← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.

стр. 4411

فقوله على المشهور إشارة إلى خلاف في المذهب، سبق ذكره. وقال العدوي: «وأما الجعل قبل الشروع فلا يلزم واحدًا منهما» (١). وهذا هو القول الراجح، وقد ذكرنا دليله في حكم عقد الجعالة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، والحمد لله. تنبيه: إنما يتصور الفسخ ابتداء من العامل المعين، وأما غيره فلا يتصور الفسخ منه إلا بعد الشروع في العمل (٢). * * *

стр. 4412

المبحث الثاني فسخ الجعالة بعد الشروع في العمل [م-١٠١٣] إذا فسخ أحد العاقدين الجعالة بعد الشروع في العمل، وقبل إتمامه، فهل يصح الفسخ؟ اختلف الفقهاء في ذلك على قولين: القول الأول: يصح الفسخ، فإن فسخ الجاعل كان للعامل أجرة مثله لما عمل؛ لأن المالك استهلك منفعته بشرط العوض، فلزمته أجرته كما لو فسخ المضاربة. وهذا مذهب الشافعية والحنابلة (١). وإن كان الفسخ من العامل فلا شيء له؛ لأنه امتنع باختياره، ولم يحصل غرض المالك، وهذا بناء على أن عقد الجعالة عقد جائز، وقد سبق بحث هذه المسألة، وذكرنا أدلتهم فيما سبق، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، والحمد لله. القول الثاني: إن فَسَخَ العامل صح الفسخ؛ لأن العقد جائز في حقه، وإن فسخ المالك لم يصح الفسخ؛ لأن العقد بعد الشروع في العمل لازم في حقه، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية (٢).

стр. 4413

وقد ذكرنا دليلهم عند الكلام على توصيف عقد الجعالة، هل هو جائز أو لازم، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. الراجح: أن الفسخ صحيح قبل إتمام العمل، سواء كان الفسخ من العامل، أو من المالك؛ لأن العقد جائز، فإن فسخ الجاعل كان للعامل حصته من المسمى، إن كان المالك قد استفاد من عمل العامل، وهذا ما اختاره شيخ شيخنا عبد الرحمن السعدي ﵀ (١)، وإلا كان له أجرة المثل، وبهذا يحفظ حق العامل إذا كان الفسخ من قبل الجاعل، والله أعلم * * *

стр. 4414

المبحث الثالث فسخ الجعالة بعد إتمام العمل [م-١٠١٤] لا يملك أحد العاقدين الانفراد في فسخ الجعالة بعد إتمام العمل، والفراغ منه؛ لأن العقد يصبح لازمًا؛ لأن الجعل قد استقر في ذمة الجاعل (١). وإن حصل فسخ فلا يسمى فسخًا، وإنما يسمى إبراء وإسقاطًا من العامل لحقه، ولرب العمل ألا يقبل؛ لأن فيه منة، والله أعلم. * * *

стр. 4415

المبحث الرابع فسخ الجعالة بالموت الفرع الأول انفساخ الجعالة بموت الجاعل جاء في كشاف القناع: كل عقد جائز من الطرفين ..... يبطل بموت أحدهما وعزله (١). [م-١٠١٥] إذا مات الجاعل قبل الشروع في العمل انفسخ العقد. وإذا مات الجاعل بعد إتمام العمل لزم الجعل، ولا يمكن فسخه بالموت، وهذا مما لم يختلف فيه أحد من الفقهاء. وأما إذا مات الجاعل في أثناء العمل، فاختلفوا في انفساخ الجعالة بالموت على قولين: القول الأول: إذا مات الجاعل في أثناء العمل، فلا يخلو إما أن يكون العمل مما لا يتبعض كطلب الآبق، وحفر الآبار، فهذا ليس للورثة أن يمنعوه من تمامه. وإما أن يكون مما يتبعض كالحصد، واللقط، واقتضاء الدين، فهذا لا يلزم ورثة الجاعل أن يبقوه على ذلك. وهذا مذهب المالكية (٢).

стр. 4416

القول الثاني: تنفسخ الجعالة بالموت، ولا شيء للعامل لما عمله بعد موت المالك، فلو رده إلى وارثه استحق من المسمى قسط ما عمله في الحياة، وهذا مذهب الشافعية (١). وبه قال الحنابلة، جاء في كشاف القناع: «كل عقد جائز من الطرفين .... يبطل بموت أحدهما وعزله» (٢). وقال في شرح منتهى الإرادات: «ويبطل سباق بموت أحدهما كسائر العقود الجائزة» (٣). فقوله: كسائر العقود الجائزة يدخل في ذلك الجعالة على رد الضال، والآبق، ونحوهما. * * *

стр. 4417

الفرع الثاني انفساخ الجعالة بموت العامل [م-١٠١٦] اختلف العلماء فيما إذا مات العامل بعد الشروع في العمل على قولين: القول الأول: لا تنفسخ الجعالة بموت العامل؛ لأن عقد الجعالة عقد لازم بالنسبة للجاعل إذا شرع العامل في العمل، والموت لا يوجب فسخ العقود اللازمة، وعليه فإن للورثة أن يتموا العمل، وليس للجاعل أن يمنعهم من إتمامه. وهذا مذهب المالكية (١). القول الثاني: تنفسخ الجعالة بموت العامل، ويستحق من المسمى قسط ما عمله في الحياة، وهذا مذهب الشافعية، وبه قال الحنابلة (٢). وبهذه المسألة أكون قد انتهيت من المباحث المختارة في عقد الجعالة، فلله الحمد والمنة على ما أنعم وتفضل. * * *

стр. 4418

عقد الشفعة تمهيد المبحث الأول في تعريف الشفعة تعريف الشفعة لدى الفقهاء (١): الاختلاف في تعريفها بين الفقهاء راجع إلى الاختلاف في الشفيع، هل يختص بالشريك وهو قول الجمهور؟ أو يشاركه من هو مثله كالجار، وهذا مذهب الحنفية؟ وهل يختص هذا الحق بالمسلم، أو يشاركه الكافر كالذمي؟ وهل تختص بالعقار، أو هي عامة في كل مال؟ إذا عرف ذلك نأتي على تعريفها لدى المذاهب الفقهية:

стр. 4419

تعريف الحنفية: عرفها ابن الهمام: هي تملك البقعة جبرًا على المشتري بما قام عليه (١). فقوله: (تملك البقعة) إشارة إلى أن الشفعة خاصة بالعقار. وسيأتي تحرير الخلاف فيها إن شاء الله تعالى. وقوله: (جبرًا) إشارة إلى أن طبيعة عقد الشفعة انتزاع الملك، فهي ليست كالبيع القائم على التراضي. وقوله: (بما قام عليه) أي بمثل الثمن الذي تملكه به المشتري. وانتقد التعريف بأنه لم يذكر سبب الشفعة، ولذلك صرح بعضهم بزيادة قيد في آخر التعريف كقولهم: (بشركة أو جوار) قال ابن الهمام: «وترك ذكره في الأكثر بناء على ظهوره» (٢). وجاء في العناية: عبارة عن تملك المرء ما اتصل بعقاره من العقار على المشتري بشركة أو جوار (٣). هذا التعريف وإن كان نص على سبب الشفعة، وهي الشركة والجوار إلا أنه لم يشر إلى طبيعة هذا التملك، وأنه ينتزع الملك انتزاعًا من المشتري، ولم يذكر الثمن الذي يتملكه فيه الشفيع، فينبغي أن يضم أحد التعريفين إلى الآخر ليكون التعريف معبرًا عن قيود الحنفية، والله أعلم.

стр. 4420

تعريف المالكية: عرفها المالكية بقولهم: استحقاق شريك ولو ذميًا أخذ مبيع شريكه بثمنه (١). وعرفها بعضهم: أخذ ما عاوض به شريكه من عقار بثمنه أو قيمته بصيغة (٢). تعريف الشافعية: عرفوها بقوله: حق تملك قهري يثبت للشريك القديم على الشريك الحادث فيما ملك بعوض (٣). تعريف الحنابلة: عرفها الحنابلة بقولهم: «استحقاق الشريك انتزاع حصة شريكه المنتقلة عنه من يد من انتقلت إليه» (٤). من خلال عرض هذه التعريفات يظهر لنا ما يلي: (١) ـ عامة العلماء متفقون على القول بالشفعة على وجه الإجمال، وفيها خلاف نادر للأصم، وستأتي مناقشة قوله إن شاء الله تعالى. (٢) ـ لا يختلف الأئمة الأربعة في ثبوت الشفعة للشريك المسلم، واختلفوا في ثبوتها للذمي، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحرير الخلاف في مبحث مستقل. (٣) ـ تكاد تتفق التعاريف بأن الشفعة استحقاق، وليست بيعًا، وذلك أن هناك فرقًا بين البيع والشفعة.

стр. 4421

فالبيع لا يتم إلا برضى الطرفين، بينما حقيقة الشفعة هي تملك البقعة جبرًا على المشتري. وأن البيع لا يتم إلا بما يرضى به البائع عوضًا عن المبيع، بينما عقد الشفعة يحل الشفيع محل المشتري، ويأخذ بمثل ما أخذ به من الثمن. وكون بعض الفقهاء قد يطلق البيع على الشفعة فلعله أراد أنه يترتب عليها من الآثار ما يترتب على البيع كالرد بخيار العيب، والرجوع بالثمن عند الاستحقاق، وحبس المبيع لاستيفاء الثمن، ونحو ذلك. (٤) ـ أن الشفعة سبب من أسباب التملك، فالشفيع يكسب بالشفعة ملكية العقار وذلك بإرادة منفردة صادرة من جانب واحد، وذلك عن طريق حلول الشفيع محل المشتري، ولا يعتبر بالاتفاق رضا الشريك والمشفوع عليه في انتزاع حصة شريكه من يد من انتقلت إليه. (٥) ـ لا تثبت الشفعة إلا إذا كان انتقال حصة الشريك عن طريق المعاوضة، فيخرج بذلك الأعيان التي انتقلت من الشريك بإرث باتفاق، أو بهبة أو صدقة، أو وصية على خلاف في ذلك كما سيأتي إن شاء الله تعالى. قال في مواهب الجليل: «يدخل في قوله (بمعاوضة) البيع، وهبة الثواب، والمهر، والخلع، وجميع المعاوضات، والصلح، ولو كان على إنكار» (١). وفيما عدا المعاوضة بالبيع فيها نزاع بين العلماء سيأتي تحريره إن شاء الله تعالى. (٦) ـ أن ينتقل الملك إلى المشتري انتقالًا لازمًا، فلا شفعة في بيع يكون الخيار فيه للبائع إلا بعد بته.

стр. 4422

وأما إذا كان الخيار للمشتري ففيه خلاف سوف يأتي تحريره إن شاء الله تعالى. (٧) ـ إذا اشترى رجلان دارًا معًا، فلا شفعة لأحدهما على الآخر (١). قال ابن رشد: واتفقوا على أن من شرط الأخذ بالشفعة أن تكون الشركة متقدمة على البيع (٢). (٨) ـ اتفاقهم في الجملة على ثبوت الشفعة في العقار، واختلفوا فيما عداه، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحرير الخلاف فيه. (٩) ـ اختلاف الفقهاء في سبب الشفعة، هل هي خاصة للشريك في المبيع، أو للشريك في حقوق الارتفاق، أو للجار الملاصق. وسيأتي تحرير الخلاف في ذلك إن شاء الله تعالى. (١٠) اختلافهم في ثبوت الشفعة في الشركة في عقار لا يقبل القسمة، كالحمام والدكان الصغيرين. (١٢) اختلافهم في الشفعة في المنقولات. وسيأتي تحرير الخلاف فيها إن شاء الله تعالى. وقد صرح العلماء بأن الشفعة كانت قبل الإسلام: جاء في اللسان: «قال القتيبي في تفسير الشفعة: كان الرجل في الجاهلية إذا أراد بيع منزل أتاه رجل فشفع إليه فيما باع، فشفعه، وجعله أولى بالمبيع ممن بعد سببه، فسميت شفعة، وسمي طالبها شفيعًا» (٣).

стр. 4423

وقال ابن رشد في المقدمات: «الأصل في تسمية أخذ الشريك الشقص الذي باع شريكه من المشتري بالثمن الذي اشتراه به شفعة، وهو أن الرجل في الجاهلية كان إذا اشترى حائطًا أو منزلًا، أو شقصًا من حائط أو منزل أتاه المجاور أو الشريك فيشفع إليه في أن يوليه إياه ليتصل له الملك، أو يندفع عنه الضرر حتى يشفعه، فسمي ذلك شفعة، وسمي الآخر شفيعًا، والمأخوذ منه مشفوعًا عليه» (١). * * *

стр. 4424

المبحث الثاني الشفعة على وفق القياس [م-١٠١٧] ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن الشفعة على خلاف القياس (١). وجه مخالفتها للقياس: أنها قائمة على أخذ مال الغير بغير رضاه، وقد قال ﷺ : لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه (٢).

стр. 4425

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4426

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4427

ولأنه بالأخذ يدفع الضرر عن نفسه على وجه يلحق الضرر بالمشتري في إبطال ملكه عليه، وليس لأحد أن يدفع الضرر عن نفسه بالإضرار بغيره. جاء في الهداية: «حق الشفعة معدول به عن سنن القياس لما فيه من تملك المال على الغير بلا رضاه» (١). وقال ابن قدامة: «الشفعة تثبت على خلاف الأصل؛ إذ هي انتزاع ملك المشتري بغير رضا منه، وإجبار له على المعاوضة مع ما ذكره الأصم» (٢). يشير ابن قدامة إلى ما نقله عن الأصم بأنه قال: «لا تثبت الشفعة؛ لأن في ذلك إضرارًا بأرباب الأملاك، فإن المشتري إذا علم أنه يؤخذ منه إذا ابتاعه لم يبتعه، ويتقاعد الشريك عن الشراء، فيستضر المالك» (٣). القول الثاني: اختار المتأخرون من الحنابلة (٤)، ورجحه ابن تيمية وابن القيم بأن الشفعة جارية على وفق القياس. قال ابن القيم: «من محاسن الشريعة وعدلها وقيامها بمصالح العباد ورودها بالشفعة ولا يليق بها غير ذلك; فإن حكمة الشارع اقتضت رفع الضرر عن

стр. 4428

المكلفين ما أمكن فإن لم يمكن رفعه إلا بضرر أعظم منه بقَّاه على حاله وإن أمكن رفعه بالتزام ضرر دونه رفعه به ولما كانت الشركة منشأ الضرر في الغالب، فإن الخلطاء يكثر فيهم بغي بعضهم على بعض فشرع الله سبحانه رفع هذا الضرر بالقسمة تارة وانفراد كل من الشريكين بنصيبه وبالشفعة تارة وانفراد أحد الشريكين بالجملة إذ لم يكن على الآخر ضرر في ذلك; فإذا أراد بيع نصيبه وأخذ عوضه كان شريكه أحق به من الأجنبي وهو يصل إلى غرضه من العوض من أيهما كان; فكان الشريك أحق بدفع العوض من الأجنبي ويزول عنه ضرر الشركة ولا يتضرر البائع; لأنه يصل إلى حقه من الثمن وكان هذا من أعظم العدل، وأحسن الأحكام المطابقة للعقول والفطر ومصالح العباد. ومن هنا يعلم أن التحيل لإسقاط الشفعة مناقض لهذا المعنى الذي قصده الشارع ومضاد له» (١). وقال ابن تيمية: «لفظ القياس لفظ مجمل، يدخل فيه القياس الصحيح والقياس الفاسد، فالقياس الصحيح هو الذي وردت به الشريعة، وهو الجمع بين المتماثلين، والفرق بين المختلفين، الأول قياس الطرد، والثاني قياس العكس، وهو من العدل الذي بعث الله به رسوله، فالقياس الصحيح مثل أن تكون العلة التي علق بها الحكم في الأصل موجودة في الفرع من غير معارض في الفرع يمنع حكمها، ومثل هذا القياس لا تأتي الشريعة بخلافه قط، وكذلك القياس بإلغاء الفارق، وهو ألا يكون بين الصورتين فرق مؤثر في الشرع فمثل هذا القياس لا تأتي الشريعة بخلافه، وحيث جاءت الشريعة باختصاص بعض الأنواع بحكم يفارق به نظائره فلا بد أن يختص ذلك بوصف يوجب اختصاصه

стр. 4429

بالحكم، ويمنع مساواته لغيره، لكن الوصف الذي اختص به قد يظهر لبعض الناس وقد لا يظهر، وليس من شرط القياس الصحيح المعتدل أن يعلم صحته كل أحد، فمن رأى شيئًا من الشريعة مخالفًا للقياس فإنما هو مخالف للقياس الذي انعقد في نفسه، وليس مخالفًا للقياس الصحيح الثابت في نفس الأمر، وحيث علمنا أن النص جاء بخلاف قياس، علمنا قطعًا أنه قياس فاسد، بمعنى أن صورة النص امتازت عن تلك الصور التي يظن أنها مثلها بوصف أوجب تخصيص الشارع لها بذلك الحكم، فليس في الشريعة ما يخالف قياسًا صحيحًا، لكن فيها ما يخالف القياس الفاسد، وإن كان من الناس من لا يعلم فساده» (١). «وبالجملة ما عرفت حديثًا صحيحًا إلا ويمكن تخريجه على الأصول الثابتة، وقد تدبرت ما أمكنني من أدلة الشرع، فما رأيت قياسًا صحيحًا يخالف حديثًا صحيحًا، كما أن المعقول الصريح لا يخالف المنقول الصحيح، بل متى رأيت قياسًا يخالف أثرًا فلا بد من ضعف أحدهما، لكن التمييز بين صحيح القياس وفاسده مما يخفى كثير منه على أفاضل العلماء فضلًا عمن هو دونهم، فإن إدراك الصفات المؤثرة في الأحكام على وجهها ومعرفة الحكم والمعاني التي تضمنتها الشريعة من أشرف العلوم، فمنه الجلي الذي يعرفه كثير من الناس، ومنه الدقيق الذي لا يعرفه إلا خواصهم، فلهذا صار قياس كثير من العلماء يرد مخالفًا للنصوص لخفاء القياس الصحيح عليهم، كما يخفى على كثير من الناس ما في النصوص من الدلائل الدقيقة التي تدل على الأحكام» (٢).

стр. 4430

رأيي في الموضوع: أعتقد أن من قال: الشفعة على خلاف القياس لا يعني أن جوازها تجرد عن مراعاة المصلحة حتى خالف القياس، وإنما المراد به: أنه عدل به عن نظائره لمصلحة أكمل وأخص من مصالح نظائره على جهة الاستحسان الشرعي، فمن ذلك أن القياس أن الشريك يبيع ماله على من يشاء، وأن من اشترى شيئًا فلا ينزع منه إلا بطيب نفس منه، وجاز مخالفة ذلك في الشفعة دفعًا لضرر الشريك والجار المشارك في حقوق الارتفاق، وحقهم مقدم على حق المشتري، والله أعلم. * * *

стр. 4431

المبحث الثالث الحكمة من مشروعية الشفعة لما كانت الشركة منشأ الضرر في الغالب، وكان الخلطاء والجيران كثيرًا ما يبغي بعضهم على بعض شرع الله رفع هذا الضرر بأحد طريقين: (١) ـ بالقسمة تارة، وانفراد كل من الشريكين بنصيبه. (٢) ـ وبالشفعة تارة أخرى، وانفراد أحدهما بالمبيع بالجملة. [م-١٠١٨] وقد اختلف العلماء في الضرر الذي قصد الشارع رفعه بالشفعة على قولين: القول الأول: ذهب الحنفية إلى أن الشفعة شرعت لدفع أذى الدخيل وضرره، فتثبت للشريك كما تثبت للجار (١). قال علي حيدر: «سبب مشروعيتها دفع ما ينشأ من سوء الجوار على وجه التأبيد والقرار، كإيقاد النار وإعلاء أجدار وإثارة الغبار، ومنع ضوء النهار، وإيقاف الدواب والصغار. وقد قيل: أضيق السجود معاشرة الأضداد» (٢). وسوف يأتي بحث الشفعة للجار في مبحث مستقل إن شاء الله تعالى.

стр. 4432

القول الثاني: سبب الشفعة هو دفع ضرر الشركة، وعلى هذا فلا تثبت للجار، وهذا مذهب الحنابلة، وأحد القولين في مذهب المالكية (١). جاء في شرح منتهى الإرادات «الشفعة على خلاف الأصل دفعًا لضرر الشركة» (٢). وجاء في شرح ميارة: «الشفعة إنما شرعت لدفع الضرر، وهل ذلك لدفع ضرر الشركة، فتجب الشفعة في ذلك حتى لا يتضرر بشركة الداخل. أو إنما ذلك لدفع ضرر القسمة؛ لأن أحد الشركاء له طلب الباقين بالقسمة، فإذا اشترى أجنبي من أحدهم خشي الباقون أن يدعوهم إلى القسمة، وقد يكون ذلك مضرًا بهم؛ لأن كل واحد منهم يحتاج إلى استحداث مرافق في نصيبه غالبًا فشرعت الشفعة لدفع هذا الضرر، فعلى هذا لا شفعة فيما لا ينقسم لعدم حصول هذا الضرر فيه. والأول أظهر» (٣). قال ابن القيم: «قالت طائفة أخرى: إنما شرعت الشركة لدفع الضرر اللاحق بالشركة، فإذا كانا شريكين في عين من الأعيان بإرث أو هبة أو وصية أو ابتياع أو نحو ذلك لم يكن رفع ضرر أحدهما بأولى من رفع ضرر الآخر، فإذا باع نصيبه كان شريكه أحق به من الأجنبي؛ إذ في ذلك إزالة ضرره مع عدم تضرر

стр. 4433

صاحبه، فإنه يصل إلى حقه من الثمن، ويصل هذا إلى استبداده بالمبيع، فيزول الضرر عنهما جميعًا. وهذا مذهب من يرى الشفعة في الحيوان والثياب والشجر والجواهر والدور الصغار التي لا يمكن قسمتها، وهذا قول أهل مكة، وأهل الظاهر، ونص عليه أحمد في رواية حنبل. قال: قيل لأحمد: فالحيوان دابة تكون بين رجلين أو حمار أو ما كان من نحو ذلك؟ قال: هذا كله أوكد؛ لأن خليطة الشريك أحق به بالثمن، وهذا لا يمكن قسمته، فإذا عرضه على شريكه، وإلا باعه بعد ذلك» (١). القول الثالث: يرى فريق من العلماء أن سبب الشفعة لدفع ضرر القسمة، وهذا يتفق مع القول السابق في عدم ثبوتها للجار، ولا تثبت إلا فيما يقبل القسمة. وهذا مذهب الشافعية والحنابلة والقول الثاني في مذهب المالكية (٢). قال ابن رشد: «وعلى هذا يأتي اختلاف المتأخرين من أصحابنا في الضرر الذي من أجله جعلت الشفعة. فمن رأى أن الشفعة لا تكون إلا فيما ينقسم من الأصول لم يعلل بضرر الشركة؛ لإمكان انفصالهما عنه بالقسمة، وقال: إن العلة في ذلك ضرر القسمة .... ثم ذكر وجوه الضرر بالقسمة ....

стр. 4434

ومن رأى أن الشفعة تكون فيما ينقسم وفيما لا ينقسم، قال: إن العلة فيما لا ينقسم ضرر الشركة؛ إذ لا يقدر أحد من الشركاء أن يتصرف في المال المشترك بشيء من وجوه التصرف دون إذن شريكه» (١). وجه ذلك: أن القسمة قد تكون سببًا في نقص القيمة، وقد تضطره إلى استحداث مرافق جديدة، وإلى دفع أجرة القاسم، وإلى الضيق في مرافق المنزل، فإنه قبل القسمة ربما ارتفق بالدار والأرض كلها، وبأي موضع شاء منها، فإذا وقعت الحدود ضاقت به الدار، وقصر على موضع منها، وفي ذلك من الضرر عليه ما لا خفاء به. فمكنه الشارع بحكمته ورحمته من رفع هذه المضرة عن نفسه، بأن يكون أحق بالمبيع من الأجنبي الذي يريد الدخول عليه. الراجح: هذه العلل الثلاث ليست متضادة، بل كل واحدة منها تصلح علة، ولا مانع من التعليل للحكم بأكثر من علة، فإذا انتفت كلها انتفى الحكم، وإذا وجد أحدها وجد الحكم، فالشفعة لدفع الضرر، وهذا الضرر يتنوع، قد يكون الضرر لدفع أذى الدخيل الطارئ، فيحق للجار أن يشفع لدفع أذاه إذا كان مشتركًا في مرافق المبيع، وقد يكون بسبب الشركة، وقد يكون بسبب القسمة، والضرر فيها جنس، وهي بمنزلة الأنواع، فلا مانع عندي من التعليل بها كلها مجتمعة، أو منفردة، والله أعلم.

стр. 4435

الباب الأول في أركان الشفعة الفصل الأول في تحديد أركان الشفعة [م-١٠١٩] سبق لنا في العقود السابقة كعقد البيع والإجارة، خلاف الحنفية والجمهور في أركان العقد: فالحنفية يرون أن ركن العقد: هو الإيجاب والقبول (الصيغة) ويزيد عليها الجمهور: العاقدان والمعقود عليه. وفي الشفعة لما كان الأخذ جبرًا لا يحتاج إلى قبول المشتري ذكر الحنفية أن الصيغة فقط: هي أخذ الشفيع المشفوع من أحد المتعاقدين، والذي هو بمنزلة الإيجاب الذي لا يفتقر إلى قبول (١). وعليه يصح أن نقول: إن ركن الشفعة عند الحنفية هو الإيجاب فقط، حيث جعلوا الركن: هو الأخذ فقط، ولم يلحقوا به القبول؛ لجوازه مع الإكراه، كما لم يلحقوا به الشفيع والمشفوع به والمشفوع فيه والمشفوع عليه (وهو مشتري العقار) طردًا لقاعدتهم.

стр. 4436

فأما الجمهور فمشوا على قاعدتهم من إدخال العاقدين والمعقود عليه في الأركان: فذكر الخرشي من المالكية: أركان الشفعة بأنها أربعة: آخذ: وهو الشفيع. ومأخوذ منه: وهو المشتري. وشيء مأخوذ: وهو الشقص المبتاع. وشيء مأخوذ به: وهو الثمن (١). وزاد بعضهم خامسًا: وهو الصيغة (٢). وذكر الشافعية الثلاثة الأولى عدا الثمن (٣). وأما الصيغة فأكثر الشافعية لم يعتبروها من الأركان، وقالوا: الصيغة إنما تجب في التملك، ولا تجب عند الاستحقاق فلا حاجة إلى عدها ركنًا، بل لا يصح. وانتقد ذلك في حاشية الجمل، وذكر أن الاستحقاق المذكور لا يتحقق ولا يثبت إلا بصيغة تدل عليه، فما صنعوه فيه تساهل (٤). قال ابن قدامة: «ويملك الشفيع بأخذه بكل لفظ يدل على أخذه، بأن يقول:

стр. 4437

قد أخذته بالثمن، أو تملكته بالثمن، أو نحو ذلك، إذا كان الثمن والشقص معلومين» (١). * * *

стр. 4438

الفصل الثاني في صيغة طلب الشفعة [م-١٠٢٠] ذهب جماهير أهل العلم إلى أنه لا يشترط في طلب الشفعة لفظ أو صيغة معينة على الصحيح بل تصح بكل ما يدل عليها من قول أو فعل. جاء في درر الحكام شرح مجلة الأحكام: «ألفاظ الطلب لا تنحصر في الألفاظ المذكورة، فكل لفظ يفهم منه طلب الشفعة يصح طلب الشفعة به؛ لأن العبرة للمعاني» (١). وجاء في المغني: «ويملك الشفيع الشقص بكل لفظ يدل على أخذه بأن يقول: قد أخذته بالثمن، أو تملكته بالثمن، أو نحو ذلك» (٢). وجاء في الهداية: «ويصح الطلب بكل لفظ يفهم منه طلب الشفعة، كما لو قال: طلبت الشفعة، أو أطلبها، أو أنا طالبها؛ لأن الاعتبار للمعنى» (٣). وخالف في ذلك الشافعية فقالوا: لا تصح الشفعة بالمعاطاة. جاء في مغني المحتاج: «يشترط لفظ من الشفيع كتملكت أو أخذت بالشفعة، ونحو ذلك ..... ويقوم مقام اللفظ إشارة الأخرس المفهمة، ولا يكفي المعاطاة كما مر في البيع، ولا أنا مطالب بالشفعة، ونحو ذلك» (٤). وجاء في نهاية المحتاج: «ويشترط في حصول الملك بالشفعة لفظ أو نحوه

стр. 4439

ككتابة، أو إشارة أخرس من الشفيع، كتملكت، أو أخذت بالشفعة ونحوها كاخترت الأخذ بها» (١). والراجح قول الجمهور، والله أعلم. * * *

стр. 4440

الفصل الثالث في التراخي في طلب الشفعة [م-١٠٢١] إذا علم الشفيع بالشفعة، فهل يجب أن يطلبها على الفور؟ أو له أن يتراخى في طلبها؟ اختلف الفقهاء في ذلك على قولين: القول الأول: يجب أن يطلبها على الفور بشرط العلم وإمكان الطلب، فإن علم وأمكن الطلب ولم يطلب بطلت شفعته. وهذا مذهب الحنفية، والقول الجديد للشافعي، والمذهب عند الحنابلة (١). قال الشيرازي: «نص عليه في الجديد أنه على الفور، وهو الصحيح» (٢). وقال الغزالي: «وقد اختلفَ في مدته قولُ الشافعي، فالصحيح، وهو الجديد أنه على الفور .... » (٣). وقال ابن قدامة: «الصحيح في المذهب أن حق الشفعة على الفور، إن طالب

стр. 4441

بها ساعة يعلم بالمبيع وإلا بطلت، نص عليه أحمد في رواية أبي طالب، فقال: الشفعة بالمواثبة ساعة يعلم .... » (١). القول الثاني: الشفعة ليست على الفور، وهو مذهب مالك،، والقول القديم للشافعي، ورواية في مذهب الحنابلة، وبه قال ابن حزم (٢). دليل من قال: الشفعة على الفور: الدليل الأول: (ح-٦٢٠) ما رواه ابن ماجه من طريق محمد بن الحارث، عن محمد ابن عبد الرحمن البيلماني، عن أبيه، عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : الشفعة كحل العقال (٣). [ضعيف جدًا] (٤).

стр. 4442

الدليل الثاني: أن في ثبوت الشفعة على التراخي ضررًا يلحق بالمشتري لكونه يمنعه من استقرار المبيع في ملكه، ومن التصرف فيه خشية أخذه منه. ونوقش هذا: حق المشتري ليس بأولى من حق الشفيع، وحقه متقدم عليه، وإيجاب الشفعة على الفور ضرر يلحق بالشفيع حيث يُقْدِم على الشفعة دون تدبر وتأمل في الأحظ من الأخذ أو الترك. الدليل الثالث: حق الشفعة حق ضعيف لثبوته على خلاف القياس، حيث ينتزع الملك من صاحبه لدفع ضرر محتمل، قد يوجد وقد لا يوجد، فلا يستقر إلا بالطلب على الفور.

стр. 4443

ونوقش هذا: الصحيح أن القول بالشفعة على وفق القياس، وقد ناقشت هذا في مبحث مستقل فأغنى ذلك عن إعادته هنا، والحمد لله. الدليل الرابع: أن حق الشفعة ثبت لدفع الضرر فكان على الفور كالرد بالعيب. ونوقش هذا: لا نسلم أن خيار الرد بالعيب على الفور، ولا يوجد دليل على الفورية، وعلى التسليم فهناك فرق بين خيار الرد بالعيب وحق الأخذ بالشفعة؛ لأن ما فيه عيب قد وجب رده بخلاف الأخذ بالشفعة فإنه يحتاج إلى التأمل والنظر، والله أعلم. دليل من قال: الشفعة على التراخي: الدليل الأول: ثبت حق الشفيع في السنة الصحيحة، والحقوق الثابتة بالأدلة الصحيحة لا تسقط إلا بأدلة صحيحة مثلها، أو بإسقاط أصحابها. الدليل الثاني: يحتاج الشفيع قبل الإقدام على الشفعة إلى التروي والتأمل قبل الأخذ بالشفعة، وإلزامه بالأخذ بها فورًا وإلا سقط حقه من الإضرار به، وهذا لا يجوز، والمشتري قد دخل بالعقد وهو يعلم أن المبيع شقص في شركة، وأن الشريك له الحق في الأخذ بالشفعة فكان كشرط الخيار في العقد، والله أعلم. الراجح: القول بأن الشفعة على التراخي، والله أعلم. * * *

стр. 4444

الفصل الرابع في تقدير مدة التراخي [م-١٠٢٢] اختلف القائلون بالتراخي في تقدير مدة التراخي على خمسة أقوال: القول الأول: يمتد حق الشفيع ما دام في المجلس وإن طال، ما لم يتشاغل عن طلب الشفعة بعمل أجنبي، فإن قام عن المجلس، أو تشاغل عن طلب الشفعة بعمل أجنبي بطلت شفعته. وهذا قول محمد بن الحسن من الحنفية، قال الكرخي: هذا أصح الروايتين، وهو رواية عن الإمام أحمد (١). وجهه: أن حالة المجلس كحالة العقد، بدليل أن القبض في مجلس العقد فيما يشترط لصحته القبض كالقبض حالة العقد، وقياسًا على خيار القبول عند الحنفية. القول الثاني: لا يسقط إلا بإسقاطه أو بالعفو عنه، ولو امتد ذلك سنوات كثيرة، وهذا هو القديم من قولي الشافعي، ورواية عن الإمام أحمد، واختيار ابن حزم (٢). وقد ذكرنا أدلته في المسألة السابقة.

стр. 4445

القول الثالث: يمتد هذا الحق حتى يصل إلى سنة إلا أن يستعجل المشتري الشفيع عند الحاكم، فإذا استعجله لزم الشفيع الأخذ أو الترك، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام مالك (١). والقول بالاستعجال قول في مذهب الشافعية. جاء في المهذب: «وفي خياره ـ يعني الشفيع أربعة أقوال ..... والثاني: أنه بالخيار إلى أن يرفعه المشتري إلى الحاكم ليجبره على الأخذ أو العفو» (٢). وجه القول بالتحديد بالسنة: أن السنة قد جعلت قدرًا لقطع الأعذار في الغيبة وغيرها، فكذلك في المتمكن من القيام بالشفعة. القول الرابع: إذا لم يطلب الشفعة حتى مضت خمسة أعوام فقد بطل حقه، وهذا قول في مذهب المالكية (٣). ولا أعلم دليلًا في التحديد بخمس سنوات، والله أعلم.

стр. 4446

القول الخامس يمتد حق الشفعة إلى ثلاثة أيام، وهو قول عند الشافعية، وحكي عن ابن أبي ليلى والثوري (١). وجه القول بالتحديد بالثلاثة: القياس على خيار الشرط، فإذا كانت الثلاث قد جعلت حدًا فيه، فلتكن حدًا في تحديد المدة في الخيار بين الأخذ والترك. والقول بتحديد مدة خيار الشرط بثلاثة أيام قول ضعيف، وسبق مناقشة هذه المسألة في عقد البيع. الراجح: أننا إذا اعتبرنا أن هذا الحق على التراخي فهو من غير تقدير بمدة معينة؛ لأن التقدير بمدة معينة يحتاج إلى توقيف، ولا نص في تقدير المدة والقول هذا لا يتعارض مع قول المالكية وقول في مذهب الشافعية بأن المشتري له الحق في استعجال الشفيع عند الحاكم، فإذا استعجله لزم الشفيع الأخذ أو الترك، كما قلنا في حق خيار المجلس بأنه يمتد إلى نهاية المجلس ولو طال، أو بقول البائع للمشتري اختر، فإذا اختار الصفقة لزمت ولو قبل التفرق، والله أعلم. * * *

стр. 4447

الباب الثاني في أحكام الشفيع الفصل الأول من يملك حق الشفعة [م-١٠٢٣] قال البغوي: أجمع العلماء في ثبوت الشفعة للشريك في الربع المنقسم (١)، إذا باع أحد الشركاء نصيبه قبل القسمة، فللباقين أخذه بالشفعة بمثل الثمن الذي وقع عليه البيع، وإن باع بشيء متقوم من ثوب أو عبد فيأخذه بقيمة ما باعه به (٢). وحكى الإجماع على ما سبق ابن بطال في شرح البخاري (٣)، وابن عبد البر في الاستذكار (٤)، وابن المنذر في الإشراف (٥)، وابن رشد في بداية المجتهد (٦)، وابن قدامة في المغني (٧)، وغيرهم.

стр. 4448

[م-١٠٢٤] واختلفوا في ثبوت الشفعة للشريك في حقوق الارتفاق وللجوار على ثلاثة أقوال: القول الأول: ذهب الحنفية إلى أن الشفعة تثبت فيهما على الترتيب، فيقدم الشريك في المبيع، ثم الشريك في المرافق، ثم الجار الملاصق احترازًا من المحاذي، وهو قول الثوري (١). وأثبت الحنابلة في أحد القولين الشفعة للجار (٢). قال العيني: قال أبو حنيفة: «الشفعة للشريك في نفس المبيع، ثم في حق المبيع، ثم من بعدهما للجار» (٣). وإنما وجبت مرتبة عند الحنفية؛ لأنها شرعت لدفع الضرر الدائم الذي يلحقه، وكل ما كان أكثر اتصالًا كان أخص ضررًا وأشد، فكان أحق بها لقوة الموجب، فليس للأضعف أن يأخذه مع وجود الأقوى إلا إذا ترك. القول الثاني: ذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور إلى أن الشفعة تثبت للشريك في المبيع ما لم يقاسم، ولا تثبت الشفعة في حقوق المبيع، ولا للجار (٤).

стр. 4449

قال ابن رشد: «ذهب مالك والشافعي، وأهل المدينة إلى أن لا شفعة إلا للشريك ما لم يقاسم ... » (١). جاء في المدونة: «قلت ـ القائل سحنون ـ أرأيت السكة غير النافذة تكون فيها دار لقوم، فباع بعضهم داره، أيكون لأصحاب السكة الشفعة أم لا في قول مالك؟ قال ـ القائل ابن القاسم ـ لا شفعة لهم عند مالك. قلت: ولا تكون الشفعة في قول مالك بالشركة في الطريق؟ قال: نعم، لا شفعة بينهم إذا كانوا شركاء في طريق. ألا ترى أن مالكًا قال: لا شفعة بينهم إذا اقتسموا الدار وإن كانت الساحة بينهم لم يقتسموها» (٢). وقال الشيرازي: «ولا تثبت الشفعة إلا للشريك في ملك مشاع، فأما الجار والمقاسم فلا شفعة لهما» (٣).

стр. 4450

وجاء في المغني: «ولا تجب الشفعة إلا للشريك المقاسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق، فلا شفعة» (١). وقال البهوتي: «ومن أرضه بجوار أرض لآخر، ويشربان من نهر أو بئر واحدة، فلا شفعة بذلك» (٢). القول الثالث: تثبت الشفعة بين الجارين إذا كان بينهما حق مشترك من حقوق الأملاك، من طريق، أو ماء، أو نحو ذلك، فإن لم يكن بين الجارين حق مشترك، فلا شفعة بينهما. وهذا القول رواية عن أحمد نص عليها في رواية أبي طالب، فإنه سأله عن الشفعة لمن هي؟ فقال: إذا كان طريقهما واحدًا، فإذا صرفت الطرق وعرفت الحدود، فلا شفعة. وهو قول القاضيين سوار بن عبيد الله، وعبيد الله بن الحسن العنبري، وبه قال ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، واختاره ابن حزم (٣). قال ابن حزم: «الشفعة واجبة وإن كانت الأجزاء مقسومة إذا كان الطريق إليها واحدًا متملكًا نافذًا أو غير نافذ لهم فإن قسم الطريق، أو كان نافذًا غير متملك لهم فلا شفعة حينئذ، كان ملاصقًا أو لم يكن» (٤).
следующие страницы →