إلا أن المالكية قالوا بصحة العقد إذا أسقط المؤجر الشرط قبل الفوات والفوات عندهم: انقضاء العمل.
القول الثاني:
يفسد الشرط وحده دون العقد، وهو مذهب الحنابلة (١).
стр. 4167
القول الثالث:
يصح الشرط والعقد في قول بعض المعاصرين، وهو مخرج على قول قتادة وداود الظاهري وأبي حفص العكبري وابن تيمية والسعدي في صحة اشتراط ضمان العارية.
ومخرج على قول عبيد الله بن الحسن العنبري والشيخ ابن عثيمين في صحة اشتراط ضمان الوديعة.
أو مأخوذ من كلام عام في صحة التزام ضمان الأمانات على وجه العموم، وهو قول في مذهب المالكية، ورواية عن الإمام أحمد (١).
جاء في شرح ميارة، تحت عنوان: فصل في العارية والوديعة والأمناء نقلًا عن ابن الحاجب: «وإذا اشترط إسقاط الضمان فيما يضمن، أو إثباته فيما لا يضمن، ففي إفادته قولان» (٢).
وجاء في الإنصاف عند الكلام على ضمان العارية، قال: «وكل ما كان أمانة لا يصير مضمونًا بشرطه، هذا المذهب، وعليه الأصحاب ... وعنه المسلمون على شروطهم كما تقدم» (٣).
стр. 4168
والذي تقدم قول الإمام أحمد في اشتراط نفي الضمان عن العارية، والمذهب أن العارية مضمونة مطلقًا، وعن الإمام أحمد في رواية أنه حين ذكر ذلك له، قال: المسلمون على شروطهم (١).
فما ورد عن الإمام أحمد ليس نصًا في ضمان العين المستأجرة، والله أعلم.
والنقاش: هل يصح تخريجه على الوديعة والعارية بجامع أن كلًا منهما من باب اشتراط ضمان الأمانات.
هل يقال: إذا صح التزام الضمان في الوديعة، وهي مقبوضة لحظ صاحبها، والمودَع محسن، فالتزام الضمان في الإجارة من باب أولى؛ لأنه قد قبضها لمصلحتهما (المؤجر والمستأجر)؟
أو يقال: يختلف الضمان في الوديعة والعارية عن الضمان في الإجارة، فالعقدان الأولان ليسا من عقود المعاوضة، فالغرر فيهما مغتفر، وأما الإجارة فإنها من عقود المعاوضة، والتزامه يجعل الضمان جزءًا من الإجارة، والإجارة يجب أن تكون معلومة، والجهالة فيها يفسد العقد، فلا يصح التخريج.
الذي أميل إليه هو الثاني، وأن التخريج على الوديعة والعارية لا يصح.
وأما ما ورد عامًا عن بعض المالكية والحنابلة في صحة اشتراط الضمان في الأمانات، فيقال: إن الأمانات ليست معاملة واحدة، منها ما هو على سبيل المعاوضة، والتزامه يكون غررًا، فيؤثر في صحة العقد، ومن الأمانات ما ليس من عقود المعاوضات، والتزام الضمان لا يوجب غررًا، أو يوجبه، وهو مغتفر في باب التبرعات، فلا يؤثر في صحة العقد، فيحمل كلام الأئمة على الثاني
стр. 4169
دون الأول، والله أعلم، خاصة أن مذاهبهم صريحة في أن التزام الضمان في عقد الإجارة لا يصح، فيكون الحمل هذا متعينًا، والله أعلم.
والقول الوحيد الذي وقفت عليه في صحة ضمان الإجارة بالشرط هو قول لابن نجيم في الأشباه والنظائر، قاله تفقهًا من عنده، وهو خلاف المذهب.
قال ابن نجيم: «حين تأليف هذا المحل ورد علي سؤال فيمن آجر مطبخًا لطبخ السكر وفيه فخار أذن للمستأجر في استعمالها، فتلف ذلك وقد جرى العرف في المطابخ بضمانها على المستأجر؟ فأجبت بأن المعروف كالمشروط فصار كأنه صرح بضمانها عليه» (١).
وانتقد ذلك الحموي في غمز عيون البصائر، وقال: «لا يحل الإفتاء من القواعد والضوابط، وإنما على المفتي حكاية النقل الصريح كما صرحوا به» (٢).
يعني أن صريح كلام الحنفية أن اشتراط الضمان غير صحيح، فلا يعدل عن ذلك إلى الاستدلال بالقواعد والضوابط الفقهية، والله أعلم.
وإذ انتهيت من تحرير الأقوال نأتي على ذكر أدلة كل قول.
دليل من قال: يفسد الشرط والعقد:
الدليل الأول:
أن اشتراط الضمان على الأمين شرط ليس في كتاب الله: أي في حكمه.
(ح-٦٠٧) وقد روى البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه
عن عائشة مرفوعًا في قصة عتق بريرة من حديث طويل، وقوله ﷺ : ما بال أقوام يشترطون
стр. 4170
شروطًا ليست في كتاب الله، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق (١).
وفي رواية: من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فليس له، وإن شرط مائة شرط (٢).
ونوقش هذا:
بأنه لم يثبت دليل من الكتاب أو السنة على تحريم اشتراط الضمان في الأمانات، وإذا لم يثبت فإن التزام مثل هذا الشرط لا يكون حرامًا.
الدليل الثاني:
استدل الحنفية والشافعية على بطلان اشتراط الضمان على المؤجر بموقفهم من الشروط المقترنة بالعقد، وذلك أنهم يرون بطلان كل شرط لا يقتضيه العقد، ولا ينافيه، ولا يعتبر من مصلحة العقد كالنهي عن اشتراط حمل الحطب، أو تكسيره، ومنه اشتراط الضمان على المؤجر.
(ح-٦٠٨) واستدلوا على ذلك بما رواه الطبراني في المعجم، الأوسط، قال:
حدثنا عبد الله بن أيوب القربي، قال: أخبرنا محمد بن سليمان الذهلي، قال: أخبرنا عبد الوارث بن سعيد، عن أبي حنيفة، قال: حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه.
عن جده، أن النبي ﷺ نهى عن بيع وشرط ... وفي الحديث قصة (٣).
стр. 4171
وقد سبق الكلام على الحديث، والجواب عنه من عدة وجوه، ونعيدها هنا باختصار:
الوجه الأول: أن الحديث ضعيف جدًا (١).
الوجه الثاني: أن هذا الحديث مخالف للأحاديث الصحيحة الدالة على صحة الاشتراط، من ذلك:
(ح-٦٠٩) ما رواه البخاري من طريق الزهري، عن سالم بن عبد الله،
عن ابن عمر ﵄، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من ابتاع نخلًا بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع، إلا أن يشترط المبتاع، ومن ابتاع عبدًا وله مال فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع (٢).
فهذا الشرط ليس من مصلحة العقد، ولكن لا ينافي مقتضى العقد، فصح الاستثناء، فغيره مقيس عليه.
الوجه الثالث: أنه مخالف لما رواه عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده بسند أصح من هذا السند، وفيه: أنه نهى عن شرطين في بيع. مما يدل بمفهومه على جواز الشرط الواحد.
الوجه الرابع: أنه لا فرق بين أن يشترط الرهن أو الكفيل أو الأجل أو الخيار أو غيرها من الشروط الجائزة المجمع على جوازها، وبين أن يشترط حمل الحطب أو تكسيره أو الضمان أو غيرها من الشروط، فالجامع بين الصورتين أن في كل منها بيعًا وشرطًا.
стр. 4172
الدليل الثالث:
يد المستأجر يد أمانة، واشتراط الضمان على الأمين باطل؛ لأنه شرط يخالف مقتضى العقد، واشتراط ما يخالف مقتضى العقد يفسده تمامًا كما لو اشترط عليه في البيع ألا يتصرف فيه، وفي النكاح ألا يدخل بها، وهكذا.
ويناقش من وجهين:
الوجه الأول:
أن اشتراط ما ينافي مقتضى العقد لا يصح، وأما اشتراط ما يخالف مقتضى العقد فلا مانع منه إذا كان له غرض صحيح.
فالبيع عليه بشرط ألا يتصرف فيه يعتبر شرطًا ينافي مقتضى العقد بخلاف اشتراط الضمان في الأمانات فإنه شرط يخالف مقتضى العقد ولا ينافيه، وبينهما فرق مثله تمامًا ما ذكرته في مسألة: ما إذا باع عليه، واشترط ألا يبيعه، وقصد من الشرط نفع المشتري أو نفع السلعة، فالأول كما لو كان المشتري إذا ملك شيئًا باعه، ولم يحسن التصرف في ثمنه، وأراد البائع أن ينتفع المشتري من المبيع، ومثال الثاني كما لو باعه حيوانًا، وعلم أن المشتري يرفق به، ولم يرغب في بيعه لغيره فلا مانع من اشتراط مثل ذلك على الصحيح، وإن كان شرطًا يخالف مقتضى العقد، والله أعلم.
الوجه الثاني:
نسلم لكم أن عقود الأمانات المطلقة الأصل فيها عدم الضمان، ولكن إذا التزم الشخص الضمان بالشرط فإنه يلزمه؛ لأنه قد أوجب على نفسه بالشرط ما لا يجب عليه بدونه، والأصل في الشروط الصحة والجواز.
стр. 4173
الدليل الرابع:
أن ضمان العين المستأجرة يعتبر عقدًا تابعًا لعقد الإجارة، والضمان جزء من الأجرة، وجهالة مقدار الضمان يؤول إلى جهالة الأجرة، وهذا مفسد للعقد، ولذلك منع الفقهاء اشتراط المؤجر على المستأجر صيانة العين المستأجرة متى احتاجت العين إلى الصيانة، وأجازوا صيانة المستأجر للعين واحتساب ذلك من الأجرة، أو تخصيص مبلغ معلوم معين للصيانة، أو تكون الصيانة دورية معلومة التكاليف كل ذلك حتى لا يؤدي إلى جهالة الأجرة، وسوف يأتينا إن شاء الله تعالى مناقشة اشتراط الصيانة على المستأجر في مبحث مستقل، فأسال الله وحده عونه وتوفيقه.
دليل من قال: العقد والشرط صحيحان:
الدليل الأول:
(ح-٦١٠) ما رواه الترمذي من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، عن أبيه.
عن جده أن رسول الله ﷺ قال الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا حرم حلالًا، أو أحل حرامًا، والمسلمون على شروطهم إلا شرطا حرم حلالًا أو أحل حرامًا.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح (١).
[ضعيف] (٢).
الدليل الثاني:
(ح-٦١١) ما رواه الإمام أحمد، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا
стр. 4174
شريك، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أمية بن صفوان بن أمية،
عن أبيه أن رسول الله ﷺ استعار منه يوم خيبر أدرعًا، فقال: أغصبا يا محمد؟ فقال: بل عارية مضمونة. قال: فضاع بعضها فعرض عليه رسول الله ﷺ أن يضمنها له، فقال: أنا اليوم يا رسول الله في الإسلام أرغب (١).
[الحديث مضطرب من مسند صفوان، حسن من مسند جابر رضي الله عن صحابة رسول الله ﷺ ] (٢).
وأجيب عن هذا الدليل:
بأن قول النبي ﷺ عارية مضمونة هو إعلام من النبي ﷺ بحكم العارية، وأن المستعير ضامن، وليس هذا على سبيل الضمان بالشرط ما ليس بمضمون بدونه.
ورد هذا الجواب:
ضمان العارية فيه خلاف بين أهل العلم، والصحيح أن العارية أمانة في يد المستعير لا تضمن إلا بالتعدي أو التفريط، وقد ضمنها النبي ﷺ بالشرط فدل على أن الأمانات تضمن بالشرط، ومنه ضمان العين المستأجرة، والله أعلم.
واعترض على هذا:
بأن هناك فرقًا بين ضمان العارية وبين ضمان العين المستأجرة، فالعارية ليست من عقود المعاوضات، والجهالة فيها مغتفرة، بينما التزام الضمان في العين المستأجرة يؤول إلى جهالة الأجرة، فيفسد العقد.
على أنه قد يقال: إن العارية إذا شرط ضمانها تحولت إلى إجارة،
стр. 4175
ولذلك اعتبر بعض الفقهاء بأن العارية المضمونة بالشرط إذا تلفت تحولت إلى إجارة فاسدة، ويجب فيها أجرة المثل؛ لأن الشرط يخرج العارية عن حكمها (١).
دليل من قال: يصح العقد ويبطل الشرط:
(ح-٦١٢) استدلوا بما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه.
عن عائشة ﵂، قالت: جاءت بريرة، فقالت: إني كاتبت أهلي على تسع أواق، في كل عام أوقية، فأعينيني، فقالت عائشة: إن أحب أهلك أن أعدها لهم عدة واحدة، وأعتقك فعلت، ويكون ولاؤك لي، فذهبت إلى أهلها فأبوا ذلك عليها .... فسمع بذلك رسول الله ﷺ فسألني، فأخبرته، فقال: خذيها، فأعتقيها، واشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق، قالت: عائشة، فقام رسول الله ﷺ في الناس، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، ما بال رجال منكم يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، فأيما شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، فقضاء الله أحق، وشرط الله أوثق ... » (٢).
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ أبطل الشرط وحده، وأبقى على العقد صحيحًا، فدل الحديث على أن الشرط الذي يخالف مقتضى العقد يبطل الشرط وحده، ولا يبطل العقد، ومنه مسألتنا هذه حيث تطرق الخلل إلى الشرط الذي وضعه المتعاقدان، فيبطل الشرط وحده، فوجوده كعدمه، ويصح العقد.
стр. 4176
ويجاب عن ذلك:
بأن قياس الشروط المالية على شرط غير مالي كالولاء قياس مع الفارق، ذلك أن اشتراط الضمان سيكون له قيمة في العقد، فالتزام المستأجر الضمان سوف يحمل المستأجر على تخفيض الأجرة في مقابل هذا الالتزام المالي، فإذا أبطلنا الشرط فلا بد أن نبطل عوضه، وإلا كيف يستحل المؤجر قيمة شرط لم يلتزمه المستأجر، وإذا جهلنا قيمة الشرط عاد ذلك على الثمن بالجهالة، لأن عود المجهول على المعلوم يصير المعلوم مجهولًا، ولو فرض أننا عرفنا قيمة هذا الشرط، فقد يقول المؤجر: أنا لم أرض بالأجرة الجديدة، ولم أرض بالإجارة إلا بالعوض الذي اتفقنا عليه، وهذا يعني أنه لا بد من اتفاق جديد على أجرة جديدة، فيعود البطلان إلى العقد.
الراجح:
بعد استعراض الخلاف أرى أن القول بتحريم صحة اشتراط الضمان هو القول الراجح، وأن الضمان إذا التزمه المؤجر أدى ذلك إلى جهالة الأجرة، والله أعلم.
* * *
стр. 4177
المبحث الثالث
في ضمان الأجير
الفرع الأول
في ضمان الأجير الخاص
[م-٩٤٤] سبق لنا تعريف الأجير الخاص، والفرق بينه وبين الأجير المشترك، والبحث هنا في ضمان الأجير الخاص، متى يضمن، ومتى لا يضمن؟
فإذا تعدى الأجير الخاص بأن فعل ما ليس له فعله، من إتلاف أو إفساد.
أو فرط بأن ترك ما يجب عليه فعله من حفظ فإنه ضامن بالاتفاق.
أما إذا قام الأجير بما يجب عليه فلم يفرط، ولم يتعد فقد اختلف الفقهاء في ضمانه على قولين:
القول الأول:
لا يضمن، وهو مذهب عامة الفقهاء.
قال الكاساني: «وإن كان الأجير خاصًا فما في يده يكون أمانة في قولهم جميعًا حتى لو هلك في يده بغير صنعه لا يكون ضامنًا» (١).
стр. 4178
وقال ابن قدامة: «فأما الأجير الخاص فهو الذي يستأجر مدة فلا ضمان عليه ما لم يتعد. قال أحمد في رواية مهنا في رجل أمر غلامه يكيل لرجل بزرًا فسقط الرطل من يده فانكسر: لا ضمان عليه. فقيل: أليس هو بمنزلة القصار؟ قال: لا القصار مشترك» (١).
القول الثاني:
يضمن، وهو قول في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة اختاره ابن أبي موسى في الإرشاد (٢).
جاء في الأم «قال الشافعي ﵀: الأجراء كلهم سواء، وما تلف في أيديهم من غير جنايتهم ففيه واحد من قولين: أحدهما: الضمان؛ لأنه أخذ الأجر. والقول الآخر: لا ضمان إلا بالعدوان» (٣).
وذكر البيهقي في معرفة السنن بإسناده عن الشافعي قال: الأجراء كلهم سواء، فإذا تلف في أيديهم شيء من غير جنايتهم فلا يجوز أن يقال فيهم إلا واحد من قولين .. فذكرهما، وذكر وجه كل واحد منهما. قال: وليس في هذا سنة علمتها، ولا أثر يصح عند أهل الحديث عن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ وقد روي فيه شيء عن عمر وعلي ليس يثبت عند أهل الحديث عنهما، ولو ثبت عنهما لزم من يثبته أن يضمن الأجراء كلهم من كانوا؛ لأن عمر
стр. 4179
إن كان ضمن الصناع فليس في تضمينه لهم معنى إلا أن يكون ضمنهم بأنهم أخذوا أجر ما ضمنوا، فكل من أخذ أجرًا فهو من معناهم» (١).
القول الثالث:
يضمن إذا تلف بأمر خفي لا يعلم إلا من جهته. وهو رواية عن الإمام أحمد (٢).
والراجح، والله أعلم قول الجمهور؛ لأن الأجير الخاص أمين، والأمين لا يضمن إلا بالتعدي أو بالتفريط، والله أعلم.
* * *
стр. 4180
الفرع الثاني
في ضمان الأجير المشترك
المسألة الأولى
أن تكون العين في يد الأجير المشترك
[م-٩٤٥] لا خلاف بين الفقهاء في تضمين الأجير المشترك إذا تعدى أو فرط، فإن تلف ما في يده بلا تعد ولا تقصير فإن كان الأجير قد قبض العين فهل يضمن؟ اختلف العلماء في ذلك على أربعة أقوال:
القول الأول:
ذهب أبو حنيفة، والحنابلة في المشهور إلى أن الأجير المشترك يضمن إن كان التلف بسبب يرجع إلى فعله سواء أكان متعديًا أم لا، وسواء تجاوز المعتاد أو لم يتجاوز، وأما ما تلف بسبب لا يرجع إلى فعله بل يرجع إلى الحفظ مثلًا ونحوه فلا يضمنه إن لم يكن منه تعد أو تفريط (١).
واستدلوا على ضمان ما تلف بفعله:
الدليل الأول:
(ح-٦١٣) ما رواه ابن أبي شيبة من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن،
عن سمرة، عن النبي ﷺ قال: على اليد ما أخذت حتى تؤديه (٢).
стр. 4181
[رجاله ثقات إلا أن في سماع الحسن من سمرة خلافًا] (١).
ونوقش هذا:
بأن الحديث قد ضعف، ولو صح فليس فيه إلا الأداء، والأداء غير الضمان في اللغة والحكم، ويلزم المحتج بهذا الحديث أن يضمنوا بذلك المرهون والودائع؛ لأنها مما قبضت اليد، ولذلك قال الحسن الذي روى هذا الحديث: أمينك لا ضمان عليه مما يدل على أن الأداء غير الضمان ولم يخالف الحسن الحديث ولم ينس كما توهم الراوي؛ لأن الحديث ليس فيه دلالة على الضمان (٢).
стр. 4182
الدليل الثاني:
(ث-١٠٥) ما رواه عبد الرزاق، قال: أخبرنا يحيى بن العلاء، عن جعفر ابن محمد، عن أبيه، قال: كان علي يضمن الخياط والصباغ (١).
[حسن لغيره] (٢).
الدليل الثالث:
(ث-١٠٦) ما رواه عبد الرزاق قال: أخبرنا بعض أصحابنا، عن ليث ابن سعد، عن طلحة بن أبي سعيد، عن بكير بن عبد الله بن الأشج،
أن عمر بن الخطاب ضمن الصباغ الذي يعمل بيده (٣).
стр. 4183
[ضعيف] (١).
وجه الاستدلال من الأثرين:
دلت هذه الآثار على تضمين الأجير المشترك ما تلف بسبب فعله وصناعته، لأن وجوب الضمان عليه إنما كان بسبب جنايته.
ونوقش هذا الاستدلال:
بأن الأثر لم يثبت عن علي ولا عن عمر ﵄، وهذا رأي الشافعي ﵁.
قال في الأم: «ليس في هذا سنة أعلمها ولا أثر يصح عند أهل الحديث عن أحد من أصحاب النبي ﷺ وقد روي فيه شيء عن عمر وعلي ليس يثبت عند أهل الحديث عنهما ولو ثبت عنهما لزم من يثبته أن يضمن الأجراء من كانوا فيضمن أجير الرجل وحده والأجير المشترك والأجير على الحفظ والرعي وحمل المتاع والأجير على الشيء يصنعه; لأن عمر إن كان ضمن الصناع فليس في تضمينه لهم معنى إلا أن يكون ضمنهم بأنهم أخذوا أجرا على ما ضمنوا، فكل من كان أخذ أجرًا فهو في معناهم وإن كان علي ﵁ ضمن القصار والصائغ فكذلك كل صانع وكل من أخذ أجرة وقد يقال للراعي صناعته الرعية وللحمال صناعته الحمل للناس» (٢).
الدليل الرابع:
أن عمل الأجير المشترك مضمون عليه بدليل أنه لا يستحق العوض إلا بالعمل، وأن الشيء لو سرق من حرزه بعد عمله لم يكن له أجر فيما عمل فيه، وكان ذهاب عمله من ضمانه بخلاف الأجير الخاص.
стр. 4184
الدليل الخامس:
أن ما يدخل تحت عقد الإجارة هو العمل السليم، وهو المأذون فيه، وأما العمل الفاسد فغير مأذون فيه فلا يدخل تحت الإجارة، فيكون مضمونًا عليه؛ أو بمعنى آخر: أن مطلق عقد المعاوضة يقتضي سلامة المعقود عليه من العيوب، وهو المأذون فيه، فإذا وجد تلف فقد صار بما ليس مأذونًا فيه، فيكون مضمونًا عليه (١).
وأما أدلتهم على كون الأجير لا يضمن ما تلف بغير فعله:
استدلوا بكون الأجير لا يضمن ما تلف بغير فعله بأدلة منها:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٩٣].
وجه الاستدلال:
«أن الأصل ألا يجب الضمان إلا على المتعدي .... ولم يوجد التعدي من الأجير؛ لأنه مأذون له في القبض، والهلاك ليس من صنعه، فلا يجب الضمان عليه، ولهذا لا يجب الضمان على المودع» (٢).
الدليل الثاني:
أن العين أمانة في يد الأجير؛ لأنه لم يقبض العين لمصلحته فقط حتى تكون مضمونة عليه مطلقًا، وإنما قبضها لمصلحته ولمصلحة ربها، فكانت يده كيد المستأجر، لا يضمن ما كان بغير فعله، ولهذا لو هلكت بسبب لا يمكن التحرز
стр. 4185
منه لم يضمنه، ولو كانت العين مضمونة عليه مطلقًا لضمنها من غير فرق بين ما يمكن التحرز منه، وما لا يمكن (١).
الدليل الثالث:
أن المعقود عليه الصنعة، وليس الحفظ، فإذا تلف شيء بسبب الصنعة ضمنه، وإذا تلف المصنوع بسبب يرجع إلى الحفظ لم يضمن إلا أن يتعدى أو يفرط، لأن القبض حصل بإذن المالك فلا يكون مضمونًا عليه.
القول الثاني:
ذهب أبو يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية، وبعض الشافعية، وبعض الحنابلة إلى أن الأجير المشترك يضمن بالقبض مطلقًا سواء كان الهلاك بفعله أو بغير فعله، وسواء كان متعديًا أو غير متعد، إلا إذا وقع التلف بسبب لا يمكن الاحتراز عنه كحريق غالب، أو كان الأجير لم ينفرد باليد (٢).
وجه الاختلاف بين قول أبي حنيفة وقول صاحبيه:
يتفق هذا القول مع الذي قبله بتضمين الأجير ما كان بسبب فعله، وأدلتهم واحدة في هذا فلا نحتاج إلى إعادتها.
стр. 4186
ويتفقان على أن الأجير لا يضمن إذا كان التلف بسبب لا يمكن التحرز منه كحريق غالب.
ويختلفان بالضمان إذا كان العيب لم يكن بسبب يرجع إلى الصنعة، وإنما يعود إلى الحفظ بسبب يمكنه التحرز منه.
فأبو حنيفة يرى أن الأجرة إنما هي في مقابل الصنعة فقط، والحفظ ليس داخلًا في العقد، وبالتالي إذا سرقت العين أو لحقها تلف أو عيب من غير فعل الأجير لم يضمن؛ لأن العقد لم يكن على الحفظ، فيده في الحفظ يد أمانة لا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط.
وأما الصاحبان فيريان أن الحفظ مستحق على الأجير المشترك؛ لأنه لا يمكنه العمل إلا به، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فكان العقد واردًا على الحفظ، ولأن عقد المعاوضة يقتضي سلامة المعقود عليه، فيضمن بالهلاك كما في الوديعة إذا كانت بأجر (١).
ونوقش هذا الاستدلال:
بأن عقد الإجارة وارد على العمل، وليس على الحفظ، والحفظ تابع وليس بمقصود أصلي، ولهذا لا يقابله أجر، بخلاف المودع بأجر، فإن الحفظ مستحق مقصود، ويقابله أجر فافترقا.
القول الثالث:
ذهب المالكية إلى أن الأصل في يد الأجير المشترك أنها يد أمانة، ولكن لما فسد الناس، وظهرت خيانة الأجراء ضمن الصناع، وكل من تقتضي المصلحة
стр. 4187
العامة تضمينه من الأجراء المشتركين حيث تقوم به التهمة. وهو من باب الاستحسان (١).
«ووجه المصلحة فيه: أن الناس لهم حاجة إلى الصناع، وهم يغيبون عن الأمتعة في غالب الأحوال، والأغلب عليهم التفريط، وترك الحفظ، فلو لم يثبت تضمينهم مع مسيس الحاجة إلى استعمالهم لأفضى ذلك إلى أحد أمرين:
إما ترك الاستصناع بالكلية، وذلك شاق على الخلق، وإما أن يعملوا، ولا يضمنوا ذلك بدعواهم الهلاك والضياع، فتضيع الأموال، ويقل الاحتراز، وتتطرق الخيانة، فكانت المصلحة التضمين» (٢).
وعلى هذا فضمان الصناع عند المالكية ضمان تهمة لا ضمان أصالة، ولا يضمن عند المالكية إلا بشروط، منها:
الأول: أن ينتصب للصنعة لدى عامة الناس، فلا ضمان على الصانع الخاص بجماعة.
والصانع المنتصب: هو من أقام نفسه لعمل الصنعة التي استعمل فيها بسوقها أو داره، وغير المنتصب: هو من لم يقم نفسه لها، ولا منها معاشه (٣).
الثاني: أن يغيب ربها عن الذات المصنوعة، فإن عمل الصانع في بيت رب السلعة، فلا ضمان عليه، جلس معه ربها أم لا، عمل بأجر أم لا، وكذا لو صنعت بحضرة ربها، ولو في محل الصانع.
стр. 4188
الثالث: ألا تقوم بينة على ما ادعاه من تلف أو ضياع فإن قامت بينة بهلاكه بغير سببه فلا ضمان. وهذا يقوي أن ضمان الصناع عند المالكية ضمان تهمة ينتفي بإقامة البينة، لا ضمان أصالة (١).
الرابع: أن يكون المصنوع مما يغاب عليه بأن يكون ثوبًا، أو حليًا، فلا ضمان على معلم الأطفال، أو البيطار إذا ادعى الأول هروب الولد، والثاني هروب أو تلف الدابة.
الخامس: ألا يكون في الصنعة تغرير، وإلا فلا ضمان كنقش الفصوص وثقب اللؤلؤ، وتقويم السيوف، وحرق الخبز عند الفران، وتلف الثوب في قدر الصباغ، وما أشبه ذلك كالبيطار يطرح الدابة لكيها مثلًا فتموت، وكالخاتن لصبي يموت عند ختنه.
السادس: ألا يكون الصانع أحضره لربه مصنوعًا على الصفة المطلوبة، ويتركه ربه اختيارًا فيضيع (٢).
القول الرابع:
يرى أن يد الأجير المشترك يد أمانة مطلقًا فلا يضمن ما تلف بعمله ما لم يتعد، وهو اختيار زفر من الحنفية، والأظهر عند الشافعية، وصوبه في الإنصاف والله أعلم (٣).
стр. 4189
دليل هذا القول:
الدليل الأول:
أن القول بعدم التضمين هو مقتضى القواعد، وذلك أن الأصول موضوعة على أن من أخذ مال غيره لمنفعة نفسه ضمنه كالمقترض، والمستعير، ومن أخذه لمنفعة مالكه لم يضمنه كالمودع. ومن أخذه لمنفعة مشتركة بينه وبين مالكه كالمضارب والمرتهن فلا يضمن إلا بالتعدي، فالأجير المشترك قد قبض العين لمنفعته ومنفعة المالك فلم يضمنه إلا بالتعدي أو التفريط.
ونوقش:
بأن الأجير قد أخذ المال لمنفعة نفسه ليأخذ الأجرة فوجب أن يضمن كالقرض.
الدليل الثاني:
أن هذا العمل لما كان مأذونًا له فيه، وعمل ما عمل بأمر المالك لم يضمن ما تلف بسبب ذلك، والأمر المطلق من المالك ينتظم الفعل بنوعيه المعيب والسليم.
ويناقش:
بأن المأذون فيه هو العمل الصحيح السليم، وأما العمل المعيب فليس مأذونًا فيه فلم يدخل في الضمان.
الدليل الثالث:
لما كان الفصاد والختان والحجام لا يضمنون إذا كان قد عرف حذقهم فكذلك الأجير المشترك مقيس عليهم.
стр. 4190
الراجح:
أرى أن مذهب أبي يوسف ومحمد بن الحسن هو أرجح الأقوال وهو الذي يصلح للناس في هذه الأزمان مع خراب الذمم، وتهاون الناس في الحقوق، والله أعلم.
* * *
стр. 4191
المسألة الثانية
في ضمان الأجير والعين في يد المالك
[م-٩٤٦] إذا كان الأجير يعمل والعين في يد صاحبها لم يقبضها الأجير، فتلفت العين، فهل يضمن؟
اختلف الفقهاء في تضمينه على قولين.
القول الأول:
قالوا: لا يضمن الأجير المشترك إذا حدث العيب، والعين في يد مالكها، وهو قول الجمهور من الحنفية، والمالكية، والشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (١).
وجه القول بعدم الضمان:
الوجه الأول:
أن العين إنما تضمن بالقبض، والمتاع ما زال في يد صاحبه فلا يضمن الأجير ما هلك في يد صاحبه.
ويناقش:
بأن القبض من أسباب الضمان، وليس الضمان محصورًا في القبض فجناية
стр. 4192
اليد سبب في الضمان أيضًا، وقد حصل التلف بسبب جناية يده فيضمن.
الوجه الثاني:
أن الأجير المشترك لما سلم نفسه إلى رب العمل أصبح حكمه حكم الأجير الخاص، والأجير الخاص لا يضمن.
ويجاب:
بأن هناك فرقًا بين الأجير الخاص والأجير المشترك، ففي الأول العقد وارد على منافعه مدة معلومة، والثاني العقد وارد على إنجاز عمل معلوم، فعمله مضمون عليه بخلاف الأجير الخاص.
القول الثاني:
يضمن مطلقًا، ولو كان رب العمل شاهدًا، وهو المذهب عند الحنابلة (١).
وجه القول بالضمان:
أن الضمان كان بسبب جنايته، وإذا كان بسبب الجناية فليس هناك فرق بين أن يجني الأجير، ورب العمل شاهد، أو يجني ورب العمل غائب كالعدوان.
ونوقش:
بأنه وإن كان الهلاك بفعله إلا أن التهمة في حقه ضعيفة لكون العين في يد صاحبها، وإذا كانت التهمة ضعيفة رجعنا إلى الأصل، وهو أن الأجير مؤتمن.
الراجح:
القول بالتضمين إن كان بسبب فعله؛ لأن عمله مضمون عليه، والله أعلم.
* * *
стр. 4193
الفرع الثالث
في ضمان الأجير إذا حبس العين لاستيفاء الأجرة
[م-٩٤٧] إذا حبس الأجير العين لاستيفاء الأجرة، فتلفت العين، فهل يضمن؟
اختلف العلماء في ذلك على أربعة أقوال:
القول الأول:
ذهب أبو حنيفة إلى أن الأجير إذا أراد حبس العين بعد الفراغ من العمل نظر:
إن كان لعمله أثر ظاهر في العين كالخياط والصباغ ونحوهما، وكان الأجر حالًا ليس مؤجلًا، فإن له حبس العين حتى يقبض الأجرة (١).
فإن لم يكن لعمله أثر، كالحمال، والملاح فلا يحق له حبس العين؛ لأن المعقود عليه وهو الحمل عرض لا يتصور بقاؤه، وليس له أثر في العين حتى يتصور حبسه (٢).
وهذا أحد الوجهين في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (٣).
فإن حبس العين فضاعت فاختار أبو حنيفة أن لا ضمان عليه؛ لأن العين أمانة في يده .. وفي حبسها لا يكون متعديًا فلا يجب عليه الضمان.
стр. 4194
ولا أجرة له؛ لأن المعقود عليه هلك قبل التسليم. وذلك يوجب سقوط البدل كالمبيع إذا هلك قبل القبض.
واختار أبو يوسف ومحمد بن الحسن بأنه يضمن إذا تلفت؛ ليس بسبب الحبس، وإنما لكونها مضمونة عليه بالقبض قبل الحبس، فلا يسقط ذلك بالحبس.
فإن شاء ضمنه قيمته غير معمول، ولا أجر له، وإن شاء ضمنه معمولًا، وله الأجر.
القول الثاني:
ذهب المالكية إلى أن الأجير له أن يحبس ما في يده مطلقًا سواء كان له أثر في العين، أو ليس له أثر في العين حتى يستوفي أجره، وإذا هلكت فعليه الضمان إلا أن تقوم له بينة على الضياع فيبرأ من الضمان، ولا أجر له؛ لأنه لم يسلم ما عمل إلى صاحبه (١).
جاء في التاج والإكليل: «قال ابن القاسم: لكل صانع أو حمال على ظهر أو
стр. 4195
سفينة منع ما حمل أو عمل حتى يأخذ أجره، فإن هلك ذلك بأيديهم في منعهم فالصناع ضامنون، ولا أجر لهم إلا أن تقوم بينة على الضياع فلا ضمان عليهم، ولا أجر لهم؛ لأنهم لم يسلموا ما عملوا إلى أربابه .... » (١).
القول الثالث:
اختار الشافعية أن يوضع المستأجر عليه عند عدل حتى يقبض الأجير أجرته (٢).
القول الرابع:
ذهب زفر من الحنفية، ووجه في مذهب الشافعية، والمذهب عند الحنابلة بأنه لا يحق للأجير أن يحبس العين ليستوفي الأجرة (٣).
وقد ذكرنا أدلة هذا الأقوال في عقد المقاولة، فأغنى عن إعادته هنا، وقد رجحت هناك أن الأجير إذا كان يخشى من المؤجر ألا يسلمه الأجر فإن له أن يحبس العين حتى يقوم رب العمل إما بتسليم الأجر، أو يقوم بتسليم عدل يرضى به الأجير، وقد تكلمنا عن حكم حبس المبيع على ثمنه في عقد البيع، وهذا الباب مثله، والله أعلم.
стр. 4196
الفرع الرابع
في كيفية تضمين الأجير المشترك
[م-٩٤٨] اختلف العلماء في كيفية تضمين الأجير المشترك على ثلاثة أقوال.
القول الأول:
ذهب الحنفية والحنابلة إلى أن المستأجر مخير بين أن يضمن الأجير المأجور غير معمول، ولا أجر له، وبين أن يضمنه معمولًا، وله الأجر. وهذا مذهب الحنفية والحنابلة (١).
القول الثاني:
ذهب مالك بأن الفساد إن كان يسيرًا فعليه قيمة ما أفسد، وإن كان الفساد كثيرًا ضمن قيمة ما أفسده يوم قبضه، وليس عليه أن يضمن قيمة العين مصنوعة (٢).
القول الثالث:
اختلف الشافعية في كيفية تضمين تأجير المشترك بناء على اختلافهم في تضمينه:
جاء في المهذب: «فإن قلنا: إنه أمين فتعدى فيه، ثم تلف ضمنه بقيمته أكثر ما كانت من حين تعدى إلى أن تلف؛ لأنه ضمن بالتعدي، فصار كالغاصب.
стр. 4197
وإن قلنا: إنه ضامن لزمه قيمته أكثر ما كانت من حين القبض إلى حين التلف كالغاصب.
ومن أصحابنا من قال: يلزمه قيمته وقت التلف كالمستعير، وليس بشيء» (١).
وقد ذكرت أدلة هذه الأقوال في عقد المقاولة من المجلد الحادي عشر، ورأيت أن مذهب المالكية هو أرجح الأقوال، وأنه لا وجه لتضمينه العين مصنوعة فهو لم يملك الصنعة حتى يمكن أن يطالب بضمانها، والترجيح إنما في وقت الضمان، هل يضمنها يوم قبضها، أو يضمنها يوم تلفها، والذي بسببه وجب الضمان، والثاني أرجح، وقد تكلمنا عليه في باب ضمان المبيع فأغنى عن إعادته هنا، والله أعلم.
* * *
стр. 4198
الفرع الخامس
في ضمان الأجير التابع
[م-٩٤٩] قد يعمل مجموعة من الأجراء الخاصين تحت يد الأجير المشترك، كالخياط يعمل عنده مجموعة من الخياطين كأجراء خاصين له، فإذا أتلف الأجير الخاص عند الأجير المشترك بلا تعد منه ولا تفريط، فمن الضامن؟ هل هو الأجير الخاص، أو الأجير المشترك، أو لا ضمان عليهما؟
اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
الضمان على الأجير المشترك، ولا ضمان على الأجير الخاص إذا تلف ما تحت يده بلا تعد ولا تفريط، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والحنابلة (١).
ودليلهم:
أما كون الأجير الخاص لا يضمن إلا بالتعدي فقد ذكرنا أدلته في ضمان الأجير الخاص، وأنه أمين، والأمين لا يضمن ما لم يتعد أو يفرط.
وأما كون الضمان على الأجير المشترك فقد سبق أن ذكرنا الأدلة على أن
стр. 4199
الأجير المشترك يضمن ما تلف بفعله وإن لم يتعد؛ وما يقوم به الأجير الخاص ينسب للأجير المشترك باعتبار أن هذا الخاص يعمل تحت إمرة الأجير المشترك، وبإذنه وتحت تصرفه.
القول الثاني:
لا يضمن إلا إن أخذ الأجير الخاص السلعة إلى بيته، وغاب بها عن حانوت أستاذه، فإنه يكون ضامنًا (١).
لأن ضمان الأجير عند المالكية هو ضمان تهمة لا ضمان أصالة، فإذا أخذ الأجير الخاص العين وغاب بها قوي في جانبه التهمة، فيضمن بخلاف ما لو تلفت العين، والأجير المشترك شاهد فإنه لا ضمان على الأجير الخاص؛ لأنه لا تهمة في حقه حينئذ، والله أعلم.
القول الثالث:
لا ضمان على أحد منهما، أما الأجير الخاص فلأنه أمين، وهذا ظاهر، وأما الأجير المشترك فالشافعي في أحد قوليه يرى أنه لا ضمان عليه، وبالتالي فلا ضمان في هذه المسألة على أي واحد منهما.
قال الماوردي: الأيدي في أموال الغير ثلاثة أقسام:
يد ضامنة، ويد أمينة، ويد اختلف قول الشافعي فيها، هل هي ضامنة أو أمينة.
فأما اليد الضامنة فيد الغاصب والمستعير والمساوم .....
وأما اليد الأمينة فيد الوكيل، والمضارب، والشريك والمودع والمستأجر، والمرتهن ....
стр. 4200
وأما اليد المختلف فيها، فيد الأجير المشترك إذا هلك بيده ما استؤجر على عمله من غير تفريط، ولا تعد عليه، ففيه قولان:
أحدهما: أنها يد ضامنة، يلزمها ضمان ما هلك فيها كالمستعير.
والقول الثاني: أنها يد أمينة لا ضمان فيما هلك فيها كالمودع» (١).
وقد سبق مناقشة الشافعية في عدم تضمين الأجير المشترك فأغنى عن إعادته هنا، والحمد لله.
* * *
стр. 4201
الفرع السادس
في ضمان الإجارة الفاسدة
المسألة الأولى
في تعريف الإجارة الفاسدة
[م-٩٥٠] مر معنا الخلاف الدائر بين الحنفية والجمهور في التفريق بين الفاسد والباطل في عقد البيع، فيرى الجمهور أنهما لفظان مترادفان خلافًا للحنفية.
وأما في الإجارة فيكاد يتفق الفقهاء على مصطلح الإجارة الفاسدة فرقًا بينها وبين الباطلة.
فالإجارة الصحيحة: يجب فيها المسمى.
والإجارة الفاسدة: يجب فيها أجرة المثل في الجملة ويبطل المسمى لفساد العقد.
والإجارة الباطلة لا يجب فيها شيء، ولا تملك الأجرة، ويجب ردها، كالاستئجار على أن يصلي عنه، أو الاستئجار على النياحة، والكهانة، والغناء، وإجارة العبد للفجور ونحو ذلك (١).
قال في مغني المحتاج بعد أن أوجب في الإجارة الفاسدة أجرة المثل دون
стр. 4202
المسمى، قال: «وخرج بالفاسدة الباطلة كاستئجار صبي بالغًا على عمل، فعمله فإنه لا يستحق شيئًا» (١).
فواضح من هذا النص أن الشافعية يفرقون في الإجارة بين الإجارة الفاسدة والإجارة الباطلة، وإن كانوا لا يفرقون بينهما في عقد البيع.
وقد تناول الجمهور الإجارة الفاسدة من خلال بيان أحكامها، فعرض المالكية أمثلة للإجارة الفاسدة منها، قال الخرشي: «تكون الإجارة فاسدة إذا قال له: اعمل على دابتي، أو اعمل على سفينتي ... فما حصل من ثمن أو أجرة فلك نصفه. وعلة الفساد: الجهل بقدر الأجرة» (٢).
ومثله لو استأجره على سلخ شاة، وجعل أجرتها جلدها، فالإجارة هنا فاسدة؛ لأنه لا يعلم هل يخرج الجلد سليمًا أولا، وهل هو ثخين أو رقيق؟ (٣).
стр. 4203
أما الحنفية فهم من وضع حدًا بينًا في التفريق بين الإجارة الفاسدة والباطلة وطردوا ذلك في كل أبواب الفقه.
فيرى الحنفية أن الإجارة الفاسدة: هي كل عقد كان مشروعًا بأصله دون وصفه (١).
وبتعبير آخر: الإجارة الفاسدة: هي الصحيحة أصلًا لا وصفًا، وهو ما عرض في شيء من جهالة أو اشترط فيه شرط لا يقتضيه العقد (٢).
وذهب المالكية في تعريف العقد الفاسد إلى أنه: كل عقد بيع أو إجارة، أو كراء بخطر أو غرر في ثمن أو مثمون أو أجل (٣).
وعرف الحنابلة العقد الفاسد والباطل تعريفًا واحدًا.
قال ابن اللحام: عندنا كل ما كان منهيًا عنه إما لعينه، أو لوصفه ففاسد وباطل.
ولم يفرق الأصحاب في صورة من الصورتين بين الفاسد والباطل في المنهي عنه، وإنما فرقوا بين الفاسد والباطل في مسائل» (٤). ثم سرد تلك المسائل.
стр. 4204
قلت: من ذلك: أن الإجارة الباطلة إذا قبض العين صاحبها كانت مضمونة عليه.
وأما الإجارة الفاسدة فإذا قبض العين فإنها لا تكون مضمونة عليه قياسًا على عقد الإجارة الصحيح، فالفاسد من العقود كالصحيح في الضمان، والباطل مضمون مطلقًا (١).
وسوف نتعرض لهذه المسألة إن شاء الله تعالى بشيء من التفصيل.
* * *
стр. 4205
المسألة الثانية
في حكم الإجارة الفاسدة
المطلب الأول
في استحقاق الأجرة في الإجارة الفاسدة
[م-٩٥١] الإجارة الفاسدة قبل التخلية والتمكين من الانتفاع يجب فسخها قولًا واحدًا؛ لأن العقد الفاسد لا يجوز المضي فيه (١).
جاء في حاشية الجمل: «يحرم على المستأجر إجارة فاسدة استعمال العين المؤجرة حيث علم بالفساد» (٢).
وقال ابن حزم: «والإجارة الفاسدة إن أدركت فسخت، أو ما أدرك منها» (٣).
وأما بعد التخلية والتمكين من الانتفاع فقد اختلف الفقهاء في استحقاق الأجرة على قولين:
القول الأول:
لا يستحق الأجرة بمجرد التمكين بل لا بد من استيفاء المنفعة بأن ينتفع بالعين انتفاعًا حقيقيًا. وهذا مذهب الحنفية، ورواية عن الإمام أحمد (٤).