المبحث الثاني
في شروط العامل
[م-٩٨١] اختلف الفقهاء فيما يشترط في المجعول له (العامل) على قولين:
القول الأول:
ذهب المالكية إلى أنه يشترط في العامل ما يشترط في الجاعل، وقد سبق لنا أنهم يشترطون في الجاعل أهلية الاستئجار والعمل. قال القرافي: «النظر الأول: في أركانها ـ وهي أربعة ـ الأول والثاني: المتعاقدان ... ولا يشترط فيهما إلا أهلية الاستئجار والعمل» (١).
فقوله: (فيهما) الضمير يعني الجاعل والمجعول له.
واقتصر خليل في مختصره بذكر شرط الجاعل، ولم يذكر شرط المجعول له، قال الخرشي في شرحه: «وإنما اكتفى بشرط الجاعل، عن شرط المجعول له؛ لأن ما كان شرطًا في الجاعل كان شرطًا في المجعول له، فاكتفى بأحد المتساويين عن الآخر» (٢).
وقال ابن عرفة: شرطه أهلية المعاوضة فيهما (٣): أي في الجاعل والمجعول له، وأهلية المعاوضة: هي أهلية الاستئجار والعمل.
القول الثاني:
اشترط الشافعية في المجعول له شرطين هما:
стр. 4342
الشرط الأول:
علمه بالالتزام، فلو قال: إن رد زيد آبقي، فله كذا، فرده غير عالم بذلك لم يستحق شيئًا (١). وهذه مسألة خلافية سبق التعرض لها بالبحث على وجه الاستقلال.
الشرط الثاني:
اشترط الشافعية في العامل المعين أهليته للعمل وقت النداء والعمل، بأن يكون قادرًا عليه، فلا يصح العقد من عاجز عن العمل، كصغير وضعيف لا يقدر عليه؛ لأن منفعته معدومة.
أما إذا كان العامل غير معين، فلا تشترط أهليته للعمل وقت النداء، بل تشترط أهليته وقت الرد، فلو كان حال النداء غير أهل كصغير لا يقدر، ثم صار أهلًا بعد ذلك، فإذا رَدَّ بعد أن كان قادرًا صح ذلك.
ولا يشترط في العامل بنوعيه معينًا كان أو غير معين بلوغ ولا عقل، فيصح الرد من الصبي والمجنون إذا كان لهما نوع تمييز، ولو بلا إذن من وليهما. قال الشافعية: وليس لنا عقد يصح مع الصبي المميز، والمجنون المميز إلا هذا.
ويصح من العبد على الصحيح، ولو بلا إذن السيد، ويصح العقد من محجور عليه بسفه (٢).
قال في مغني المحتاج: «وهذا هو المعتمد خلافًا لما قاله في السير من عدم استحقاق الصبي والعبد إذا قام به بغير إذن سيده» (٣).
стр. 4343
وقال الماوردي: «فلو قال: من جاءني بعبدي الآبق فله دينار، فأي الناس جاء به استحق الدينار، من رجل أو امرأة، حر أو عبد، مسلم أو كافر، صغيرًا أو كبيرًا عاقلًا أو مجنونًا، إذا كان قد سمع النداء، أو علم به؛ لدخولهم في عموم قوله: من جاءني» (١).
* * *
стр. 4344
الفصل الثالث
فيما يشترط في العمل
قال النووي: ما يعتبر في العمل لجواز الإجارة، يعتبر في الجعالة سوى كونه معلومًا (١).
[م-٩٨٢] نص المالكية والشافعية على أن شروط العمل في الجعالة، هي شروط العمل في الإجارة إلا شرطًا واحدًا، وهو كون العمل معلومًا، فهو شرط في الإجارة، وليس شرطًا في الجعالة.
جاء في البهجة شرح التحفة: «أركان الجعل ثلاثة: عاقد، وشرطه: أهلية البيع، والعمل، وهو كعمل الإجارة من كونه منفعة، تتقوم، قُدِر على تسليمها، بلا استيفاء عين، ولا حظر» (٢).
وقال في عقد الجواهر الثمينة: «الركن الثالث: العمل، وهو كل عمل يجوز الاستئجار عليه، ولكن لا يشترط كونه معلومًا» (٣).
وقال النووي في الروضة: «وما يعتبر في العمل لجواز الإجارة، يعتبر في الجعالة سوى كونه معلومًا» (٤).
وقال في الإقناع: «ما لا يجوز أخذ العوض عليه في الإجارة كالغناء، والزمر، وسائر المحرمات لا يجوز أخذ الجعل عليه» (٥).
стр. 4345
وبناء على هذا النص نستطيع أن نتوصل إلى أن شروط العمل في الجعالة مما لم ينص عليه الفقهاء يمكن الرجوع فيها إلى شروط العمل في الإجارة، إلا شرطًا واحدًا: وهو كون العمل معلومًا، فإنه وإن كان شرطًا في الإجارة، فليس شرطًا في الجعالة.
هذا الكلام في شروط العمل في الجعالة على سبيل الإجمال، وأما شروط العمل فيها على سبيل التفصيل، فسوف نذكرها إن شاء الله تعالى في المباحث التالية.
* * *
стр. 4346
الشرط الأول
أن يكون العمل مباحًا
كل ما يحرم فعله لا يجوز أخذ الجعالة عليه.
كل ما يلزم الجاعل فعله لا يجوز أخذ الجعالة عليه (١).
[م-٩٨٣] اشترط الفقهاء في عمل الجعالة أن يكون مباحًا. وخرج بذلك شيئان:
الأول: المحرم، فكل عمل لا يجوز للمجعول له فعله، يحرم أخذ الجعالة على فعله، كالجعالة على تعليم السحر، والغناء، وحمل الخمر لغير الإراقة، ونحو ذلك.
قال في الإقناع: «وكل ما جاز أخذ العوض عليه في الإجارة من الأعمال جاز أخذه عليه في الجعالة، وما لا يجوز أخذ العوض عليه في الإجارة كالغناء، والزمر، وسائر المحرمات لا يجوز أخذ الجعل عليه» (٢).
الثاني: خرج بالمباح الواجب، فكل ما يلزم الجاعل فعله لا يجوز أخذ الجعالة عليه.
قال ابن رشد في المقدمات: «أما ما لا يصح فيه الجعل ولا الإجارة فنوعان: أحدهما: ما لا يجوز للمجعول له فعله. والثاني: ما يلزمه» (٣).
стр. 4347
فما لا يجوز له فعله من المحرمات سبق ضرب الأمثلة له، وأما الثاني: فهو ما يجب على الجاعل فعله فهذا لا يستحق الجعل عليه، وقد مثل له المالكية: في الدلالة على المال إذا كان العامل يعلم مكانه، فلا شيء له؛ لأن الدلالة على المال واجبة عليه؛ حيث علم مكانه، وربه لا يعلم.
قال القرافي: «ويمنع ـ أي الجعل ـ في الدلالة على المال؛ لأنها واجبة شرعًا» (١).
ومثل له الشافعية برد الغاصب والسارق العين المغصوبة والمسروقة لصاحبها بعد أن سمع إعلان المالك الجعل على الرد، فإن الغاصب والسارق لا يستحق شيئًا؛ لأن ما تعين عليه شرعًا لا يقابل بعوض (٢).
وخرج بقولهم: ما تعين على العامل: الواجب على الكفاية، فإنه لم يتعين على العامل بعينه، فمن حبس ظلمًا، فبذل مالًا لمن يتكلم في خلاصه بجاهه، أو بغيره، فإنه جائز (٣).
كما أجاز الشافعية أخذ الجعل على رد دابة دخلت داره لصاحبها بعد أن جاعل عليها، وعللوا ذلك بأن الواجب عليه التخلية بينها وبين صاحبها، وأما ردها فلا يجب عليه (٤).
стр. 4348
الشرط الثاني
في اشتراط المنفعة للجاعل
[م-٩٨٤] اختلف الفقهاء، هل من شروط صحة الجعالة أن يكون العمل فيه منفعة للجاعل على قولين:
القول الأول:
لا يشترط، فلو جعل له دينارًا على أن يصعد جبلًا مثلًا، استحقه بذلك. وهو قول في مذهب المالكية.
قال ابن رشد: «وقد اختلف هل من شروط صحته أن يكون للجاعل فيه منفعة أم لا؟ على قولين» (١).
القول الثاني:
يشترط أن يكون العمل فيه منفعة للجاعل، وهذا مذهب الجمهور، وهو المشهور في مذهب مالك.
قال خليل في مختصره: «وفي شرط منفعة الجاعل قولان» (٢).
قال الخرشي في شرحه «يعني: هل من شرط صحة الجعل أن يكون للجاعل فيه منفعة، أو لا يشترط ذلك؟ فيه خلاف، وينبني على ذلك، لو جاعل شخص شخصًا على أن يصعد لهذا الجبل، وينزل منه، من غير أن يكون للجاعل منفعة بإتيان حاجة منه، هل يصح أم لا؟» (٣).
стр. 4349
وبهذا الشرط قال الشافعية والحنابلة، وإن اختلفت ألفاظهم، فالشافعية يشترطون في العمل أن يكون متقومًا، أي له قيمة ليحسن بذل المال في مقابلته، فخرج بذلك الأعمال التي لا قيمة لها إما لتحريمها، أو لخستها، أو لقلتها، فلا يصح بذل المال في تحصيلها.
كما أن الشافعية والحنابلة اشترطوا حصول المنفعة للجاعل، فقال الشافعية في عقد الإجارة: لا يصح استئجار دابة ليركبها المؤجر، فإن العوضين يجتمعان له.
وقالت الشافعية والحنابلة: لا يجوز الاستئجار على العبادات التي لا تجري فيها النيابة، كالصلاة، والصيام، فإنها تحصل للعامل وحده، بخلاف الحج، وغسل الميت، وحفر القبور، ودفن الموتى، وحمل الجنائز، فإن الاستئجار على جميع ذلك جائز؛ لدخوله النيابة (١).
وما نص على اشتراطه في الإجارة فهو شرط في عمل الجعالة؛ كما حررنا سابقًا.
وجه اشتراط المنفعة في عقد الجعالة:
أن العمل إذا لم يكن فيه منفعة للجاعل كان ذلك من أكل أموال الناس بالباطل.
الراجح:
الذي أراه أن عقود المبادلات كلها يشترط أن يكون فيها منفعة لمن يعقدها، ومنها عقد الجعالة، إلا أن يكون الجاعل أراد من عقد الجعالة أن يتوصل إلى
стр. 4350
منفعة المجعول له فقط، كما لو قال له: إن حضرت حلقة فلان فلك كذا، أو قال له: إن ذهبت إلى السوق مبكرًا لطلب الرزق فلك كذا، فهذا عقد صحيح، وإن لم يكن فيه منفعة للجاعل؛ لأن غرضه من العقد صحيح، وقد صحح الفقهاء أن يقول الأجنبي: من رد دابة فلان له كذا، ويكون العوض واجبًا على المنادي، وإن لم ينتفع بذلك، فيكفي في المنفعة أن تكون لأحد المتعاقدين، ويستأنس بقصة شراء النبي ﷺ لجمل جابر ﵁ في الصحيح، فإن العقد كان على صورة البيع، وكان المصطفى ﷺ أراد نفع جابر، فدفع إليه الجمل والثمن، أما إذا كان العمل خلوًا من المنفعة فلا يجوز بذل العوض عليه، وقد سبق الكلام على هذه الصورة، والله أعلم.
* * *
стр. 4351
الشرط الثالث
في اشتراط القدرة على التسليم
[م-٩٨٥] اشترط المالكية والشافعية والحنابلة القدرة على تسليم العمل، فلا يصح الجعل لأعمى على حفظ المال، ولا لأخرس على التعليم، ولا لمغصوب لغير من هو بيده (١).
جاء في البهجة شرح التحفة: «أركان الجعل ثلاثة: عاقد، وشرطه: أهلية البيع، والعمل، وهو كعمل الإجارة من كونه منفعة تتقوم، قدِر على تسليمها» (٢).
وأرى أن هذا قد يكون شرطًا في العامل المعين، وأما في العامل غير المعين فقد يلتزم الأعمى بالعمل، ويكون على الأعمى أن يبحث عن مبصر من جهته يقوم بالعمل، وهكذا والله أعلم.
* * *
стр. 4352
الشرط الرابع
في اشتراط أن يكون في العمل تعب وكلفة
قال الشافعية: ما لا كلفة فيه لا يقابل بعوض (١).
[م-٩٨٦] اختلف الفقهاء في اشترط أن يكون في الحصول على الضال تعب وكلفة على قولين:
القول الأول:
ذهب المالكية إلى أن هذا ليس بشرط، فمن قال: من رد عبدي فله دينار، فمن أحضره استحقه، تكلف طلبه أو لم يتكلفه (٢).
القول الثاني:
يشترط في العمل أن يكون فيه كلفة، وعللوا ذلك: بأن ما لا كلفة فيه لا يقابل بعوض (٣).
الراجح من الخلاف:
أرى أن مذهب المالكية هو الراجح، ولا دليل على اشتراط الكلفة والتعب، والله أعلم.
стр. 4353
الشرط الخامس
في اشتراط توقيت العمل
[م-٩٨٧] اختلف العلماء في صحة توقيت العمل في عقد الجعالة على ثلاثة أقوال.
القول الأول:
لا يجوز مطلقًا، وهو مذهب الشافعية (١).
وجه القول بالمنع:
أن عقد الجعالة فيه غرر، فإذا قدر العمل بالزمن زاد الغرر فيه؛ لاحتمال انقضاء الزمن قبل تمام العمل، فيذهب جهد العامل باطلًا.
القول الثاني:
يجوز مطلقًا، وهو مذهب الحنابلة (٢).
وجه القول بالجواز:
لأن عقد الجعالة إذا صح مع جهالة المدة فمع العلم أولى.
فإن قيل: لم منعتم الجمع بين تقدير المدة والعمل في عقد الإجارة، وأجزتم الجمع في عقد الجعالة؟
стр. 4354
قيل: الفرق بينهما من وجوه:
أحدها: أن الجعالة يحتمل فيها الغرر، وتجوز جهالة العمل، والمدة، بخلاف الإجارة.
الثاني: أن الجعالة عقد جائز، فلا يلزمه بالدخول فيها مع الغرر ضرر، بخلاف الإجارة، فإنها عقد لازم، فإذا دخل فيها مع الغرر لزمه ذلك.
الثالث: أن الإجارة إذا قدرت بمدة لزمه العمل في جميعها، ولا يلزمه العمل بعدها، فإذا جمع بين تقدير المدة والعمل، فربما عمله قبل المدة، فإن قلنا: يلزمه العمل في بقية المدة فقد لزمه من العمل أكثر من المعقود عليه، وإن قلنا: لا يلزمه العمل فقد خلا بعض المدة من العمل ... بخلاف مسألتنا، فإن العمل الذي يستحق به الجعل هو عمل مقيد بمدة إن أتى به فيها استحق الجعل، ولا يلزمه شيء آخر، وإن لم يف به فيها فلا شيء له (١).
وقد بحثت هذه المسألة في عقد الإجارة، ورجحت جواز الجمع بين تقدير المدة والعمل في عقد الإجارة، والله أعلم.
القول الثالث:
لا يجوز توقيت العمل إلا في مسألتين:
المسألة الأولى:
إذا اشترط العامل أن يترك العمل متى شاء، ويكون له من العوض بحسب ما عمل؛ لأن العامل إذا دخل في العقد ابتداء على أنه مخير، فغرره حينئذ خفيف.
стр. 4355
المسألة الثانية:
إذا جعل للعامل العوض مطلقًا بمضي الزمن المتفق عليه، سواء أتم العمل أم لا، فالتوقيت جائز، إلا أن العقد في هذه الحالة خرج من الجعالة إلى الإجارة. وهذا مذهب المالكية (١).
الراجح:
أرى أن القول الراجح صحة عقد الجعالة المقدر بمدة معينة؛ لأن الأصل في الشروط الصحة والجواز، والله أعلم.
* * *
стр. 4356
الفصل الرابع
في شروط الجعل (العوض)
الشرط الأول
العلم بالجعل
[م-٩٨٨] يشترط في الجعل أن يكون معلومًا، وهذا الشرط متفق عليه عند من قال بمشروعية الجعالة، كالمالكية، والشافعية، والحنابلة.
واشتراط العلم بالجعل هذا من حيث الجملة فقد استثنى كل مذهب بعض المسائل مما يكون العوض فيه مجهولًا حال العقد، وإن كان الجهل في تلك المسائل يؤول إلى العلم، أو بعبارة أخرى لا يمنع التسليم.
ففي مذهب المالكية:
قال ابن رشد في مقدماته: «ومن شروط الجعل أن يكون الجعل معلومًا» (١).
وقال ابن جزي: «يجوز الجعل بثلاثة شروط: أحدها: أن تكون الأجرة معلومة» (٢).
وقال في التاج والإكليل: «شرط الجعل أن يكون معلومًا مقدرًا كالإجارة، ومن المدونة: ما لا يجوز بيعه لا يجوز أن يكون ثمنًا لإجارة أو جعل» (٣).
والمجهول لا يجوز بيعه بالاتفاق.
стр. 4357
واستثنى المالكية مسائل لا يجوز بيعها، ويجوز الجعل عليها، منها:
المسألة الأولى:
أن يجاعل غيره على أن يغرس له أصولًا حتى تبلغ حد كذا، ثم هي والأصل بينهما. فإن نصف هذا لا يجوز بيعه، والمجاعلة عليه جائزة.
المسألة الثانية:
أن يجاعله على حصاد زرعه، أو على جداد نخله، كأن يقول له: احصد من زرعي ما شئت، أو جد من نخلي ما شئت، وما حصدت من زرعي فلك نصفه، فهذا جائز عند المالكية بالاتفاق، وبيعه لا يجوز.
واختلف قول المالكية في مسألتين:
أحدهما: المجاعلة على لقط الزيتون بالجزء منه، والأظهر المنع؛ لأن أوله أهون من آخره.
الثانية: المجاعلة على اقتضاء الدين بجزء منه، فقد منع ذلك أشهب، والأظهر الجواز؛ إذ لا فرق بين أوله وآخره في العناء. هذا ملخص مذهب المالكية في اشتراط كون العوض معلومًا (١).
وأما النقل عن مذهب الشافعية:
فقال النووي في منهاج الطالبين: «ويشترط كون الجعل معلومًا، فلو قال: من رده فله ثوب، أو أرضيه، فسد العقد» (٢).
وقال الغزالي: «الركن الرابع: الجعل، وشرطه أن يكون مالًا معلومًا، فلو
стр. 4358
شرط مجهولًا فسد العقد، واستحق العامل أجرة المثل، كما في المضاربة الفاسدة» (١).
وعللوا اشتراط كونه معلومًا:
بأنه عوض كالأجرة والمهر؛ ولأنه عقد جوز للحاجة، ولا حاجة لجهالة العوض، بخلاف العمل، ولأن جهالة العوض تفوت مقصود العقد؛ إذ لا يرغب أحد في العمل مع جهالة العوض، ويحصل العلم بالمشاهدة إن كان معينًا، وبالوصف إن كان في الذمة، فلو قال: من رد عبدي فله سلبه أو ثيابه، فإن كانت معلومة، أو وصفها بما يفيد العلم استحق المشروط وإلا فأجرة المثل.
واستشكل بعض الشافعية اعتبار الوصف في المعين مع أن مذهب الشافعية قد تقرر في البيع والإجارة وغيرهما أن الشيء المعين لا يغني وصفه عن رؤيته.
وأجيب:
بأن عقود البيع والإجارة عقود لازمة، بخلاف الجعالة، فاحتيط لها ما لم يحتط للجعالة (٢).
واستثنى الشافعية من اشتراط المعلومية في الجعل مسائل:
أحدها: إذا جعل الإمام أو نائبه لمن دله على فتح قلعة للكفار جعلًا منها كفرس ونحوه، فإن ذلك جائز مع جهالة العوض للحاجة.
الثانية: إذا قال له: حج عني وعلي نفقتك. فإن هذا جائز، جزم به الرافعي، والنووي، وغيرهما.
стр. 4359
وأجيب:
بأن هذه لا تستثنى؛ لأن هذا إرفاق لا جعالة، وإنما يكون جعالة إذا جعله عوضًا، فقال: حج عني بنفقتك. وقد صرح الماوردي بأن هذه جعالة فاسدة، ونص عليها في الأم (١).
الثالثة: إذا قال: من رد عبدي فله نصفه، أو ربعه، قال النووي: «صححه المتولي، ومنعه أبو الفرج السرخسي» (٢).
وأما النقل عن مذهب الحنابلة:
فقد قال ابن قدامة: «ولا بد أن يكون العوض معلومًا» (٣).
ثم بين ابن قدامة لماذا اشترط في العوض العلم، ولم يشترط في العمل العلم، فقال: «والفرق بينه (العوض) وبين العمل من وجهين:
أحدهما: أن الحاجة تدعو إلى كون العمل مجهولًا، بألا يعلم موضع الضالة والآبق، ولا حاجة إلى جهالة العوض.
والثاني: أن العمل لا يصير لازمًا، فلم يجب كونه معلومًا، والعوض يصير لازمًا بإتمام العمل، فوجب كونه معلومًا» (٤).
واستثنى الحنابلة مسألتين:
المسألة الأولى:
إذا كان الجعل من مال الكفار، فتصح الجهالة بالعوض.
стр. 4360
قال في الإقناع: «الجعالة، وهي جعل شيء معلوم كأجرة، لا من مال حربي فيصح مجهولًا» (١).
ومثل له الحنابلة كما لو قال الإمام: من دلنا على طريق سهل، أو دل على فتح قلعة للكفار فله ثلث مال فلان الحربي، فهذا يصح (٢).
المسألة الثانية:
إذا قال الجاعل: من رد عبدي فله نصفه، أو من رد ضالتي فله ثلثها.
فاختلف الحنابلة في صحة مثل هذا.
فقيل: لا يصح، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، ولذلك ساقه ابن قدامة في المغني احتمالًا، قال: «ويحتمل أن تصح الجعالة مع الجهل بالعوض إذا كان الجهل لا يمنع التسليم» (٣).
وقيل: يصح، وهو وجه في المذهب، وخرجوها على ما نص عليه الإمام أحمد في الثوب ينسج بثلثه، والزرع يحصد، والنخل يصرم بجزء مشاع منه، وعلى قوله في الغزو: من جاء بعشرة رؤوس فله رأس.
واختلف القائلون بالصحة، هل العوض في هذه الصيغة مجهول، وصح لأن الجهالة لا تمنع التسليم؟
أو أن العوض في هذه الصيغة معلوم؛ لأن الجعل بجزء مشاع من الضالة لا يعتبر مجهولًا كالمزارعة، فإن العامل يزرع الأرض بجزء مما يخرج منها.
стр. 4361
وإذا كانت الجهالة في العوض تمنع التسليم لم تصح الجعالة وجهًا واحدًا (١).
هذا كلام الفقهاء فيما يتعلق بالشرط الأول، وهو كون العوض معلومًا، والمسائل التي استثناها كل مذهب.
والراجح فيما أراه أن العلم بالعوض شرط، وكون العوض جزءًا مشاعًا من الضالة يجوز إذا علمت الضالة بالرؤية أو الوصف، أو كان العوض من مال حربي في زمن الجهاد، والله أعلم.
* * *
стр. 4362
الشرط الثاني والثالث
في اشتراط الطهارة والقدرة على التسليم
[م-٩٨٩] نص المالكية والشافعية والحنابلة على أنه يشترط في العوض طهارة عينه، والقدرة على تسليمه (١).
وقد اقتصر خليل على اشتراط كون العوض معلومًا، ولم يذكر بقية الشروط، فقال الدسوقي في حاشيته: «وإنما نص على علم العوض دون غيره من بقية الشروط، مثل كونه طاهرًا، منتفعًا به، مقدورًا على تسليمه؛ لدفع توهم عدم اشتراط علمه، وحصول الصحة بالعوض المجهول» (٢).
وقال الخرشي في شرحه: «لا يخفى أن الجعل كما يشترط فيه العلم، يشترط أن يكون طاهرًا منتفعًا به .... مقدورًا على تسليمه» (٣).
وجاء في مغني المحتاج: «فلو كان مجهولًا ـ يعني العوض ـ كأن قال: من رده أي عبدي فله كذا .... فسد العقد لجهالة الجعل، أو نجاسة عينه، أو عدم القدرة على تسليمه» (٤).
وقال ابن قدامة: «والجعالة تساوي الإجارة في اعتبار العلم بالعوض، وما كان عوضًا في الإجارة جاز أن يكون عوضًا في الجعالة، وما لا فلا» (٥).
فأحال على شروط الأجرة في عقد الإجارة.
стр. 4363
واشتراط الطهارة عند الحنابلة في الثمن أو في المبيع غير مطرد، فهم يمنعون بيع أشياء، ويعللون ذلك بالنجاسة، ويجيزون بيع أشياء مع حكمهم لها بالنجاسة.
فالحنابلة يجوزون بيع الحمار والبغل وسباع البهائم والطير التي تقبل التعليم والقرد مع الحكم بنجاستها، وما جاز بيعه صح أن يكون ثمنًا في المبيع، وثمنًا في الأجرة. وما كان ثمنًا في الأجرة صح أن يكون عوضًا في الجعالة.
ويمنعون بيع السرجين النجس قال في المغني: «ولا يجوز بيع السرجين النجس، وبهذا قال مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة يجوز .... ولنا أنه مجمع على نجاسته فلم يجز بيعه كالميتة» (١).
ويعبر الحنابلة أحيانًا عن هذا باشتراط إباحة الانتفاع، ويقصدون به إخراج شيئين:
الأول: ما يحرم الانتفاع به لنجاسته، كالخمر والكلب والميتة والخنزير فلا يجوز أن يكون عندهم ثمنًا ولا أجرة ولا مبيعًا ولا عوضًا في الجعالة.
الثاني: ما يحرم الانتفاع به لحرمته، وإن كان طاهرًا كآلات اللهو، والأصنام.
وأما اشتراط القدرة على التسليم فهو شرط عندهم في الجعالة قياسًا على اشتراطه في الأجرة (٢). والله أعلم.
وقد حررنا الخلاف في طهارة المبيع والثمن في عقد البيع، وما كان الراجح
стр. 4364
هناك فهو الراجح هنا، فالمشترط في العوض أن يكون مالًا، وقد توصلت إلى أن المالية ليس من شرطها الطهارة، وإنما يشترط للمالية شرطان:
الأول: ألا ينهى الشرع عن الانتفاع به، فما نهى الشرع عن الانتفاع به فقد ماليته، كما ثبت النهي عن بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام والكلب.
الثانية: أن يجري تموله والانتفاع به بين الناس، وعلى هذا فالعطور التي بين أيدي الناس هي مال حتى على القول بنجاستها؛ لأن الشارع لم ينه عن الانتفاع بها، وقد جرى تمولها والانتفاع بها، فدخلت في حقيقة المال، والله أعلم.
* * *
стр. 4365
الشرط الرابع
في نقد الجعل
[م-٩٩٠] من شروط صحة الجعل عند المالكية ألا يشترط العاقد نقد الجعل مقدمًا، فإن شرط فسد العقد عندهم، ولو لم يحصل نقد بالفعل؛ لتردد الأجرة المدفوعة بين السلفية إن لم يتم العمل، وبين الثمنية إن قام بالعمل وأتمه، فإذا حصل النقد تطوعًا بدون شرط جاز؛ لأنه معروف، وإحسان (١).
قال الخرشي: «من شروط صحة الجعل ألا يشترط النقد فيه، فإن شرط النقد فسد العقد، سواء حصل النقد بالفعل، أم لا؛ لدوران الجعل بين الثمنية إن وجد الآبق وأوصله إلى ربه، والسلفية إن لم يوصله إلى ربه، بأن لم يجده أصلًا، أو وجده وهرب منه في الطريق، وأما النقد تطوعًا فجائز» (٢).
والراجح أن ذلك ليس بشرط، لأن الاشتراط لا يثبت إلا بدليل، ولا دليل على هذا، والله أعلم.
* * *
стр. 4366
فرع
في مقدار الجعل في رد الآبق
عرفنا في بحث سابق أن الفقهاء لهم ثلاثة أقوال في استحقاق العامل الجعل إذا رد العبد الآبق دون أن يأذن له المالك:
فقيل: لا يستحق العامل شيئًا مطلقًا، لا في الضال ولا في الآبق.
وقيل: لا يستحق شيئًا في الضال، ويستحق في رد الآبق مطلقًا، سواء أكان معروفًا برد الإباق أم لا.
وقيل بالتفصيل: إن كان منتصبًا للعمل استحق جعل مثله، في الضال والإباق، وإن لم يكن منتصبًا للعمل استحق النفقة فقط، وهذا كله سبق بحثه.
[م-٩٩١] والقائلون في استحقاق العامل الجعل، ولو لم يأذن سيد الآبق، اختلفوا هل هو مقدر من الشرع، أو غير مقدر؟ وإذا كان مقدرًا، فهل يختلف التقدير بين رده من خارج المصر، أو رده من داخل المصر؟
وإليك بيان الأقوال.
القول الأول:
إن رده من مسيرة ثلاثة أيام فصاعدًا، فمقدار الجعل أربعون درهمًا، وإن رده لأقل من ذلك فبحسابه، وإن رده من أقصى المصر رضخ له قدر عنائه. وهذا مذهب الحنفية (١).
стр. 4367
القول الثاني:
مقدار الجعل دينار أو اثنا عشر درهمًا، سواء كانت المسافة قريبة أو بعيدة، وهذا هو المشهور في مذهب الحنابلة (١).
وفي رواية عن الإمام أحمد: إن رده من خارج المصر فله أربعون درهما، قربت المسافة أو بعدت، وإن رده من المصر فله دينار (٢).
القول الثالث:
وذهب المالكية إلى أن الجعل غير مقدر، فمن كان معروفًا برد الضوال فله جعل مثله، وإن لم يكن معروفًا بذلك فليس له إلا نفقته، وهذا مذهب المالكية (٣).
القول الرابع:
ذهب الشافعية إلى أنه لا يستحق العامل شيئًا إلا بالشرط، وتقدم.
وقد ذكرنا أدلتهم في مسألة سابقة، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، والحمد لله.
* * *
стр. 4368
الباب الثاني
في أحكام الجعالة
الفصل الأول
حكم عقد الجعالة من حيث اللزوم وعدمه
سبق لنا في مقدمة عقد البيع أن ذكرنا أقسام العقود من حيث اللزوم وعدمه، وبينا
أنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
عقد لازم من الطرفين: كالبيع والسلم والإجارة.
وعقد جائز من الطرفين، كالوكالة والعارية.
وعقد لازم من طرف وجائز من طرف آخر، كالرهن والضمان.
وإذا أردنا أن نعرف عقد الجعالة من أي الأقسام الثلاثة، نقول:
نستطيع أن نقسم عقد الجعالة إلى ثلاثة مراحل:
المرحلة الأولى: قبل الشروع في العمل.
[م-٩٩٢] اختلف العلماء في عقد الجعالة قبل الشروع في العمل:
القول الأول:
الجعالة عقد لازم، ولو قبل الشروع في العمل قياسًا على الإجارة. وهذا قول مرجوح في مذهب المالكية (١).
стр. 4369
ويناقش:
بأن هناك فرقًا بين الإجارة والجعالة: فالإجارة تقدر فيها المدة، ويعين فيها المستأجر، بخلاف الجعالة.
القول الثاني:
تلزم الجعالة بالقول من الجاعل دون المجعول له، وهو قول في مذهب المالكية (١).
جاء في عقد الجواهر الثمينة: «أما أحكام الجعالة فخمسة:
الأول: الجواز من الجانبين ما لم يشرع في العمل كالقراض ..... وحكى أبو الحسن اللخمي قولين آخرين:
أحدهما: أنها تلزم بالقول من الجاعل خاصة دون المجعول له.
الثاني: أنها كالإجارة، تنعقد لازمة بالقول لهما جميعًا» (٢).
وجه كونها لازمة من الجاعل دون المجعول له:
أن الجاعل لما صدر منه الإيجاب بالجعل قد التزم به، فصار لازمًا في حقه، وأما المجعول له فلا يمكن أن يكون لازمًا في حقه؛ لأنه قد لا يجد الضال والمفقود، فناسب أن يكون العقد جائزًا في حقه.
القول الثالث:
الجعالة عقد جائز من الطرفين قبل الشروع في العمل، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة، والقول الراجح عند المالكية (٣).
стр. 4370
قال الخرشي: «الجاعل والمجعول له يجوز لكل منهما أن يحل عن نفسه قبل الشروع في العمل ... لأن عقد الجعالة جائز غير لازم على المشهور» (١).
فقوله على المشهور إشارة إلى خلاف في المذهب، سبق ذكره.
وقال العدوي: «وأما الجعل قبل الشروع فلا يلزم واحدًا منهما» (٢).
وجه القول بالجواز:
قال الماوردي: «ما صح من عقود المعاوضات إذا قابل غير موثوق بالقدرة عليه عند استحقاقه، كان من العقود الجائزة دون اللازمة، كالجعالة .... لأنه لا يثق بالغلبة في السبق والرمي، كما لا يثق بوجود الضالة في الجعالة» (٣).
فإذا فسخ العامل قبل الشروع في العمل لم يستحق شيئًا؛ لأن الجعل يستحق بالفراغ من العمل، وقد تركه فسقط حقه، وإن فسخ رب المال قبل الشروع في العمل لم يلزمه شيء أيضًا؛ لأنه فسخ قبل أن يستهلك منفعة العامل، فلم يلزمه شيء، كما لو فسخ العامل المضاربة قبل العمل.
قال القرافي: «العقود قسمان: منها ما يسلتزم مصالحها التي شرعت لأجلها، فشرعت على اللزوم، كالبيع والهبة والصدقة وعقود الولايات، فإن التصرف المقصود بالعقد يمكن عقيب العقد، وهذا القسم هو الأصل.
ومنها: ما لا يستلزم مصلحته كالجعالة، فإن رد الآبق قد يتعذر، فشرعت
стр. 4371
على الجواز، ولكل واحد من المتعاقدين فسخ العقد على نفسه؛ لئلا يلزم ما لا يتعين مصلحته» (١).
ولا يناسب عقد الجعالة اللزوم مع جهالة العمل والعامل.
وهذا هو القول الراجح، والله أعلم.
تنبيه: إنما يتصور الفسخ ابتداء من العامل المعين، وأما غيره فلا يتصور الفسخ منه إلا بعد الشروع في العمل (٢).
الحال الثانية: عقد الجعالة بعد الفراغ من العمل.
[م-٩٩٣] عقد الجعالة بعد إتمام العمل، والفراغ منه يصبح العقد لازمًا؛ لأن الجعل قد استقر في ذمة الجاعل (٣).
الحال الثالثة: عقد الجعالة بعد الشروع في العمل، وقبل إتمامه:
[م-٩٩٤] اختلف العلماء في حكم عقد الجعالة بعد الشروع في العمل، وقبل إتمامه على قولين:
القول الأول:
العقد جائز من الطرفين، فإن فسخ الجاعل كان للعامل أجرة مثله لما عمل؛ لأنه استهلك منفعته بشرط العوض، فلزمته أجرته كما لو فسخ المضاربة. وهذا مذهب الشافعية والحنابلة (٤).
قال النووي: «في أحكام الجعالة، فمنها: الجواز، فلكل واحد من المالك
стр. 4372
والعامل فسخها قبل تمام العمل ... ثم إن اتفق الفسخ قبل الشروع في العمل، فلا شيء للعامل، وإن كان بعده، فإن فسخ العامل فلا شيء له؛ لأنه امتنع باختياره، ولم يحصل غرض المالك، وإن فسخ المالك، فوجهان:
أحدهما: لا شيء للعامل، كما لو فسخه بنفسه.
والصحيح أنه يستحق أجرة المثل لما عمل، وبهذا قطع الجمهور، وعبروا عنه بأنه ليس له الفسخ حتى يضمن للعامل أجرة مثل ما عمل» (١).
القول الثاني:
العقد لازم في حق الجاعل، جائز في حق العامل، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية (٢).
وجه القول باللزوم:
ذهب المالكية إلى القول باللزوم بعد شروع العامل في العمل حتى لا يبطل الجاعل على العامل عمله بعد أن شرع فيه؛ ولأن فسخ الجعالة بعد تلبس العامل بالعمل فيه إضرار بالعامل، والعقد الجائز إذا تضمن فسخه ضررًا على أحد العاقدين أصبح لازمًا.
قال الصاوي: «وظاهره اللزوم للجاعل بالشروع، ولو فيما لا بال له» (٣).
الراجح:
أن العقد جائز مطلقًا، فإن فسخ الجاعل كان للعامل حصته من المسمى إن
стр. 4373
كان الجاعل يستفيد مما أنجزه العامل من العمل، كما لو كان الجعل على عمل فأنجز بعضه، وهذا ما اختاره شيخ شيخنا عبد الرحمن السعدي ﵀ (١).
وإن كان الجاعل لا يستفيد كما لو كانت الجعالة بحثًا عن ضال أو مفقود كان له أجرة المثل، وبهذا يحفظ حق العامل إذا كان الفسخ من قبل الجاعل، ولا يتعين الضرر في الفسخ أن يكون على العامل، بل يكون في فسخ العامل ضرر على الجاعل أيضًا؛ فإن الإعلان للجمهور عن عقد الجعالة يتطلب اليوم نفقات باهظة، فإذا أخذ عامل معين العقد ربما انصرف بقية الناس عن الجاعل لاكتفائه، فإذا فسخ العامل تطلب ذلك نفقات أخرى لإعلان جديد، والله أعلم.
* * *
стр. 4374
الفصل الثاني
العامل في الجعالة أمين
[م-٩٩٥] اتفق العلماء القائلون بالجعالة على أن يد العامل في الجعالة يد أمانة، لا يضمن ما تلف في يده إلا بالتعدي أو التفريط قياسًا على المضاربة (١).
وكذلك قال الحنفية في العبد الآبق لو تلف في يد الراد، فإنه لا يضمن بشرط أن يشهد على أخذه؛ لأنهم لا يرون الجعالة في غيره.
قال الزيلعي: «وإن أبق من الراد لا يضمن؛ لأنه أمانة في يده إذا أشهد وقت الأخذ ... ولا جعل له؛ لأنه لم يرده على مولاه» (٢).
وجاء في حاشية قليوبي: «ووضع العامل يده على العبد جائز، وهو أمانة؛ لرضا مالكه به إن كان بإذنه، ولا يضمنه ما لم يقصر، كتركه بمضيعة» (٣).
وجاء في كشاف القناع: «ومن أخذ الآبق، أو أخذ غيره من المال الضائع ليرده لربه، فهو أمانة في يده إن تلف قبل التمكن من رده من غير تفريط، ولا تعد، فلا ضمان عليه؛ لأنه محسن بأخذه» (٤).
стр. 4375
وجه كونه أمانة في يده:
أن العامل قد وضع يده على الضال والآبق بإذن صاحبه، وما ترتب على المأذون فليس بمضمون.
قال ابن قدامة: «لا نعلم فيه مخالفًا» (١).
وقياسًا على المضاربة، فإن المال في يد المضارب أمانة بالاتفاق، مع أنه قبض المال لمصلحة كل من المالك والعامل.
قال ابن عبد البر: «ولا خلاف بين العلماء أن المقارض مؤتمن، لا ضمان عليه فيما يتلفه من المال من غير جناية منه فيه، ولا استهلاك له ولا تضييع، هذه سبيل الأمانة وسبيل الأمناء» (٢).
وقال ابن قدامة: «والعامل أمين في مال المضاربة؛ لأنه متصرف في مال غيره بإذنه، فكان أمينًا كالوكيل» (٣).
* * *
стр. 4376
الفصل الثالث
الزيادة والنقصان في الجعل قبل فراغ العمل
[م-٩٩٦] إذا زاد الجاعل في العمل، أو نقص من الجعل أو غير جنس الجعل:
فإن كان ذلك بعد الفراغ من العمل فلا أثر لهذا التصرف، ولا يترتب عليه شيء؛ لأن الجعل قد لزم الجاعل، واستقر عليه بتمام العمل.
وإن كان ذلك قبل الشروع في العمل؛ ففيه خلاف يرجع إلى الخلاف في عقد الجعالة قبل الشروع في العمل، هل هي عقد لازم أو جائز؟
وقد اختلف الفقهاء فيها على قولين:
القول الأول:
تجوز الزيادة، والنقص قبل الشروع في العمل، وهذا مذهب الشافعية، والحنابلة، والمعتمد في مذهب المالكية.
وجهه: أن عقد الجعالة عقد جائز قبل الشروع في العمل.
وقد سبق أن ذكرنا أدلتهم عند الكلام على حكم عقد الجعالة.
قال ابن مفلح: «فإن زاد أو نقص في الجعل قبل الشروع في العمل جاز؛ لأنه عقد جائز، فجاز فيه ذلك كالمضاربة» (١).
فإن عمل العامل بعد الزيادة، أو النقص، فإن كان العامل معينًا، وكان جاهلًا
стр. 4377
بالتغيير، فله أجرة المثل؛ لأن التغيير فسخ للمسمى الأول، ومحله: أن يعلم العامل المعين بالتغيير، فلما لم يعلم به أعطي أجرة مثله.
وإن كان العامل غير معين، فشرطُ فسخ الأول أن يعلن الجاعل بالتغيير، فإن لم يعلن، وشرع العامل بالعمل استحق أجرة مثله.
وإن كان العامل عالمًا بالتغيير، سواء كان معينًا، أو غير معين، فله المسمى الثاني فقط (١).
القول الثاني:
لا يجوز للجاعل الزيادة في العمل، ولا النقص من الجعل، ولا تغيير جنس الجعل، ولو كان ذلك قبل الشروع في العمل. وهذا القول يمكن تخريجه على قولين حكاهما بعض المالكية خلافًا للمعتمد عندهم:
أحدهما: أن الجعالة تلزم بالقول من الجاعل خاصة دون المجعول له.
والثاني: أنها كالإجارة، تنعقد لازمة بالقول لهما جميعًا (٢).
فعلى هذين القولين لا يمكن للجاعل الزيادة، أو النقص إلا برضا المجعول له، والله أعلم.
والراجح قول الجمهور، وهو أن الجعالة عقد جائز قبل الشروع في العمل، وسبق تحرير هذه المسألة، فأغنى ذلك عن إعادة الأدلة. والله أعلم.
стр. 4378
[م-٩٩٧] وإن زاد أو نقص بعد الشروع في العمل وقبل الفراغ منه فقد اختلف العلماء فيه على قولين:
القول الأول:
ليس له الزيادة والنقص بعد الشروع في العمل، وهذا مذهب المالكية.
القول الثاني:
له أن يزيد أو ينقص، ولو كان ذلك بعد الشروع في العمل ما دام أن ذلك قبل إتمام العمل بناء على أن عقد الجعالة عقد جائز، وهذا قول الجمهور.
قال القرافي المالكي: «تجوز الزيادة، والنقصان في الجعل قبل الفراغ من العمل» (١).
وهذا القول من القرافي فيه ملحظان:
أحدهما: أن عقد الجعالة في مذهب المالكية عقد لازم بالنسبة للجاعل بعد الشروع في العمل، وإذا كان العقد لازمًا في حقه لم يكن له الحق في تعديل العقد بعد لزومه؛ لأن تعديل العقد رجوع عن العقد الأول، وهو لا يملكه بإرادة منفردة، بناء على المشهور من المذهب.
الملحظ الثاني: أن الكلام ليس على جواز الزيادة والنقص، وإنما الكلام على ما يترتب عليها في حال لم يرض المجعول له، وهذا لم يتعرض له القرافي، والله أعلم.
وقد فصل الشافعية الكلام في هذه المسألة، فقالوا:
إذا زاد الجاعل في العمل، كما لو زاد في البناء أو الحفر أو الهدم، فإن لم
стр. 4379
يرض العامل بالزيادة ففسخ لذلك، فله أجرة المثل، وإن كان الفسخ يعتبر من العامل؛ لأن الجاعل هو الذي ألجأه إلى ذلك.
وكذلك يجب للعامل أجرة المثل إذا نقص الجاعل من الجعل قبل الفراغ من العمل، ولم يرض العامل، إلا أن الفسخ هنا يعتبر من المالك، لا من العامل بخلاف مسألة الزيادة في العمل، فالفسخ من العامل (١).
والقول بجواز الزيادة مبني على مسألة أخرى تقدمت: وهو أن عقد الجعالة عقد جائز، يجوز لكل واحد من المتعاقدين فسخه قبل الفراغ من العمل؛ فإن فسخه العامل فلا شيء له، وإن فسخه المالك وجب للعامل أجرة المثل، والله أعلم.
وبقول الشافعية قالت الحنابلة (٢).
الراجح:
أن عقد الجعالة عقد جائز قبل فراغ العامل من العمل، وإذا كان ذلك كذلك فإن العقد يعطي صاحبه حق التعديل قبل الفراغ؛ إلا أن العامل إذا لم يرض استحق أجرة مثله، لأنه في حال فسخ العامل بسبب زيادة العمل، فإن الفسخ وإن كان من قبل العامل إلا أن الفسخ كان بسبب تصرف الجاعل، فاستحق أجرة المثل.
وإن كان الفسخ بسبب نقص الجعل، فإن الفسخ من المالك، والمالك إذا فسخ استحق العامل أجرة مثله، والله أعلم.
стр. 4380
الفصل الرابع
ما يستحقه العامل إذا تلف الجعل
[م-٩٩٨] الجعل إما أن يكون معينًا، أو موصوفًا في الذمة.
فإن كان موصوفًا في الذمة، فلا يمكن تصور تلفه، لأن ما في الذمة لا يتعرض للتلف، ولا يتعين إلا بالقبض، وإذا قبضه العامل، فتلف كان فواته من ماله.
وإن كان الجعل معينًا، كما لو كان الجعل حيوانًا معينًا، أو سلعة معينة، فتلفت:
فإن تلف قبل الشروع في العمل، وعلم العامل بتلفه، انفسخ عقد الجعالة.
وإن كان العامل لم يعلم بتلفه، وشرع في العمل، أو كان تلفه بعد الشروع في العمل، فاختلف الفقهاء على قولين:
القول الأول:
يجب للعامل أجرة المثل. وهذا مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة.
جاء في حاشية الرملي: «ولو تلف الجعل المعين بيد الملتزم، قبل الشروع، وعلم به العامل، فلا شيء له في الرد، وإن جهله أو تلف بعد الرد فله أجرة المثل» (١).
وجاء في الإنصاف: «قال في التبصرة: إذا عين عوضًا ملكه بفراغ العمل، فلو تلف فله أجرة المثل» (٢).