القول الثاني:
لا يصح إجارته بشيء من جنسه، وهو وجه مرجوح في مذهب الشافعية، ورواية عن أحمد (١).
جاء في المجموع: «لو أكرى الذهب بالذهب، أو الفضة بالفضة فوجهان:
أحدهما: بطلانه حذرًا من الربا والصحيح الجواز كسائر الإجارات ... » (٢).
دليل من قال بالمنع:
الدليل الأول:
يرجع المنع إلى القول بأن عقد الإجارة وارد على العين، والمنفعة تبع، وهي مسألة خلافية، وسبق تحرير القول فيها، والصحيح أن عقد الإجارة وارد على المنفعة، وليس على العين.
الدليل الثاني:
أن الذهب يحتك بالاستعمال، فيذهب منه أجزاء ولو كانت يسيرة، فتكون الأجرة في مقابل أمرين: الانتفاع بها، وما يذهب من عينها مقابل الاستعمال، فيؤدي ذلك إلى بيع ذهب بذهب وشيء آخر (٣).
стр. 4132
ويناقش من وجهين:
الوجه الأول:
لو فرض أن مثل هذا صحيح فإنه ليس معقودًا عليه، ولا مقصودًا في العقد، وإذا كان الربوي التابع لا يؤثر في العقد، ولو كان مقصودًا على وجه التبع، كبيع عبد معه مال بمال من جنس مال العبد، ولا يوقع ذلك في الربا، ولا يطبق عليه أحكام الصرف، فما بالك بشيء لم يكن مقصودًا البتة، ولا معقودًا عليه، ولا مقطوعًا به.
قال ابن قدامة: «وما ذكروه من نقصها بالاحتكاك لا يصح; لأن ذلك يسير لا يقابل بعوض ولا يكاد يظهر في وزن ولو ظهر فالأجر في مقابلة الانتفاع لا في مقابلة الأجزاء; لأن الأجر في الإجارة إنما هو عوض المنفعة كما في سائر المواضع ولو كان في مقابلة الجزء الذاهب لما جاز إجارة أحد النقدين بالآخر; لإفضائه إلى الفرق في معاوضة أحدهما بالآخر قبل القبض. والله أعلم» (١).
стр. 4133
الوجه الثاني:
لو أن هذا المقدار الفائت معتبر لما جاز إجارة حلي الذهب بالفضة، وقد حكى الماوردي الإجماع على صحته، ونقلته عنه قبل قليل، لأن الإجارة من شرط صحتها عند المانعين أن تكون على المنفعة، ولا تؤدي إلى استهلاك العين أو شيء منها، وإذا أدت إلى استهلاك شيء من العين منعت، فلما جاز إجارة حلي الذهب بالفضة دل على أن هذا المقدار الفائت من العين لا عبرة به، والله أعلم.
الدليل الثالث:
أن المقصود من إجارة الحلي هو الزينة والجمال، وليس ذلك من المقاصد الأصلية، فأشبه ذلك استئجار التفاح لشمه ونحو ذلك، وهذا غير جائز (١).
ونوقش:
بأن الزينة مقصودة، وتبذل في تحصيلها الأموال، قال تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨].
وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢].
القول الثالث:
يكره، وهو المشهور من مذهب المالكية، واختاره المتأخرون من الحنابلة (٢).
جاء في المدونة: «قلت: أرأيت إن استأجرت حلي ذهب بذهب أو فضة، أيجوز هذا أم لا؟ قال: لا بأس بذلك في قول مالك، وقد أجازه مالك مرة واستثقله مرة أخرى، وقال: لست أراه بالحرام البين، وليس كراء الحلي من أخلاق الناس، وأنا لا أرى به بأسًا» (٣).
стр. 4134
وجه الكراهة:
أن الحلي المباح ليس فيه زكاة، وعللوا عدم وجوب الزكاة فيه بأن إعارته لمن يتزين به زكاته، وإذا كان كذلك صارت منفعته معدة للإعارة، فلا يكرى. وكما قال مالك فيما سبق: ليس كراء الحلي من أخلاق الناس.
الراجح:
بعد استعراض الأقوال أجد القول بالجواز أقوى حجة، والله أعلم.
* * *
стр. 4135
الباب الخامس
أحكام الضمان في عقد الإجارة
تمهيد
في تعريف الضمان
تعريف الضمان في اصطلاح الفقهاء (١):
للضمان في الفقه الإسلامي معنيان
الأول: إطلاق الضمان على الكفالة، وهو ضم ذمة الكفيل إلى ذمة الأصيل في المطالبة بالدين (٢).
وهذا المعنى غير مراد في هذا الباب.
المعنى الثاني:
إطلاق الضمان على تعويض الغير عن ضرر لحقه من آخر ماليًا كان أو غير مالي، وهذا هو المراد هنا.
стр. 4136
وقد عرفه فضيلة الشيخ على الخفيف ﵀ بقوله: «شغل الذمة بما يجب الوفاء به من مال أو عمل» (١).
وهذا هو المراد من هذا الباب.
والأول له باب يجمع أحكامه، والثاني مفرق في أبواب الفقه، لاختلاف أبوابه وأسبابه، فهناك ضمان المال كضمان العقد من بيع وإجارة، وضمان اليد بسبب الحيازة كيد الغاصب. وضمان الإتلاف سواء كان بالتسبب أو المباشرة. وهناك ضمان آخر غير المال كضمان النفس، ويدخل فيها ضمان الأطراف ومنافعها، ويتمثل في الديات والأروش المقدرة وغير المقدرة.
والكلام في الضمان في عقد الإجارة هو في الضمان المالي فقط، ولا يدخل فيه ضمان النفس، والله أعلم.
* * *
стр. 4137
الفصل الأول
في الأدلة على مشروعية الضمان
[م-٩٣٤] المسلم معصوم الدم والمال، والاعتداء عليهما محرم، وتحريمه معلوم من الدين بالضرورة.
(ح-٦٠٢) روى البخاري في صحيحه من حديث أبي بكرة، وفيه:
فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع، فلا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض (١).
وقد شرع الضمان حفظًا للأموال والأنفس، وجبرًا للضرر، وردعًا للعدوان، وقد دل على هذا الكتاب والسنة، والإجماع، والنظر الصحيح.
فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:١٩٤].
وقال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى:٤٠].
وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ [النحل:١٢٦].
وقال تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥].
فنص الله ضمان الصيد بمثله من النعم ... (٢).
стр. 4138
وقوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧، ٧٩].
فقد ذكر المفسرون أن داود حكم بقيمة المتلف، فاعتبر الغنم فوجدها بقدر القيمة، فدفعها إلى أصحاب الحرث، وأما سليمان فقضى بالضمان على أصحاب الغنم، وأن يضمنوا ذلك بالمثل، بأن يعمروا البستان حتى يعود كما كان، ولم يضيع عليهم ثماره من الإتلاف إلى حين العود، بل أعطى أصحاب البستان ماشية أولئك ليأخذوا من نمائها بقدر نماء البستان، فيستوفوا من نماء غنمهم نظير ما فاتهم من نماء حرثهم، وهذا هو العلم الذي خصه الله به، وأثنى عليه (١).
قال ابن القيم: «وما حكم به نبي الله سليمان هو الأقرب إلى العدل والقياس، وقد حكم رسول الله ﷺ أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار، وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضمان على أهلها، فصح بحكمه ضمان النفش، وصح بالنصوص السابقة والقياس الصحيح، وجوب الضمان بالمثل، وصح بنص الكتاب الثناء على سليمان بتفهيم هذا الحكم، فصح أنه الصواب، وبالله التوفيق» (٢).
стр. 4139
ومن السنة الصحيحة:
(ح-٦٠٣) ما رواه البخاري من طريق ابن علية، عن حميد،
عن أنس قال: كان النبي ﷺ عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصحفة فيها طعام، فضربت التي النبي ﷺ في بيتها يد الخادم، فسقطت الصحفة، فانفلقت، فجمع النبي ﷺ فلق الصحفة، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة، ويقول: غارت أمكم، ثم حبس الخادم حتى أتي بصحفة من عند التي هو في بيتها، فدفع الصحفة الصحيحة إلى التي كسرت صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت التي كسرت (١).
«قال بعض أهل العلم: الصحفتان جميعًا كانتا للنبي ﷺ في بيتي زوجتيه، ولم يكن هناك تضمين، إلا أنه عاقب الكاسرة بترك المكسورة في بيتها، ونقل الصحيحة إلى بيت صاحبتها» (٢).
(ح-٦٠٤) وروى أحمد (٣)، والنسائي (٤)، وأبو داود (٥)، وغيرهما (٦)، من طريق فُلَيْت، عن جسرة بنت دجاجة،
عن عائشة، قالت: ما رأيت صانعة طعام مثل صفية، أهدت إلى النبي ﷺ إناء فيه طعام، فما ملكت نفسي أن كسرته، فسألت النبي ﷺ عن كفارته، فقال: إناء كإناء، وطعام كطعام.
[ضعيف] (٧).
стр. 4140
(ح-٦٠٥) ومنها ما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن مصعب، حدثنا الأوزاعي، عن الزهري، عن حرام بن محيصة.
عن البراء بن عازب أنه كانت له ناقة ضارية، فدخلت حائطًا فأفسدت فيه، فقضى رسول الله ﷺ أن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها، وأن حفظ الماشية بالليل على أهلها، وأن ما أصابت الماشية بالليل فهو على أهلها (١).
[في إسناده اختلاف والراجح أنه مرسل إلا أنه موافق لحكم سليمان في نص القرآن] (٢).
قال ابن عبد البر: «الحديث من مراسيل الثقات ... وهو موافق لما نصه الله في كتابه عن داود وسليمان إذ يحكمان في الحرث .... ولا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن ولغة أهل العرب أن النفش لا يكون إلا بالليل». (١)
(ح-٦٠٦) ومنها ما رواه البخاري من طريق محمد بن سيرين،
عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ كان رجل في بني إسرائيل يقال له: جريج يصلي .... وذكر قصة هدم صومعته، ثم قالوا له: نبني صومعتك من ذهب، قال: لا، إلا من طين، ورواه مسلم (٢).
стр. 4144
وترجم البخاري له: باب إذا هدم حائطًا فليبن مثله.
قال الحافظ: أي خلافًا لمن قال: تلزمه القيمة من المالكية، وغيرهم (١).
وجه الاستدلال:
أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما يخالفه، ولم يرد ما يرده، وقد هدموا صومعته ظلمًا، ففعلوا مثلها.
ومن الإجماع: أجمع العلماء على ضمان المثلي بالمثل، وأما القيمي فهم مجمعون على وجوب الضمان في الجملة، والخلاف إنما هو في كيفية الضمان لا في وجوبه، وهل يضمن بالمثل أو بالقيمة.
قال ابن عبد البر: «وقد أجمعوا على أن من استهلك مال غيره وأنفقه بغير إذنه غرمه، ومن استهلك لغيره شيئًا من المال ضمنه بأي وجه استهلكه، وهذا ما لا خلاف فيه، فأغنى ذلك عن الإكثار» (٢).
وقال أيضًا: «وأجمعوا على إيجاب المثل على مستهلك المكيلات والموزونات» (٣).
* * *
стр. 4145
الفصل الثاني
الضمان في عقد الإجارة
المبحث الأول
في ضمان الأعيان المستأجرة
الفرع الأول
أن تتلف العين المستأجرة بغير فعل المستأجر
قال ابن قدامة: الأمين لا يضمن ما لم يوجد منه تفريط أو عدوان (١).
وقال شيخنا ابن عثيمين: الأمين كل من حصل في يده مال بإذن من الشارع، أو إذن من المالك (٢).
وقال الماوردي: «اليد الأمينة .. الوكيل والمضارب، والشريك، والمودَع، والمستأجر، والمرتهن فهؤلاء كلهم لا ضمان عليهم ما لم يتعدوا أو يفرطوا» (٣).
[م-٩٣٥] من المعلوم أن الإجارة تارة ترد على المنافع كإجارة الدور والدكاكين، وتارة ترد على الأعمال كالإجارة على البناء والخياطة ونحو ذلك، والكلام في هذا المبحث في ضمان الأعيان المستأجرة، كالدور والدواب ونحو
стр. 4146
ذلك، فإذا تلفت العين المستأجرة من غير فعل المستأجر، فهل يضمن المستأجر في هذه الحالة، أو لا يضمن؟
وللجواب على ذلك نقول:
لا خلاف في أن العين المستأجرة أمانة في يد المستأجر، والأمانات لا تضمن إلا بالتعدي أو التفريط.
قال الكاساني: «لا خلاف في أن المستَأْجَر أمانة في يد المستأجر كالدار والدابة .... حتى لو هلك في يده بغير صنعه لا ضمان عليه؛ لأن قبض الإجارة قبض مأذون فيه، فلا يكون مضمونًا» (١).
وقال ابن قدامة: «والعين المستأجرة أمانة في يد المستأجر إن تلفت بغير تفريط لم يضمنها ....... ولا نعلم في هذا خلافًا؛ وذلك لأنه قبض العين لاستيفاء منفعة يستحقها منها فكانت أمانة ... » (٢).
«قال مالك: ولا ضمان على الرعاة إلا فيما تعدوا فيه أو فرطوا في جميع ما رعوا من الغنم والدواب لأناس شتى أو لرجل واحد، وإذا اشترط على الراعي الضمان فسدت الإجارة، ولا ضمان عليه فيما هلك» (٣).
стр. 4147
وقال الشيرازي من الشافعية: «إذا تلفت العين المستأجرة في يد المستأجر من غير فعله لم يلزمه الضمان؛ لأنه عين قبضها ليستوفي منها ما ملكه، فلم يضمنها بالقبض، كالمرأة في يد الزوج، والنخلة التى اشترى ثمرتها» (١).
وإنما كان المستأجر أمينًا؛ لأن الأمين: كل من حصل في يده مال بإذن من الشارع أو إذن من المالك.
* * *
стр. 4148
الفرع الثاني
إذا تلفت العين المستأجرة بفعل المستأجر
الجواز الشرعي ينافي الضمان (١).
قال السعدي: «التلف في يد الأمين غير مضمون إذا لم يتعد أو يفرط، وفي يد الظالم مضمون مطلقًا» (٢).
стр. 4149
وقال الطحاوي: من كان له أن يفعل شيئًا ففعله معقولًا أن لا ضمان عليه فيه (١).
[م-٩٣٦] إذا تلفت العين المستأجرة بفعل المستأجر فلا يخلو الأمر:
إما أن يكون المستأجر قد تعدى بأن فعل ما ليس له فعله، أو فرط بأن ترك ما يجب عليه فعله، فإنه في هذه الحالة يجب عليه الضمان بلا خلاف.
لأن العين المستأجرة أمانة في يده، والأمين يضمن بالتعدي والتفريط.
جاء في القواعد والأصول الجامعة: «التلف في يد الأمين غير مضمون إذا لم يتعد أو يفرط، وفي يد الظالم مضمون مطلقًا» (٢).
[م-٩٣٧] وإن كان فعل المستأجر معتادًا أو مأذونًا له فيه بمقتضى عقد الإجارة فلا ضمان على المستأجر بلا خلاف؛ لأن من كان له أن يفعل شيئًا ففعله فلا ضمان عليه فيه.
قال السرخسي: «إذا بنى المستأجر في الدار تنورًا يخبز فيه بإذن رب الدار أو بغير إذنه، فاحترق بيت بعض الجيران من تنوره، أو بعض بيوت الدار فلا ضمان عليه; لأنه غير متعد في هذا التسبب، فإن اتخاذ التنور من توابع السكنى، وللساكن أن يضعه في موضعه بغير إذن رب الدار ففعله في ذلك كفعل رب الدار» (٣).
وقال الشافعي: «وإذا اكترى الرجل من الرجل الدابة فضربها أو نخسها بلجام أو ركضها فماتت، سئل أهل العلم بالركوب، فإن كان فَعَلَ من ذلك ما
стр. 4150
تفعل العامة، فلا يكون فيه عندهم خوف تلف، أو فعل بالكبح والضرب مثل ما يفعله بمثلها عندما فعله فلا أعد ذلك خرقة لا شيء عليه وإن كان فعل ذلك عند الحاجة إليه بموضع قد يكون بمثله تلف أو فعله في الموضع الذي لا يفعل في مثله ثُمِّن في كل حال من قبل أن هذا تعد» (١).
قال الشيرازي في المهذب: «إذا تلفت العين المستأجرة في يد المستأجر من غير فعله لم يلزمه الضمان ..... وإن تلفت بفعله نظرت: فإن كان بغير عدوان، كضرب الدابة وكبحها باللجام للاستصلاح لم يضمن؛ لأنه هلك من فعل مستحق، فلم يضمنه، كما لو هلك تحت الحمل، وإن تلفت بعدوان كالضرب من غير حاجة لزمه الضمان؛ لأنه جناية على مال الغير فلزمه ضمانه» (٢).
وقال ابن قدامة: «لا ضمان على الراعي فيما تلف من الماشية ما لم يتعد، ولا نعلم فيه خلافًا إلا عن الشعبي، فإنه روي عنه أنه ضمن الراعي، ولنا أنه مؤتمن على حفظها فلم يضمن من غير تعد كالمودَع؛ ولأنها عين قبضها بحكم الإجارة فلم يضمنها من غير تعد كالعين المستأجرة. فأما ما تلف بتعديه فيضمنه بغير خلاف مثل أن ينام عن السائمة أو يغفل عنها أو يتركها تتباعد منه أو تغيب عن نظره وحفظه أو يضربها ضربًا يسرف فيه أو في غير موضع الضرب أو من غير حاجة إليه أو سلك بها موضعا تتعرض فيه للتلف وأشباه هذا مما يعد تفريطًا وتعديًا فتتلف به فعليه ضمانها؛ لأنها تلفت بعدوانه فضمنها كالمودع إذا تعدى» (٣).
* * *
стр. 4151
الفرع الثالث
في ضمان العين المستأجرة إذا تلفت بعد انتهاء الإجارة
[م-٩٣٨] إذا انتهت مدة الإجارة وجب على المستأجر أمران:
الأول: أن يرفع يده عن العين المستأجرة بحيث يقوم بتخلية العين لمالكها فلا يستعملها.
الثاني: أن يسلمها إلى المؤجر بمجرد طلبه ذلك، ولا يجوز له أن يحبسها عن المؤجر.
جاء في درر الحكام شرح مجلة الأحكام: «يلزم المستأجر رفع يده عن المأجور عند انقضاء الإجارة ...... لأنَّ تسلم المستأجر المأجور إنما هو بقصد استيفاء منافع معلومة، ومتى استوفيت تلك المنافع فلا يبقى حكم لذلك العقد. فوضع اليد على المأجور بعد ذلك خارج عن رضاء المؤجر ولا يجوز التصرف في ملك الغير بدون إذنه. ولذلك يلزم رفع يد المستأجر» (١).
وجاء في مغني المحتاج: «يد المكتري على المستأجر من الدابة والثوب وغيرهما يد أمانة مدة الإجارة ..... وكذا بعدها إذا لم يستعملها ... فلا يلزمه ردها، بل التخلية بينها وبين المالك كالوديعة» (٢).
وجاء في نهاية الزين: «لا يلزمه غير التخلية فلا يلزمه الرد ولا مئونته» (٣).
стр. 4152
وجاء في المبدع: «فإذا انقضت المدة رفع يده عنها، ولم يلزمه الرد» (١).
واعتبر المالكية حبس العين مدة كثيرة بعد انتهاء مدة الإجارة كالشهر مثلًا فأكثر أنه من التعدي المضمون، وهذا يدل على أنهم يرون وجوب رفع اليد عن العين المستأجرة، بخلاف ما لو حبسها يسيرًا كاليوم واليومين، والله أعلم (٢).
وجاء في الفواكه الدواني: «لا يجوز للمستأجر العدول عن المسافة المأذون فيها وإن سارت إلا بإذن المكري .... » (٣).
* * *
стр. 4153
الفرع الرابع
إذا أمسك المستأجر العين بعد انتهاء الإجارة
[م-٩٣٩] إذا أمسك المستأجر العين المستأجرة بعد انتهاء الإجارة فهذا له ثلاث حالات:
الحال الأولى: أن يترك الرد لعذر
فإذا كان المستأجر معذورًا في عدم الرد كأن يكون المالك غائبًا ففي هذه الحال لا ضمان عليه، ولا أجرة، بشرط ألا يستعملها (١).
لأن العين المستأجرة كانت أمانة في يده مدة الإجارة، وكان مسلطًا باستعمال العين بحكم ملكه للمنفعة، فإذا انتهت مدة الإجارة بقيت العين أمانة في يده استصحابًا للحال، ولم يعد يملك المنفعة فلا يحق له استعمالها، فالعين ومنفعتها ملك لصاحبها، وتبقى العين أمانة في يده، والأمانات تقصد للحفظ دون الاستعمال.
جاء في نهاية الزين: «المكتري أمين على العين المكتراة مدة الإجارة .... وكذا بعدها إن لم يستعمل تلك العين استصحابًا لما كان؛ ولأنه لا يلزمه غير التخلية فلا يلزمه الرد ولا مئونته» (٢).
وجاء في كشاف القناع: «متى طلبها ربها وجب تمكينه منها، فإن منعه لغير عذر صارت مضمونة عليه كالمغصوبة» (٣).
فقوله (لغير عذر) يفهم منه أنه لو امتنع عن تسليمها لعذر لم تكن مضمونة.
стр. 4154
ومثله في الحكم: لو أن المستأجر بذلها، فلم يأخذها المؤجر، فالمستأجر هنا معذور؛ لأنه قد فعل ما يجب عليه، ولا يملك المستأجر إجباره على استلام العين، وتكون العين المستأجرة في يده في حكم الوديعة، فلا يضمن الرقبة ولا الأجرة بشرط ألا يستعملها.
جاء في الحاوي: «أن يبذلها المستأجر فلا يقبلها المؤجر، فهذا في حكم الوديعة، لا يضمن الرقبة ولا الأجرة إلا أن يركبها فيصير متعديًا فيضمن الأمرين» (١).
فإن استعملها، فإن كان ذلك بعلم صاحبها، كان شهوده ذلك وسكوته عليه قبولًا منه لإجارتها مرة أخرى، فعلى المستأجر أجرتها، ولا ضمان عليه فيما لو تلفت، لأن المستأجر أمين.
جاء في المنتقى للباجي: «وقال غيره - يعني غير ابن القاسم -: إن كان معه في مصر يقدر على أخذها فكأنه راض بذلك» (٢).
وإن كان بدون علم صاحبها كان ذلك تعديًا منه، فعليه الأجرة والضمان؛ لأن المقصود من الوديعة الحفظ، واستعمالها من غير إذن صاحبها يعتبر تعديًا فيها يوجب الضمان.
الحال الثانية:
أن يستنظر المستأجر المالك فينظره مختارًا، فإن كان ذلك بعوض فهي إجارة مبتدأة، لا يضمن إلا بالتعدي والتفريط، ومثله لو أمهله ولم يذكر عوضًا، فالأصل الإجارة؛ لأن الأصل أن الإنسان لا يبذل ماله إلا بمقابل، وقد بذلها في الإجارة الأولى بعوض، فيستصحب الحال في المدة الثانية.
стр. 4155
وإن كان ذلك بغير عوض فهو في حكم المستعير، والخلاف في ضمان العين في هذه الحالة راجع إلى الخلاف في ضمان العارية، والصحيح أن العارية أمانة في يد المستعير، لا تضمن إلا بالتعدي أو التفريط، ولا أجرة عليه، وسوف يأتينا إن شاء الله حكم ضمان العواري، بلغنا الله ذلك بمنه وكرمه.
جاء في الحاوي: «أن يطالبه المؤجر بها، فيستنظره فيها، فينظره مختارًا، فهذا في حكم المستعير، يضمن الرقبة ضمان العارية، ولا يضمن الأجرة» (١).
الحال الثالثة:
أن يمسك المستأجر العين المؤجرة بعد انتهاء الإجارة من غير عذر، وهذا له صورتان:
الصورة الأولى:
أن يطلب المالك العين فيمنعه المستأجر، فهذا غاصب عليه أجرة المدة التي بقيت فيها العين في يده. وإن تلفت العين فعليه ضمانها.
[م-٩٤٠] وهل يجمع بين الضمان والأجرة، اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
لا يجتمع الأجر والضمان، وهذا مذهب الحنفية، وأخذ به المالكية في بعض الفروع (٢).
стр. 4156
القول الثاني:
يجتمع الأجر والضمان، وهو مذهب الجمهور، وقول شريح، وبه قال إسحاق وأبو ثور. قال ابن المنذر: وبه نقول (١).
جاء في مختصر الخرقي: «ومن اكترى دابة إلى موضع فجاوز، فعليه الأجرة المذكورة، وأجرة المثل لما جاوز، وإن تلفت فعليه ضمانها» (٢).
стр. 4157
دليل من قال: لا يجتمع الأجر والضمان:
بنى الحنفية قاعدتهم: أن الأجر والضمان لا يجتمعان بناء على أن الضمان مرتبط بالاعتداء، والمعتدي غاصب، وعند الحنفية أن منافع المغصوب غير مضمونة؛ لأن المنافع عندهم كما بينت في كتاب البيع لا تعتبر مالًا، ولا يمكن حيازتها، وهي معدومة قبل وجودها، وإذا وجدت تلاشت، فهي أعراض غير باقية، وإنما كانت المنافع متقومة في عقد الإجارة على خلاف القياس لمكان الحاجة الضرورية إليها.
وقد ناقشت مذهب الحنفية عند الكلام على مالية المنافع في عقد البيع، وبينت ضعف هذا القول فأغنى عن إعادته هنا.
دليل الجمهور على جواز الجمع بين الأجرة والضمان:
قاعدة: الضمان والأجرة لا يجتمعان هي قاعدة صاغها الحنفية خاصة، لذا لا تبحث أدلتها إلا عندهم، وإنما يمكن أن يستدل لهم:
بأن موجب الأجرة في المدة التي زادها المستأجر هو عقد الإجارة، وموجب الضمان هو تلف العين، فالجهة منفكة، فلا مانع من اجتماعهما.
وهذا هو القول الراجح، والله أعلم.
الصورة الثانية:
ألا يكون من المستأجر رد، ولا من المؤجر طلب، فهل يلزم المستأجر الضمان والأجرة إذا لم ينتفع بها؟ هذا الحكم مبني على مسألة خلافية:
[م-٩٤١] هل يجب على المستأجر الرد ومؤنته، أو لا يجب عليه؟
стр. 4158
اختلف العلماء في ذلك قولين:
القول الأول:
لا يلزم المستأجر رد العين المستأجرة، وإنما عليه فقط التخلية بينه وبين مالكها، وتسليمها إذا طلبها صاحبها، وهذا مذهب الحنفية، وأصح الوجهين في مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة (١).
لأن العين المستأجرة أمانة في يد صاحبها، وهذا يقتضي أن لا ضمان عليه، ولا يجب عليه الرد كالوديعة.
قال الكاساني من الحنفية: «وقبض المستأجر على المؤاجر حتى لو استأجر دابة ليركبها في حوائجه في المصر وقتًا معلومًا، فمضى الوقت، فليس عليه تسليمها إلى صاحبها بأن يمضي بها إليه وعلى الذي أجرها أن يقبض من منزل المستأجر; لأن المستأجر وإن انتفع بالمستأجر، لكن هذه المنفعة إنما حصلت له بعوض حصل للمؤجر، فبقيت العين أمانة في يده كالوديعة ولهذا لا يلزمه نفقتها فلم يكن عليه ردها كالوديعة حتى لو أمسكها أيامًا فهلكت في يده لم يضمن شيئًا سواء طلب منه المؤاجر أم لم يطلب; لأنه لم يلزمه الرد إلى بيته بعد
стр. 4159
الطلب فلم يكن متعديًا في الإمساك فلا يضمن، كالمودع إذا امتنع عن رد الوديعة إلى بيت المودع حتى هلكت» (١).
وقال ابن قدامة: «متى انقضت المدة كانت العين في يده أمانة كالوديعة إن تلفت من غير تفريط فلا ضمان عليه» (٢).
وقال ابن مفلح الصغير: «ولأنه لو وجب ضمانها لوجب ردها كالعارية» (٣).
وقال في الإنصاف: «إذا انقضت المدة رفع يده عن المأجور، ولم يلزمه الرد على المذهب مطلقًا، ولو تلف بعد تمكنه من رده لم يضمنه ..... لأن الإذن في الانتفاع انتهى دون الإذن في الحفظ» (٤).
وبناء عليه فلا أجرة على المستأجر ولا ضمان ما دام أن مالك العين المستأجرة لم يطلبها، ولم يكن من المستأجر منع ولا استعمال.
القول الثاني:
يلزم المستأجر الرد إذا كان قادرًا عليه، ولو لم يطلبها صاحبها، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعي، وقول عند الحنابلة (٥).
قال النووي في الروضة: «هل يضمن ما يتلف في يده بعد مضي المدة؟ ينبني على أنه هل على المستأجر الرد ومؤنته، وفيه وجهان: ..... أقربهما إلى
стр. 4160
كلام الشافعي ﵁ يلزمه الرد ومؤنته، وإن لم يطلب المالك؛ لأنه غير مأذون في الإمساك بعد المدة؛ ولأنه أخذه لمنفعة نفسه، فأشبه المستعير» (١).
وعلى هذا إذا لم يقم المستأجر برد العين بعد انتهاء مدة الإجارة، ولو لم يطلبها صاحبها يكون بذلك في حكم الغاصب، ويكون عليه ضمانها إن تلفت، وأجرتها مدة بقائها في يده.
وجه ذلك: أن المستأجر غير مأذون له في الإمساك بعد انتهاء المدة، فأصبح بقاء العين في يده في حكم المستعير، والمستعير يلزمه الرد، فكذلك المستأجر.
ويناقش:
بأن العارية قد قبضها المستعير لمصلحة نفسه بلا مقابل، والمعير محسن في هذا، فوجب على المستعير الرد، بخلاف العين المؤجرة فإن المستأجر قد قبضها في مقابل الأجرة، والمؤجر معاوض وليس محسنًا، فلم يجب الرد على المستأجر، وإنما الواجب التخلية بين العين وبين مالكها فاختلفت الإجارة عن الإعارة.
القول الثالث:
يلزم المستأجر رد العين بطلب المالك، وهو قول في مذهب الحنابلة (٢).
وجه هذا القول:
يمكن أن يقال: إن العين أمانة في يد المستأجر، فإذا طلبها صاحبها وجب
стр. 4161
على المستأجر ردها لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨].
الراجح:
أن المستأجر لا يجب عليه رد العين، وإنما الواجب عليه أن يخلي بين العين وبين ربها، ومؤنة الرد على المالك وحده دون المستأجر، إلا أن يكون هناك عرف، فالمعروف عرفًا كالمشروط شرطًا، والله أعلم.
* * *
стр. 4162
الفرع الخامس
إذا اشترط المؤجر رد العين فلم يرد حتى تلفت
جاء في درر الحكام: تعود مئونة رد كل عين إلى من تعود إليه منفعة قبضها، فإذا كانت المنفعة للقابض فمئونة الرد تكون عليه، وإذا كانت للدافع فمئونة الرد تكون عليه أيضًا، وإذا كان لكل منها نفع في الرد فمئونة الرد على من تكون له المنفعة العينية (١).
[م-٩٤٢] إذا اشترط المؤجر رد العين المستأجرة بعد انتهاء مدة الإجارة، فلم يرد حتى تلفت، فهل يضمن العين المستأجرة؟ هذا مبني على صحة اشتراط رد العين المستأجرة، فمن رأى أن الشرط صحيح، وأنه يلزمه الرد أوجب عليه الضمان، ومن رأى أن هذا الشرط غير صحيح، ولا يلزمه الرد لم يوجب عليه الضمان، وقد اختلف الفقهاء هل يلزم المستأجر الرد إذا شرط عليه؟ على قولين:
القول الأول:
لا يلزمه الرد. وهذا مذهب الحنفية وعليه أكثر الشافعية (٢)، واستثنى الحنفية إذا كان الرد لا حمل له ولا مئونة فإنه يلزمه الرد بالشرط.
جاء في درر الحكام: «ولا يجوز أن يشرط على المستأجر أن يرد العين إلى الآجر ولها حمل ومئونة وإن لم يكن حمل ومئونة جاز» (٣).
стр. 4163
وجاء في أسنى المطالب: «فلو شرط عليه الرد فسدت الإجارة» (١).
تعليل من قال: لا يلزمه الرد وإن شرط:
إذا كان رد العين المستأجرة لا يضمن بدون شرط فلا يصير بالشرط مضمونًا، كما أن ضمان العين المستأجرة لا يوجبه العقد، فلا يوجبه الشرط.
القول الثاني:
يلزمه الرد بالشرط، اختاره بعض الشافعية وهو المذهب عند الحنابلة (٢).
جاء في روضة الطالبين: «قال القاضي أبو الطيب: ولو شرط عليه الرد لزمه بلا خلاف، ومنعه ابن الصباغ، وقال: من لا يوجبه عليه ينبغي ألا يجوز شرطه، فإن قلنا: لا يلزمه الرد فلا ضمان. وإن قلنا: يلزمه الرد لزمه الضمان إلا أن يكون الإمساك بعذر» (٣).
جاء في كشاف القناع: «في التبصرة: يلزم المستأجر رد العين المؤجرة إذا شرط عليه» (٤).
وجه القول باللزوم:
أن هذا الشرط لا يخالف مقتضى العقد، وإذا التزمه المستأجر بالشرط لزمه، ووجب عليه الوفاء به، لأنه لا محذور في التزامه شرعًا، وقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].
стр. 4164
الراجح:
جواز اشتراط مثل هذا، والأصل في الشروط الصحة والجواز، والله أعلم.
* * *
стр. 4165
المبحث الثاني
في اشتراط الضمان على المستأجر
جاء في مجمع الضمانات: شرط الضمان على الأمين باطل (١).
وذكر الحنابلة في قواعدهم الفقهية: «كل ما كان أمانة لا يصير مضمونًا بشرطه، وما كان مضمونًا لا ينتفي ضمانه بشرطه» (٢).
وفي مطالب أولي النهى: «ما لا يضمن بدون شرط لا يصير بالشرط مضمونًا» (٣).
[م-٩٤٣] بينا في المبحث السابق أن المستأجر أمين، فإذا تلفت العين المستأجرة فلا يضمنها إلا بالتعدي أو بالتفريط، والسؤال: ما حكم لو شرط المؤجر على المستأجر الضمان، فهل يكون الشرط صحيحًا أو فاسدًا؟
وإذا قلنا: إن الشرط فاسد، فهل تفسد الإجارة به، أو يبطل الشرط وحده؟
اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
يفسد الشرط والعقد، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، وظاهر مذهب الشافعية، ووجه في مذهب الحنابلة (٤).
стр. 4166
إلا أن المالكية قالوا بصحة العقد إذا أسقط المؤجر الشرط قبل الفوات والفوات عندهم: انقضاء العمل.
القول الثاني:
يفسد الشرط وحده دون العقد، وهو مذهب الحنابلة (١).
стр. 4167
القول الثالث:
يصح الشرط والعقد في قول بعض المعاصرين، وهو مخرج على قول قتادة وداود الظاهري وأبي حفص العكبري وابن تيمية والسعدي في صحة اشتراط ضمان العارية.
ومخرج على قول عبيد الله بن الحسن العنبري والشيخ ابن عثيمين في صحة اشتراط ضمان الوديعة.
أو مأخوذ من كلام عام في صحة التزام ضمان الأمانات على وجه العموم، وهو قول في مذهب المالكية، ورواية عن الإمام أحمد (١).
جاء في شرح ميارة، تحت عنوان: فصل في العارية والوديعة والأمناء نقلًا عن ابن الحاجب: «وإذا اشترط إسقاط الضمان فيما يضمن، أو إثباته فيما لا يضمن، ففي إفادته قولان» (٢).
وجاء في الإنصاف عند الكلام على ضمان العارية، قال: «وكل ما كان أمانة لا يصير مضمونًا بشرطه، هذا المذهب، وعليه الأصحاب ... وعنه المسلمون على شروطهم كما تقدم» (٣).
стр. 4168
والذي تقدم قول الإمام أحمد في اشتراط نفي الضمان عن العارية، والمذهب أن العارية مضمونة مطلقًا، وعن الإمام أحمد في رواية أنه حين ذكر ذلك له، قال: المسلمون على شروطهم (١).
فما ورد عن الإمام أحمد ليس نصًا في ضمان العين المستأجرة، والله أعلم.
والنقاش: هل يصح تخريجه على الوديعة والعارية بجامع أن كلًا منهما من باب اشتراط ضمان الأمانات.
هل يقال: إذا صح التزام الضمان في الوديعة، وهي مقبوضة لحظ صاحبها، والمودَع محسن، فالتزام الضمان في الإجارة من باب أولى؛ لأنه قد قبضها لمصلحتهما (المؤجر والمستأجر)؟
أو يقال: يختلف الضمان في الوديعة والعارية عن الضمان في الإجارة، فالعقدان الأولان ليسا من عقود المعاوضة، فالغرر فيهما مغتفر، وأما الإجارة فإنها من عقود المعاوضة، والتزامه يجعل الضمان جزءًا من الإجارة، والإجارة يجب أن تكون معلومة، والجهالة فيها يفسد العقد، فلا يصح التخريج.
الذي أميل إليه هو الثاني، وأن التخريج على الوديعة والعارية لا يصح.
وأما ما ورد عامًا عن بعض المالكية والحنابلة في صحة اشتراط الضمان في الأمانات، فيقال: إن الأمانات ليست معاملة واحدة، منها ما هو على سبيل المعاوضة، والتزامه يكون غررًا، فيؤثر في صحة العقد، ومن الأمانات ما ليس من عقود المعاوضات، والتزام الضمان لا يوجب غررًا، أو يوجبه، وهو مغتفر في باب التبرعات، فلا يؤثر في صحة العقد، فيحمل كلام الأئمة على الثاني
стр. 4169
دون الأول، والله أعلم، خاصة أن مذاهبهم صريحة في أن التزام الضمان في عقد الإجارة لا يصح، فيكون الحمل هذا متعينًا، والله أعلم.
والقول الوحيد الذي وقفت عليه في صحة ضمان الإجارة بالشرط هو قول لابن نجيم في الأشباه والنظائر، قاله تفقهًا من عنده، وهو خلاف المذهب.
قال ابن نجيم: «حين تأليف هذا المحل ورد علي سؤال فيمن آجر مطبخًا لطبخ السكر وفيه فخار أذن للمستأجر في استعمالها، فتلف ذلك وقد جرى العرف في المطابخ بضمانها على المستأجر؟ فأجبت بأن المعروف كالمشروط فصار كأنه صرح بضمانها عليه» (١).
وانتقد ذلك الحموي في غمز عيون البصائر، وقال: «لا يحل الإفتاء من القواعد والضوابط، وإنما على المفتي حكاية النقل الصريح كما صرحوا به» (٢).
يعني أن صريح كلام الحنفية أن اشتراط الضمان غير صحيح، فلا يعدل عن ذلك إلى الاستدلال بالقواعد والضوابط الفقهية، والله أعلم.
وإذ انتهيت من تحرير الأقوال نأتي على ذكر أدلة كل قول.
دليل من قال: يفسد الشرط والعقد:
الدليل الأول:
أن اشتراط الضمان على الأمين شرط ليس في كتاب الله: أي في حكمه.
(ح-٦٠٧) وقد روى البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه
عن عائشة مرفوعًا في قصة عتق بريرة من حديث طويل، وقوله ﷺ : ما بال أقوام يشترطون
стр. 4170
شروطًا ليست في كتاب الله، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق (١).
وفي رواية: من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فليس له، وإن شرط مائة شرط (٢).
ونوقش هذا:
بأنه لم يثبت دليل من الكتاب أو السنة على تحريم اشتراط الضمان في الأمانات، وإذا لم يثبت فإن التزام مثل هذا الشرط لا يكون حرامًا.
الدليل الثاني:
استدل الحنفية والشافعية على بطلان اشتراط الضمان على المؤجر بموقفهم من الشروط المقترنة بالعقد، وذلك أنهم يرون بطلان كل شرط لا يقتضيه العقد، ولا ينافيه، ولا يعتبر من مصلحة العقد كالنهي عن اشتراط حمل الحطب، أو تكسيره، ومنه اشتراط الضمان على المؤجر.
(ح-٦٠٨) واستدلوا على ذلك بما رواه الطبراني في المعجم، الأوسط، قال:
حدثنا عبد الله بن أيوب القربي، قال: أخبرنا محمد بن سليمان الذهلي، قال: أخبرنا عبد الوارث بن سعيد، عن أبي حنيفة، قال: حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه.
عن جده، أن النبي ﷺ نهى عن بيع وشرط ... وفي الحديث قصة (٣).