الفصل الثالث
الزيادة والنقصان في الجعل قبل فراغ العمل
[م-٩٩٦] إذا زاد الجاعل في العمل، أو نقص من الجعل أو غير جنس الجعل:
فإن كان ذلك بعد الفراغ من العمل فلا أثر لهذا التصرف، ولا يترتب عليه شيء؛ لأن الجعل قد لزم الجاعل، واستقر عليه بتمام العمل.
وإن كان ذلك قبل الشروع في العمل؛ ففيه خلاف يرجع إلى الخلاف في عقد الجعالة قبل الشروع في العمل، هل هي عقد لازم أو جائز؟
وقد اختلف الفقهاء فيها على قولين:
القول الأول:
تجوز الزيادة، والنقص قبل الشروع في العمل، وهذا مذهب الشافعية، والحنابلة، والمعتمد في مذهب المالكية.
وجهه: أن عقد الجعالة عقد جائز قبل الشروع في العمل.
وقد سبق أن ذكرنا أدلتهم عند الكلام على حكم عقد الجعالة.
قال ابن مفلح: «فإن زاد أو نقص في الجعل قبل الشروع في العمل جاز؛ لأنه عقد جائز، فجاز فيه ذلك كالمضاربة» (١).
فإن عمل العامل بعد الزيادة، أو النقص، فإن كان العامل معينًا، وكان جاهلًا
стр. 4377
بالتغيير، فله أجرة المثل؛ لأن التغيير فسخ للمسمى الأول، ومحله: أن يعلم العامل المعين بالتغيير، فلما لم يعلم به أعطي أجرة مثله.
وإن كان العامل غير معين، فشرطُ فسخ الأول أن يعلن الجاعل بالتغيير، فإن لم يعلن، وشرع العامل بالعمل استحق أجرة مثله.
وإن كان العامل عالمًا بالتغيير، سواء كان معينًا، أو غير معين، فله المسمى الثاني فقط (١).
القول الثاني:
لا يجوز للجاعل الزيادة في العمل، ولا النقص من الجعل، ولا تغيير جنس الجعل، ولو كان ذلك قبل الشروع في العمل. وهذا القول يمكن تخريجه على قولين حكاهما بعض المالكية خلافًا للمعتمد عندهم:
أحدهما: أن الجعالة تلزم بالقول من الجاعل خاصة دون المجعول له.
والثاني: أنها كالإجارة، تنعقد لازمة بالقول لهما جميعًا (٢).
فعلى هذين القولين لا يمكن للجاعل الزيادة، أو النقص إلا برضا المجعول له، والله أعلم.
والراجح قول الجمهور، وهو أن الجعالة عقد جائز قبل الشروع في العمل، وسبق تحرير هذه المسألة، فأغنى ذلك عن إعادة الأدلة. والله أعلم.
стр. 4378
[م-٩٩٧] وإن زاد أو نقص بعد الشروع في العمل وقبل الفراغ منه فقد اختلف العلماء فيه على قولين:
القول الأول:
ليس له الزيادة والنقص بعد الشروع في العمل، وهذا مذهب المالكية.
القول الثاني:
له أن يزيد أو ينقص، ولو كان ذلك بعد الشروع في العمل ما دام أن ذلك قبل إتمام العمل بناء على أن عقد الجعالة عقد جائز، وهذا قول الجمهور.
قال القرافي المالكي: «تجوز الزيادة، والنقصان في الجعل قبل الفراغ من العمل» (١).
وهذا القول من القرافي فيه ملحظان:
أحدهما: أن عقد الجعالة في مذهب المالكية عقد لازم بالنسبة للجاعل بعد الشروع في العمل، وإذا كان العقد لازمًا في حقه لم يكن له الحق في تعديل العقد بعد لزومه؛ لأن تعديل العقد رجوع عن العقد الأول، وهو لا يملكه بإرادة منفردة، بناء على المشهور من المذهب.
الملحظ الثاني: أن الكلام ليس على جواز الزيادة والنقص، وإنما الكلام على ما يترتب عليها في حال لم يرض المجعول له، وهذا لم يتعرض له القرافي، والله أعلم.
وقد فصل الشافعية الكلام في هذه المسألة، فقالوا:
إذا زاد الجاعل في العمل، كما لو زاد في البناء أو الحفر أو الهدم، فإن لم
стр. 4379
يرض العامل بالزيادة ففسخ لذلك، فله أجرة المثل، وإن كان الفسخ يعتبر من العامل؛ لأن الجاعل هو الذي ألجأه إلى ذلك.
وكذلك يجب للعامل أجرة المثل إذا نقص الجاعل من الجعل قبل الفراغ من العمل، ولم يرض العامل، إلا أن الفسخ هنا يعتبر من المالك، لا من العامل بخلاف مسألة الزيادة في العمل، فالفسخ من العامل (١).
والقول بجواز الزيادة مبني على مسألة أخرى تقدمت: وهو أن عقد الجعالة عقد جائز، يجوز لكل واحد من المتعاقدين فسخه قبل الفراغ من العمل؛ فإن فسخه العامل فلا شيء له، وإن فسخه المالك وجب للعامل أجرة المثل، والله أعلم.
وبقول الشافعية قالت الحنابلة (٢).
الراجح:
أن عقد الجعالة عقد جائز قبل فراغ العامل من العمل، وإذا كان ذلك كذلك فإن العقد يعطي صاحبه حق التعديل قبل الفراغ؛ إلا أن العامل إذا لم يرض استحق أجرة مثله، لأنه في حال فسخ العامل بسبب زيادة العمل، فإن الفسخ وإن كان من قبل العامل إلا أن الفسخ كان بسبب تصرف الجاعل، فاستحق أجرة المثل.
وإن كان الفسخ بسبب نقص الجعل، فإن الفسخ من المالك، والمالك إذا فسخ استحق العامل أجرة مثله، والله أعلم.
стр. 4380
الفصل الرابع
ما يستحقه العامل إذا تلف الجعل
[م-٩٩٨] الجعل إما أن يكون معينًا، أو موصوفًا في الذمة.
فإن كان موصوفًا في الذمة، فلا يمكن تصور تلفه، لأن ما في الذمة لا يتعرض للتلف، ولا يتعين إلا بالقبض، وإذا قبضه العامل، فتلف كان فواته من ماله.
وإن كان الجعل معينًا، كما لو كان الجعل حيوانًا معينًا، أو سلعة معينة، فتلفت:
فإن تلف قبل الشروع في العمل، وعلم العامل بتلفه، انفسخ عقد الجعالة.
وإن كان العامل لم يعلم بتلفه، وشرع في العمل، أو كان تلفه بعد الشروع في العمل، فاختلف الفقهاء على قولين:
القول الأول:
يجب للعامل أجرة المثل. وهذا مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة.
جاء في حاشية الرملي: «ولو تلف الجعل المعين بيد الملتزم، قبل الشروع، وعلم به العامل، فلا شيء له في الرد، وإن جهله أو تلف بعد الرد فله أجرة المثل» (١).
وجاء في الإنصاف: «قال في التبصرة: إذا عين عوضًا ملكه بفراغ العمل، فلو تلف فله أجرة المثل» (٢).
стр. 4381
القول الثاني:
إن كان الجعل مثليًا فللعامل مثله، وإلا فله قيمته، وهذا مذهب الحنابلة.
قال في الإنصاف: «فإن تلف الجعل كان له مثله، إن كان مثليًا، وإلا قيمته على الصحيح من المذهب» (١).
وهذا هو الراجح:
لأن إتلاف الثمن لا يوجب فسخ العقد، وإن كان معينًا، والله أعلم.
* * *
стр. 4382
الفصل الخامس
في حبس المتعاقد عليه لاستيفاء الجعل
[م-٩٩٩] تكلمنا في عقد البيع عن حق البائع في حبس المبيع من أجل استلام الثمن الحال.
فهل يحق للمجعول له حبس الضال والآبق حتى استلام الجعل؟
اختلف أهل العلم على قولين:
القول الأول:
ذهب الحنفية إلى أن للعامل أن يحبس الآبق حتى يأخذ الجعل، كما يحبس البائع المبيع بثمنه (١).
ولا يقولون هذا في غير الآبق؛ لأنهم لا يرون عقد الجعالة مشروعًا في غيره، والله أعلم.
القول الثاني:
ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن العامل ليس له الحق في حبس المعقود عليه من أجل الجعل (٢).
قال النووي: «إذا رد الآبق لم يكن له حبسه لاستيفاء الجعل؛ لأن الاستحقاق بالتسليم، ولا حبس قبل الاستحقاق» (٣).
стр. 4383
زاد في مغني المحتاج: «وكذا لا يحبسه لاستيفاء ما أنفقه عليه بإذن المالك» (١).
وقال في كشاف القناع: «وإذا رد العامل اللقطة أو العبد ونحوهما لم يكن له الحبس: أي حبس المردود على الجعل؛ فإن حبسه عليه، وتلف ضمنه» (٢).
الراجح:
أرى أن مذهب الحنفية أقوى، وأن من حق العامل حبس المعقود عليه حتى يأخذ حقه، والله أعلم.
* * *
стр. 4384
الفصل السادس
في استحقاق الجعل قبل إتمام العمل
[م-١٠٠٠] الأصل أن العامل لا يستحق شيئًا من الجعل إلا بإتمام العمل، فإذا انقطع العمل قبل إتمامه فلا شيء له.
واستثنى المالكية ثلاث مسائل:
المسألة الأولى:
أن يستأجر أو يجاعل رب العمل عاملًا آخر على إتمام العمل، وينتفع الجاعل بما عمل العامل الأول، فللثاني جميع جعله الذي جاعله به، وللأول بقدر ما انتفع به الجاعل مما حط عنه من جعل الثاني.
المسألة الثانية:
إذا أتى العامل بالعبد الآبق، فاستحقه شخص، بأن ظهر أنه ملك للغير، أو استحق بحرية، كما لو أعتقه ربه، فإنه يستحق الجعل على الجاعل، ولو لم يقبضه ربه؛ لأنه ورطه في العمل، ولولا الاستحقاق لقبضه، واستولى عليه. ولا يرجع الجاعل بالجعل على المستحق عند ابن القاسم، وهو المشهور.
وموت الآبق قبل إيصاله يسقط جعله لعدم إتمام عمله.
المسألة الثالثة:
إذا طرأ على الشيء المجاعل عليه حادث يوجب نقصه، كأن يكون حيوانًا قطعت يده، أو فقئت عينه، أو تعرضت السيارة المفقودة لحادث أدى إلى نقصان قيمتها، بحيث صارت لا تساوي الجعل المسمى، أو جعل المثل، فللعامل
стр. 4385
جعله كاملًا، ولا ينظر لهذا النقصان، وسواء حدث ذلك قبل أن يعثر عليه، أو بعد أن عثر عليه العامل، وقبل أن يسلمه للجاعل (١).
وأما مذهب الشافعية:
فقالوا: لا يستحق العامل شيئًا من الجعل إن لم يقع عمله مسلمًا للجاعل، أو كان ذلك في حضرة الجاعل، أو في ملكه، وظهر أثره على المحل.
فإذا تلف الثوب الذي خاط بعضه، أو انهدم الجدار الذي بنى بعضه، فإن كان ذلك قبل تسليمه إلى المالك لم يستحق شيئًا.
وإن كان ذلك بعد تسليمه إلى المالك، أو كان احتراق الثوب أو انهدام الجدار بحضرة المالك أو في ملكه استحق أجرة ما عمل: أي بقسطه من المسمى.
ولو قال له: إن علمت هذا الصبي القرآن، فلك كذا، فإن لم يتعلم الصبي لبلادته لم يستحق شيئًا.
وإن علمه بعضه، ثم مات الصبي استحق أجرة ما علمه لوقوعه مسلمًا بالتعليم، مع ظهور أثر العمل على المحل (٢).
ولم أقف على نص في مذهب الحنابلة، والله أعلم.
стр. 4386
الفصل السابع
في اختلاف الجاعل والعامل
المبحث الأول
الاختلاف في أصل العقد
سبق في عقد البيع أن عقدت بابًا كاملًا ذكرت فيه أحوال اختلاف المتعاقدين، ومن المقدم قوله عند التنازع؟ وما ذكر هناك يمكن تنزيله على جميع عقود المعاوضات، لهذا سوف أكتفي بذكر مسألتين في هذا الباب، وهو الاختلاف في أصل العقد، والاختلاف في مقدار المشروط، وما لم يذكر يمكن الرجوع فيه إلى ذلك الباب، فإن فيه الكفاية إن شاء الله تعالى.
[م-١٠٠١] إذا اختلف الجاعل والعامل في أصل العقد، فقال العامل: شرطت لي جعلًا، وأنكر الجاعل، فاختلف العلماء في استحقاق الجعل إلى أقوال.
القول الأول: مذهب الحنفية:
لا يستحق الجعل في رد الضال، ويستحق في رد العبد الآبق (١).
وقولهم هذا مبني على أن الجعل مقدر من الشرع، وليس من الجاعل، فالعامل في رد الآبق يستحق مطلقًا، سواء كان ذلك بإذن من الجاعل، أو بغير إذنه، وسواء كان معروفًا بالرد، أو ليس معروفًا بالرد، وسبق أن ذكرنا أدلتهم في التفريق بين العبد وبين غيره في مسألة حكم الجعالة عند الفقهاء، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
стр. 4387
القول الثاني:
ذهب المالكية إلى أن العامل إن كان منتصبًا للعمل استحق جعل مثله، في الضال، والآبق، وإن لم يكن منتصبًا للعمل استحق النفقة فقط، ولو كان الجاعل لم يأذن له (١).
القول الثالث:
ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن العامل إن كان له بينة فيما ادعاه سمعت.
وإن لم يكن للعامل بينة فالقول قول الجاعل بيمينه؛ لأن العامل يدعي، والجاعل ينكر، والبينة على المدعي، واليمين على من أنكر.
ولأن الجاعل غارم، والقول قول الغارم.
ولأن الأصل براءة الجاعل، وعدم الاشتراط.
قال الغزالي: «لو تنازعا في أصل شرط الجعل، فأنكره المالك .... فالقول في ذلك كله قول المالك، فإن العامل مدع فليثبت» (٢).
قال النووي في منهاج الطالبين: «ويصدق المالك إذا أنكر شرط الجعل، أو سعيه في رده» (٣).
وقال في نهاية المحتاج: «لأن الأصل عدم الرد والشرط، وبراءة ذمته» (٤).
стр. 4388
وجاء في الإنصاف: «وإن اختلفا في أصل الجعل، أو قدره، فالقول قول الجاعل» (١).
الراجح:
إذا كنت رجحت في رد العبد الآبق أن الجعل مقدر من الشارع لقول ابن مسعود ﵁، وهو صحابي، ولا يعلم له مخالف، بل قد ورد مثل ذلك عن عمر وابن عمر وعلي وإن كان ذلك بأسانيد ضعيفة؛ إلا أنها شواهد قوية لأثر ابن مسعود ﵁، وقد قويت هذه الآثار بما جاء مرسلًا عن النبي ﷺ بسند رجاله ثقات.
وأما غير العبد فالأصل أن الإنسان لا يلزمه إلا ما التزمه، فإذا اختلف في أصل العقد فالقول قول من ينكره، وهو الجاعل، والله أعلم.
* * *
стр. 4389
المبحث الثاني
إذا اختلفا في قدر الجعل
[م-١٠٠٢] إذا اتفق العامل والجاعل على أصل الجعل، ولكنهم اختلفوا في مقداره أو في جنسه أو في صفته، فإن كان هذا الاختلاف قبل الشروع في العمل فسخ العقد، ولا شيء للعامل.
وإن كان ذلك بعد الشروع في العمل، أو بعد الفراغ منه، فاختلف الفقهاء في ذلك على أقوال:
القول الأول:
يتحالفان، عند الشافعية مطلقًا، وعند المالكية يتحالفان بشرط إذا لم يشبها، ومن أشبه فالقول قوله، ويحلف كل منهما على نفي ما ينكره، وعلى إثبات ما يدعيه، ثم يفسخ العقد، ويرجع العامل على المالك بجعل المثل عند المالكية، وبأجرة المثل عند الشافعية، وبعض الحنابلة (١).
والفرق بين جعل المثل، وبين أجرة المثل:
أن أجرة المثل يستحقها العامل سواء أتم العمل، أم لا، أما جعل المثل فلا يستحقه العامل إلا إذا أتم العمل، فإن لم يتمه فلا شيء له، والله أعلم.
стр. 4390
وجه هذا القول:
الوجه الأول:
لأن كلًا منهما منكر لما يدعيه صاحبه، وقد قال الرسول ﷺ كما في حديث ابن عباس المتفق عليه (ولكن اليمين على المدعى عليه) (١).
الوجه الثاني:
القياس على البيع، فإن البيعين إذا اختلفا في قدر الثمن تحالفا، ثم فسخ العقد، لما يروى عن النبي ﷺ : إذا اختلف المتبايعان، والسلعة قائمة تحالفا، وترادا (٢).
ويجاب:
بأن لفظ التحالف لا يوجد في شيء من كتب الحديث، نص على ذلك ابن حجر (٣)، وابن حزم (٤).
الوجه الثالث:
القياس على الاختلاف في الثمن، بجامع أن كلًا منها أحد عوضي العقد (٥).
فإذا اختلف المتبايعان في قدر الثمن، ولا بينة لهما، فإنهما يتحالفان، ثم يفسخان العقد، وقد ذكرنا ذلك في عقد البيع.
стр. 4391
القول الثاني:
ذهب الحنابلة بأن القول قول الجاعل (١).
وجه قول الحنابلة:
أن العامل يدعي زيادة في قدر الجعل، والجاعل ينكره، والقول قول المنكر بيمينه، كما في حديث ابن عباس المتفق عليه (ولكن اليمين على المدعى عليه) (٢).
وأجيب:
بأننا لا نسلم أن الجاعل هو المنكر وحده حتى يقال: إن القول قوله، بل العامل منكر أيضًا، حيث ينكر وقوع العقد على القدر الذي يدعيه الجاعل.
ورد:
بأن المدعي هو المطالِب، ولو ترك دعواه لبطلت الدعوى، هذا هو ما يحدد المدعي والمدعى عليه، فالمدعي هو العامل حيث يدعي قدرًا زائدًا في الجعل، والجاعل ينكره، ولأن الغارم هنا هو الجاعل، والقول قول الغارم.
الترجيح:
بعد استعراض الأدلة أجد أن قول الحنابلة أقوى من حيث موافقته لحديث ابن عباس المتفق عليه، والله أعلم.
* * *
стр. 4392
الفصل الثامن
في نفقة العامل على مال الجعالة
[م-١٠٠٣] اختلف الفقهاء في نفقة العامل على مال الجاعل، هل يرجع بها على المالك، أو لا يرجع؟ على ثلاثة أقوال:
القول الأول: مذهب المالكية:
ذهب المالكية إلى أن العامل إذا كان من عادته رد الضال، والآبق، فإن نفقة الآبق والضال عليه، ولو استغرقت الجعل كله، سواء وجب له المسمى كما لو كان ردها بأمر المالك، أو وجب له جعل المثل كما لو ردها بلا إذن صاحبها.
وإن كان ليس من عادته ذلك فليس له إلا نفقته فقط، على خلاف بين المالكية في المراد بالنفقة:
فقيل: ما أنفقه على الآبق من مأكل، ومشرب، ومركب، ولباس، ولا يدخل فيه ما أنفقه العامل على نفسه، أو على دابته زمن تحصيله، فهذه على العامل لا يرجع بها على المالك، وهذا هو الراجح في مذهب المالكية.
وقيل: المراد ما أنفقه العامل على نفسه وعلى العبد حال تحصيله، من أجرة مركب، أو دابة احتاجا لها، وأجرة من يقبضه له إن احتاج الحال إلى ذلك بحيث لم يكن الحامل على صرف تلك الدراهم إلا تحصيله؛ لأن تلك الدراهم بمثابة ما فدى به من ظالم، وأما ما شأنه أن ينفقه العامل على نفسه في الحضر، كالأكل والشرب فلا يرجع به على ربه (١).
стр. 4393
القول الثاني:
ذهب الشافعية إلى أن العامل يعتبر متبرعًا بالنفقة إلا أن ينفق بإذن الحاكم، أو يشهد على ذلك، فله الرجوع على المالك (١).
القول الثالث:
ذهب الحنابلة إلى أن العامل إذا أنفق على الضالة والآبق فله الرجوع مطلقًا، حتى ولو كان قادرًا على استئذان مالكه ولم يستأذنه، وسواء أكان العامل يستحق جعلًا أم لا، وسواء أكان المال بيد العامل، وسلمه للمالك أم لا، حتى لو هربت الضالة مثلًا منه، أو ماتت في الطريق، فله الرجوع على المالك بما أنفق عليها قبل هربها أو موتها؛ لأن الإنفاق مأذون فيه شرعًا فلم يتوقف على إذن المالك حرمة للنفس وحثًا على صيانة المال (٢).
الراجح:
أرى أن الراجح مذهب الحنابلة إلا إذا كانت النفقة ستزيد على قيمة الضالة والآبق فإن للعامل أن يستأذن الحاكم ببيعها، وردها إلى صاحبها، والله أعلم.
стр. 4394
الفصل التاسع
في الجعل على إخراج الجان وحل السحر
[م-١٠٠٤] اختلف الفقهاء في الجعل على إخراج الجان وحل السحر على قولين:
القول الأول:
نص المالكية والحنابلة إلى أنه لا يجوز الجعل على إخراج الجن؛ لأنه لا يعرف حقيقته، ولا يوقف عليه، ولا ينبغي لأهل الورع الدخول فيه، وكذلك الجعل على حل المربوط والمسحور (١).
ولأنه لو خرج الجان لم يؤمن العود، وإذا عاد قد يدعي مخرج الجان أن هذا جان آخر غير الأول (٢).
القول الثاني:
صحح الشافعية الاستئجار على إبطال السحر، وعلى حل ما يحصل للزوج من الانحلال المسمى عند العامة بالرباط.
قال ابن حجر الهيتمي في تحفة المحتاج: «يؤخذ منه صحة الإجارة على إبطال السحر; لأن فاعله يحصل له مشقة بالكتابة ونحوها من استعمال البخور وتلاوة الأقسام التي جرت عادتهم باستعمالها، ومنه إزالة ما يحصل للزوج من الانحلال المسمى عند العامة بالرباط، والأجرة على من التزم العوض ولو
стр. 4395
أجنبيًا، حتى لو كان المانع بالزوج، والتزمت المرأة أو أهلها العوض لزمت الأجرة من التزمها، وكذا عكسه ... ثم إن وقع إيجار بعقد صحيح لزم المسمى وإلا فأجرة المثل» (١).
الراجح:
لو أخذ ما يدفع له بلا مشارطة صح، ويحمل ذلك على المكافأة، أما المعاوضة فلا أرى جوازها، والله أعلم.
* * *
стр. 4396
الفصل العاشر
في مشارطة الطبيب على برء المريض
[م-١٠٠٥] هذا العقد متردد بين الإجارة والجعالة، فإن قلنا: جعالة صح، ولم يستحق العوض إلا بالبرء، والجهالة في الجعالة لا تضر.
وإن قلنا: إجارة أشكل هذا؛ لأن البرء قد لا يكون تحت القدرة؛ لأنه من الله .
وقد اختلف العلماء في استئجار الطبيب بشرط البرء على قولين:
القول الأول:
يجوز، وهو مذهب المالكية، وقول في مذهب الحنابلة، على خلاف بينهم في توصيف العقد، هل هو إجارة، أو جعالة، أو متردد بينهما (١).
فقد جزم ابن عبد السلام بأن العقد إجارة فقط (٢).
ونص سحنون على أن الأصل في مداواة المريض الجعالة (٣).
وذكر ابن شاس والقرافي بأن العقد متردد بين الإجارة والجعالة (٤).
جاء في المدونة: «قال مالك في الأطباء إذا استؤجروا على العلاج فإنما هو على البرء، فإن برأ فله حقه، وإلا فلا شيء له» (٥).
стр. 4397
واختار ابن قدامة والمتأخرون من الحنابلة إلى أن العقد جعالة، ولا يستحق شيئًا من الأجرة حتى يوجد البرء (١).
وجه القول بالجواز:
إن كان العقد إجارة فوجه القول بالجواز: أن الطبيب لا يشارط على الشفاء إلا على مرض يغلب على ظنه حصول البرء، ولا يقدم الطبيب على المشارطة على البرء إذا كان المرض من شأنه أن يطول، أو لا يقبل الشفاء.
وعلى القول بأن العقد جعالة فوجه القول بالجواز أن الجهالة في عقد الجعالة لا تضر بالاتفاق.
القول الثاني:
لا يجوز، وهو مذهب الجمهور، وقول في مذهب المالكية (٢)، واختيار ابن حزم.
وجه القول بالمنع:
أن الشفاء بيد الله، ولا يقدر عليه أحد من الخلق، ولأن في اشتراطه غررًا، فقد يطول العلاج، ولا يحصل الشفاء، وقد يقصر العلاج فيأخذ أكثر مما يستحق، لذلك كان اشتراط البرء من الغرر المنهي عنه.
قال ابن حزم: «ولا تجوز مشارطة الطبيب على البرء أصلًا؛ لأنه بيد الله، لا بيد أحد، وإنما الطبيب معالج، ومقو للطبيعة بما يقابل الداء، ولا يعرف كمية قوة الدواء من كمية قوة الداء، فالبرء لا يقدر عليه إلا الله» (٣).
стр. 4398
«وقد رأينا الأطباء يعالج أحدهم اثنين علتهما واحدة، في زمن واحد وسن واحد وبلد واحد، وربما كانوا توأمين، فيعالجهما بعلاج واحد، فيصح أحدهما، ويموت الآخر أو تطول علته» (١).
الراجح:
القول بصحته مطلقًا، أو منعه مطلقا.
* * *
стр. 4399
الفصل الحادي عشر
إذا تعذر التسليم للجاعل
[م-١٠٠٦] نص الشافعية والحنابلة على أن العامل إذا أتى بالمتعاقد عليه، فلم يجد المالك، ولا من ينوب عنه، سلم المردود للحاكم، واستحق الجعل، ويدفعه الحاكم له من مال الملتزم إن كان له مال، وإلا بقي الجعل دينًا في ذمة الجاعل.
فإن لم يكن حاكم أشهد، واستحق الجعل وإن مات أو هرب بعد ذلك، والله أعلم (١).
قال في نهاية المحتاج: «ولو لم يجد العامل المالك سلم المردود إلى الحاكم، واستحق الجعل، فإن لم يكن حاكم أشهد واستحقه: أي وإن مات، أو هرب بعد ذلك» (٢).
* * *
стр. 4400
الفصل الثاني عشر
في الجعالة الفاسدة
[م-١٠٠٧] اختلف العلماء في الجعالة إذا فسدت على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
إذا فسدت الجعالة فإن أتم العمل فله جعل مثله، وإن لم يتم العمل فلا شيء له، إلا أن يجعل له العوض مطلقًا سواء أتم العمل أم لم يتمه، فللعامل جعل مثله حتى ولو لم يتم العمل. وهذا هو المشهور في مذهب المالكية (١).
قال خليل في مختصره: «وفي الفاسد جعل المثل إلا بجعل مطلقًا». وفسر الخرشي مراده بالإطلاق أن يجعل له العوض سواء أتم العمل أم لم يتم (٢).
وجه القول بوجوب جعل المثل:
أن الأصول موضوعة على أن كل عقد فاسد مردود إلى صحيحه، كالنكاح، والبيع، والإجارة، فكذلك الجعالة.
القول الثاني:
للعامل أجرة مثله، وهو مذهب الشافعية، وقول في مذهب المالكية (٣).
стр. 4401
قال الشيرازي: «لأن كل عقد وجب المسمى في صحيحه، وجب المثل في فاسده، كالبيع، والنكاح» (١).
وقال الغزالي: «وشرطه أن يكون مالًا معلومًا، فلو شرط مجهولًا فسد، واستحق العامل أجرة المثل كما في المضاربة الفاسدة» (٢).
وجه القول بوجوب أجرة المثل:
أن العقد الفاسد لما فسد بطل المسمى؛ لأن المسمى إنما يستحق بالشرط، وقد فسد، فكان الرجوع إلى المسمى مع فساد العقد تصحيحًا للعقد، وهذا لا يصح، وإذا بطل المسمى لفساد العقد رجعنا إلى أجرة المثل؛ لأن العامل إنما بذل منافعه ليأخذ عوضه وذلك متعذر في العقد الفاسد فوجب له قيمته وهي أجر مثله.
القول الثالث:
يرد العقد الفاسد إلى جعل مثله في مسائل، وإلى أجرة المثل في مسائل. وهذا قول ثالث في مذهب المالكية (٣).
وسبب الخلاف:
أن المستثنى من العقود إذا فسد هل يرد إلى صحيح نفسه كفاسد البيع، فالبيع الفاسد يرد إلى البيع الصحيح، فنقول: يجب جعل المثل، أو يرد إلى صحيح أصله، باعتبار أن الجعالة مستثناة من الإجارة، فيكون المستحق أجرة المثل؛ لأن الشرع إنما استثنى الصحيح لاشتماله على القوانين الشرعية، فإذا فسد
стр. 4402
المستثنى رجعنا إلى أصله؛ لأن الشرع لم يستثن الفاسد، فهو مبقى على العدم، وما دام أن له أصلًا يرجع إليه، فيجب الرجوع إلى أصله وهو الإجارة، والفرق بينها وبين البيع: أن البيع ليس له أصل آخر يرجع إليه في ذلك.
ولأن أسباب الفساد إذا تأكدت بطلت حقيقة الجعالة بالكلية، فتتعين الإجارة، وإن لم تتأكد اعتبرنا الجعالة، ثم النظر بعد ذلك في المفسد، هل هو متأكد أم لا وهو تحقيق مناط (١).
والفرق بين قولنا: جعل المثل، وإجارة المثل: أن جعل المثل لا يلزم إلا بإتمام العمل، فإن لم يتمه فلا شيء له، بخلاف إجارة المثل فتجب له الأجرة، وإن لم يتم العمل.
القول الراجح:
الذي أميل إليه هو القول بأن له جعل المثل إن أتم العمل، فإن لم يتم العمل فلا شيء له، والله أعلم.
* * *
стр. 4403
الفصل الثالث عشر
في مشاركة العامل في العمل
المبحث الأول
إذا عين الجاعل شخصًا وأعانه آخر
[م-١٠٠٨] إذا عين الجاعل شخصًا في عمل الجعالة، فأعانه آخر، فما الحكم؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
ذهب الشافعية إلى أن المشارك لا حق له في الجعل مطلقًا؛ لأن المالك لم يلتزم له بشيء، إلا أن لعمله تأثيرًا على العامل في استحقاق الجعل، وذلك بأن يسأل المشارك: ما ذا أردت بعملك، ومن أردت به؟
فإن قال: قصدت إعانة العامل، فللعامل كل الجعل، سواء قصد إعانته بعوض، أو بغير عوض؛ لأن المشارك لما قصد إعانة العامل، أصبح عمل المشارك واقعًا عن العامل، ومقصود المالك رد الآبق بأي وجه أمكن، فلا يحمل لفظه على قصر العمل على المخاطب، فإذا استعان العامل بمن أراد بأجرة يبذلها، أو بأن يتبرع له المعين بالإعانة فقد حصل المقصود، وصار العمل كله مضافًا للعامل، فاستحق كامل الجعل.
وإن قال المشارك قصدت العمل لنفسي، أو للمالك، أو لهما، أو مطلقًا بأن
стр. 4404
قال: لم أقصد شيئًا، فللعامل قسطه، وهو النصف؛ إذ القسمة على عدد الرؤوس على الصحيح.
وقيل: القسمة على قدر العمل.
وإن قصد العمل لنفسه وللعامل، أو للعامل والجاعل، فللعامل المعين ثلاثة أرباع الجعل؛ لأنه استحق نصف الجعل بعمله، ورجع إليه نصف عمل المشارك.
وإن قصد المشارك العمل للجميع: أي للجاعل، وللعامل، ولنفسه، استحق العامل المعين ثلثي الجعل؛ لأنه استحق النصف بعمله، ورجع إليه ثلث عمل المشارك، وهو السدس، فصار المستحق ثلثي الجعل.
ولا شيء للمشارك كما قلنا في جميع هذه الصور؛ لأن المالك لم يلتزم له بشيء، نعم إن التزم العامل له بشيء لزمه.
ولو شاركه اثنان في الرد، فلا شيء لهما في الجعل، لكن إن قصدا إعانته فله تمام الجعل، أو العمل للمالك فله ثلثه، أو أراد واحد إعانته، والآخر إعانة المالك فللعامل المعين ثلثاه. هذا ملخص مذهب الشافعية. وبمثل هذا قالت الحنابلة (١).
القول الثاني:
ذهب المالكية إلى أنهما يشتركان في الأكثر من الجعل المسمى، وجعل المثل.
стр. 4405
ذلك أن العامل المعين يستحق المسمى من المالك بمقتضى التسمية.
والعامل المشارك يستحق جعل المثل إذا كان من عادته رد الإباق والضوال، ولا يستحق المسمى، حيث لم يسمعه من المالك، فلما اشتركا في الجعل، واختلفا في القدر، استحقا الأكثر من الجعل المسمى، وجعل المثل (١).
الراجح:
أرى أن الراجح ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة حيث كان الرد في غير الآبق، وأما الرد في الآبق فإنه مقدر شرعًا لمن جاء به بصرف النظر هل كان ذلك بأمر ربه، أو بدونه، فيشتركان فيه على النصف، والله أعلم.
* * *
стр. 4406
المبحث الثاني
إذا اشترك اثنان ولم يعين العامل
[م-١٠٠٩] إذا اشترك اثنان في الرد، وكان الخطاب عامًا، كأن يقول: من رد مالي فله كذا، فاشترك اثنان في العمل، فهل يقسم الجعل على عددهما، أو يقسم بحسب صعوبة العمل وسهولته، اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
يشتركان في الجعل المسمى، ويقسم الجعل بينهما على عدد رؤوسهما، وإن تفاوتا في العمل؛ لأنه لا يمكن ضبط العمل حتى يوزع الجعل بينهما على قدر أعمالهما. وهذا مذهب الشافعية، والحنابلة (١).
قال النووي: «قال من رد عبدي، فله دينار، فاشترك جماعة، فالدينار مشترك بينهم» (٢).
وجاء في كفاية الأخيار: «واعلم أنه لو اشترك جماعة في الرد اشتركوا في الجعل؛ لأنهم اشتركوا في السبب، ويقسم بينهم بالسوية، وإن تفاوتت أعمالهم؛ لأن العمل في أصله مجهول، فلا يمكن رعاية مقداره في التقسيط،
стр. 4407
وللإمام احتمال في توزيع الجعل على قدر أعمالهم؛ لأن العمل بعد تمامه قد انضبط، والله أعلم» (١).
القول الثاني:
يشتركان في الجعل بنسبة العمل صعوبة وسهولة، فإن استوى العملان فلكل نصف الجعل. وهذا مذهب المالكية (٢).
وسبق لنا أن هذا قول في مذهب الشافعية. والراجح الأول، والله أعلم.
* * *
стр. 4408
الباب الثالث
في الانتهاء من عقد الجعالة
الفصل الأول
انتهاء الجعالة بإتمام العمل
[م-١٠١٠] اتفق القائلون بالجعالة بأن العامل إذا أنجز العمل المعقود عليه، وسلمه للجاعل أنه يستحق بذلك الجعل، وبهذا يكون العقد قد تم إنجازه، وحصل المقصود منه، وهو حصول المالك على ما أراد، واستحقاق العامل العوض المسمى في العقد.
وهذا أمر بين لا يحتاج إلى إيضاح.
* * *
стр. 4409
الفصل الثاني
انتهاء الجعالة بالفسخ
المبحث الأول
فسخ الجعالة قبل الشروع في العمل
[م-١٠١١] الفسخ إن كان برضا الطرفين فالجعالة تنفسخ قولًا واحدًا قبل الشروع في العمل أو بعده؛ لأن الحق لهما، فإذا اتفقا على فسخه انفسخ.
وإن كان الفسخ بفعل أحدهما فهذا يتوقف على الخلاف في عقد الجعالة، هل هو عقد جائز، أو عقد لازم؟ وهل الفسخ كان قبل الشروع في العمل أو بعده؟
[م-١٠١٢] فإن كان الفسخ قد انفرد به أحدهما، وكان قبل الشروع في العمل، فقد اختلف فيه الفقهاء إلى أقوال.
القول الأول:
لا تنفسخ الجعالة بالإرادة المنفردة باعتبار أن الجعالة عقد لازم، ولو قبل الشروع في العمل قياسًا على الإجارة. وهذا قول مرجوح في مذهب المالكية (١).
وسبق مناقشة هذا القول في حكم عقد الجعالة، وبينا أن هذا القول ضعيف، وأن هناك فرقًا بين الإجارة والجعالة:
فالإجارة تقدر فيها المدة، ويعين فيها المستأجر، بخلاف الجعالة.
стр. 4410
القول الثاني:
إن كان الفسخ من المجعول له صحت، وإن كان الفسخ من الجاعل لم تصح، وهذا على قول من قال: تلزم الجعالة بالقول من الجاعل دون المجعول له، وهو قول في مذهب المالكية (١).
جاء في عقد الجواهر الثمينة: «أما أحكام الجعالة فخمسة:
الأول: الجواز من الجانبين ما لم يشرع في العمل كالقراض ..... وحكى أبو الحسن اللخمي قولين آخرين:
أحدهما: أنها تلزم بالقول من الجاعل خاصة دون المجعول له.
الثاني: أنها كالإجارة، تنعقد لازمة بالقول لهما جميعًا» (٢).
القول الثالث:
لكل فسخها قبل الشروع في العمل، وهذا باعتبار أن الجعالة عقد جائز من الطرفين قبل الشروع في العمل، وهو مذهب الشافعية والحنابلة، والقول الراجح عند المالكية (٣).
قال الخرشي: «الجاعل والمجعول له يجوز لكل منهما أن يحل عن نفسه قبل الشروع في العمل ... لأن عقد الجعالة جائز غير لازم على المشهور» (٤).
стр. 4411
فقوله على المشهور إشارة إلى خلاف في المذهب، سبق ذكره.
وقال العدوي: «وأما الجعل قبل الشروع فلا يلزم واحدًا منهما» (١).
وهذا هو القول الراجح، وقد ذكرنا دليله في حكم عقد الجعالة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، والحمد لله.
تنبيه: إنما يتصور الفسخ ابتداء من العامل المعين، وأما غيره فلا يتصور الفسخ منه إلا بعد الشروع في العمل (٢).
* * *
стр. 4412
المبحث الثاني
فسخ الجعالة بعد الشروع في العمل
[م-١٠١٣] إذا فسخ أحد العاقدين الجعالة بعد الشروع في العمل، وقبل إتمامه، فهل يصح الفسخ؟
اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:
القول الأول:
يصح الفسخ، فإن فسخ الجاعل كان للعامل أجرة مثله لما عمل؛ لأن المالك استهلك منفعته بشرط العوض، فلزمته أجرته كما لو فسخ المضاربة. وهذا مذهب الشافعية والحنابلة (١).
وإن كان الفسخ من العامل فلا شيء له؛ لأنه امتنع باختياره، ولم يحصل غرض المالك، وهذا بناء على أن عقد الجعالة عقد جائز، وقد سبق بحث هذه المسألة، وذكرنا أدلتهم فيما سبق، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، والحمد لله.
القول الثاني:
إن فَسَخَ العامل صح الفسخ؛ لأن العقد جائز في حقه، وإن فسخ المالك لم يصح الفسخ؛ لأن العقد بعد الشروع في العمل لازم في حقه، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية (٢).
стр. 4413
وقد ذكرنا دليلهم عند الكلام على توصيف عقد الجعالة، هل هو جائز أو لازم، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
الراجح:
أن الفسخ صحيح قبل إتمام العمل، سواء كان الفسخ من العامل، أو من المالك؛ لأن العقد جائز، فإن فسخ الجاعل كان للعامل حصته من المسمى، إن كان المالك قد استفاد من عمل العامل، وهذا ما اختاره شيخ شيخنا عبد الرحمن السعدي ﵀ (١)، وإلا كان له أجرة المثل، وبهذا يحفظ حق العامل إذا كان الفسخ من قبل الجاعل، والله أعلم
* * *
стр. 4414
المبحث الثالث
فسخ الجعالة بعد إتمام العمل
[م-١٠١٤] لا يملك أحد العاقدين الانفراد في فسخ الجعالة بعد إتمام العمل، والفراغ منه؛ لأن العقد يصبح لازمًا؛ لأن الجعل قد استقر في ذمة الجاعل (١).
وإن حصل فسخ فلا يسمى فسخًا، وإنما يسمى إبراء وإسقاطًا من العامل لحقه، ولرب العمل ألا يقبل؛ لأن فيه منة، والله أعلم.
* * *
стр. 4415
المبحث الرابع
فسخ الجعالة بالموت
الفرع الأول
انفساخ الجعالة بموت الجاعل
جاء في كشاف القناع: كل عقد جائز من الطرفين ..... يبطل بموت أحدهما وعزله (١).
[م-١٠١٥] إذا مات الجاعل قبل الشروع في العمل انفسخ العقد.
وإذا مات الجاعل بعد إتمام العمل لزم الجعل، ولا يمكن فسخه بالموت، وهذا مما لم يختلف فيه أحد من الفقهاء.
وأما إذا مات الجاعل في أثناء العمل، فاختلفوا في انفساخ الجعالة بالموت على قولين:
القول الأول:
إذا مات الجاعل في أثناء العمل، فلا يخلو إما أن يكون العمل مما لا يتبعض كطلب الآبق، وحفر الآبار، فهذا ليس للورثة أن يمنعوه من تمامه.
وإما أن يكون مما يتبعض كالحصد، واللقط، واقتضاء الدين، فهذا لا يلزم ورثة الجاعل أن يبقوه على ذلك. وهذا مذهب المالكية (٢).