قال الحافظ في الفتح: «وأجمع العلماء على أن الحيض بلوغ في حق النساء» (١).
(ح-٣١) وروى الإمام أحمد، قال: حدثنا يونس، ثنا حماد، عن قتادة، عن ابن سيرين، عن صفية بنت الحارث،
عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: لا تقبل صلاة حائض إلا بخمار (٢).
[الحديث حسن لغيره إن شاء الله. ورواية قتادة قد اضطرب عليه فيها، والراجح فيه ابن سيرين عن عائشة، وليست بالمتصلة، لكن لها شاهد ضعيف من حديث أبي قتادة] (٣).
العلامة الثالثة: الإنبات .
[م - ٧٩] وقد اختلف الفقهاء في اعتبار الإنبات علامة من علامات البلوغ.
فقيل: ليس بعلامة مطلقًا، لا في الحقوق الواجبة للخالق، ولا في حقوق الآدميين. وهو مذهب الحنفية (٤).
وقيل: إن الإنبات علامة مطلقًا في حق المسلم والكافر، في حق الله وحق المخلوق. وهو مذهب الحنابلة (٥)، ورواية عن أبي يوسف من الحنفية (٦).
стр. 457
واعتبر المالكية الإنبات علامة إلا أنهم اختلفوا فيها على قولين:
فقيل: الإنبات علامة مطلقًا. قال في الشرح الكبير وهو المذهب (١).
وقال بعضهم: الإنبات علامة على البلوغ فيما بين الشخص وبين غيره من الآدميين من قذف، وقطع، وقتل. وأما فيما بين الشخص وبين الله تعالى من حقوق فليس بعلامة (٢).
وقالت الشافعية: الإنبات علامة على البلوغ في حق صبيان الكفار.
وأما المسلمون فاختلفوا فيهم على وجهين:
الوجه الأول: أنه علامة على البلوغ في حقهم كالكفار.
الوجه الثاني: وهو الصحيح عندهم أنه ليس علامة على البلوغ عندهم (٣).
وانظر أدلة كل قول في هذه المسألة في كتابي الحيض والنفاس، فقد ذكرتها بالتفصيل، فأغنى عن إعادتها هنا.
وقد ترجح لي أن الإنبات علامة من علامات البلوغ مطلقًا في حق الله وحق الآدمي، من المسلمين والكفار، والله أعلم.
стр. 458
العلامة الرابعة: البلوغ بالسن.
[م - ٨٠] اختلف الفقهاء في سن البلوغ.
فقيل: تمام خمس عشرة سنة، للذكر والأنثى.
وهو مذهب الشافعية (١)، ومذهب الحنابلة (٢)، واختاره ابن وهب من المالكية (٣). وأبو يوسف ومحمد من الحنفية (٤)، وهو رواية عن أبي حنيفة (٥).
وقيل: للغلام أن يتم له ثماني عشرة سنة، وللجارية أن يتم لها سبع عشرة سنة (٦).
وفي المذهب المالكي أقوال:
المشهور منها بلوغ ثماني عشرة سنة للذكر الأنثى (٧).
وقيل: تسع عشرة.
وقيل: سبع عشرة.
وقيل: ست عشرة (٨).
стр. 459
واختار ابن حزم: تمام تسع عشرة (١).
ولم يترجح لي شيء منها، والأدلة في ابن خمس عشرة سنة محتملة، ويندر أن يتأخر البلوغ إلى ما بعد ثماني عشرة سنة، والله أعلم.
وإذا عرفنا علامات البلوغ، فلا يكفي في المرء حتى تتحقق فيه الأهلية الكاملة أن يكون بالغًا عاقلًا حتى يكون رشيدًا.
والرشد في الاصطلاح (٢): اختلف العلماء في تعريفه على قولين:
فمنهم من عرف الرشد: بالصلاح في المال، وهذا مذهب الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والحنابلة (٥).
стр. 460
ومنهم من عرف الرشد: بالصلاح في الدين والمال، وهو مذهب الشافعية (١).
والمراد بالصلاح في الدين: أن لا يرتكب محرمًا يسقط العدالة، وفي المال ألا يبذر (٢).
والصحيح أن الرشد يختلف من مقام لآخر.
فالرشد في ولي النكاح مثلًا: معرفته بالكفء، ومصالح النكاح، وليس له علاقة بحفظ المال.
والرشد في المال: هو حفظه وإصلاحه، ولا يدخل فيه الرشد في الدين، ولو كان صلاح الدين شرطًا في الرشد لوجب الحجر على المنافقين والمبتدعة، بل يجب الحجر على كل من اغتاب مسلمًا ولم يتب من هذه المعصية وذلك لارتكابه كبيرة من كبائر الذنوب، ويجب الحجر على كل من كذب في بيعه، أو غش فيه.
فتلخص لنا أنه يشترط في العاقد أن يكون جائز التصرف، وهو الحر المكلف الرشيد، وهذا لا خلاف في جواز بيعه وشرائه، وسائر تصرفاته، كما أن المجنون لا خلاف في أنه لا يصح بيعه، وشراؤه، وسائر تصرفاته العقدية.
واختلفوا في بيع الصبي، والسكران، والسفيه، والمعتوه، وسوف نفصل أحكامهم إن شاء الله تعالى في الفصول التالية.
* * *
стр. 461
المبحث الثاني
في تصرفات الصبي
الفرع الأول
في تصرفات الصبي غير المميز
مسألة
في تعريف الصبا والتمييز
تعريف الصبي (١): الصبي عند الفقهاء، قالوا: الصبي والغلام: من لم يبلغ (٢).
وقال ابن مفلح في شرح منظومة الآداب:
«ظاهر كلام أهل اللغة أن الصبي من لم يفطم بعد ولكن ليس مرادًا في كلام الناظم، بل المراد من لم يبلغ حد سن التكليف.
стр. 462
وفي حديث: «أنه ﷺ رأى حسنا يلعب مع صبوة في السكة» والصبوة والصبية جمع صبي. ومعلوم أن الذين يلعبون أكبر من الذين يرضعون» (١).
وأما تعريف التمييز (٢) عند الْفُقَهَاءُ:
فهم يريدون بسن التمييز تلك السن التي إذا انتهى إليها الصغير عرف مضاره
стр. 463
ومنافعه وكأنه مأخوذ من ميزت الأشياء إذا فرقت بين خيرها وشرها بعد المعرفة بها (١).
[م - ٨١] وهل يبلغ الطفل التمييز بالسن، أو بالوصف؟ في ذلك خلاف بين أهل العلم.
فقيل: ليس له حد باعتبار السنين، وعلى هذا قالوا في تعريف المميز:
هو الذي يفهم الخطاب، ويرد الجواب (٢).
وقال المرداوي الحنبلي في الإنصاف: وهو الصواب، والاشتقاق يدل عليه (٣).
وقال الدسوقي: «والمراد بفهم الخطاب ورد الجواب: أنه إذا كلم بشيء من مقاصد العقلاء فهمه، وأحسن الجواب عنه، لا أنه إذا دعي أجاب» (٤).
وقيل: أن يصير الصغير بحيث يأكل وحده، ويشرب وحده، ويستنجي وحده (٥).
وقيل: حده أن يعرف يمينه من شماله (٦).
стр. 464
وقيل: «بأن يعرف أن البيع سالب للملك والشراء جالب له، ويعلم الغبن الفاحش من اليسير، ويقصد به تحصيل الربح والزيادة» (١).
وفي الجوهرة النيرة: «ومن علامة كونه غير عاقل، إذا أعطى الحلواني فلوسًا، فأخذ الحلوى، وجعل يبكي، ويقول: أعطني فلوسي، فهذا علامة كونه غير عاقل، وإن أخذ الحلوى، وذهب، ولم يسترد الفلوس فهو عاقل» (٢).
ومنهم من حد التمييز بالسن.
قال النووي: إذا بلغ الصبي سبع سنين أو ثمان تقريبًا، صار مميزًا (٣).
وقيل: إذا بلغ سبع سنين، و عليه أكثر الحنابلة (٤)
стр. 465
وقيل: ست سنين، وهو قول في مذهب الحنابلة (١).
دليل من قال: بالتحديد بالسن .
الدليل الأول:
(ح-٣٢) بما رواه أحمد، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي، وعبد الله بن بكر السهمي، المعنى واحد قالا: حدثنا سوار أبو حمزة، عن عمرو ابن شعيب عن أبيه،
عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : مروا أبناءكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع. وإذا أنكح أحدكم عبده فلا ينظرن إلى شيء من عورته، فإنما أسفل من سرته إلى ركبته من عورته (٢).
[صحيح لغيره] (٣).
والحق أن الحديث ليس صريحًا في الباب، فقد يقال: إن التكليف بالصلاة ليس متوقفًا على مجرد التمييز، ولو كان كذلك لأمر بها قبل السابعة؛ لأن فعل الصلاة يتطلب فعل الطهارة بنوعيها: الطهارة من الحدث، والطهارة من الخبث، وإدراك واجبات الصلاة، وهذا فيه نوع مشقة لا تخفى، لذلك علق الأمر بالسن السابعة والتي يصبح الطفل فيها مستعدًا للقيام بالواجبات، ولم يعلق على سن التمييز، والله أعلم.
стр. 466
دليل من قال: الأمر لا يتعلق بالسن .
(ح-٣٣) استدلوا بما رواه البخاري من طريق الزبيدي، عن الزهري،
عن محمود بن الربيع قال: عقلت من النبي ﷺ مجة، مجها في وجهي وأنا ابن خمس سنين من دلو (١).
قال ابن القيم:
«ينشأ معه - يعني الصبي - التمييز والعقل على التدريج شيئًا فشيئًا إلى سن التمييز وليس له سن معين، بل من الناس من يميز لخمس، كما قال محمود ابن الربيع: عقلت من النبي ﷺ مجة مجها في وجهي من دلو في بئرهم، وأنا ابن خمس سنين، ولذلك جعلت الخمس سنين حدًا لحدة سماع الصبي، وبعضهم يميز لأقل منها، ويذكر أمورا جرت له وهو دون الخمس سنين» (٢).
قلت: لا يلزم من تذكر حدث معين ليس فيه تفاصيل كثيرة أن يكون هذا دليلًا على أنه بلغ سن التمييز، والذي يحسن معه التصرف في البيع والشراء، ومعرفة النافع والضار إلى غير ذلك، فقد ينقل الطفل الصغير الكلام اليسير بين أبيه وأمه، وقد يعده أبوه بشراء شيء له، فيحفظ هذا، ويسأل أباه عنه إذا تخلف في وعده، وقد يزجره أبوه عن فعل ما، فيمتثل أمره، ولا يفعله مرة أخرى، وإن كان لا يقال مع ذلك قد بلغ مرحلة التمييز التي تؤهله أن يتصرف في البيع والشراء.
(ح-٣٤) فقد روى الشيخان من حديث أبي هريرة، واللفظ لمسلم، قال: أخذ الحسن بن علي تمرة من تمر الصدقة، فجعلها في فيه، فقال رسول الله ﷺ : كخ كخ، ارم بها، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة (٣).
стр. 467
فقوله: (كخ كخ) يشعرك بأن الحسن كان صغيرًا، وقال له ذلك ليستقذرها، ومع صغره فقد نهاه، وقرن النهي بالعلة، قائلًا (أما علمت) فجعل له نسبة من العلم.
وفي شرح النووي على مسلم: «أما علمت أنا لا نأكل الصدقة، هذه اللفظة تقال في الشيء الواضح التحريم ونحوه، وإن كان المخاطب عالمًا به، وتقديره: عجب كيف خفي عليك هذا مع ظهور تحريم الزكاة .. » (١).
إلا أن الحافظ جعل المقصود بالخطاب غيره، فقال: «ومخاطبة من لا يميز لقصد إسماع من يميز؛ لأن الحسن إذ ذاك كان طفلًا».
والأفضل أن يقال: يؤخذ من هذا الحديث مشروعية مخاطبة الطفل بلسان من يعقل الأمور ليكتسبها، ويتعلم منها، ويزرع في قلبه مراقبة الله منذ نعومة أظفاره، كما يؤخذ منه أن الصغير ينهى عما ينهى عنه الكبير، فهذا من باب التروك، وليس من باب فعل المأمور.
الدليل الثاني:
إن كلمة تمييز يفهم من اشتقاقها أن يميز الشيء عن الشيء، بحيث يفصله، ويفضل بعضه على بعض، بمعنى أن يميز ما ينفعه عما يضره، ويفضله عليه، وهذا يختلف من صبي لآخر كما هو مشاهد، فالقدرة على التعليم، ونسبة الذكاء يتفاوت فيها الصبية كما يتفاوت فيها الكبار، فحدها بسن معينة ليس دقيقًا. وهذا هو القول الراجح.
* * *
стр. 468
الفرع الثاني
خلاف العلماء في بيع الصبي غير المميز
جاء في تحفة المحتاج: عبارة الصبي ملغاة (١).
وجاء في المبدع: من لا يصح تصرفه لا قول له (٢).
قال ا لسرخسي: الإجازة في الانتهاء كالإذن في الابتداء (٣).
[م - ٨٢] ذهب عامة الفقهاء إلى بطلان تصرفات الصبي غير المميز من بيع وشراء وغير ذلك مطلقًا، سواء أذن له الولي أو لم يأذن.
وعللوا ذلك بأن عبارته ملغاة لا اعتداد بها شرعًا فلا تصح بها عبادة ولا تجب بها عقوبة ولا ينعقد معها بيع أو شراء، حتى تلك العبادات التي تصح منه كالحج والعمرة، لا تصح منه النية، وإنما ينوي عنه وليه؛ لأن التمييز إذا فُقِد لم يصح منه قصدٌ (النية)، ولم يقع منه رضا، وهما شرطان في صحة البيع (٤)
«قال ابن بزيزة: لم يختلف العلماء أن بيع الصغير والمجنون باطل لعدم التمييز» (٥).
стр. 469
وقيل: يصح تصرف الصبي غير المميز في الشيء اليسير، وهو الصحيح من مذهب الحنابلة (١).
وقيل: التمييز شرط للزوم البيع، وليس شرطًا للصحة، فيصح البيع من غير المميز، ويكون موقوفًا على إجازة من له النظر. وهذا قول مرجوح في مذهب المالكية (٢)
وهناك فرق بين إجازة الولي، وبين إذن الولي، فالإجازة تكون بعد انتهاء العقد، فيكون العقد موقوفًا حتى تأتي الإجازة، والإذن لا بد أن يكون سابقًا للعقد.
والراجح القول بعدم اعتبار تصرف الصبي غير المميز إلا أن يجري عرف بأن الصبي إذا جاء يحمل معه مبلغًا يسيرًا لا يتطلع إليه غالب الناس، وجاء إلى البقال ليشتري له حلوى كعادة الصبيان في عصرنا، وكان عرف الناس كما هو الحال في بلادنا أن يبيعوا الشيء الذي يشير إليه، ولم يكن في هذا ضرر عليه في تناوله أن يبيعه صاحب الدكان، ولو لم يأخذ إذنًا صريحًا على أن وليه إن رفض بعد ذلك، ولم يفت المبيع كان له حق إرجاعه، والله أعلم.
* * *
стр. 470
الفرع الثالث
في بيع الصبي المميز
المسألة الأولى
في الحكم على تصرفات الصبي المميز
بيع الصبي: هو نوع من التصرف المالي، والفقهاء يقسمون تصرفات الصبي المميز إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول:
تصرفات نافعة نفعًا محضًا، كقبول الهبة، والهدية، ونحوها، فهذه تجوز، وتصح من الصبي المميز، ولو بدون إذن الولي؛ لأن القبول نفع محض، والضرر منعدم، والحجر عليه إنما كان من أجل حظه، فيصح مطلقًا، وهذا مذهب الجمهور.
وخالف الشافعية فقالوا: لا يصح، وإن أذن له الولي.
وصحح الحنابلة القبول، وأما القبض فقالوا: يصح بإذن الولي.
القسم الثاني:
تصرفات ضارة ضررًا محضًا دنيويًا، كالتبرع، والقرض، والصدقة، والعتق، فلا يصحان، ولو أذن له الولي؛ لأن في ذلك إضاعة لماله، حتى ولو أذن له الولي؛ لأن ولايته ولاية نظر، وموافقته على ما فيه ضرر على الصبي معارض لغرض الولاية، وهو أمر منهي عنه.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء ٣٤].
стр. 471
واستثنى الحنفية من التبرع الإعارة، فصححوها، ومنعها الجمهور.
القسم الثالث:
هناك تصرفات قد اختلف فيها الفقهاء، هل تعتبر ضارة، فلا تصح، أو فيها منفعة راجحة، فتجوز، وهي كثيرة وليس هذا مجال بحثها؛ لأن في هذا خروجًا عن موضوع بحثنا (١).
* * *
стр. 472
المسألة الثانية
في بيع الصبي وشرائه إذا كان مأذونًا له
[م - ٨٣] اختلف العلماء ﵏ في بيع الصبي المميز وشرائه إذا كان مأذونًا له في ذلك على قولين:
القول الأول:
يصح، وهو مذهب الحنفية (١)،
стр. 473
والمالكية (١)، والحنابلة (٢).
القول الثاني:
وقيل: لا يصح، ولو كان مأذونًا له وهو مذهب الشافعية (٣)، ورواية عن الإمام أحمد (٤).
القول الثالث:
لا يصح إلا إذا اضطر إلى ذلك، كطعام يشتريه ليأكله، وثوب يستر به عورته إذا ضيعه أهل محلته، وهو رأي ابن حزم (٥).
стр. 474
وهذا القول يرجع إلى رأي الشافعية، لأن الاضطرار يبيح المحظورات.
دليل من قال: يصح عقده بإذن وليه .
الدليل الأول:
الأصل في البيع الحل، قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] فأطلق الله الحل من غير فصل بين أن يتولاه بالغ أو صبي.
الدليل الثاني:
قال تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٢].
وقال تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦].
وجه الاستدلال:
في الآية الأولى أمر الله بدفع أموال اليتامى إليهم، فلولا أن تصرفه معتبر شرعًا لما كان للأمر بدفع الأموال فائدة؛ لأن دفع المال إليهم يمكنهم من التصرف فيه، وذلك إنما يكون عند الاختبار.
وسماهم يتامى، واليتيم: اسم للصغير الذي لم يبلغ.
وفي الآية الثانية: أمرنا بابتلائهم وهم أيتام، ومعنى الآية: اختبروهم لتعلموا رشدهم، وإنما يتحقق ذلك بتفويض التصرف إليهم في البيع والشراء، ومد الاختبار إلى البلوغ بلفظ ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦] وهذا الاختبار إنما يحصل إذا أذن له في البيع والشراء.
واعترض على هذا الاستدلال:
стр. 475
الاعتراض الأول:
قيل: إن تسميتهم يتامى في الموضعين إنما هو باعتبار ما كانوا متصفين به قبل البلوغ؛ إذ لا يُتْم بعد البلوغ إجماعًا، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٤٦] يعني: الذين كانوا سحرة؛ إذ لا سحر مع السجود لله (١).
وأجيب عنه:
بأن الله لما أمر باختبارهم مد هذا إلى غاية، وهي البلوغ، قال تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦] فدل على أن الاختبار إنما هو قبل البلوغ.
الاعتراض الثاني:
لا يلزم من الأمر بالابتلاء أن يكون ذلك عن طريق البيع والشراء، فالمراد بالابتلاء اختبار عقله واستبراء حاله، هل له فهم وقدرة في معرفة المصالح والمفاسد، وهذا لا يلزم منه الإذن له بالتصرف، خاصة أن الآية أمرت باختبارهم في الوقت الذي أمرت بعدم دفع المال إليهم إلا بشرطين: البلوغ وإيناس الرشد: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦].
وإذا ثبت بموجب هذه الآية أنه لا يجوز دفع المال إليهم حال الصغر، وجب أن لا يجوز تصرفه حال الصغر.
وعلى التنزل أنه يدفع إليه جزءًا من ماله ليظهر اختباره، فما المانع أن يفوض
стр. 476
إليه السوم حتى إذا بقي الإيجاب ناب عنه وليه، وبهذا نجمع بين القيام بالاختبار، وامتثال الآية بعدم دفع المال إليه إلا بعد البلوغ، وإيناس الرشد (١).
وأجيب:
بأن الاختبار وإن لم يكن نصًا في الأمر بالبيع والشراء، إلا أن البيع والشراء داخلان في الاختبار، ولو كان البيع والشراء ليس داخلًا فيه لقال الله : وابتلوا اليتامى إلا في البيع والشراء، فثبت أن قوله ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٦] أمر للأولياء بأن يأذنوا لهم في البيع والشراء (٢).
واختبار اليتيم بما يليق بحاله، فإن كانوا من أهل التجارة، فبأن يعطى من المال ما يتصرف فيه، وإن كان من له ضياع وأهل وخدم كان اختبارهم بأن يعطوا منه ما يصرفونه إلى نفقة عبيدهم وخدمهم وإجرائهم، وسائر مصارفهم حتى تتبين لكم كيفية أحوالهم، وتختبر المرأة في أمر بيتها، وحفظ متاعها، وغزلها، واستغزالها (٣).
الدليل الثالث:
أن هذا البيع صدر من أهله بولاية شرعية فينفذ.
أما كونه صدر من أهله، فلأن الأهلية في الأداء تعني أن يكون الصبي عاقلًا مميزًا، يعلم أن البيع سالب، والشراء جالب، ويعلم الغبن اليسير من الفاحش، وهذا متحقق في الصبي.
وأما كونه صدر بولاية شرعية؛ فلأنه صدر بإذن وليه، والولي له
стр. 477
هذا التصرف، فكذلك من أذن له، ألا ترى أن الطلاق والعتاق لما لم يملكه الولي لم يملك الإذن به (١).
الدليل الرابع:
(ح-٣٥) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عفان، قال: حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا ثابت، قال: حدثني ابن عمر بن أبي سلمة بمنى، عن أبيه،
عن أم سلمة من حديث طويل في قصة وفاة أبي سلمة، وخطبة الرسول ﷺ لها، وفي آخره، فقالت أم سلمة: قم يا عمر، فزوج رسول الله ﷺ (٢).
[إسناده ضعيف] (٣).
стр. 478
ومتنه فيه نكاره، قال ابن عبد الهادي: «وفي هذا الحديث نظر؛ لأن عمر كان له من العمر يوم تزوجها رسول الله ﷺ ثلاث سنين، فكيف يقال له: زوج؛ لأن رسول الله ﷺ تزوجها في سنة أربع، ومات رسول الله ﷺ ولعمر تسع سنين ... ولو صح أن يكون الصغير قد زوجها فإن رسول الله ﷺ لا يفتقر نكاحه إلى ولي، قال أبو الوفاء ابن عقيل: ظاهر كلام أحمد أنه يجوز أن يتزوج رسول الله ﷺ بغير ولي؛ لأنه مقطوع بكفاءته» (١).
الدليل الخامس:
عمل الناس إلى اليوم، ما زالوا يرسلون صغارهم ليشتروا حاجات البيت، من المخبز والبقالة من غير نكير.
دليل من قال: لا يصح بيعه وشراؤه .
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء:٥].
стр. 479
وجه الاستدلال:
أن الله نهى أن نؤتي السفيه أموالنا، ولم يخصص سفيهًا دون سفيه، فيعم كل سفيه، سواء كان صبيًا أم كبيرًا، ذكرًا أم أنثى، ثم بين الله في الآية التي بعدها متى ندفع الأموال إليهم ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] ففهم من الآية أن أموالهم لا تدفع إليهم قبل تحقق الشرطين: البلوغ، والرشد، فمن دفع إليهم أموالهم قبل ذلك فقد خالف الآية.
وقد سبق الجواب عن هذه الآية في أدلة القول الأول، فارجع إليه إن شئت.
الدليل الثاني:
قال تعالى: ﴿فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وجه الاستدلال:
أن الله أمر ولي السفيه أن يباشر التصرف عنه، فلو كان تصرفه مباحًا لباشر التصرف بنفسه، وليس عن طريق وليه، والسفيه مطلق سواء كان مميزًا أم غير مميز لا فرق في الحكم، فمن قيد ذلك فعليه الدليل.
ويجاب:
بأن إذن الولي كاف في صحة مباشرته لبعض التصرفات، وقد قامت الأدلة السابقة في الدلالة على أن المميز له أن يباشر بعض التصرفات بنفسه بإذن وليه.
الدليل الثالث:
(ح-٣٦) ما رواه أحمد من طريق همام، عن قتادة، عن الحسن البصري،
عن
стр. 480
علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: رفع القلم عن ثلاثة، عن النائم حتى يستيقظ، وعن المعتوه أو قال: المجنون حتى يعقل، وعن الصغير حتى يشب (١).
وفي رواية: وعن الصغير حتى يبلغ (٢).
[إسناده منقطع، ورجح الترمذي، والنسائي، والدارقطني وقفه، وقد سبق بحثه] (٣).
قال النووي: «وجه الدلالة منه أنه لو صح البيع لزم منه وجوب التسليم على الصبي - يعني تسليم المعقود عليه - وقد صرح الحديث بأن الصبي لا يجب عليه شيء وقيل: وجه الدلالة منه أن مقتضى الحديث إسقاط أقواله وأفعاله» (٤).
وأجيب:
بأن الحديث في رفع الإثم فقط، ولذلك الحديث لا يمنع أن يتحمل الصغير قيمة ما يتلفه من الأموال، وهناك فرق بين خطاب الشرع، وبين خطاب الوضع، ووجوب التسليم إنما هو من خطاب الوضع لترتبه على استيفاء العقد أركانه وشروطه، والصبي أهل لخطاب الوضع.
الدليل الرابع:
العلة في الحجر على الصبي هو ضعف عقله، وإذن الولي لا يرفع العلة.
стр. 481
وأجيب:
بأن العلة في الحجر على الصبي هو تردد عقله بين الضعف والقوة، وليست العلة ضعف العقل، فلا يحكم على شخص بضعف عقله لصغره، فكم من صغير مميز أقدر وأذكى من كبير بالغ، وإذن الولي ترجيح لجانب القوة على الضعف، ولهذا أمرنا باختباره لنرى هل يترجح لديه القوة أو الضعف (١).
الدليل الخامس:
العقل لا يمكن الوقوف منه على الحد الذي يصلح به التصرف؛ لخفائه وتزايده تزايدًا خفي التدريج فجعل الشارع له ضابطًا وهو البلوغ فلا يثبت له أحكام العقلاء قبل وجود المظنة (٢).
ويجاب:
بأن معرفة ذلك ليست صعبة، فيمكن إدراك ذلك عن طريق التجربة، ومعرفة نتائج تصرفاته، كما يعلم ذلك في حق البالغ عند دفع المال إليه، فلا بد من تحقق وصف الرشد لديه قبل دفع ماله كله إليه.
الراجح:
بعد استعراض الأقوال وأدلتها نجد أن القول بجواز تصرفات الصبي إذا أذن له الولي أقوى دليلًا، وعليه عمل الناس اليوم، والله أعلم.
* * *
стр. 482
المسألة الثالثة
في تصرف الصبي المميز من غير إذن وليه
قال السرخسي: الإجازة في الانتهاء كالإذن في الابتداء (١).
[م - ٨٤] إذا باع الصبي أو اشترى من غير أن يأذن له وليه بذلك، فهل يصح تصرفه مطلقًا، أو يبطل مطلقًا، أو يكون موقوفًا على إجازة الولي؟
في ذلك خلاف بين أهل العلم.
فقيل: يصح تصرفه، ويكون موقوفًا على إجازة الولي، وهو مذهب أبي حنيفة (٢)، والمالكية (٣).
وقيل: لا يصح إلا أن يكون مبنيًا على إذن سابق من الولي، وهو مذهب الحنابلة (٤).
وقد تقدم مذهب الشافعية في الفصل السابق، وأنهم يمنعون الصبي من التصرف مطلقًا، سواء كان مأذونًا له أم لا، وسواء كان مميزًا أم غير مميز، وسواء في بيع الاختبار وفي غيره (٥).
стр. 483
دليل الحنفية والمالكية على صحة تصرفه بشرط إجازة وليه .
الدليل الأول:
الحجر على الصبي إنما هو لمصلحته خوفًا من ضياع ماله، فإذا تصرف تصرفًا بغير إذن وليه كان موقوفًا على إجازة من له النظر في ذلك، فإن رأى أن في هذا التصرف سدادًا وغبطة له كانت الإجازة من مصلحته، فلا ينبغي أن يكون الحجر سببًا في الإضرار به، وهو لم يعقد إلا لمصلحته.
الدليل الثاني:
القياس على تصرف الفضولي، فإذا كان الإنسان إذا تصرف في مال غيره كان مبنيًا على إجازة المالك، فكذلك هذا التصرف، غاية ما فيه أنه تعدى على حق الولي في عدم أخذ الإذن منه، وهو أخف من تصرف الفضولي فإن في تصرف الفضولي تعديًا على مال الغير بالتصرف فيه بدون إذن صاحبه، ومع ذلك كان موقوفًا على الإجازة على الصحيح كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، فينبغي أن يكون هذا التصرف أولى بالإجازة، لأن المال مال الصبي، والحظ سيكون له، بخلاف تصرف الفضولي، وحق الولي في أخذ الإذن منه محفوظ في كون العقد سيبقى موقوفًا إلى حين نظر الولي في هذا التصرف، هل هو من مصلحة الصبي فينفذ، أو ليس من مصلحته فيرد.
الدليل الثالث:
إذا كنا نصحح تصرفه بالإذن ابتداء، فينبغي أن نصحح تصرفه بالإجازة انتهاء؛ لأن الإجازة إذن إلا أنها تأتي بعد تمام العقد، والعلة التي جعلنا نشترط إذن الولي هو حفظ مال الصغير، وهذا يتحقق في إجازة الولي بعد العقد.
стр. 484
تعليل الحنابلة بأن التصرف باطل .
ذكر الحنابلة بأن الصبي إذا لم يؤذن له في التصرف كان محجورًا عليه، وتصرفات المحجور عليه باطلة غير صحيحة قياسًا على السفيه (١).
ويجاب:
بأن الحجر تارة يكون لحظه، وتارة يكون لحظ غيره، فتصرفات المحجور عليه في ماله إن كان الحجر لحظ غيره كالمحجور عليه لفلس، فالحكم عليها بالبطلان ظاهر، ولكن إن كان الحجر عليه إنما هو لمصلحته، وكان في تصرفه غبطة وسداد، فكيف يلغى؟ أليس هذا إضرارًا بالصبي، وليس من قبيل المحافظة على ماله؟
الراجح:
بعد استعراض أدلة الفريقين نجد أن القول بصحة تصرفه بعد إجازة وليه هو القول الصحيح.
* * *
стр. 485
المبحث الثالث
في تصرفات المجنون
[م - ٨٥] ذهب عامة الفقهاء إلى أن بيع المجنون لا ينعقد (١).
قال النووي: «وأما المجنون فلا يصح بيعه بالإجماع» (٢).
وقال ابن بزيزة المالكي: «لم يختلف العلماء أن بيع الصغير والمجنون باطل لعدم التمييز» (٣).
ولأن المجنون أقواله وأفعاله ملغاة، لا اعتداد بها شرعًا فلا تصح بهما عبادة ولا تجب بهما عقوبة ولا ينعقد معهما بيع أو شراء.
وإذا لم تصح عبادته التي هي محض نفع لا ضرر فيها، فلأن لا يصح بذله المال من باب أولى؛ لكونه قد يتضرر من هذا التصرف.
ولأن العقل إذا فُقِد لم يصح منه قصدٌ (النية)، فكيف يقع منه الإيجاب والقبول، ولم يقع منه رضا، وهو شرط أساسي في صحة البيع (٤)
стр. 486
وقال الكاساني في بدائع الصنائع: «وأما شرائط الانعقاد فأنواع، بعضها يرجع إلى العاقد، وبعضها يرجع إلى نفس العقد .... أما الذي يرجع إلى العاقد فنوعان: أحدهما: أن يكون عاقلًا، فلا ينعقد بيع المجنون والصبي الذي لا يعقل؛ لأن أهلية المتصرف شرط انعقاد التصرف، والأهلية لا تثبت بدون العقل، فلا يثبت الانعقاد بدونه، فأما البلوغ فليس بشرط ... » (١).
وقال ابن عرفة: «عقد المجنون حين جنونه ينظر له السلطان في الأصلح في إتمامه أو فسخه، إن كان مع من يلزمه عقده» (٢).
ونقل هذا الكلام الحطاب في مواهب الجليل وأشار إلى أنهم أخذوا هذا الحكم من قوله «من جن في أيام الخيار نظر له السلطان» (٣).
ثم انتقد هذا المأخذ قائلًا: «في استشهاده بمسألة المدونة نظر؛ لأن الجنون إنما طرأ بعد العقد».
فتبين أن هناك فرقًا بين المقيس والمقيس عليه، فكيف يسوي بين بيع من جن في أيام الخيار، وقد عقد العقد في أهلية كاملة وبين من عقد العقد، وهو مجنون لا يعلم ما يقول، لاشك أن بينهما فرقًا شاسعًا.
* * *
стр. 487
المبحث الرابع
في بيع المعتوه
تعريف المعتوه (١):
قيل في تعريفه: آفة توجب الاختلال بالعقل، بحيث يصير مختلط الكلام، فاسد التدبير، إلا أنه لا يضرب، ولا يشتم (٢).
[م - ٨٦] وقد وقع خلاف في بيع المعتوه:
فالحنفية لا يفرقون بين حكم الصبي المميز وبين المعتوه، فيصححون تصرفه بإذن وليه.
جاء في مجلة الأحكام: «المعتوه في حكم الصغير المميز» (٣).
وذكر ابن نجيم في البحر الرائق أن المعتوه كالصبي العاقل (٤).
وقال أيضًا: «بيع المعتوه كبيع الصبي العاقل موقوف - يعني على إجازة الولي (٥).
стр. 488
وأما المالكية فتارة يعتبرونه كالمجنون، وتارة يعتبرونه ضعيف العقل.
جاء في التاج والإكليل: «وقد تقدم قول مالك: يعيد من ائتم بمعتوه. قال ابن رشد: لأن المعتوه لا تصح منه نية، فوجب أن يعيد مأمومه أبدًا» (١).
وقال اللخمي: والمعتوه كالمجنون (٢).
وجاء في مواهب الجليل: «وقال ابن رشد: الأغلف هو الذي لم يختن، والمعتوه: الذاهب العقل» (٣).
وجاء فيه أيضًا: «ولا يجب - يعني الحج - على صبي، ولا مجنون، ولا معتوه. انتهى. قال في الشرح: إن كان مراده بالمعتوه المجنون، وهو الذي فسره به ابن رشد في أول رسم من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة، فقال: المعتوه: الذاهب العقل، لا يصح منه نية يعيد من ائتم به أبدًا، فلا يصح عطفه عليه، وإن كان مراده به ضعيف العقل، كما هو الغالب في استعمالهم الظاهر أن الحج لا يسقط عنه» (٤).
وجاء في الشرح الصغير: «ولا تصح - يعني الإجارة - من مجنون ومعتوه ومكره» (٥).
وأما الحنابلة فلم يستخدموا هذا التعبير في كتبهم في البيع خاصة، واستخدموا بدلًا منه حكم بيع السفيه، وهو أعم من المعتوه، إلا أنهم في باب
стр. 489
الطلاق فرقوا بين طلاق الصبي المميز، وبين طلاق المعتوه، فصححوا الأول دون الثاني، وهذا ذهاب منهم إلى أن الصبي المميز يدرك ما لا يدرك المعتوه (١).
وقال ابن قدامة في تعريف المعتوه: «وهو زائل العقل بجنون مطبق» (٢).
وفي باب الحضانة ذكر ابن قدامة أن الغلام يخير بين أبويه، واستثنى المعتوه فإنه يبقى عند أمه، ولا يخير؛ لأنه بمنزلة الطفل وإن كان كبيرًا، وهذا أيضًا ذهاب منهم إلى أن العته أشد من الصبي المميز (٣).
فعلى هذا يمكن أن يقال: إن الحنابلة لا يصححون بيع المعتوه، والله أعلم.
والمدار على التمييز، فإن كان مع العته تمييز صار بمنزلة الصبي المميز، وإن كان ليس معه تمييز كان بمنزلة الصبي غير المميز، لا يصح بيعه ولا شراؤه، والله أعلم.
* * *
стр. 490
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة
تقديم أصحاب المعالي
الشيخ. د/ عبد الله بن عبد المحسن التركي
الشيخ. د/ صالح بن عبد الله بن حميد
الشيخ/ محمد بن ناصر العبودي
الشيخ/ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ
تأليف
دبيان بن محمد الدبيان
المجلد الثاني
стр. 491
دبيان بن محمد الدبيان، ١٤٣٢ هـ
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
الدبيان، دبيان محمد
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة. / دبيان محمد الدبيان- الرياض، ١٤٣٢ هـ
٥٤٨ ص؛ ١٧×٢٤ سم.
ردمك: ٨ - ٧٤٨٠ - ٠٠ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (مجموعة ج ١
١ - المعاملات (فقه إسلامي) أ. العنوان
ديوي ٢٥٣
٤٧٠٦/ ١٤٣٢
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
١٤٣٤ هـ
الطبعة الثانية
للطلب الاتصال
بالاستاذ / فهد بن عبد العزيز الجوعي
ت/ ٠٠٩٦٦٥٠٤٨٨١١٩٤
стр. 492
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة (٢)
стр. 493
بسم الله الرحمن الرحم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد.
فهذا هو المجلد الثاني من عقد البيع، وقد درست في المجلد الأول ثلاثة أبواب:
الباب الأول: وقد تناولت فيه دراسة المال وبيان أنواعه.
والباب الثاني: وقد بحثت فيه حكم البيع وبيان أركانه.
الباب الثالث: درست فيه صيغة التعاقد (أحكام الإيجاب والقبول).
والباب الرابع: وقد تطرقت إلى الشروط المتعلقة بالعاقدين، إلا أن هذا الباب لم يستكمل في المجلد السابق، وسوف يستكمل إن شاء الله تعالى في هذا المجلد.
وسيحوي هذا المجلد الثاني إن شاء الله تعالى بقية الباب الرابع، وبعض مباحث الباب الخامس، وستكون خريطة البحث على النحو التالي:
المبحث الخامس: في بيع السكران:
الفرع الأول: في بيان المقصود بالسكران.
الفرع الثاني: خلاف العلماء في بيع السكران.
المبحث السادس: في بيع السفيه.
الفرع الأول: في تعريف السفيه.
الفرع الثاني: في حكم بيع السفيه.
стр. 494
الشرط الثاني: أن يكون العاقد مختارًا.
المبحث الأول: الفرق بين الرضا والاختيار.
المبحث الثاني: في بيع المكره.
الفرع الأول: في تعريف الإكراه.
الفرع الثاني: في حكم بيع المكره.
المسألة الأولى: في الإكراه بحق.
المسألة الثانية: في الإكراه بغير حق.
المسألة الثالثة: في الإكراه على سبب البيع.
المبحث الثالث: في الغلط في العقد.
الفرع الأول: الغلط في المعقود عليه.
المسألة الأولى: الغلط في جنس المعقود عليه.
المسألة الثانية: الغلط إذا كان في وصف مرغوب فيه.
المسألة الثالثة: الغلط في الصيغة.
المسألة الرابعة: الغلط بسبب الجهل بالحكم الشرعي.
المبحث الرابع: يشترط في الرضا ألا يشوبه شيء من التدليس.
المبحث الخامس: يشترط في الرضا سلامته من الغبن الفاحش.
الفرع الأول: في تعريف الغبن وبيان حكمه.
الفرع الثاني: خلاف العلماء في الغبن القادح في الرضا.
الشرط الثالث: أن يكون العاقد مالكًا للمعقود عليه أو مأذونًا له فيه.
стр. 495
المبحث الأول: في حكم بيع الفضولي.
الفرع الأول: في تعريف الفضولي.
الفرع الثاني: في الحكم التكليفي لتصرف الفضولي.
الفرع الثالث: خلاف الفقهاء في صحة بيع الفضولي.
الفرع الرابع: شراء الفضولي لغيره.
الباب الخامس: في أحكام المعقود عليه (المبيع والثمن).
تمهيد ويشتمل على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: في تعريف المبيع والثمن.
المبحث الثاني: المبيع والثمن هل هما مترادفان أو متباينان.
المبحث الثالث: انقسام المبيع والثمن إلى مثلي وقيمي.
فرع: الأثر الفقهي في تقسيم المال إلى مثلي وقيمي.
الفصل الأول: في كيفية تعيين المبيع من الثمن.
المبحث الأول: تعيين المبيع من الثمن في مبادلة سلعة بنقد.
المبحث الثاني: تعيين المبيع من الثمن في مبادلة النقد بمثله.
المبحث الثالث: تعيين المبيع من الثمن في مبادلة سلعة بمثلها.
المبحث الرابع: هل تتعين النقود بالتعيين.
الفصل الثاني: في شروط المعقود عليه (المبيع والثمن).
الشرط الأول: في طهارة المعقود عليه.
فرع: الصابون من الزيت النجس.