. ولم أقف على نص عند المالكية، وأما الشافعية فقد وقفت على النص التالي، وليس صريحًا في المسألة فليتأمل، فقد تكلم الشافعية فيما لو استأجر المرأة للرضاع والحضانة، فانقطع اللبن فإن العقد لا ينفسخ في الحضانة، وينفسخ في الرضاع إلا أنهم قالوا: «لو أتت باللبن من محل آخر، ولم يتضرر الولد به جاز» (٢).

стр. 4101

فقولهم: (من محل آخر) يحتمل أن يكون لبن آدمية، وهو الظاهر، ويحتمل أن يكون لبنًا مغذيًا، ولو من غير الآدمية كلبن الغنم، فتأمله، والله أعلم. * * *

стр. 4102

الفرع السابع في اتحاد الديانة بين الظئر والرضيع المسالة الأولى في استئجار الكافر ظئرًا مسلمة [م-٩٢٠] هل يجوز للمرأة المسلمة أن تؤجر نفسها لإرضاع ولد الكافر؟ نص الحنفية والحنابلة على جواز ذلك، واشترط الحنابلة أن يكون الكافر كتابيًا (١). جاء في حاشية ابن عابدين: «يجوز للمسلمة أن تؤجر نفسها لإرضاع ولد الكافر ... بخلاف ما إذا أجرت نفسها لخدمة الكافر فإنه لا يجوز» (٢). وفي الإنصاف: «رخص الإمام أحمد ﵁ في مسلمة ترضع طفلًا لنصارى بأجرة، لا لمجوسي. وقدمه في الفروع، وسوى أبو بكر وغيره بينهما لاستواء البيع والإجارة» (٣). و الراجح: التسوية بين الكتابي وغيره إلا ما خص الدليل كالذبح والنكاح؛ ولأن الإجارة لا تختلف عن البيع، ولأن أهل الكتاب هم كفار مشركون بالله، وعقيدة النصارى قد ذكر الله تعالى في كتابه أنها تكاد أن تكون سببًا في خراب الكون،

стр. 4103

قال تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مريم:٩٠،٩١]. ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٢] ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]. وكفرهم وشركهم بالله معلوم من الدين بالضرورة، لا ينكره إلا جاهل أو كافر بالإسلام. * * *

стр. 4104

المسألة الثانية في استئجار الظئر الكافرة لإرضاع مسلم [م-٩٢١] هل يصح للرجل المسلم أن يستأجر ظئرًا كافرة لإرضاع ولده؟ اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: يصح، وهو مذهب الحنفية (١). جاء في المبسوط: «ولا بأس بأن يستأجر المسلم الظئر الكافرة أو التي قد ولدت من الفجور; لأن خبث الكفر في اعتقادها دون لبنها، والأنبياء ﵈، والرسل صلوات الله عليهم فيهم من أرضع بلبن الكوافر وكذلك فجورها لا يؤثر في لبنها» (٢). القول الثاني: يكره، وهو مذهب المالكية والحنابلة (٣).

стр. 4105

وجه الكراهة: أن الكافرة تشرب الخمرة، وتأكل الخنزير، فيخشى أن يطعمن الرضيع من ذلك، ويتعذى عليه، ولأن المرضع تصبح أمًا له، فيكون لها حرمة الأم، وربما دعته إلى ذلك وأثرت عليه، وربما أحب دينها لحبه لها. القول الثالث: لا يجوز استرضاع كافرة غير الكتابية، وهو اختيار ابن حزم. وجه التحريم عنده: أن الكافرة نجسة، ولبنها جزء منها، فيصير نجسًا، ولا يجوز التغذي على النجاسات. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]. فالله تعالى أباح لنا نكاح الكتابية، وأوجب على الأم رضاع ولدها، وقد علم الله أنه سيكون لنا أولاد منهن ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤] إلا أننا نقول: إن غير الكتابية لا يحل لنا استرضاعها؛ لأنها ليست مما أبيح لنا اتخاذهن أزواجًا، وطلب الولد منهن، فبقي لبنها على النجاسة جملة (١). ويجاب: بأن نجاسة الكافرة نجاسة معنوية، ولذلك نلبس ثيابهم التي صنعوها، وقد أدخلهم الرسول ﷺ مسجده وبيته، ولم يكن الصحابة يتوقون ملامستهم، وقد ناقشت هذه المسألة في موسوعة أحكام الطهارة، في المجلد الثالث عشر، فانظره مشكورًا. * * *

стр. 4106

الفرع الثامن في مكان الإرضاع [م-٩٢٢] إذا كان هناك شرط أو عرف في مكان الرضاعة عمل به، فلو اشترط الرجل على الظئر أن ترضعه في بيته، أو اشترطت عليه أن ترضعه في بيتها، أو كان العرف يقضي بأن الظئر ترضعه في بيت أبيه، أو في بيتها عمل به، والمؤمنون على شروطهم، والعرف كالشرط. جاء في الفتاوى الهندية: «وإذا شرطوا عليها الإرضاع في منزلهم فليس للظئر أن تخرج من عندهم إلا بعذر كمرض أو غيره .... وإذا لم يشترط ذلك عليها صريحًا لكن كان العرف الظاهر فيما بين الناس أن الظئر ترضع الصبي في منزل أبيه لزمها ذلك» (١). [م-٩٢٣] أما إذا لم يكن هناك عرف أو شرط، فاختلف العلماء في العمل في ذلك على أربعة أقوال: القول الأول: هي بالخيار إن شاءت أرضعته في منزل الأب، وإن شاءت أرضعته في منزلها، وليس عليها أن ترضعه في منزل الأب، وهذا مذهب الحنفية (٢). القول الثاني: ترضعه في بيت أبويه إلا أن يكون مثلها لا يرضع في بيوت الناس، وهذا نص المدونة.

стр. 4107

جاء فيها: «قلت: فأين ترضع الظئر؟ قال: حيث اشترطوا. قلت: فإن لم يشترطوا موضعًا؟ قال: العمل عندنا أنها ترضع الصبي عند أبويه إلا أن تكون امرأة مثلها لا يرضع في بيوت الناس ... » (١). القول الثالث: يشترط لصحة الإجارة للرضاع معرفة مكان الرضاع، وهذا مذهب الشافعية، والحنابلة (٢). القول الرابع: يعتبر موضع العقد هو محل الإرضاع إن كان صالحًا لذلك. قال ابن عجيل من الشافعية: إن كان الموضع الذي وقع فيه العقد يصلح للإرضاع لم يشترط على الصحيح - يعني تعيينه -، وإلا اشترط على الصحيح كالسلم وغيره (٣). * * *

стр. 4108

الفرع التاسع المعقود عليه في الرضاعة [م-٩٢٤] اختلف الفقهاء في حقيقة المعقود عليه في الرضاعة على قولين: القول الأول: إن المعقود عليه هو الحضانة، واللبن مستحق تبعًا، فالمرضع تحمل الطفل، وتضعه في حجرها، وتلقمه ثديها، وتعصره بقدر الحاجة، ويدخل في ذلك اللبن الذي يمصه الصبي، وهذا مذهب الجمهور، والأصح في مذهب الشافعية (١). القول الثاني: أن المعقود عليه هو اللبن. وهو قول في مذهب الحنفية، وقول مرجوح في مذهب الشافعية، ورجحه القاضي أبو يعلى الحنبلي (٢). وجه ذلك: أن اللبن هو المقصود دون الخدمة، ولهذا لو أرضعته دون أن تخدمه استحقت الأجرة، ولو خدمته بدون الرضاع لم تستحق شيئًا، ولأن الله تعالى قال: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] فجعل الأمر مرتبًا على الإرضاع.

стр. 4109

وقال ابن القيم: الله يعلم ثم العقلاء قاطبة أن الأمر ليس كذلك، وأن وضع الطفل في حجرها ليس مقصودًا أصلًا، ولا ورد عليه عقد الإجارة، لا عرفًا، ولا حقيقة، ولا شرعًا، ولو أرضعت الطفل، وهو في حجر غيرها أو في مهده لاستحقت الأجرة، ولو كان المقصود إلقام الثدي المجرد لاستؤجر له أي امرأة لها ثدي، ولو لم يكن فيها لبن، فهذا هو القياس الفاسد، فكيف يقال: إن إجارة الظئر على خلاف القياس، ويدعي أن هذا هو القياس الصحيح (١). واعترض على هذا: بأن الإجارة لا تصح أن تكون على اللبن؛ لأنه يستهلك، والإجارة إنما تكون على المنافع دون الأعيان. أجيب على هذا الاعتراض بجوابين: أحدهما: يرى أن جواز الإجارة على استهلاك اللبن على خلاف القياس، وإنما جاز رخصة؛ لمسيس الحاجة إلى هذه المعاملة من أجل حفظ الآدمي والحاجة إلى إبقائه (٢). ورد هذا: بأن الجواز مطلق، وليس مقيدًا بحاجة أو ضرورة. الجواب الثاني: يرى أن الفوائد التي تستحق مع بقاء أصولها تجري مجرى المنافع وإن كانت أعيانًا كثمر الشجر، ولبن الآدميات، والصوف والماء العذب، فإنه كلما خلق من هذه شيء فأخذ خلق الله بدله مع بقاء الأصل كالمنافع سواء.

стр. 4110

ونوقش هذا: بأن هناك فرقًا بين المنفعة والعين، فالمنفعة عرض لا تقوم بنفسها، ولا يتصور بقاؤها، بخلاف العين فإنها تقوم بنفسها، وتبقى، وكون العين تحدث شيئًا فشيئًا لا يلحقها بالمنافع. * * *

стр. 4111

المبحث الثالث في إجارة الآدمي غير الظئر [م-٩٢٥] سبق لنا الكلام على هذا النوع مفرقًا في البحث، فقد سبق لنا تحرير الخلاف في الاستئجار على تعليم القرآن، واستئجار الطبيب، والاستئجار على كتابة المصحف، واستئجار المسلم للكافر، والعكس، واستجار الكافر لبناء مسجد، وخياطة الثوب، واستئجار الرجل بطعامه وكسوته. وكل هذا يدخل تحت إجارة الآدمي غير الظئر، وسبق لنا الكلام على الأجير وكونه ينقسم إلى خاص، ومشترك، وبينا الفرق بينهما من حيث الأحكام، فإذا أحببت أن تراجع هذه المسائل فانظرها في المباحث السابقة، فلله الحمد وحده على إعانته وتوفيقه. * * *

стр. 4112

الفصل الرابع في إجارة وسائل النقل [م-٩٢٦] تكلم الفقهاء المتقدمون على استئجار وسائل النقل المتوفرة في عصرهم، فيقاس عليها الوسائل البديلة في هذا العصر، وليعذر القارئ إذا كنا نذكر الوسائل القديمة في الأمثلة فإن ذلك من أجل تحرير المذاهب، ولا يخفى على القارئ قياس الوسائل الحديثة عليها. وقد أجمع الفقهاء في الجملة على جواز استئجار الدواب والسفن للحمل والركوب، والحراثة، والاصطياد ونحو ذلك من الأغراض المباحة. قال ابن المنذر: «وأجمعوا على أن إجارة المنازل والدواب جائز إذا بين الوقت والأجر، وكانا عالمين بالذي عقدا عليه الإجارة، ويبينان سكنى الدار، وركوب الدابة وما يحمل عليها» (١). ومستند الإجماع قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ [النحل:٨] ولم يفرق في الركوب بين مالك ومستكر. * * *

стр. 4113

المبحث الأول في شروط استئجار الدواب ووسائل النقل الفرع الأول في اشتراط معرفة جنس المركوب [م-٩٢٧] لا بد من معرفة جنس المركوب؛ هل هو سيارة، أو طائرة، أو قطار، وهل هو جمل، أو حصان، أو حمار؛ لأن الغرض يختلف باختلافه. ومعرفة جنس الدابة يكون إما برؤية أو صفة (١)، وسواء كانت إجارة عين، أو إجارة ذمة (٢). والمقصود بإجارة العين: أن تعقد الإجارة على دابة معينة حاضرة كانت، أو غائبة عن طريق الوصف، وفي هذه الحال لا بد من إحضار الدابة التي وقع عليها العقد. والمقصود بإجارتها في الذمة أن تعقد الإجارة على دابة غير معينة، وسماه المالكية الكراء المضمون، أي في الذمة، فهذه الدابة لا طريق إلى معرفتها إلا بالوصف، فإذا أحضر أي دابة تنطبق عليها الصفات المتفق عليها فقد قام المؤجر بما التزم به؛ لأن العقد لم ينعقد على دابة بعينها. وقد اتفق الأئمة الأربعة على ذلك (٣).

стр. 4114

جاء في المدونة في أقسام الكراء: «إما أن يكون كراء مضمونًا، وإما أن يكون الكراء في راحلة بعينها» (١). وجاء في المنتقى للباجي: «والإجارة على ضربين إجارة متعلقة بعين وإجارة متعلقة بالذمة، فأما المتعلقة بالعين: فمثل أن يكتري منه دابة معينة وأما المتعلقة بالذمة فمثل أن يكتري منه دابة يأتيه بها يعمل عليها عملًا متفقًا عليه. قال القاضي أبو محمد: وكل ذلك جائز .... إذا ثبت ذلك فلا يجوز أن يكتري الدابة المعينة كراء مضمونًا قاله مالك في المدونة. و وجه ذلك: أن التعيين ينافي الضمان، فإن المعينة يتعلق الضمان بها والكراء بعينها ومعنى ذلك: منافعها المختصة بها لا يقوم غيرها في ذلك مقامها والكراء المضمون يتعلق بذمة الكري، فلا يصح اجتماعهما فإذا هلكت الدابة المعينة انفسخت الإجارة بينهما وكان للمكتري على الكري من ثمن المنافع بقدر ما بقي له منها فلا يجوز له أن يأخذ منافع دابة أخرى لأن ذلك فسخ دين في دين» (٢). وجاء في حاشية قليوبي وعميرة: «الإجارة قسمان: واردة على عين كإجارة العقار ودابة وشخص معينين .... وواردة على الذمة كاستئجار دابة موصوفة» (٣).

стр. 4115

وقال ابن قدامة: «وأما المستأجر فيحتاج إلى معرفة الدابة التي يركب عليها; لأن الغرض يختلف بذلك وتحصل بأحد أمرين: إما بالرؤية فيكتفى بها; لأنها أعلى طرق العلم ..... وإما بالصفة فإذا وجدت اكتفي بها; لأنه يمكن ضبطه بالصفة فجاز العقد عليه كالبيع» (١). وجاء في كشاف القناع: «وإن غصبت العين المستأجرة، فإن كانت الإجارة على عين موصوفة في الذمة بأن أجره دابة صفتها كذا وكذا، ثم سلمه عينًا بتلك الصفات، فغصبت لزمه أي المؤجر بدلها؛ لأن العقد على ما في الذمة لا عليها» (٢). * * *

стр. 4116

مسألة في إجارة السفن في الذمة [م-٩٢٨] سبق لنا صحة إجارة الدواب معينة وموصوفة في الذمة، فهل يصح إجارة السفن في الذمة؟ فيه خلاف بين أهل العلم، فبعضهم ألحقها بالدواب، وعلى هذا تجوز إجارتها معينة وفي الذمة، وهذا مذهب المالكية، وإحدى القولين في مذهب الشافعية (١). وهناك من ألحقها بالعقار، فلم يجوز إجارتها في الذمة، بل لا بد أن تكون معينة، وهذا الخلاف قولان في مذهب الشافعية. جاء في أسنى المطالب: «والسفن هل تلحق بالدواب فتؤجر إجارة ذمة، أو بالعقار فلا تكون إلا إجارة عين؟ لم يتعرضوا له. قال جلال الدين البلقيني: الأقرب إلحاقها بالدواب. قال شيخنا لكن سئل الوالد رحمه الله تعالى عن ذلك، وأجاب بأنه لا تصح إجارتها إجارة ذمة؛ لأنها لا تثبت فيها لجهالتها، ولهذا لا يصح السلم فيها، فيتعين فيها إجارة العين كالعقار» (٢). وقال في حاشية البجيرمي: «ومثل العقار السفينة، فإنه لا يصح السلم فيها، ولا تثبت في الذمة، فلا تكون إجارتها إلا على العين» (٣). والراجح القول بالجواز، والله أعلم. * * *

стр. 4117

الفرع الثاني في اشتراط تعيين الراكب [م-٩٢٩] اختلف الفقهاء في وجوب تعيين الراكب على ثلاثة أقوال: القول الأول: ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى وجوب تعيين الراكب على خلاف بينهم، هل يجب تعيينه بإطلاق، أو لا بد من تقييده براكب معين، والقائلون بوجوب تقييده براكب معين اختلفوا هل تشترط الرؤية للتعيين، أو يكفي تعيينه بالوصف (١). فقيل: تشترط الرؤية وحدها للتعيين، ولا يكفي الوصف لاختلاف حال الراكب في بدنه وحركاته التي لا تضبط بالصفة. وهو قول في مذهب الشافعية، ورجحه الشريف وأبو الخطاب من الحنابلة (٢). وقيل: يصح التعيين بالوصف التام، وعليه أكثر الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة. جاء في السراج الوهاج: «ويشترط في إجارة دابة لركوب معرفة الراكب بمشاهدة أو وصف تام لجثته بأن يصفه حتى يعلم مقدار وزنه.

стр. 4118

وقيل: لا يكفي الوصف، بل لا بد من المشاهدة» (١). وجاء في كشاف القناع: «ولا بد من معرفة راكب برؤية أو صفة كمبيع» (٢). وجاز الاكتفاء بالوصف قياسًا على بيع الشيء المعين بالصفة. وأما الحنفية فقالوا بوجوب تعيين الراكب إما مطلقًا، أو مقيدًا. والإطلاق عندهم أن يقول: على أن تركب من تشاء، ويتعين أول من يركب سواء كان المستأجر أو غيره (٣). جاء في تبيين الحقائق: «فإن أطلق الركوب جاز له أن يركب من يشاء عملًا بالإطلاق، ولكن إذا ركب بنفسه، أو أركب واحدًا ليس له أن يركب غيره؛ لأنه تعين مرادًا من الأصل، والناس متفاوتون في الركوب، فصار كأنه نص على ركوبه» (٤). القول الثاني: لا يشترط تعيين الراكب، ويأتيه بالوسط من الناس، وإن أتاه بفادح: وهو العظيم الثقيل لم يلزمه ذلك. وهو مذهب المالكية (٥). جاء في شرح ميارة: «لا يتعين الراكب، وإن عين لم يلزمه تعيينه» (٦).

стр. 4119

لأن أجسام الناس متقاربة في العادة، والتفاوت يسير، والغرر اليسير لا يؤثر، والمقياس أوساط الناس، فليس العبرة بالنحيف، ولا بالبدين، وإنما بالوسط. قال العدوي المالكي: «اعلم أنه لا يلزم تعيين الراكب عند عقد الكراء، بل يصح عقد الكراء مدة على حمل آدمي، ولم يلزمه الثقيل، ولا المريض ولا معروف بكثرة نوم، أو بعقر الدواب. فإذا وقع العقد على حمل آدمي، وأتى له بامرأة لزمه حملها حيث لم تكن ثقيلة وأما على حمل رجل فلا يلزمه المرأة بخلاف العكس» (١). القول الثالث: يجب تعيين جنس الراكب، هل هو رجل أو امرأة. استظهره ابن عرفة من المالكية (٢). وعلل ذلك: بأن ركوب النساء أشق. قال في حاشية الدسوقي: وهو خلاف ظاهر المصنف كالمدونة (٣). الراجح: أميل إلى اعتبار مذهب المالكية بالنسبة لاستئجار الدواب، ولولا أني أعلم أن هذه الدواب ما زالت تؤجر في كثير من البلدان الإسلامية ما ذكرتها؛ لأنها في بلادنا قد انقطعت منذ زمن بعيد بعد أن فتح الله لنا من خيراته ما جعل الناس في سعة من الرزق، وأما استئجار الوسائل الحديثة كالسيارات والطائرات

стр. 4120

والقطارات فلا حاجة إلى تعيين الراكب إلا أن تكون الأنظمة تشترط ذلك لاعتبارات أمنية ونحوها، فيكون اعتبار ذلك اعتبارًا للشرط، والمعروف عرفًا كالمشروط شرطًا، والله أعلم. * * *

стр. 4121

الفرع الثالث في اشتراط العلم بمقدار الحمولة قال النووي: ما يتفاوت به الغرض، ولا يتسامح به في المعاملة يشترط تعريفه (١). [م-٩٣٠] الفقهاء متفقون في الجملة على وجوب معرفة ما تحمله الدابة إما برؤيته إن كان حاضرًا، ولو من غير بيان جنسه اكتفاء برؤيته، وإما بتقديره بالكيل أو الوزن أو العد ـ إن كان المعدود لا يتفاوت ـ إن كان المحمول غائبًا. قال ابن قدامة: «وأما الأحمال فلا بد من معرفتها فإن لم يعرفها لم يجز; لأن ذلك يتفاوت كثيرًا ويختلف الغرض به، فإن شرط أن تحمل ما شاء بطل؛ لأن ذلك لا يمكن الوفاء به ويدخل فيه ما يقتل البهيمة. وإن قال: احتمل عليها طاقتها لم يجز أيضًا; لأن ذلك لا ضابط له» (٢). والأئمة متفقون على أن الجهالة في جنس المحمول تفسد العقد (٣). وهل يشترط معرفة القدر مع الجنس؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: يجب معرفة مقدار الحمولة، ولا يكفي معرفة الجنس، وهذا مذهب

стр. 4122

الجمهور، والقرويين من المالكية (١). قال العمراني في البيان: «وأما المتاع المحمول فلا بد من معرفة جنسه أنه طعام أو حديد أو قطن .... ولا بد من معرفة مقداره، فإن كان المتاع مشاهدًا وجب عليه بيانه» (٢). وقال ابن قدامة: «تحصل المعرفة بطريقين: المشاهدة; لأنها من أعلى طرق العلم، والصفة. ويشترط في الصفة معرفة شيئين: القدر والجنس; لأن الجنس يختلف تعب البهيمة باختلافه مع التساوي في القدر فإن القطن يضر بها من وجه وهو أنه ينتفخ على البهيمة. فيدخل فيه الريح فيثقل ومثله من الحديد يؤذي من جهة أخرى وهو أنه يجتمع على موضع من البهيمة فربما عقرها فلا بد من بيانه» (٣). القول الثاني: يكفي معرفة الجنس دون القدر، وهذا مذهب الأندلسيين من المالكية، وللمستأجر أن يحمل على الدابة الحمل المعتاد لمثلها مما تطيقه الدابة.

стр. 4123

جاء في منح الجليل: «حاصل هذا أن القرويين قالوا: لا يجوز وإن سمى الجنس حتى يعرف القدر إما بنص أو عرف، ولا يكفي الاجتهاد. وقال الأندلسيون: إن سمى الجنس جاز، ويصرف القدر للاجتهاد» (١). وقال في حاشية الصاوي: «اعلم أن بيان النوع (٢)، لا بد منه في صحة العقد اتفاقًا، وأما بيان قدر المحمول فلا بد منه أيضا وهو مذهب ابن القاسم عند القرويين وقال الأندلسيون: لا يشترط ويصرف القدر للاجتهاد، فإذا قال أكتري دابتك لأحمل عليها إردبا قمحًا أو قنطارًا زيتًا أو مائة بيضة جاز اتفاقا. ولو قال: أحمل عليها إردبًا، أو قنطارًا، أو مائة بطيخة منع اتفاقا؛ لعدم ذكر النوع في الإردب والقنطار، وللتفاوت البين في البطيخ وأما لو قال: أحمل عليها قمحًا أو قطنا أو بطيخًا، ولم يذكر القدر فممنوع عند القرويين، وجائز عند الأندلسيين ويصرف القدر الذي يحمل على الدابة إلى الاجتهاد» (٣). الراجح: أرى والله أعلم أن القول بأن معرفة الجنس والمقدار شرط أقوى وأرجح لقطع النزاع، والله أعلم. * * *

стр. 4124

الفرع الرابع في اشتراط معرفة المسافة أو المكان في إجارة الدواب ونحوها [م-٩٣١] ذكر عامة الفقهاء أنه يشترط في استئجار الدابة والسفينة بيان المكان أو المدة. قال الكاساني: «وأما في إجارة الدواب فلا بد فيها من بيان أحد الشيئين: المدة أو المكان، فإن لم يبين أحدهما فسدت; لأن ترك البيان يفضي إلى المنازعة ..... » (١). وجاء في شرح ميارة: «يجب في كراء السفن أمران: أحدهما: تعيين وقت السفر؛ لاختلاف الأزمنة بالنسبة لوقت السفر، وعظم الغرر في بعضها دون بعض، فلا بد من توقيته حتى يعلم كل واحد من المكري والمكتري الوقت الذي يسافر به، فيأخذ له أهبته .... الثاني: تعيين المحل الذي قصد السفر إليه، والاستقرار فيه .... وذلك لاختلاف الأمكنة بالقرب والبعد، والأمن والخوف، وذلك ظاهر» (٢). وقال العمراني: «قال الطبراني: فإذا استأجر بهيمة ليركبها من بغداد إلى البصرة، وكان منزله في البصرة، فإن قال: إلى أطراف البصرة، أو إلى منزلي فيها صح العقد، وحملا على ذلك، وإن أطلقا، فهل تصح الإجارة فيه وجهان .... » (٣).

стр. 4125

وجاء في مطالب أولي النهى: «ويصح استئجار غنم وغيرها لدياس زرع معلوم، أو أيامًا معلومة، فإن قدره بالمدة فلا بد من معرفة الحيوان الذي يدوس به؛ لأن الغرض يختلف بقوته وضعفه، وإن كان على عمل غير مقدر بمدة احتاج إلى معرفة جنس الحيوان؛ لأن الغرض يختلف، منه ما روثه طاهر، ومنه ما هو نجس، ولا يحتاج إلى معرفة عينه» (١). * * *

стр. 4126

الفصل الخامس في إجارة المنقولات المبحث الأول في إجارة المصحف قال الماوردي: كل عين صح الانتفاع بها مع بقائها صحت إجارتها (١). [م-٩٣٢] سبق لنا التعرض لحكم إجارة بعض المنقولات، وذلك مثل إجارة الدراهم والدنانير، واستئجار المشمومات لشمها، واستئجار ما يجمل به حانوته من ثياب، وأطعمة ونحوها، واستئجار الشمع لاستعماله، والصابون للاغتسال به، ونناقش في هذا المبحث حكم إجارة بعض الأعيان المنقولة المختلف فيها، من ذلك حكم إجارة المصحف للقراءة فيه. وقد سبق لنا تحرير الخلاف في بيع المصحف، وقد اختلف العلماء في صحة إجارته على خمسة أقوال: القول الأول: يصح بيعه ولا تصح إجارته، وهو مذهب الحنفية، واختاره ابن حبيب من المالكية (٢).

стр. 4127

وجه التفريق بين البيع والإجارة: أن البيع يعني تمليك العين، والقرآن فيه منفعة مطلوبة، فصح البيع، وأما إجارته فيعني ذلك النظر فيه، والقراءة منه، والنظر في مصحف الغير جائز بلا عوض. جاء في بدائع الصنائع: «لا يجوز - يعني استئجار المصحف- لأن منفعة المصحف النظر فيه والقراءة منه، والنظر في مصحف الغير والقراءة منه مباح والإجارة بيع المنفعة، والمباح لا يكون محلا للبيع كالأعيان المباحة من الحطب والحشيش وكذا استئجار كتب ليقرأ فيها شعرًا أو فقهًا; لأن منافع الدفاتر النظر فيها، والنظر في دفتر الغير مباح من غير أجر، فصار كما لو استأجر ظل حائط خارج داره ليقعد فيه» (١). القول الثاني: عكس القول الأول: لا يصح بيعه وتصح إجارته، وهو قول في مذهب الحنابلة (٢). وجه ذلك: أن إجارته منفعة مباحة كالإعارة، ولا يلزم من عدم البيع عدم جواز الإجارة، كالحر، والوقف، وأم الولد (٣). القول الثالث: يصح بيعه وإجارته، وهو مذهب المالكية، والشافعية، ورواية عن الإمام أحمد (٤).

стр. 4128

وقد ذكرت أدلتهم على صحة البيع في عقد البيع، وهي الأدلة نفسها على صحة الإجارة. القول الرابع: لا يصح بيعه ولا إجارته. وهو المشهور من مذهب الحنابلة (١). وقد ذكرت أدلتهم على عدم جواز بيعه في عقد البيع، وهي الأدلة نفسها على عدم جواز الإجارة، فأغنى ذكرها هناك عن إعادتها هنا. القول الخامس: تكره إجارته، وهو رواية في مذهب الحنابلة. جاء في الإنصاف: «في جواز إجارة المصحف ليقرأ فيه ثلاث روايات: الكراهة، والتحريم والإباحة ... والخلاف هنا مبني على الخلاف في بيعه، أحدها: لا يجوز، وهو المذهب» (٢). وحجة الكراهة: التعليل بالخلاف، أي لما كانت إجارة المصحف مختلفًا في جوازها كرهنا إجارتها خروجًا من الخلاف. وقد سبق لنا أن الكراهة حكم شرعي، تحتاج إلى دليل شرعي، ولا دليل هنا، والله أعلم.

стр. 4129

و الراجح: صحة البيع والإجارة، فما جاز بيعه صحت إجارته إلا ما ستثني كالحر والوقف وأم الولد، وهذا ليس منها، والله أعلم. * * *

стр. 4130

المبحث الثاني في إجارة الحلي بشيء من جنسه [م-٩٣٣] اختلف العلماء في إجارة الحلي بشيء من جنسه على ثلاثة أقوال: القول الأول: يصح، وهو مذهب الجمهور (١). دليل من قال بالصحة: أن العقد في الإجارة وارد على المنفعة، وليس على العين، فالعين باقية على ملك صاحبها، واللبس والتزين لا يعتبر ذهبًا حتى يمنع من إجارته بالذهب، فالأجرة ليست من جنس الانتفاع، فالمنفعة عرض، والأجرة عين فلا وجه لمن منع خوفًا من الربا. قال الماوردي: «عقد الإجارة لا يدخله الربا ولهذا يجوز إجارة حلي الذهب بدراهم مؤجلة بإجماع المسلمين ولو كان للربا هنا مدخل لم يجز هذا» (٢).

стр. 4131

القول الثاني: لا يصح إجارته بشيء من جنسه، وهو وجه مرجوح في مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد (١). جاء في المجموع: «لو أكرى الذهب بالذهب، أو الفضة بالفضة فوجهان: أحدهما: بطلانه حذرًا من الربا والصحيح الجواز كسائر الإجارات ... » (٢). دليل من قال بالمنع: الدليل الأول: يرجع المنع إلى القول بأن عقد الإجارة وارد على العين، والمنفعة تبع، وهي مسألة خلافية، وسبق تحرير القول فيها، والصحيح أن عقد الإجارة وارد على المنفعة، وليس على العين. الدليل الثاني: أن الذهب يحتك بالاستعمال، فيذهب منه أجزاء ولو كانت يسيرة، فتكون الأجرة في مقابل أمرين: الانتفاع بها، وما يذهب من عينها مقابل الاستعمال، فيؤدي ذلك إلى بيع ذهب بذهب وشيء آخر (٣).

стр. 4132

ويناقش من وجهين: الوجه الأول: لو فرض أن مثل هذا صحيح فإنه ليس معقودًا عليه، ولا مقصودًا في العقد، وإذا كان الربوي التابع لا يؤثر في العقد، ولو كان مقصودًا على وجه التبع، كبيع عبد معه مال بمال من جنس مال العبد، ولا يوقع ذلك في الربا، ولا يطبق عليه أحكام الصرف، فما بالك بشيء لم يكن مقصودًا البتة، ولا معقودًا عليه، ولا مقطوعًا به. قال ابن قدامة: «وما ذكروه من نقصها بالاحتكاك لا يصح; لأن ذلك يسير لا يقابل بعوض ولا يكاد يظهر في وزن ولو ظهر فالأجر في مقابلة الانتفاع لا في مقابلة الأجزاء; لأن الأجر في الإجارة إنما هو عوض المنفعة كما في سائر المواضع ولو كان في مقابلة الجزء الذاهب لما جاز إجارة أحد النقدين بالآخر; لإفضائه إلى الفرق في معاوضة أحدهما بالآخر قبل القبض. والله أعلم» (١).

стр. 4133

الوجه الثاني: لو أن هذا المقدار الفائت معتبر لما جاز إجارة حلي الذهب بالفضة، وقد حكى الماوردي الإجماع على صحته، ونقلته عنه قبل قليل، لأن الإجارة من شرط صحتها عند المانعين أن تكون على المنفعة، ولا تؤدي إلى استهلاك العين أو شيء منها، وإذا أدت إلى استهلاك شيء من العين منعت، فلما جاز إجارة حلي الذهب بالفضة دل على أن هذا المقدار الفائت من العين لا عبرة به، والله أعلم. الدليل الثالث: أن المقصود من إجارة الحلي هو الزينة والجمال، وليس ذلك من المقاصد الأصلية، فأشبه ذلك استئجار التفاح لشمه ونحو ذلك، وهذا غير جائز (١). ونوقش: بأن الزينة مقصودة، وتبذل في تحصيلها الأموال، قال تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨]. وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]. القول الثالث: يكره، وهو المشهور من مذهب المالكية، واختاره المتأخرون من الحنابلة (٢). جاء في المدونة: «قلت: أرأيت إن استأجرت حلي ذهب بذهب أو فضة، أيجوز هذا أم لا؟ قال: لا بأس بذلك في قول مالك، وقد أجازه مالك مرة واستثقله مرة أخرى، وقال: لست أراه بالحرام البين، وليس كراء الحلي من أخلاق الناس، وأنا لا أرى به بأسًا» (٣).

стр. 4134

وجه الكراهة: أن الحلي المباح ليس فيه زكاة، وعللوا عدم وجوب الزكاة فيه بأن إعارته لمن يتزين به زكاته، وإذا كان كذلك صارت منفعته معدة للإعارة، فلا يكرى. وكما قال مالك فيما سبق: ليس كراء الحلي من أخلاق الناس. الراجح: بعد استعراض الأقوال أجد القول بالجواز أقوى حجة، والله أعلم. * * *

стр. 4135

الباب الخامس أحكام الضمان في عقد الإجارة تمهيد في تعريف الضمان تعريف الضمان في اصطلاح الفقهاء (١): للضمان في الفقه الإسلامي معنيان الأول: إطلاق الضمان على الكفالة، وهو ضم ذمة الكفيل إلى ذمة الأصيل في المطالبة بالدين (٢). وهذا المعنى غير مراد في هذا الباب. المعنى الثاني: إطلاق الضمان على تعويض الغير عن ضرر لحقه من آخر ماليًا كان أو غير مالي، وهذا هو المراد هنا.
следующие страницы →