← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.

стр. 4306

قوله: (يعسر عمله) هذا القيد أراد به أن العوض يستحق إن حصل به تعب، وإلا فلا. وهذا القيد لم يذكره بعض الشافعية، وسيأتي تحريره إن شاء الله تعالى عند الكلام على الشروط (١). تعريف الحنابلة: جاء في الروض المربع: بأن يجعل جائز التصرف شيئًا متمولًا معلومًا لمن يعمل له عملًا معلومًا كرد عبده من محل كذا، أو بناء حائط كذا، أو عملًا مجهولًا من مدة معلومة أو مجهولة (٢). وتسمى عند القانونيين: الوعد بالجائزة. * * *

стр. 4307

المبحث الأول تعريف الجعالة [م-٩٦٨] اتفق الأئمة الأربعة على جواز الجعالة في رد الآبق قال ابن قدامة: «لا نعلم فيه مخالفًا» (١). ولم يخالف في ذلك إلا ابن حزم. وجه المنع عند ابن حزم: يرى ابن حزم أن الجعالة ليست عقدًا، وإنما هي مجرد وعد، ويستحب له الوفاء. قال ابن حزم: «لا يجوز الحكم بالجعل على أحد، فمن قال لآخر: إن جئتني بعبدي الآبق فلك دينار، أو قال: إن فعلت كذا وكذا عليَّ درهم، أو ما أشبه هذا، فجاءه بذلك لم يقض عليه بشيء، ويستحب لو وفى بوعده .... إلا أن يستأجره على طلبه مدة معروفة، أو ليأتيه به من مكان معروف، فيجب له ما استأجره به» (٢). وستأتي أدلة الجمهور في القول التالي إن شاء الله تعالى. [م-٩٦٩] واختلف الأئمة في غير الآبق على قولين: القول الأول: ذهب الحنفية إلى منع الجعالة في غير الآبق، وأجازوها في الآبق استحسانًا، صيانة للمال من الضياع، فإن رده من مسيرة ثلاثة أيام فصاعدًا، فله عليه جعله

стр. 4308

أربعون درهمًا، وإن رده لأقل من ذلك فبحسابه، وإن رده من أقصى المصر رضخ له قدر عنائه، ولا جعل للسلطان إذا رد آبقًا (١). دليل الحنفية في التفريق بين العبد وبين غيره: استدل الحنفية في استحقاق الجعل على العبد: الدليل الأول: (ث-١٠٩) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد الله بن رباح، عن أبي عمرو الشيباني، أن رجلًا أصاب عبدًا آبقًا بعين التمر، فجاء به، فجعل ابن مسعود فيه أربعين درهمًا (٢). [صحيح، وهو أصح ما ورد في الباب] (٣).

стр. 4309

الدليل الثاني: (ث-١١٠) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، وعمرو بن دينار، قالا: جعل النبي ﷺ في العبد الآبق إذا جيء به خارج الحرم دينارًا. [رجاله ثقات إلا أنه مرسل، ويتقوى بأثر ابن مسعود] (١). الدليل الثالث: (ح-٦١٦) ما رواه البيهقي من طريق خصيف، عن معمر، عن عمرو ابن دينار، عن ابن عمر ﵄، قال: قضى رسول الله ﷺ في العبد الآبق يوجد في الحرم بعشرة دراهم (٢). قال البيهقي: [هذا ضعيف، والمحفوظ حديث ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، وعمرو بن دينار، قالا: جعل رسول الله ﷺ .... وذلك منقطع] (٣). الدليل الرابع: (ث-١١١) روى ابن أبي شيبة، من طريق حجاج، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب، أن عمر جعل في الآبق دينارًا، أو اثني عشر درهمًا (٤).

стр. 4310

[إسناده ضعيف جدًا، دلسه حجاج بن أرطأة عن العرزمي] (١). الدليل الخامس: (ث-١١٢) روى ابن أبي شيبة من طريق حجاج، عن حصين، عن الشعبي، عن الحارث، عن علي مثله (٢). [ضعيف، فيه حجاج، والحارث الأعور]. هذه تقريبًا أدلة الحنفية في القول بالجعل في العبد الآبق خاصة، ولم يقيسوا على الآبق غيره لسببين: الأول: أن القول في العبد الآبق جرى استحسانًا، وهو على خلاف القياس؛ لأن القياس ألا يكون له شيء إلا بالشرط (٣). الثاني: أن الجعالة في غير العبد لا تخرج عن كونها: إما إجارة باطلة لا يترتب عليها أي أثر، وكأن العقد لم ينعقد، وذلك إذا لم يعين العامل، بأن كانت الصيغة عامة، من دلني على كذا فله كذا؛ وقد بنى الحنفية القول بالبطلان على ثلاثة أشياء:

стр. 4311

(١) ـ أنها عقد مع مجهول، وهذا لا يصح. (٢) - افتقار العقد بهذه الصيغة إلى قبول، والعقد لا يتم إلا بإيجاب وقبول. (٣) ـ تعليق استحقاق المال بالخطر (وهو وجود الضال)، وقد يجده، وقد لا يجده، وهو من القمار المحرم. وإما أن تكون الجعالة إجارة فاسدة وذلك إذا عين العامل. وفساد العقد جاء من كون العمل فيه غير مقدر بقدر. والعقد الفاسد يفسخ قبل التلبس بالعقد، ويستحق فيه العامل أجرة المثل بعد الشروع؛ ولا يستحق فيه المسمى؛ لفساد العقد. قال السرخسي: «هذا شيء يأباه القياس؛ لأن العقد مع المجهول لا ينعقد، وبدون القبول كذلك .... ثم هذا تعليق استحقاق المال بالخطر، وهو قمار، والقمار حرام في شريعتنا، ولم يكن حرامًا في شريعة من قبلنا» (١). وجاء في حاشية ابن عابدين: «رجل ضل له شيء، فقال: من دلني على كذا فله كذا، فهو على وجهين: إن قال ذلك على سبيل العموم، بأن قال: من دلني، فالإجارة باطلة؛ لأن الدلالة والإشارة ليست بعمل يستحق به الأجر. وإن قال على سبيل الخصوص، بأن قال لرجل بعينه: إن دللتني على كذا فلك كذا، إن مشى له فدله فله أجر المثل للمشي لأجله؛ لأن ذلك عمل يستحق بعقد الإجارة، إلا أنه غير مقدر بقدر، فيجب أجر المثل، وإن دله بغير مشي، فهو والأول سواء» (٢). أي لا يستحق شيئًا.

стр. 4312

وقال الكاساني: «أما أصل الاستحقاق فثابت عندنا استحسانًا، والقياس ألا يثبت أصلًا، كما لا يثبت برد الضالة .... لأن جعل الآبق طريق صيانة عن الضياع؛ لأنه لا يتوصل إليه بالطلب عادة؛ إذ ليس له مقام معلوم يطلب هناك، فلو لم يأخذه لضاع، ولا يؤخذ لصاحبه، ويتحمل مؤنة الأخذ والرد عليه مجانًا بلا عوض عادة، وإذا علم أن له عليه جعلًا يحمل مشقة الأخذ والرد طمعًا في الجعل، فتحصل الصيانة عن الضياع، فكان استحقاق الجعل طريق صيانة الآبق عن الضياع، وصيانة المال عن الضياع واجب .... بخلاف الضالة؛ لأن الدابة إذا ضلت، فإنها ترعى في المراعي المألوفة، فيمكن الوصول إليها بالطلب عادة، فلا تضيع دون الأخذ، فلا حاجة إلى الصيانة بالجعل» (١). القول الثاني: ذهب الجمهور من المالكية، والشافعية، والحنابلة إلى جوازه مطلقًا في الآبق وغيره (٢). واستدلوا على ذلك بأدلة من الكتاب والسنة: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف:٧٢].

стр. 4313

وجه الاستدلال: قال ابن كثير: قوله: «﴿وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [يوسف:٧٢] هذا من باب الجعالة، ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ هذا من باب الكفالة» (١). وشرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يأت في شرعنا ما ينسخه، كيف وقد جاء فيه ما يؤيده كما في الدليل الآتي. وأجيب عن الآية: الجواب الأول: أجاب الحنفية عن هذه الآية بأن القمار كان حلالًا في شريعة من قبلنا، وقد حرم في شريعتنا. وأما ابن حزم فلا يرى الاحتجاج بشريعة من قبلنا، لقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]. الجواب الثاني: أن حمل البعير مجهول، والمخالف يشترط أن يكون العوض معلومًا، فهذا الحمل لا يدرى مم هو؟ أمن اللؤلؤ، أو من ذهب، أو من رماد، أو من تراب؟ ولا أي البعران هو؟ ومن البعران الضعيف الذي لا يستقل بعشرين صاعًا، ومنهم القوي الصحيح الذي يستقل بثلاثمائة صاع (٢). ورد هذا الجواب: بأن حمل البعير كان معلومًا عندهم، كالوسق، ولذلك قال إخوة يوسف: ﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: ٦٥].

стр. 4314

الدليل الثاني: (ح-٦١٧) ما رواه البخاري من طريق أبي بشر، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن ناسا من أصحاب النبي ﷺ أتوا على حي من أحياء العرب، فلم يقروهم، فبينما هم كذلك إذ لدغ سيد أولئك، فقالوا: هل معكم من دواء أو راق؟ فقالوا: إنكم لم تقرونا، ولا نفعل حتى تجعلوا لنا جعلًا، فجعلوا لهم قطيعًا من الشاء، فجعل يقرأ بأم القرآن، ويجمع بزاقه ويتفل، فبرأ، فأتوا بالشاء، فقالوا: لا نأخذه حتى نسأل النبي ﷺ ، فسألوه، فضحك، وقال: وما أدراك أنها رقية؟! خذوها، واضربوا لي بسهم (١). وجه الاستدلال: قوله: (حتى تجعلوا لنا جعلًا) فدل الحديث على جواز الجعالة على أعمال القرب، فغيرها من باب أولى. وأجيب عن الحديث بجوابين: الجواب الأول: أجاب ابن حزم بأن هذا الحديث صحيح إلا أنه لا حجة لهم فيه؛ لأنه ليس فيه إلا إباحة أخذ ما أعطى الجاعل على الرقية فقط، وهكذا نقول، وليس فيه القضاء على الجاعل بما جعل إن أبى أن يعطيه (٢). ويرد على هذا: لو كان دفع الجعل مكافأة وتبرعًا من القوم لم يكن في الدليل حجة، وصح اعتراض ابن حزم، وإنما كان الجعل عن عقد واشتراط قبل العمل، ولو كان

стр. 4315

اشتراط الجعل حرامًا لبينه النبي ﷺ ، فلما لم يبين علم أن اشتراط الجعل جائز، والله أعلم. الجواب الثاني: قال ابن عرفة: «تمسك به غير واحد من أشياخ المذهب في جواز الجعل، وفيه نظر؛ لجواز كون إقراره ﷺ لاستحقاقهم إياه بالضيافة، فأجاز لهم استخلاص ذلك بالرقية رخصة اتفاقًا» (١). ويرد على الاعتراض: لو كان الجواز لاستحقاقهم إياه بالضيافة لبين ذلك النبي ﷺ للأمة، ولو بينه لنقل، فلما أقرهم عليه، وكان ذلك مطلقًا حمل ذلك على الجواز. الدليل الثالث: (ح-٦١٨) ما رواه البخاري من طريق يحيى بن سعيد، عن ابن أفلح، عن أبي محمد، مولى أبي قتادة، عن أبي قتادة ﵁، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حنين، وفيه: قال رسول الله ﷺ : من قتل قتيلًا له عليه بينة، فله سلبه (٢). وجه الاستدلال: جازت الجعالة مع أن العوض مجهول هنا؛ والشرط في صحة الجعالة عند الجمهور أن يكون العوض معلومًا؛ لأنه من مال الكفار. قال ابن قدامة: «إن جعله من مال المسلمين لم يجز إلا معلومًا مقدرًا،

стр. 4316

كالجعل في المسابقة، ورد الضالة، وإن كان من الكفار جاز مجهولًا؛ لأن النبي جعل الثلث والربع وسلب المقتول، وهو مجهول؛ ولأنه لا ضرر فيه على المسلمين، فجاز مع الجهالة، كسلب القتيل» (١). الدليل الرابع: احتج ابن قدامة بالإجماع على جواز الجعالة في رد العبد الآبق، قال ابن قدامة: «وهذا قول أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، ولا نعلم فيه مخالفًا» (٢). فغيره إما مثله، أو مقيس عليه. ويجاب: هذا الدليل حجة على الحنفية حيث منعوا الجعالة، وأجازوها في رد العبد الآبق، حيث يقال في الرد عليهم: لا فرق في المال بين العبد وغيره، فصيانة المال مأمور بها الإنسان، ولا يعتبر هذا الدليل حجة على ابن حزم حيث يمنع الإلزام بالجعالة في العبد الآبق وغيره، وخلافه يخرق الإجماع، والله أعلم. الدليل الخامس: من النظر: فإن الحاجة تدعو إلى ذلك، فإن العمل قد يكون مجهولًا، كرد الآبق والضالة ونحو ذلك، ولا تنعقد الإجارة فيه، والحاجة داعية إلى ردهما، وقد لا يجد من يتبرع به، فدعت الحاجة إلى إباحة بذل الجعل فيه مع جهالة العمل. الدليل السادس: القياس على عقد المضاربة، قال إمام الحرمين: «وإذا كنا نحتمل جهالة

стр. 4317

القراض (المضاربة) توصلًا إلى تحصيل الأرباح من غير اضطرار، وإرهاق إليها، فجهالة الجعالة أولى بالاحتمال» (١). الراجح: جواز عقد الجعالة، لشدة الحاجة إليها، ولقوة أدلة القائلين بالجواز. * * *

стр. 4318

المبحث الثالث الفرق بين الجعالة والإجارة [م-٩٧٠] الجعالة نوع من الإجارة، فهي دفع عوض في مقابل عمل آدمي، إلا أنها تفترق عن الإجارة ببعض الفروق، ذكر العلماء منها: الأولى: الجعالة عقد جائز، ولا يكون لازمًا إلا بتمام العمل على الصحيح، بخلاف الإجارة فهي عقد لازم ليس لأحد المتعاقدين الفسخ إلا بالتراضي. الثاني: يشترط في الإجارة تعيين العامل، فلا تصح مع جهالة الأجير، بخلاف الجعالة فتصح مع إبهام العامل، كأن يقول: من رد مالي فله كذا. الثالث: الجعالة لا يشترط لصحتها العلم بالعمل المجاعل عليه، بخلاف الإجارة فإنها يشترط أن يكون العمل فيها معلومًا. الرابع: يشترط في الإجارة أن تكون مدة العمل معلومة، بخلاف الجعالة، فإنه لا يشترط فيها معرفة مدة العمل. الخامس: لا يستحق العامل في الجعالة إلا بتمام العمل، خلافًا للإجارة فيستحق الأجر على قدر العمل إلا إذا شارطه على الإتمام. السادس: منع بعض الفقهاء في عقد الإجارة الجمع بين تقدير المدة والعمل، كأن يقول: من خاط هذا الثوب في يوم فله كذا، وأجاز الحنابلة في عقد الجعالة الجمع بين تقدير المدة والعمل. السابع: أجاز الفقهاء تقديم الأجرة في عقد الإجارة، ومنع المالكية تقديم دفع الأجرة في عقد الجعالة.

стр. 4319

الثامن: ذكر الشافعية بأنه لا يشترط في عقد الجعالة قبول العامل، وإن كان العامل معينًا، فمن سمع النداء من الجاعل أو علم به، فله أن يباشر العمل دون أن يتلفظ بالقبول، وأما في عقد الإجارة فلا تنعقد عندهم إلا بالقبول المطابق للإيجاب كالبيع (١). * * *

стр. 4320

الباب الأول في أركان الجعالة [م-٩٧١] يقع بين الحنفية والجمهور خلاف في تحديد أركان العقد، تكلمنا عليه فيما سبق في كل من عقد البيع، والإجارة، والسلم، وغيرها، فإذا خرج الحنفية من عقد الجعالة باعتبارهم لا يقولون بجوازها، فلا يوجد خلاف بين الجمهور في تحديد أركان الجعالة: والأركان عندهم أربعة: أحدها: الصيغة. الثاني: المتعاملان (الجاعل، والمجعول له). الثالث: العمل. الرابع: الجعل (١). قال في الشرح الصغير: «أركانها أربعة كالإجارة، العاقد، والمعقود عليه، وبه (العوض) وما يدل على الصيغة» (٢). وجاء في نهاية المحتاج: «وأركانها أربعة: صيغة، ومتعاقدان، وعمل، وعوض» (٣).

стр. 4321

ولكل واحد من هذه الأركان شروط سوف نتعرض لها في المباحث التالية إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 4322

الفصل الأول في شروط الصيغة المبحث الأول في اشتراط الإيجاب دون القبول [م-٩٧٢] الجعالة: التزام بإرادة واحدة من الجاعل، فلا تنعقد إلا بإيجاب من الجاعل، ولا يشترط قبول العامل، وإن عينه الجاعل. جاء في حاشية قليوبي وعميرة: «فلا يشترط قبول العامل، ولو كان معينًا» (١). ويصح الإيجاب، سواء كان موجهًا لشخص معين، أو لغير معين. جاء في تهذيب المدونة: «ومن قال لرجل: إن جئتني، أو قال: من جاءني بعبدي الآبق، فله أو فلك عشرة دنانير، وسمى موضعًا هو فيه، أو لم يسم، ولم يعرف السيد موضعه، جاز ذلك، ولمن جاء به العشرة» (٢). ولم يشترط الفقهاء القبول؛ لما فيه من التضييق في محل الحاجة (٣). فلو سمع قائلًا يقول: من يأتيني بعبدي الآبق مثلًا، فله كذا، فأتاه به من غير تواطؤ معه، ولا حصول قبول منه، فإنه يستحق الجعل (٤).

стр. 4323

ولما كان القبول ليس شرطًا في العقد لم يشترط تطابق الإيجاب والقبول، فلو قال الجاعل: إن رددت ضالتي فلك دينار. فقال العامل: أردها بنصف دينار، فالراجح القطع باستحقاقه للدينار؛ لأن القبول لا أثر له في الجعالة. * * *

стр. 4324

المبحث الثاني إذا عمل العامل بلا إيجاب من الجاعل الفرع الأول أن يرد الضالة بلا إيجاب من المالك ولا من غيره [م-٩٧٣] اختلف العلماء في الرجل يرد الضالة بلا إذن صاحبها على أقوال. القول الأول: لا يستحق العامل الجعل في رد الضال، ويستحق الجعل في رد العبد الآبق، سواء كان معروفًا بطلب الإباق، أو لم يكن معروفًا، إلا أن يكون الراد هو الإمام فلا يستحق شيئًا؛ لانتصابه للمصالح. وهذا مذهب الحنفية (١). وسبق أن ذكرنا أدلتهم في التفريق بين العبد وبين غيره في مسألة حكم الجعالة عند الفقهاء. القول الثاني: ذهب المالكية إلى التفصيل: إن كان منتصبًا للعمل استحق جعل مثله، في الضال والآبق، وإن لم يكن منتصبًا للعمل استحق النفقة فقط، وقيل: لا نفقة له اختاره بعضهم (٢). وجه قول المالكية: أن هذا عمل لم يتفق فيه على مقدار الجعل، وكل عمل لم يتفق فيه على

стр. 4325

عوض مقدر، يرجع فيه إلى جعل المثل، أصله الإجارة، وما ورد في الأثر من التقدير بالدينار يؤخذ منه أن له الجعل، وإن لم يشترط، وذكر الدينار ليس على سبيل التقدير، بل لأنه جعل مثله في ذلك الوقت. واشترطنا أن يكون الجاعل منتصبًا للعمل؛ لأنه لما لم يكن هناك عقد واتفاق، كان العرف الجاري يقوم مقام القول، فصار كنقد البلد، وكما لو دخل حمامًا، أو جلس في سفينة ملاح؛ لأن شاهد الحال يقتضيه، فصار كالتعويض، فإن لم يكن منتصبًا لم يستحق الأجرة إلا بالشرط؛ لأنه لم يجر عرف يقوم مقام العقد، فصار كما لو تبرع به (١). القول الثالث: ذهب الشافعية إلى أن الجاعل لا يستحق شيئًا، لا في الضال، ولا في الآبق مطلقًا، سواء أكان الراد معروفًا برد الضوال والآبقين، أم لا. وهذا مذهب الشافعية (٢). وجه قول الشافعية: (ح-٦١٩) قال الماوردي: «دليلنا عموم قوله ﷺ : لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه» (٣).

стр. 4326

ولأن العامل متبرع قد بذل منفعته دون أن يلتزم له أحد بدفع عوض، فلم يستحق شيئًا. القول الرابع: ذهب الحنابلة إلى أنه لا يستحق شيئًا في رد الضال، واستثنوا مسألتين: الأولى: في رد الإباق فإنه يستحق مطلقًا ولو لم يأذن صاحبه، سواء أكان معروفًا برد الإباق أم لا، إلا أن يكون الراد الإمام. الثانية: إذا قام العامل بتخليص متاع غيره من الهلكة، كإنقاذه من الغرق، أو من الحريق؛ فله أجرة مثله؛ لأن فيه حثًا، وترغيبًا في إنقاذ الأموال من الإتلاف (١). جاء في شرح منتهى الإرادات: «وإن عمل شخص ـ ولو المعد لأخذ أجرة على عمله ـ لغيره عملًا بلا إذن، أو بلا جعل ممن عمل له، فلا شيء له؛ لتبرعه

стр. 4327

بعمله حيث بذله بلا عوض، ولئلا يلزم الإنسان ما لم يلتزمه، ولم تطب به نفسه، إلا في تخليص متاع، ولو كان المتاع قنًا من بحر، أو فم سبع، أو فلاة يظن هلاكه في تركه، فله أجرة مثله؛ لأنه يخشى من هلاكه، وتلفه على مالكه بخلاف اللقطة، وفيه حث وترغيب في إنقاذ الأموال من الهلكة، وإلا في رد آبق من قن، ومدبر، وأم ولد إن لم يكن الراد الإمام» (١). الراجح: لعل قول الحنابلة أقرب الأقوال إلى الصواب، والله أعلم. * * *

стр. 4328

الفرع الثاني أن يكون الإيجاب من غير المالك [م-٩٧٤] إذا قال أجنبي: من رد عبد فلان فله كذا لزمه العوض، لا فرق بين أن يقول: فله عليَّ، أو فله كذا. قال النووي: «لو قال غير المالك: من رد عبد فلان، فله كذا، استحقه الراد على القائل» (١). وفي حاشية الجمل: «وظاهر كلام المصنف أنه يلزم غير المالك العوض، وإن لم يقل: علي» (٢). وفي نهاية المحتاج: «قال الخوارزمي في الكافي، ولو قال: الفضولي: من رد عبد فلان فله علي دينار، أو قال: له دينار. فمن رده استحق على الفضولي ما سمى» (٣). أما لو قال الفضولي: قال المالك فلان: من رد عبدي فله كذا، لم يستحق الراد على الفضولي شيئًا، وأما المالك فإن صدقه لزمه العوض، وإلا فلا. قال النووي: «ولو قال فضولي: قال فلان: من رد عبدي، فله كذا، لم يستحق الراد على الفضولي شيئًا؛ لأنه لم يلتزم به. وأما المالك: فإن كذب الفضولي عليه، فلا شيء عليه، وإن صدق، قال البغوي: يستحق عليه، وكأن هذا فيما إذا كان المخبر ممن يعتمد قوله، وإلا فهو كما لو رد غير عالم بإذنه» (٤). * * *

стр. 4329

الفرع الثالث إذا لم يسمع العامل إيجاب الجاعل [م-٩٧٥] هل استحقاق العوض مرتب على التزام الجاعل به، علم به العامل أو لم يعلم؟ أو أن العوض لا يستحقه العامل إلا بأمرين: التزام من الجاعل بالعوض، واطلاع من العامل بهذا الالتزام. اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: إذا قال المالك: من وجد مالي فله كذا وكذا، فرده من لم يعلم بقوله لم يستحق شيئًا؛ لأنه متطوع بالرد من غير عوض. ومن بلغه الجعل في أثناء العمل فإنه يستحق من الجعل بنسبة ما أتمه من العمل بعد العلم بالإذن، ولا يستحق شيئًا عن العمل الحادث قبل علمه بالجعل. وهذا مذهب الشافعية، والحنابلة (١). واستثنى الحنابلة مسألتين سبق ذكرهما: الأولى: في رد الإباق فإنه يستحق مطلقًا، أذن صاحبه أو لم يأذن. الثانية: إذا قام العامل بتخليص متاع غيره من الهلكة، كإنقاذه من الغرق، أو من الحريق؛ فله أجرة مثله (٢).

стр. 4330

وفي كشاف القناع: «ومن فعله: أي العمل المجاعل عليه قبل أن يبلغه الجعل لم يستحقه، أي الجعل، ولا شيئًا منه؛ لأنه متبرع بعمله، وحرم عليه أخذه، أي الجعل؛ لأنه من أكل المال بالباطل، وسواء رده قبل بلوغ الجعل، أو بعده، إذ الجعل في مقابلة العمل، لا التسليم» (١). وجاء في الإقناع: «فمن فعله بعد أن بلغه الجعل استحقه كدين، وفي أثنائه يستحق حصة تمامه» (٢). القول الثاني: ذهب المالكية إلى أن العامل إن سمع المالك استحق المسمى، وإن لم يسمعه، وكان منتصبًا للعمل استحق جعل مثله، وإن كان لم يكن ذلك من عادته استحق النفقة فقط. هذا هو المشهور عند المالكية (٣). القول الثالث: حكى ابن حبيب، عن ابن الماجشون وأصبغ من المالكية أن له الجعل المسمى، وإن لم يعلم به (٤). وسبق ذكر أدلتهم في مسألة سابقة، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، والله أعلم. * * *

стр. 4331

المبحث الثالث في اشتراط اللفظ في صيغة الجعالة الأصل في العقود من المعاملات المالية أنها تنعقد بكل ما دل على مقصودها، من قول، أو فعل (١). [م-٩٧٦] اختلف الفقهاء في اشتراط اللفظ في صيغة الجعالة على قولين: القول الأول: لا يشترط في الإيجاب اللفظ، بل تصح الجعالة بكل ما يدل على إذن بالعمل بعوض معلوم. قال الصاوي في الشرح الصغير: «وقوله: (من صيغة) .... ولا يشترط فيها اللفظ كالإجارة» (٢). القول الثاني: طرد الشافعية مذهبهم فاشترطوا اللفظ، وجعلوا الكتابة والإشارة المفهمة من الأخرس قائمة مقام الصيغة. واشترطوا في الكتابة أن ينوي بها الجعالة؛ لأنها من ألفاظ الكنايات، والكنايات يشترط أن يقترن بها نية بخلاف الصريح. قال في تحفة المحتاج: «وأما الناطق إذا كتب ذلك، ونواه، فإنه يصح منه» (٣).

стр. 4332

وعللوا ذلك بأن الجعالة معاوضة، فافتقرت إلى صيغة تدل على المطلوب. والراجح القول الأول. * * *

стр. 4333

المبحث الرابع التعليق في صيغة الجعالة قال ابن القيم: تعليق العقود والفسوخ والتبرعات والالتزامات وغيرها بالشروط أمر قد تدعو إليه الضرورة أو الحاجة أو المصلحة، فلا يستغني عنه المكلف (١). وقال السعدي: التعليق للعقود كلها بالشروط المعلومة غير المجهولة جائز لا محذور فيه (٢). [م-٩٧٧] سبق لنا في عقد البيع أن الأئمة الأربعة لا يجيزون تعليق البيع على شرط، مثل: بعتك إن قدم زيد (٣). واستثنى الحنفية والمالكية تعليق البيع على رضا شخص، أو مشورته (٤).

стр. 4334

وأما تعليق صيغة الجعالة فذهب عامتهم إلى جوازها، كما لو قال: إن رددت عبدي فلك كذا، وعللوا ذلك: بأنها تعليق استحقاق بشرط كالوصية (١). قال الزركشي في القواعد: «وأما التعليق في الجعالة، والخلع، ونحوهما، فلأنه التزام يشبه النذر» (٢). وقال في الفروع: «الجعالة: أن يجعل معلومًا كأجرة، كمن رد عبدي، أو بنى لي هذا فله كذا أو مائة؛ لأنه في معنى المعاوضة، لا تعليقًا محضًا» (٣). وقال البهوتي: «أو جعله لغير معين بأن يقول: من رد لقطتي، أو وجدها، فله كذا ..... فيصح العقد مع كونه تعليقًا؛ لأنه في معنى المعاوضة، لا تعليقًا محضًا» (٤). وخالف في ذلك ابن حجر الهيتمي من الشافعية، فقال تعليقًا على تشبيه

стр. 4335

الجعالة بالقراض في عدم تأقيت الصيغة: «ويؤخذ من التشبيه بالقراض، أنه لا يصح تعليقها، وهو ظاهر، ولم أر من تعرض له» (١). والراجح: صحة التعليق في العقود كلها، ومنه الجعالة، بل إن من العقود لا يقع إلا معلقًا كالوصية والجعالة، فالأول على الموت، والثاني على إنجاز العمل. قال ابن القيم: «ولا يمتنع تعليق الاختيار على الشرط، كما يصح تعليق الجعالة والولاية والوكالة والعتق والطلاق، وكذلك يصح تعليق الرجعة بالشرط ... » (٢). على أن الجعالة من طبيعتها أن تكون الصيغة معلقة؛ لأن استحقاق الجعل معلق على القيام بالعمل والفراغ منه، والعامل فيه غالبًا غير معين، والله أعلم. * * *

стр. 4336

الفصل الثاني في شروط العاقدين المبحث الأول في شروط الجاعل [م-٩٧٨] يشترط في الجاعل: أهلية الاستئجار والعمل. قال في حاشية العدوي: «وشرط العاقد التأهل لعقد الإجارة صحة، ولزومًا» (١). وقال في البهجة شرح التحفة: «أركان الجعل ثلاثة: عاقد، وشرطه: أهلية البيع، والعمل» (٢). وكان اختلاف الفقهاء راجعًا إلى اختلافهم في تحقيق هذا الشرط، فهم متفقون على اشتراط أن يكون الجاعل جائز التصرف، مختلفون في الصبي المميز، هل تحققت فيه أهلية التصرف، وهل الإكراه يؤثر في الأهلية، وسوف نبحث هاتين المسألتين كل واحدة منها في مبحث مستقل. المسألة الأولى: [م-٩٧٩] اختلف الفقهاء في الجاعل إذا كان صبيًا مميزًا على ثلاثة أقوال.

стр. 4337

القول الأول: ذهب المالكية إلى أن الصبي المميز له أهلية العقد، فالتمييز شرط لصحة العقد، والتكليف شرط للزومه، فيصح عقد الجعالة من الصبي المميز، ويكون موقوفًا على إجازة الولي (١). قال الخرشي: «وشرط عاقده تمييز ... ولزومه تكليف» (٢). القول الثاني: مذهب الشافعية: يشترط في الجاعل عند الشافعية أن يكون صحيح التصرف فيما يجعله عوضًا. قال في مغني المحتاج: «يشترط في الملتزم للجعل مالكًا كان أو غيره أن يكون مطلق التصرف، فلا يصح من صبي، ومجنون، ومحجور وسفيه» (٣). فالشافعية يمنعون الصبي من التصرف مطلقًا، سواء أكان مميزًا أم غير مميز، وسواء أكان مأذونًا له أم لا، وإنما الذي يباشر العقد عنه وليه. وسبق ذكر أدلتهم في عقد البيع، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. القول الثالث: مذهب الحنابلة: اشترط الحنابلة في الجاعل أن يكون جائز التصرف (٤).

стр. 4338

قال في مطالب أولي النهى: «وإن قال جائز التصرف لزيد مثلًا: إن رددت لقطتي فلك ذلك .... » (١). فاعتبر القول إذا كان صادرًا من جائز التصرف (٢). إلا أنهم نصوا على أن الإجارة من الصبي المميز لا تصح إلا إذا كانت مبنية على إذن سابق (٣). لأن الصبي إذا لم يؤذن له في التصرف كان محجورًا عليه، وتصرفات المحجور عليه باطلة غير صحيحة قياسًا على السفيه (٤). هذا قولهم في الإجارة، والجعالة مقيسة عليه. فالمالكية اعتبروا الإجازة اللاحقة كالإذن السابق، وأما الحنابلة فصححوا تصرف الصبي المميز إذا كان الإذن سابقًا على التصرف. وأرى أن الراجح في هذا مذهب المالكية، وأن الإجازة اللاحقة كالإذن السابق. المسألة الثانية: اشتراط الاختيار . [م-٩٨٠] اتفق الفقهاء على اشتراط أن يكون الجاعل مختارًا، فإن كان مكرهًا، فهل يصح عقده؟

стр. 4339

اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: ذهب المالكية إلى أن المكره له أهلية الاستئجار، وبالتالي يصح عقد الجعالة منه إلا أن عقده غير لازم، فللمكره الخيار بين إمضائه ورده (١). هذا قولهم في عقد المكره على البيع، والجعالة مقيسة عليه؛ لأنها قائمة على المعاوضة. القول الثاني: لا ينعقد مطلقًا، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة. جاء في فتوحات الوهاب: «أركانها أربعة عمل وجعل وصيغة وعاقد، وشرط فيه اختيار .... فلا يصح التزام مكره» (٢). وقد نص الحنابلة في عقد البيع والإجارة على بطلان عقد المكره، والجعالة مقيسة عليه (٣). قال في الإنصاف: «الجعالة نوع إجارة، لوقوع العوض في مقابلة منفعة ..... » (٤).

стр. 4340

وقال في شرح منتهى الإرادات: «والجعالة نوع إجارة؛ لوقوع العوض في نظير النفع» (١). وأرى أن الراجح في هذا مذهب المالكية؛ لأن الحق للمكره، فإذا أجاز العقد مضى، والله أعلم. * * *

стр. 4341

المبحث الثاني في شروط العامل [م-٩٨١] اختلف الفقهاء فيما يشترط في المجعول له (العامل) على قولين: القول الأول: ذهب المالكية إلى أنه يشترط في العامل ما يشترط في الجاعل، وقد سبق لنا أنهم يشترطون في الجاعل أهلية الاستئجار والعمل. قال القرافي: «النظر الأول: في أركانها ـ وهي أربعة ـ الأول والثاني: المتعاقدان ... ولا يشترط فيهما إلا أهلية الاستئجار والعمل» (١). فقوله: (فيهما) الضمير يعني الجاعل والمجعول له. واقتصر خليل في مختصره بذكر شرط الجاعل، ولم يذكر شرط المجعول له، قال الخرشي في شرحه: «وإنما اكتفى بشرط الجاعل، عن شرط المجعول له؛ لأن ما كان شرطًا في الجاعل كان شرطًا في المجعول له، فاكتفى بأحد المتساويين عن الآخر» (٢). وقال ابن عرفة: شرطه أهلية المعاوضة فيهما (٣): أي في الجاعل والمجعول له، وأهلية المعاوضة: هي أهلية الاستئجار والعمل. القول الثاني: اشترط الشافعية في المجعول له شرطين هما:

стр. 4342

الشرط الأول: علمه بالالتزام، فلو قال: إن رد زيد آبقي، فله كذا، فرده غير عالم بذلك لم يستحق شيئًا (١). وهذه مسألة خلافية سبق التعرض لها بالبحث على وجه الاستقلال. الشرط الثاني: اشترط الشافعية في العامل المعين أهليته للعمل وقت النداء والعمل، بأن يكون قادرًا عليه، فلا يصح العقد من عاجز عن العمل، كصغير وضعيف لا يقدر عليه؛ لأن منفعته معدومة. أما إذا كان العامل غير معين، فلا تشترط أهليته للعمل وقت النداء، بل تشترط أهليته وقت الرد، فلو كان حال النداء غير أهل كصغير لا يقدر، ثم صار أهلًا بعد ذلك، فإذا رَدَّ بعد أن كان قادرًا صح ذلك. ولا يشترط في العامل بنوعيه معينًا كان أو غير معين بلوغ ولا عقل، فيصح الرد من الصبي والمجنون إذا كان لهما نوع تمييز، ولو بلا إذن من وليهما. قال الشافعية: وليس لنا عقد يصح مع الصبي المميز، والمجنون المميز إلا هذا. ويصح من العبد على الصحيح، ولو بلا إذن السيد، ويصح العقد من محجور عليه بسفه (٢). قال في مغني المحتاج: «وهذا هو المعتمد خلافًا لما قاله في السير من عدم استحقاق الصبي والعبد إذا قام به بغير إذن سيده» (٣).

стр. 4343

وقال الماوردي: «فلو قال: من جاءني بعبدي الآبق فله دينار، فأي الناس جاء به استحق الدينار، من رجل أو امرأة، حر أو عبد، مسلم أو كافر، صغيرًا أو كبيرًا عاقلًا أو مجنونًا، إذا كان قد سمع النداء، أو علم به؛ لدخولهم في عموم قوله: من جاءني» (١). * * *

стр. 4344

الفصل الثالث فيما يشترط في العمل قال النووي: ما يعتبر في العمل لجواز الإجارة، يعتبر في الجعالة سوى كونه معلومًا (١). [م-٩٨٢] نص المالكية والشافعية على أن شروط العمل في الجعالة، هي شروط العمل في الإجارة إلا شرطًا واحدًا، وهو كون العمل معلومًا، فهو شرط في الإجارة، وليس شرطًا في الجعالة. جاء في البهجة شرح التحفة: «أركان الجعل ثلاثة: عاقد، وشرطه: أهلية البيع، والعمل، وهو كعمل الإجارة من كونه منفعة، تتقوم، قُدِر على تسليمها، بلا استيفاء عين، ولا حظر» (٢). وقال في عقد الجواهر الثمينة: «الركن الثالث: العمل، وهو كل عمل يجوز الاستئجار عليه، ولكن لا يشترط كونه معلومًا» (٣). وقال النووي في الروضة: «وما يعتبر في العمل لجواز الإجارة، يعتبر في الجعالة سوى كونه معلومًا» (٤). وقال في الإقناع: «ما لا يجوز أخذ العوض عليه في الإجارة كالغناء، والزمر، وسائر المحرمات لا يجوز أخذ الجعل عليه» (٥).

стр. 4345

وبناء على هذا النص نستطيع أن نتوصل إلى أن شروط العمل في الجعالة مما لم ينص عليه الفقهاء يمكن الرجوع فيها إلى شروط العمل في الإجارة، إلا شرطًا واحدًا: وهو كون العمل معلومًا، فإنه وإن كان شرطًا في الإجارة، فليس شرطًا في الجعالة. هذا الكلام في شروط العمل في الجعالة على سبيل الإجمال، وأما شروط العمل فيها على سبيل التفصيل، فسوف نذكرها إن شاء الله تعالى في المباحث التالية. * * *
следующие страницы →