الفرع السادس
في ضمان الإجارة الفاسدة
المسألة الأولى
في تعريف الإجارة الفاسدة
[م-٩٥٠] مر معنا الخلاف الدائر بين الحنفية والجمهور في التفريق بين الفاسد والباطل في عقد البيع، فيرى الجمهور أنهما لفظان مترادفان خلافًا للحنفية.
وأما في الإجارة فيكاد يتفق الفقهاء على مصطلح الإجارة الفاسدة فرقًا بينها وبين الباطلة.
فالإجارة الصحيحة: يجب فيها المسمى.
والإجارة الفاسدة: يجب فيها أجرة المثل في الجملة ويبطل المسمى لفساد العقد.
والإجارة الباطلة لا يجب فيها شيء، ولا تملك الأجرة، ويجب ردها، كالاستئجار على أن يصلي عنه، أو الاستئجار على النياحة، والكهانة، والغناء، وإجارة العبد للفجور ونحو ذلك (١).
قال في مغني المحتاج بعد أن أوجب في الإجارة الفاسدة أجرة المثل دون
стр. 4202
المسمى، قال: «وخرج بالفاسدة الباطلة كاستئجار صبي بالغًا على عمل، فعمله فإنه لا يستحق شيئًا» (١).
فواضح من هذا النص أن الشافعية يفرقون في الإجارة بين الإجارة الفاسدة والإجارة الباطلة، وإن كانوا لا يفرقون بينهما في عقد البيع.
وقد تناول الجمهور الإجارة الفاسدة من خلال بيان أحكامها، فعرض المالكية أمثلة للإجارة الفاسدة منها، قال الخرشي: «تكون الإجارة فاسدة إذا قال له: اعمل على دابتي، أو اعمل على سفينتي ... فما حصل من ثمن أو أجرة فلك نصفه. وعلة الفساد: الجهل بقدر الأجرة» (٢).
ومثله لو استأجره على سلخ شاة، وجعل أجرتها جلدها، فالإجارة هنا فاسدة؛ لأنه لا يعلم هل يخرج الجلد سليمًا أولا، وهل هو ثخين أو رقيق؟ (٣).
стр. 4203
أما الحنفية فهم من وضع حدًا بينًا في التفريق بين الإجارة الفاسدة والباطلة وطردوا ذلك في كل أبواب الفقه.
فيرى الحنفية أن الإجارة الفاسدة: هي كل عقد كان مشروعًا بأصله دون وصفه (١).
وبتعبير آخر: الإجارة الفاسدة: هي الصحيحة أصلًا لا وصفًا، وهو ما عرض في شيء من جهالة أو اشترط فيه شرط لا يقتضيه العقد (٢).
وذهب المالكية في تعريف العقد الفاسد إلى أنه: كل عقد بيع أو إجارة، أو كراء بخطر أو غرر في ثمن أو مثمون أو أجل (٣).
وعرف الحنابلة العقد الفاسد والباطل تعريفًا واحدًا.
قال ابن اللحام: عندنا كل ما كان منهيًا عنه إما لعينه، أو لوصفه ففاسد وباطل.
ولم يفرق الأصحاب في صورة من الصورتين بين الفاسد والباطل في المنهي عنه، وإنما فرقوا بين الفاسد والباطل في مسائل» (٤). ثم سرد تلك المسائل.
стр. 4204
قلت: من ذلك: أن الإجارة الباطلة إذا قبض العين صاحبها كانت مضمونة عليه.
وأما الإجارة الفاسدة فإذا قبض العين فإنها لا تكون مضمونة عليه قياسًا على عقد الإجارة الصحيح، فالفاسد من العقود كالصحيح في الضمان، والباطل مضمون مطلقًا (١).
وسوف نتعرض لهذه المسألة إن شاء الله تعالى بشيء من التفصيل.
* * *
стр. 4205
المسألة الثانية
في حكم الإجارة الفاسدة
المطلب الأول
في استحقاق الأجرة في الإجارة الفاسدة
[م-٩٥١] الإجارة الفاسدة قبل التخلية والتمكين من الانتفاع يجب فسخها قولًا واحدًا؛ لأن العقد الفاسد لا يجوز المضي فيه (١).
جاء في حاشية الجمل: «يحرم على المستأجر إجارة فاسدة استعمال العين المؤجرة حيث علم بالفساد» (٢).
وقال ابن حزم: «والإجارة الفاسدة إن أدركت فسخت، أو ما أدرك منها» (٣).
وأما بعد التخلية والتمكين من الانتفاع فقد اختلف الفقهاء في استحقاق الأجرة على قولين:
القول الأول:
لا يستحق الأجرة بمجرد التمكين بل لا بد من استيفاء المنفعة بأن ينتفع بالعين انتفاعًا حقيقيًا. وهذا مذهب الحنفية، ورواية عن الإمام أحمد (٤).
стр. 4206
جاء في الجوهرة النيرة: «الأجرة لا تجب في الإجارة الفاسدة بالتخلية، بل إنما تجب بحقيقة الانتفاع بخلاف الإجارة الصحيحة .... » (١).
وجاء في قواعد ابن رجب: «والإجارة الصحيحة تجب فيها الأجرة بتسليم العين المعقود عليها سواء انتفع بها المستأجر أو لم ينتفع. وفي الإجارة الفاسدة روايتان: إحداهما كذلك. والثانية: لا تجب الأجرة إلا بالانتفاع ولعلها راجعة إلى أن المنافع لا تضمن في الغصب ونحوه إلا بالانتفاع وهو الأشبه ... » (٢).
القول الثاني:
تجب الأجرة بالتمكين، وذلك باستلامه للعين، سواء انتفع أو لم ينتفع، وهذا مذهب الجمهور (٣).
وهو الراجح: لأن الإجارة الفاسدة مقيسة على الإجارة الصحيحة، والإجارة الصحيحة تجب فيها الأجرة بالتخلية، سواء انتفع أو لم ينتفع، فكذلك الإجارة الفاسدة، ولأن فوات المنفعة عند المستأجر بمنزلة الانتفاع كالأجير الخاص إذا حبس نفسه للعمل، وسلَّم نفسه في المدة استحق الأجرة، وإن لم يعمل. والله أعلم.
* * *
стр. 4207
المطلب الثاني
في مقدار الأجرة الواجبة في الإجارة الفاسدة
[م-٩٥٢] اتفق الأئمة الأربعة على وجوب أجر المثل في الإجارة الفاسدة بالغًا ما بلغ إذا كانت الأجرة مجهولة، أو لعدم التسمية (١).
واختلفوا في الواجب إذا كانت الأجرة معلومة على أربعة أقوال:
القول الأول:
للمستأجر أجرة المثل مطلقًا سواء أكانت أ كثر من المسمى أم لا، وهو مذهب الجمهور، واختاره زفر من الحنفية، وابن حزم من الظاهرية (٢).
وجه ذلك:
أن المؤجر لم يرض باستيفاء المنفعة إلا ببدل، ولا وجه إلى إيجاب المسمى لفساد التسمية، فيجب أجر المثل.
стр. 4208
ولأن الأجر المسمى قد فسد بفساد العقد، فوجب الرجوع إلى الموجب الأصلي، وهو أجر المثل.
القول الثاني:
يجب أجر المثل ما لم يزد على المسمى، فإن زاد على المسمى وجب الأجر المسمى، وهذا مذهب الحنفية (١).
وجه ذلك:
يرجع قول الحنفية إلى موقفهم من مالية المنافع، فيرى الحنفية أن المنافع غير متقومة بأنفسها، وإنما تتقوم بالعقد، فنأخذ بأجر المثل ما دام في حدود الأجر المسمى؛ لأن التقويم للمنافع حينئذ سيكون عن طريق العقد وأما إذا زاد أجر المثل عن القدر المسمى فنأخذ بالأجر المسمى؛ لأن الأجرة لو وجبت زيادة على المسمى لكان ذلك يعني تقويم المنافع بلا عقد، وهذا لا يصح عندهم.
ويناقش:
بأن ما بني على قول ضعيف فهو ضعيف، والصحيح أن المنافع مال متقوم بنفسها، لا بغيرها، وقد سبق الكلام على ذلك عند الكلام على مالية المنافع، والله أعلم.
القول الثالث:
يجب الأجر المسمى في الإجارة الفاسدة مطلقًا وإن زاد على أجر المثل، وهو رواية عن الإمام أحمد، واختاره ابن تيمية (٢).
стр. 4209
وجه ذلك:
يجب في الإجارة الفاسدة ما يجب في الإجارة الصحيحة، وقياسًا على الضمان، فالضمان في الإجارة الفاسدة كالضمان في الإجارة الصحيحة.
وقياسًا على النكاح الفاسد، فإذا كان يجب المسمى في النكاح الفاسد فيجب أن نقول مثله في الإجارة الفاسدة، بل إن الإجارة أولى من النكاح الفاسد؛ لأن الإجارة القصد فيها العوض، وقد تراضيا على المسمى بخلاف النكاح فإنه ليس المقصود فيه المعاوضة، والله أعلم.
القول الرابع:
يجب له الأقل من المسمى وأجرة المثل، قال به المالكية في بعض صور الإجارة الفاسدة (١).
الراجح من الخلاف:
ليس في المسألة نص حاسم، وأرى أن أجر المثل أقرب إلى الصواب، فهو قول عدل، ولأن الأجر المسمى إنما وجب بالعقد، والعقد لا يمكن اعتباره مع فساده، والله أعلم.
* * *
стр. 4210
المسألة الثالثة
الضمان في الإجارة الفاسدة
قال الزركشي: فاسد كل عقد كصحيحه في الضمان وعدمه (١).
[م-٩٥٣] ذهب عامة أهل العلم إلى أن كل عقد يقتضي صحيحه الضمان فيقتضي فاسده أيضًا الضمان، وما لا يقتضي صحيحه الضمان لا يقتضيه فاسده أيضًا.
قال الزيلعي: «الفاسد معتبر بالصحيح لكونه مشروعًا من وجه ; لأنه مشروع بأصله دون وصفه فلا يضمن ما لم يتعد فإذا تعدى ضمن ولا أجر عليه» (٢).
وجاء في المدونة: «أرأيت إن اشترطوا على الأجير الراعي ضمانا فيما هلك من الغنم؟ قال: قال مالك: الإجارة فاسدة ويكون له كراء مثله ممن لا ضمان عليه ولا ضمان عليه فيما تلف» (٣).
وجاء في نهاية المحتاج: «فاسد كل عقد كصحيحه» (٤).
قال ابن قدامة: «إن كانت الإجارة فاسدة لم يضمن العين أيضا إذا تلفت بغير تفريط ولا تعد ; لأنه عقد لا يقتضي الضمان صحيحه فلا يقتضيه فاسده كالوكالة والمضاربة. وحكم كل عقد فاسد في وجوب الضمان حكم صحيحه
стр. 4211
فما وجب الضمان في صحيحه وجب في فاسده وما لم يجب في صحيحه لم يجب في فاسده» (١).
وجاء في شرح منتهى الإرادات: «حكم الإجارة الفاسدة حكم الصحيحة في أنه لا يضمن إذا تلفت العين من غير تفريط ولا تعد ; لأنه عقد لا يقتضي الضمان في صحيحه ; فلا يقتضيه فاسده» (٢).
* * *
стр. 4212
الباب السادس
في صيانة العين المستأجرة
الفصل الأول
في معرفة وظيفة كل من المؤجر والمستأجر
[م-٩٥٤] الضابط في معرفة وظيفة كل من المؤجر والمستأجر: أن كل ما يتوقف عليه صلاحية المأجور ليتمكن المستأجر من الانتفاع بالعين المؤجرة فعلى المؤجر، كبناء حائط سقط، وتبليط حمام، وعمل الأبواب، ومجرى الماء.
وما كان لاستيفاء المنافع فهو على عاتق المستأجر، كالحبل والدلو والبكرة في إجارة البئر.
فالواجب على المؤجر أن يزيل كل العقبات أمام المستأجر لتمكينه من الانتفاع بما أجره على الوجه الذي هو مقصوده، أما ما يخص استيفاء المنفعة فهو على المستأجر.
جاء في مجلة الأحكام العدلية: «إعمال الأشياء التي تخل بالمنفعة المقصودة عائدة على الآجر، مثلًا تطهير الرحى على صاحبها، وكذلك تعمير الدار، وطرق الماء، وإصلاح منافذه، وإنشاء الأشياء التي تخل بالسكنى وسائر الأمور التي تتعلق بالبناء كلها لازمة على صاحب الدار ..... » (١).
стр. 4213
وجاء في المدونة: «أرأيت إن استأجرت دارًا على من مرمة الدار، وكنس الكنف وإصلاح ما وهى من الجدران والبيوت؟ قال: على رب الدار. قلت: وهذا قول مالك؟ قال: سألنا مالكا عن الرجل يكري الدار، ويشترط على أنه إن انكسرت خشبة أو احتاجت الدار إلى مرمة يسيرة كان ذلك على المتكاري، قال مالك: لا خير في ذلك إلا أن يشترطه من كرائها فهذا يدلك على أن المرمة كلها في قول مالك على رب الدار» (١).
وجاء في المهذب: «وعلى المكري إصلاح ما تهدم من الدار، وإبدال ما تكسر من الخشب؛ لأن ذلك من مقتضى التمكين فكان عليه» (٢).
وقال ابن قدامة: «يجب على المكري ما يحتاج إليه من التمكين من الانتفاع كمفتاح الدار، وزمام الجمل، والقتب والحزام، ولجام الفرس، وسرجه؛ لأن عليه التمكين من الانتفاع، ولا يحصل إلا بذلك، وما تلف من ذلك في يد المكتري لم يضمنه كما لا يضمن العين، وعلى المكري بدله؛ لأن التمكين مستحق عليه إلى أن يستوفي المكتري المنفعة، فأما ما يحتاج إليه لكمال الانتفاع كالحبل، والدلو، والمحمل، والغطاء، والحبل الذي يقرن به بين المحملين فهو على المكتري؛ لأن ذلك يراد لكمال الانتفاع فأشبه بسط الدار» (٣).
والذي يظهر لي أن هذا الكلام من الفقهاء تحكيم للعادة الجارية في زمانهم فالمحكم في ذلك العرف والعادة، تمامًا كما قلنا ذلك في عقد البيع فيما يدخل في المبيع وما لا يدخل فيه.
стр. 4214
قال السرخسي من الحنفية: «وعلى المؤاجر أن يمكن المستأجر من الانتفاع بما أجره على الوجه الذي هو مقصوده؛ ولأن المرجع في هذا إلى العرف .... » (١).
وفي حاشية العدوي المالكي: «وعلى المكري تسليم ما العادة تسليمه معها من إكاف وبرذعة، وحزام، وسرج في الفرس وغير ذلك من المعتاد؛ لأن العرف كالشرط» (٢).
وجاء في روضة الطالبين: «وفي السرج إذا اكترى الفرس أوجه:
ثالثها: اتباع العادة. قال النووي: صحح الرافعي في المحرر اتباع العادة» (٣).
وفي المهذب: «وعلى المكري إشالة المحمل وحطه وسوق الظهر وقوده؛ لأن العادة أنه يتولاه المكري فحمل العقد عليه» (٤).
ويقول ابن قدامة: «يلزم المكري كل ما جرت العادة أن يوطأ به المركوب للراكب من الحداجة للجمل والقتب، والزمام الذي يقاد به البعير والبرة التي في أنف البعير إن كانت العادة جارية بينهم بها، وإن كان فرسًا فاللجام والسرج، وإن كان بغلًا أو حمارًا فالبرذعة والإكاف؛ لأن هذا هو العرف فحمل الإطلاق عليه» (٥).
стр. 4215
وقال شيخنا محمد بن عثيمين: «وكل هذا الذي قاله الفقهاء ﵏ يمكن أن يقال: إنه يرجع إلى العرف فيما جرت العادة أنه على المستأجر، أو على المؤجر، فإن تنازع الناس فربما نرجع إلى كلام الفقهاء، وأما بدون تنازع، وكون العرف مطردًا بأن هذا على المؤجر، وهذا على المستأجر فالواجب الرجوع إلى العرف، لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١] وهذا أمر بالوفاء بالعقد بأصله، وصفاته وشرطه» (١).
فعلى هذا يكون المعيار لما يلزم المؤجر والمستأجر على النحو التالي.
ما جرت العادة أن المؤجر يقوم به، وأنه من وظائفه فإن المستأجر لا يتحمل تصليحه.
وما جرت العادة أن على المستأجر إصلاحه والقيام به فإن المؤجر لا يطالب بإصلاحه.
وما لم يكن هناك عرف أو عادة:
فإن أعمال الصيانة التي يتوقف عليها بقاء العين وأصل الانتفاع فهو على المالك؛ لأن عدمه مخل بالسكنى، كتطيين سطح الدار: أي إصلاحه لمنع تسرب مياه المطر إلى داخل الدار، وكذلك تعمير الدار، وطرق الماء، وإصلاح مجاريه، ووضع الزجاج للنوافذ، وإصلاح الأدراج، وسائر الأمور التي تتعلق بالبناء.
أما ما يخص الصيانة التشغيلية، وما تستهلكه العين بسبب التشغيل فهو على المستأجر، لأنه معلوم ومنضبط، فيعتبر ذلك كأنه جزء من الأجرة التي يلتزم بها المستأجر كتغيير الزيت، وتعبئة العين بالوقود، وتغيير ما يتلف من شموع الإضاءة، ونحو ذلك، فهذه الأمور بمثابة العلف للدابة المستأجرة حيث يقع على المستأجر.
* * *
стр. 4216
الفصل الثاني
في إلزام المؤجر والمستأجر في وظيفة كل منهما
قال السرخسي: الإنسان لا يجبر على إصلاح ملكه (١).
[م-٩٥٥] تحدث الفقهاء عن صيانة العين ضمن ما هو من وظيفة المؤجر وما هو من وظيفة المستأجر.
والتعبير بالوظيفة أحسن من التعبير بالالتزامات، للاختلاف بين الفقهاء، هل الصيانة من الالتزامات أم لا؟
والمسألة فيها ثلاثة أقوال:
القول الأول:
يرى جمهور الفقهاء أن الصيانة ليست من الالتزامات؛ لأن كل شيء قالوا فيه: إن ذلك وظيفة المؤجر فلا يعني أن المؤجر يجبر على القيام به، وإنما يعني أن المؤجر إذا لم يقم به كان للمستأجر الخيار، والخروج من عقد الإجارة، لأن ذلك بمنزلة العيب في العين المؤجرة، فإذا رفض المؤجر إصلاحه لم يلزم المستأجر بقبول السلعة معيبة، وكان له الخيار في فسخ العقد.
جاء في المبسوط: «لا يجبر رب الدار على ذلك - يعني على إصلاح العين- ولا المستأجر، وإن شاء المستأجر أن يصلح ذلك فعل، ولا يحتسب له من الأجر، وإن شاء خرج إذا أبى رب الدار أن يفعله؛ لأن الإنسان لا يجبر على
стр. 4217
إصلاح ملكه، ولكن العيب في عقود المعاوضات يثبت للعاقد حق الفسخ فيما يعتمد لزومه تمام الرضا» (١).
جاء في شرح الخرشي: «(ولم يجبر آجر على إصلاح مطلقًا) ... يعني أن مالك الرقبة لا يجبر على إصلاحها، سواء كان الذي يحتاج إلى الإصلاح يضر بالساكن أم لا، وسواء كان يمكن معه السكنى أم لا، وسواء حدث بعد عقد الكراء أم لا، ويخير المكتري بين أن يسكن بجميع الأجرة أو يخرج» (٢).
وجاء في إعانة الطالبين: «المراد بكون ما ذكر واجبًا على المكري أنه إن تركه ثبت الخيار للمكتري» (٣).
وجاء في تحفة المحتاج: «ليس المراد بكون ما ذكر واجبًا على المكري أنه يأثم بتركه، أو أنه يجبر عليه، بل إنه إن تركه ثبت للمكتري الخيار» (٤).
وجاء في الإنصاف نقلًا من الترغيب: «لو احتاجت الدار تجديدًا، فإن جدد المؤجر وإلا كان للمستأجر الفسخ» (٥).
وحكى بعض العلماء الإجماع على أن الإصلاح إن كان كثيرًا فلا يلزم المؤجر إصلاحه (٦).
والصحيح أن الخلاف محفوظ حتى في إصلاح الكثير.
стр. 4218
جاء في الذخيرة للقرافي: «وقوله: عليه إصلاح الواهي، معناه: لا يجبر، بل إن أصلح، وإلا فسخ. وقيل: يجبر توفية للعقد. وقال سحنون: يجبر على القليل دون الكثير» (١).
فهنا القرافي حكى ثلاثة أقوال: أحدها: لا يجبر، والثاني: يجبر. والثالث: التفريق بين القليل والكثير.
القول الثاني:
ذهب بعض الفقهاء إلى أن المؤجر ملزم في إصلاح العين المستأجرة، وهو قول في مذهب المالكية (٢)، وقول في مذهب الحنابلة، ورجحه ابن تيمية (٣).
جاء في الذخيرة للقرافي: «لا يجبر - يعني المؤجر- بل إن أصلح، وإلا فسخ. وقيل: يجبر توفية للعقد ... » (٤).
وجاء في الإنصاف: «وليس له إجباره على التجديد على الصحيح من المذهب، وقيل: بلى» (٥).
وجاء فيه أيضًا: «قال الشيخ تقي الدين ﵀: للمستأجر مطالبة المؤجر بالعمارة التي يحتاج إليها المكان المأجور» (٦).
стр. 4219
وهذا القول هو الصواب، وهو الذي يتمشي مع القواعد، فإن الإجارة عقد لازم، ولزوم العقد يعني إلزام كل من المؤجر والمستأجر بما عليه، وألا يتنصل من التزاماته، فلو قلنا: لا يلزم المؤجر لكان ذلك سبيلًا إلى عدم إلزامه بالعقد، وأن يتخذ المؤجر ذلك حيلة إلى فسخ العقد، أو الانتقاص من المنفعة المعقود عليها، وكلاهما لا يجوز، ولا يكفي أن نعطي المستأجر الخيار ما دام أن الإصلاح ممكن، أما لو كان الخلل لا يمكن إصلاحه فالقول بالخيار هو المتعين، والله أعلم.
القول الثالث:
ذهب بعض الفقهاء إلى التفريق بين القليل والكثير، فيجبر المؤجر على إصلاح القليل دون الكثير.
وبه قال سحنون وابن حبيب من المالكية (١)، وبعض الحنابلة.
ورجحه الغزالي والسرخسي من الشافعية (٢)، وبعض الحنابلة (٣) إذا كانت العين المستأجرة لا تحتاج إلى عين جديدة كإقامة جدار مائل، وإصلاح منكسر ونحو ذلك.
جاء في الإنصاف: «حكى في التلخيص أن المؤجر يجبر على الترميم بإصلاح منكسر، وإقامة مائل. قال المرداوي: وهو الصواب» (٤).
الراجح من الخلاف:
القول بإجبار المؤجر على إصلاح العين المؤجرة أقوى، فإن لم يكن معه مال أصلح ذلك المستأجر، واحتسب ذلك من أجرته، والله أعلم.
* * *
стр. 4220
الفصل الثالث
إجبار ناظر الوقف على إصلاح العين المستأجرة
[م-٩٥٦] إذا كانت العين المستأجرة موقوفة، فإنه يجبر الناظر على إصلاح العين المستأجرة، لأن المالك إذا لم يجبر على إصلاح ماله، فلأن هذا حقه، إن شاء أصلحه، وإن شاء لم يفعل، وأما الناظر في الوقف فليس مالكًا، وإنما هو مجبور على إصلاح الوقف؛ لأن المطلوب من الوقف هو الانتفاع بالموقوف على وجه الدوام، ولا يتحقق هذا إلا بالمحافظة عليه، ومن ذلك إصلاح الخلل الحادث.
قال الحموي من الحنفية: «قوله: لأن المالك لا يجبر على إصلاح ملكه ..... يفهم من هذا التعليل أن الدار لو كانت وقفًا يجبر الناظر على ذلك» (١).
وجاء في الفواكه الدواني: «قال خليل: ولم يجبر مؤجر على إصلاح مطلقًا .... إلا أن يكون المحل وقفا فيلزم المكري الإصلاح لحق الوقف وإن أصلحها المكتري من ماله كان له الرجوع بقيمة بنائه قائمًا ولو أصلح غير مستند لإذن من الناظر حيث أصلح ما يحتاج للإصلاح ; لأنه قام عنه بواجب وينبغي أخذ النفقة من فائض الوقف وإلا فمن غلته المستقبلة» (٢).
وقال في تحفة المحتاج: «وأما الوقف فيجب على الناظر عمارته حيث كان فيه ريع» (٣).
стр. 4221
وقال ابن تيمية: «إن كان وقفًا فالعمارة واجبة من وجهين: من جهة أهل الوقف، ومن جهة حق المستأجر» (١).
* * *
стр. 4222
الفصل الرابع
في الخلل إذا كان مقارنا للعقد
[م-٩٥٧] الخلل في العين المؤجرة إما أن يكون مقارنًا للعقد، أو بعده:
فإن كان مقارنًا للعقد، فإن كان جاهلًا به في ابتداء الحال كان إصلاحه على المؤجر، وإن كان عالمًا به، فإن ذلك يسقط خياره؛ لأن اطلاعه عليه، يعني أنه قد رضي بالعيب، قياسًا على البيع إذا اشترى السلعة المعيبة عالمًا بالعيب، فإن ذلك يسقط خياره.
جاء في مجلة الأحكام العدلية: «إعمال الأشياء التي تخل بالمنفعة المقصودة عائدة على الآجر، مثلًا تطهير الرحى على صاحبها، وكذلك تعمير الدار، وطرق الماء، وإصلاح منافذه، وإنشاء الأشياء التي تخل بالسكنى، وسائر الأمور التي تتعلق بالبناء كلها لازمة على صاحب الدار، وإن امتنع صاحبها عن إعمال هؤلاء فللمستأجر أن يخرج منها إلا أن يكون حين استئجاره إياها كانت على هذا الحال، وكان قد رآها، فإنه حينئذ يكون قد رضي بالعيب فليس له اتخاذ هذا وسيلة للخروج من الدار بعد ... » (١).
وجاء في مغني المحتاج: «وليس على المستأجر عمارتها بل هي على المؤجر سواء أقارن الخلل العقد كدار لا باب لها، أم عرض لها دوامًا، وسواء أكان لا يحتاج لعين زائدة كإقامة مائل، أم يحتاج كبناء وتطيين» (٢).
стр. 4223
قال النووي: «وإنما يثبت الخيار .... إذا كان جاهلًا به في ابتداء الحال» (١).
وقال الأنصاري: «إن كان الخلل مقارنًا للعقد، وعلم به فلا خيار له كما جزم به في أصل الروضة» (٢).
هذا فيما يتعلق بالخلل إذا كان مقارنًا للعقد، وأما إذا كان الخلل طارئًا على العين المؤجرة فنتكلم عنه إن شاء الله تعالى في الفصل التالي.
* * *
стр. 4224
الفصل الخامس
في قيام المستأجر بصيانة العين المستأجرة
إذا قام المستأجر بصيانة العين المستأجرة، فذلك له حالات:
الحال الأولى:
[م-٩٥٨] أن يقوم المستأجر بصيانة العين وعمارتها دون أن يشرط عليه ذلك، ودون إذن من المؤجر فهذا جائز، وهل يحق له الرجوع على المؤجر؟
إن كان قد فعل ذلك متبرعًا فلا رجوع، وهذا ظاهر.
وإن كان قد فعل ذلك بنية الرجوع، فهل له أن يرجع؟
هذا يرجع إلى مسألة سبق بحثها، وهو هل المؤجر ملزم بالصيانة، أو ليس ملزمًا، فمن رأى أن المؤجر ليس ملزمًا بالصيانة فإنه لا يرى أن المستأجر من حقه الرجوع. وهذا قول الأئمة الأربعة.
جاء في المبسوط: «إن شاء المستأجر أن يصلح ذلك فعل، ولا يحتسب له من الأجر» (١).
ومن رأى أنه ملزم بالإصلاح مطلقًا فإنه سيرى أن من حق المستأجر الرجوع على المؤجر؛ لأنه قد قام بما يجب على المؤجر القيام به، وهذا قول في مذهب المالكية، وقول في مذهب الحنابلة، واختاره ابن تيمية.
ومن قال: إن المؤجر ملزم بإصلاح اليسير دون الكثير، سيكون من حق
стр. 4225
المستأجر الرجوع إذا كانت الصيانة لا تحتاج إلى إضافة عين جديدة، وإنما في حدود تعديل مائل، وإصلاح منكسر. والله أعلم.
وقد سبق بحث مسألة إلزام المؤجر بالصيانة فأغنى عن إعادته هنا، والحمد لله.
الحال الثانية:
[م-٩٥٩] أن يؤجر الرجل الدار بدارهم معلومة على أن ينفق المستأجر ما تحتاج إليه من صيانة محتسبًا ذلك من كرائها، فذهب المالكية، والحنابلة إلى الجواز.
جاء في المدونة: «سألنا مالكًا عن الرجل يكتري الدار، ويشترط عليه أنه إن انكسرت خشبة، أو احتاجت الدار إلى مرمة يسيرة كان ذلك على المتكاري، قال مالك: لا خير في ذلك إلا أن يشترطه من كرائها» (١).
وجاء في الروض المربع: «ولو أجره بمعين على أن ينفق المستأجر ما تحتاج إليه محتسبًا به من الأجرة صح» (٢).
ومنع من ذلك الشافعية.
قال النووي في الروضة: «لو أجرها بدارهم معلومة على أن يصرفها إلى العمارة لم يصح؛ لأن الأجرة الدراهم مع الصرف إلى العمارة، وذلك عمل مجهول» (٣).
وأرى أن الراجح في ذلك مذهب المالكية والحنابلة، وذلك لأن الكراء دراهم معلومة، وصرفها إلى الترميم من قبيل الوكالة، وكونه يقوم بصرفها على
стр. 4226
الترميم عمل معلوم، وليس مجهولًا كما يقول الشافعية، وعلى التسليم بأن فيه جهالة فهو لا يتعلق بالأجرة، وإنما يتعلق بالوكالة، والوكالة تجوز بأجرة وبدون أجرة، ولن يباشر الترميم بنفسه غاية ما في ذلك أن يدفع تكاليف الترميم من المال المستحق للمؤجر، وهذا لا يؤدي إلى الجهالة، والله أعلم.
الحال الثالثة:
أن يشترط المكري على المكتري صيانة العين، فهذا له حكمان:
الحكم الأول:
[م-٩٦٠] أن يشترط مبلغًا معلومًا يضاف إلى الأجرة للصيانة لا يزاد عليه، أو كان الترميم مبينًا معلومًا، ولم يعلق بالحاجة، واستأجرها على أن يقوم بذلك مرة أو مرتين في السنة فإن ذلك جائز.
جاء في المبسوط: «ولو اشترط عليه رب الحمام عشرة دراهم في كل شهر لمرمته مع الأجرة، وأذن له أن ينفقها عليه فهو جائز؛ لأنه معلوم المقدار، وقد جعله نائبًا عن نفسه في إنفاقه على ملكه» (١).
وجاء في المدونة «قلت: أرأيت إن استأجرت دارًا على أن علي تطيين البيوت؟ قال: هذا جائز إذا سميتم تطيينها كل سنة مرة أو مرتين، أو في كل سنة مرة، فهذا جائز، فإن كان إنما قال له ذلك إذا احتاجت طينها، فهذا مجهول، ولا يجوز. قلت: وهذا قول مالك؟ قال: هذا رأيي» (٢).
وجاء في حاشية الدسوقي: «اعلم أنهما إن كانا مجهولين - يعني المرمة والتطيين - فلا يجوز اشتراطهما على المكتري إلا من الكراء، لا من عند نفسه،
стр. 4227
كأن يقول: كلما احتاجت لمرمة أو تطيين فرمها، أو طينها من الكراء، وأما إن كانا معلومين كأن يعين للمكتري ما يرمه، أو يشترط عليه التطيين مرتين أو ثلاثة في السنة فيجوز مطلقًا، سواء كان من عند المكتري، أو من الكراء بعد وجوبه أو قبله» (١).
الحكم الثاني:
[م-٩٦١] أن يشترط المكري على المكتري الصيانة كلما احتاجت العين إلى ذلك، فهذا قد اختلف العلماء فيه إلى قولين:
القول الأول:
لا يجوز، وهو مذهب الجمهور. وعللوا ذلك بأمرين:
التعليل الأول:
أن هذا شرط مخالف لمقتضى العقد؛ إذ الصيانة واجبة على المؤجر، وليست على المستأجر.
والتعليل الثاني:
أن هذه الصيانة جزء من الأجرة، وهي مجهولة، فتجعل الإجارة مجهولة.
جاء في المبسوط: «فإن اشترط المرمة على المستأجر فسدت الإجارة؛ لأن المرمة على الآجر، فهذا شرط مخالف لمقتضى العقد، ثم المشروط من المستأجر من ذلك أجرة، وهو مجهول القدر والجنس والصفة، وجهالة الأجرة تفسد الإجارة» (٢).
стр. 4228
وجاء في البحر الرائق: «لو استأجر الدار بكذا على أن يعمرها فالإجارة فاسدة» (١).
وجاء في المدونة: «سألنا مالكًا عن الرجل يكتري الدار، ويشترط عليه أنه إن انكسرت خشبة، أو احتاجت الدار إلى مرمة يسيرة كان ذلك على المتكاري، قال مالك: لا خير في ذلك إلا أن يشترطه من كرائها» (٢).
وجاء في الشرح الكبير: «أو وقع العقد على أن ما تحتاج إليه الدار من المرمة والتطيين من عند المكتري فلا يجوز للجهالة» (٣).
وجاء في الوسيط للغزالي: «لو أجر الدار بعمارتها لم يجز فإن العمارة مجهولة» (٤).
وجاء في كشاف القناع: «أو شرط المؤجر على المكتري النفقة الواجبة على المأجور لم يصح؛ لأنه يؤدي ذلك إلى جهالة الإجارة، أو جعلها أي النفقة على المأجور أجرة لم يصح؛ لأنها مجهولة» (٥).
القول الثاني:
هل يمكن تخريج القول بجواز اشتراط الصيانة بناء على صحة اشتراط الضمان على المستأجر وإن لم يتعد أو لم يفرط.
فالضمان يعني صحة اشتراط الصيانة؛ لأن الصيانة للعين وترميمها يعني المحافظة على العين والقيام بما يلحق العين من تلف.
стр. 4229
وصحة اشتراط ضمان العين المستأجرة سبق بحثه، وهو مخرج على صحة اشتراط ضمان العارية والوديعة، وقد سبق بيان الفرق بين ضمان العين المستأجرة، وبين صحة اشتراط ضمان العارية والوديعة، وإن كان الجميع يعتبر أمانة فيمن هي في يده، والله أعلم.
فنخلص من هذا:
أن صيانة العين المستأجرة من المستأجر تجوز في حالات، منها:
الأول: أن يقوم المستأجر بذلك متبرعًا دون أن يكون ذلك مشروطًا عليه، فلا مانع من ذلك.
الثاني: أن يكون مبلغ الصيانة معلومًا إما باشتراط المؤجر مبلغًا معينًا للصيانة، أو تكون الصيانة معلومة، بأن تكون دورية، كل شهر مرة، أو كل سنة مرتين، وهكذا، فإن هذا يجعل ما ينفق في الصيانة معلومًا، وهذا لا حرج فيه أيضًا.
الثالث: هناك قول يراه بعض المعاصرين، ويرى جواز اشتراط الصيانة على المستأجر، ويخرجه على صحة اشتراط ضمان العين المؤجرة بالاشتراط، وقد سبق بحث صحة اشتراط ضمان العين المستأجرة في مبحث مستقل فأغنى ذلك عن إعادته، والحمد لله.
стр. 4230
الباب السابع
في انتهاء عقد الإجارة
الفصل الأول
انتهاء الإجارة بانتهاء المدة أو انجاز العمل
[م-٩٦٢] سبق لنا أن عقد الإجارة عقد مؤقت إما بمدة معلومة، أو بإنجاز العمل المتفق عليه، وأنه عقد لازم، يقتضي تمليك المؤجر الأجرة، وتمليك المستأجر المنفعة مدة مؤقتة، ولا يحق لأحد منهما فسخه قبل انقضاء عقد الإجارة إلا برضاهما، فإذا انتهت مدة الإجارة، أو فرغ المستأجر من إنجاز العمل فقد انتهى عقد الإجارة، وللطرفين الخيار في تجديد العقد أو إنهائه، وهذا لا خلاف فيه بين الفقهاء (١).
جاء في الموسوعة الكويتية: «اتفق الفقهاء على أن الإجارة تنتهي بانتهاء المدة، أو بهلاك المعقود عليه المعين، أو بالإقالة» (٢).
وجاء في منحة الخالق على البحر الرائق: «يلزم المستأجر بعد انتهاء مدة الإجارة تسليم الأرض للمؤجر .... فليس للمستأجر أن يجبر المؤجر على أن يؤجرها منه مدة ثانية بدون رضاه» (٣).
وجاء في مطالب أولي النهى «وإذا انقضت مدة الإجارة أو استوفي العمل من
стр. 4231
العين المؤجرة رفع المستأجر يده عن العين المؤجرة» (١).
وجاء في منار السبيل: «وتستقر الأجرة بفراغ العمل لقوله ﷺ : أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه. رواه ابن ماجه» (٢).
وبانتهاء المدة إذا كانت الإجارة على مدة، وسلمت إليه العين بلا مانع، ولو لم ينتفع لتلف المعقود عليه تحت يده، فاستقر عليه عوضه .... » (٣).
واستثنى بعض الفقهاء فيما لو استأجر دابة شهرًا، فمضت المدة في المفازة، أو استأجر سفينة فمضت المدة في وسط البحر، فإنه ينعقد عليها إجارة أخرى بأجر المثل، ولا يجبر المستأجر على إنهاء عقد الإجارة، واغتفر ذلك للضرورة، وكونه من البناء، وليس من الابتداء، والبناء أسهل من الابتداء.
جاء في العناية: «من استأجر سفينة شهرًا، فمضت المدة في وسط البحر، فإنه ينعقد عليها إجارة أخرى بأجر المثل بغير رضا المالك» (٤).
وما يطلبه بعض المستأجرين من المالك بعد انتهاء عقد الإجارة بما يسمى بدل الخلو فإنه باطل.
جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي: «إذا انقضت مدة الإجارة، ولم يتجدد العقد صراحة أو ضمنًا عن طريق التجديد التلقائي حسب الصيغة المفيدة له، فلا يحل بدل الخلو؛ لأن المالك أحق بملكه بعد انقضاء حق المستأجر» (٥).
* * *
стр. 4232
الفصل الثاني
في إنهاء عقد الإجارة في إقالة أحدهما للآخر
[م-٩٦٣] سبق الكلام على تعريف الإقالة، وبيان شروطها، وتوصيفها، هل هي فسخ، أو بيع مستأنف؟
ويجتمع البيع والإجارة بأنهما من عقود المعاوضات اللازمة، فما يصح في البيع يصح في الإجارة.
وسواء كان التوصيف للإقالة بأنها بيع أو فسخ فإنه لا خلاف في أن عقد الإجارة يقبل الإقالة بشرط أن يكون ذلك بالاتفاق والتراضي (١).
جاء في بدائع الصنائع: «وأما بيان ما ينتهي به عقد الإجارة، فعقد الإجارة ينتهي بأشياء منها الإقالة؛ لأنه معاوضة المال بالمال، فكان محتملًا للإقالة كالبيع» (٢).
وفي الشرح الكبير: «وجاز إقالة بزيادة من مكر أو مكتر قبل النقد وبعده بشرط تعجيل الزيادة» (٣).
وفي شرح الخرشي: «إن وقعت - يعني الإقالة - على رأس المال فجائزة من غير تفصيل سواء قبل النقد أو بعده، غاب المكري على النقد أم لا؛ لانتفاء علة المنع حينئذ، وهي التهمة على السلف بزيادة» (٤).
стр. 4233
وفي فتاوى الرملي: «سئل عن الإقالة في الإجارة، هل تجوز؟ فأجاب: نعم تجوز بشرطها» (١).
واستثنى بعض الفقهاء بعض الحالات فمنع الإقالة فيها، من ذلك:
ناظر الوقف إذا أقال المستأجر دون أن يكون هناك مصلحة للوقف.
جاء في تنقيح الفتاوى الحامدية: «سئل في ناظر وقف أجر حمام الوقف من زيد مدة معلومة بأجرة المثل لدى حاكم شرعي حكم بصحة الإجارة ثم قايل الناظر عقد الإجارة مع زيد وآجره من عمرو بدون الأجرة الأولى بغبن فاحش وبدون مصلحة للوقف، فهل تكون الإقالة المزبورة غير صحيحة؟
(الجواب): حيث قايل بدون مصلحة للوقف، وآجر بغبن فاحش، فكل من المقايلة والإجارة بالغبن الفاحش غير جائز» (٢).
واستثنى بعض الفقهاء مسألة أخرى يمتنع فيها الإقالة.
جاء في القواعد: «وفي فتاوى ابن الصلاح: أن الورثة لو استأجروا من يحج عن مورثهم حجة الإسلام الواجبة، ولم يكن أوصى بها، ثم تقايلوا مع الأجير لم تصح الإقالة لوقوع العقد لمورثهم والظاهر أنه إن كان (لهم) فيه غرض صحيح كوجود من هو أوثق منه وأصلح جازت الإقالة لوقوع العقد لمورثهم، وإلا فإن لم يكن وضاق (الوقت) امتنع» (٣).
* * *
стр. 4234
الفصل الثالث
إنهاء عقد الإجارة بهلاك العين المستأجرة
المبحث الأول
في هلاك المستأجَر المعين
[م-٩٦٤] إذا تلفت العين المستأجرة، فإما أن تكون الإجارة على شيء موصوف في الذمة غير معين، وإما أن تكون الإجارة لشيء معين.
فإن كانت الإجارة لشيء معين، وكان التلف قبل القبض فالإجارة منفسخة بالاتفاق:
قال ابن قدامة: «أن تتلف قبل قبضها - يعني المعين المستأجرة - فإن الإجارة تنفسخ بغير خلاف نعلمه؛ لأن المعقود عليه تلف قبل قبضه، فأشبه ما لو تلف الطعام المبيع قبل قبضه» (١).
وإن تلفت العين المستأجرة بعد القبض، فاختلف الفقهاء فيها على أربعة أقوال:
القول الأول:
تنفسخ الإجارة فيما بقي مطلقًا، لا فرق بين العين المنقولة وبين العقار، وهذا قول عامة الفقهاء (٢).
стр. 4235
وجه القول بالفسخ:
أن العين المستأجرة تقبض فيها المنفعة شيئًا فشيئًا بحسب حدوثها وتجددها، فإذا تلفت العين أثناء المدة فقد فات بعض المعقود عليه قبل قبضه، وهلاك الشيء قبل قبضه يبطله.
جاء في بدائع الصنائع: «ولو استأجر دارًا ليسكنها شهرًا، أو عبدًا يستخدمه شهرًا، أو دابة ليركبها إلى الكوفة، فسكن، واستخدم في بعض الوقت، وركب في بعض المسافة، ثم حدث بها مانع يمنع من الانتفاع من غرق أو مرض أو إباق أو غصب أو كان زرعًا فقطع شربه، أو رحى فانقطع ماؤه لا تلزمه أجرة تلك المدة ; لأن المعقود عليه المنفعة في تلك المدة; لأنها تحدث شيئًا فشيئًا، فلا تصير منافع المدة مسلمة بتسليم محل المنفعة; لأنها معدومة والمعدوم لا يحتمل التسليم وإنما يسلمها على حسب وجودها شيئا فشيئًا فإذا اعترض مَنْعٌ، فقد تعذر تسليم المعقود عليه قبل القبض فلا يجب البدل كما لو تعذر تسليم المبيع قبل القبض بالهلاك والله أعلم» (١).
وجاء في الفروق للكرابيسي: «ولو استأجر عبدًا من إنسان، فقتل بطلت الإجارة، ولا يشتري بالقيمة عبدًا آخر يخدمه» (٢).
وجاء في المنتقى: «إذا هلكت الدابة المعينة انفسخت الإجارة بينهما، وكان للمكتري على الكري من ثمن المنافع بقدر ما بقي له منها، فلا يجوز له أن يأخذ منافع دابة أخرى؛ لأن ذلك فسخ دين في دين» (٣).
стр. 4236
القول الثاني:
لا تنفسخ الإجارة بهلاك العين المستأجرة مطلقًا بعد قبض المستأجر للعين، وبه قال أبو ثور، وقول في مذهب الشافعية (١).
وجه ذلك:
أن العقد استقر بالقبض، وللقياس على البيع، فالمبيع إذا تلف في يد المشتري بعد القبض لم ينفسخ العقد، وكان هلاكه من مال المشتري، فكذلك الإجارة؛ لأنه نوع من البيع.
و أجيب:
بأن هناك فرقًا بين البيع والإجارة؛ لأن المعقود عليه المنافع، وقبضها باستيفائها، أو التمكن من استيفائها، ولم يحصل ذلك، فأشبه تلفها قبل قبض العين.
القول الثالث:
إن كان بقي في العين المستأجرة نفع غير ما استأجرها له فلا تنفسخ فيما بقي، ويثبت الخيار فيها للمستأجر، وهو قول في مذهب الحنفية، ورواية عن الإمام أحمد اختارها القاضي أبو يعلى من الحنابلة (٢).
وعلل ذلك: بأن المنفعة لم تبطل جملة؛ لأنه يمكن الانتفاع بعرصة الأرض بنصب خيمة، أو جمع حطب فيها، فأشبه ما لو نقص نفعها مع بقائه، فعلى هذا يخير المستأجر بين الفسخ والإمضاء، فإن اختار الفسخ انفسخت فيما بقي من
стр. 4237
المدة دون ما مضى، ويكون للمؤجر بقدر ما استوفى من المنفعة، أو بقدر ما مضى من المدة، وإن اختار إمضاء العقد فعليه جميع الأجر؛ لأن ذلك عيب، فإذا رضي به سقط حكمه.
القول الرابع:
تنفسخ الإجارة فيما مضى وفيما بقي، وهو وجه في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (١).
ولم أقف على دليل هذا القول، ويمكن أن يستدل لهذا القول بأن تفريق الإجارة على المدة بمنزلة تفريق الصفقة الواحدة، وإذا كان هناك قول محفوظ يمنع تفريق الصفقة في المبيع الواحد، فالإجارة مقيسة عليه.
وإذا فسدت الإجارة فيما مضى صار للمؤجر أجرة المثل فيما مضى، ولا أجرة له فيما بقي.
جاء في المجموع: «ولو اكترى دارًا وسكنها بعض المدة، ثم انهدمت انفسخ العقد في المستقبل، وفي الماضي الخلاف الذي ذكرناه في المقبوض التالف. المذهب: أنه لا ينفسخ، فعلى هذا هل له الفسخ؟ فيه الوجهان: .... وإن قلنا: بالانفساخ، أو قلنا: له الفسخ، فعليه أجرة المثل للماضي، ويسترد المسمى إن كان دفعه» (٢).
الراجح من الخلاف:
القول بأن المستأجر له الخيار هو أعدل الأقوال فيما أرى؛ لأن الحق له،
стр. 4238
فإذا قبل الإجارة فلا وجه لانفساخ العقد، وإن اختار الفسخ كان عليه أجرة ما مضى بحسبه، والله أعلم.
* * *
стр. 4239
المبحث الثاني
في هلاك المستأجر والإجارة في الذمة
قال الباجي في المنتقى: «إذا جاز العقد على منافع دابة معينة مؤجلة فكذلك على منافع دابة غير معينة» (١).
[م-٩٦٥] إذا هلك الشيء المستأجر فإن كان العقد على عينه فقد سبق بحثه في المسألة السابقة، وإن كان عقد الإجارة على شيء موصوف في الذمة، كأن يستأجره دابة موصوفة غير معينة، فإذا دفع إليه دابة مطابقة للموصوف، فهلكت الدابة، فهل ينفسخ العقد؟
ذهب عامة الفقهاء إلى القول بأن العقد لا ينفسخ، ويلزم المؤجر أن يقدم بدلها.
جاء في بدائع الصنائع: «إن كانت الإجارة على دواب بغير أعيانها، فسلم إليه دوابًا فقبضها فماتت لا تبطل الإجارة وعلى المؤاجر أن يأتيه بغير ذلك; لأنه هلك ما لم يقع عليه العقد; لأن الدابة إذا لم تكن معينة فالعقد يقع على منافع في الذمة وإنما تسلم العين ليقيم منافعها مقام ما في ذمته فإذا هلك بقي ما في الذمة بحاله فكان عليه أن يعين غيرها» (٢).
وجاء في شرح الخرشي: «من اكترى دابة غير معينة ليركبها لموضع كذا، فهلكت، فعلى المكري خلفها» (٣).
стр. 4240
وجاء في الأم: «فإن تكارى إبلًا بأعيانها، فركبها، ثم ماتت رد الجمال مما أخذ منه بحساب ما بقي ولم يضمن له الحمولة، وذلك بمنزلة المنزل يكتريه، والعبد يستأجره وإنما تلزمه الحمولة إذا شرطها عليه غير إبل بأعيانها كانت لازمة للجمال بكل حال، والكراء لازم للمكتري» (١).
* * *