القول الخامس
يمتد حق الشفعة إلى ثلاثة أيام، وهو قول عند الشافعية، وحكي عن ابن أبي ليلى والثوري (١).
وجه القول بالتحديد بالثلاثة:
القياس على خيار الشرط، فإذا كانت الثلاث قد جعلت حدًا فيه، فلتكن حدًا في تحديد المدة في الخيار بين الأخذ والترك.
والقول بتحديد مدة خيار الشرط بثلاثة أيام قول ضعيف، وسبق مناقشة هذه المسألة في عقد البيع.
الراجح:
أننا إذا اعتبرنا أن هذا الحق على التراخي فهو من غير تقدير بمدة معينة؛ لأن التقدير بمدة معينة يحتاج إلى توقيف، ولا نص في تقدير المدة والقول هذا لا يتعارض مع قول المالكية وقول في مذهب الشافعية بأن المشتري له الحق في استعجال الشفيع عند الحاكم، فإذا استعجله لزم الشفيع الأخذ أو الترك، كما قلنا في حق خيار المجلس بأنه يمتد إلى نهاية المجلس ولو طال، أو بقول البائع للمشتري اختر، فإذا اختار الصفقة لزمت ولو قبل التفرق، والله أعلم.
* * *
стр. 4447
الباب الثاني
في أحكام الشفيع
الفصل الأول
من يملك حق الشفعة
[م-١٠٢٣] قال البغوي: أجمع العلماء في ثبوت الشفعة للشريك في الربع المنقسم (١)، إذا باع أحد الشركاء نصيبه قبل القسمة، فللباقين أخذه بالشفعة بمثل الثمن الذي وقع عليه البيع، وإن باع بشيء متقوم من ثوب أو عبد فيأخذه بقيمة ما باعه به (٢).
وحكى الإجماع على ما سبق ابن بطال في شرح البخاري (٣)، وابن عبد البر في الاستذكار (٤)، وابن المنذر في الإشراف (٥)، وابن رشد في بداية المجتهد (٦)، وابن قدامة في المغني (٧)، وغيرهم.
стр. 4448
[م-١٠٢٤] واختلفوا في ثبوت الشفعة للشريك في حقوق الارتفاق وللجوار على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
ذهب الحنفية إلى أن الشفعة تثبت فيهما على الترتيب، فيقدم الشريك في المبيع، ثم الشريك في المرافق، ثم الجار الملاصق احترازًا من المحاذي، وهو قول الثوري (١).
وأثبت الحنابلة في أحد القولين الشفعة للجار (٢).
قال العيني: قال أبو حنيفة: «الشفعة للشريك في نفس المبيع، ثم في حق المبيع، ثم من بعدهما للجار» (٣).
وإنما وجبت مرتبة عند الحنفية؛ لأنها شرعت لدفع الضرر الدائم الذي يلحقه، وكل ما كان أكثر اتصالًا كان أخص ضررًا وأشد، فكان أحق بها لقوة الموجب، فليس للأضعف أن يأخذه مع وجود الأقوى إلا إذا ترك.
القول الثاني:
ذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور إلى أن الشفعة تثبت للشريك في المبيع ما لم يقاسم، ولا تثبت الشفعة في حقوق المبيع، ولا للجار (٤).
стр. 4449
قال ابن رشد: «ذهب مالك والشافعي، وأهل المدينة إلى أن لا شفعة إلا للشريك ما لم يقاسم ... » (١).
جاء في المدونة: «قلت ـ القائل سحنون ـ أرأيت السكة غير النافذة تكون فيها دار لقوم، فباع بعضهم داره، أيكون لأصحاب السكة الشفعة أم لا في قول مالك؟ قال ـ القائل ابن القاسم ـ لا شفعة لهم عند مالك. قلت: ولا تكون الشفعة في قول مالك بالشركة في الطريق؟ قال: نعم، لا شفعة بينهم إذا كانوا شركاء في طريق. ألا ترى أن مالكًا قال: لا شفعة بينهم إذا اقتسموا الدار وإن كانت الساحة بينهم لم يقتسموها» (٢).
وقال الشيرازي: «ولا تثبت الشفعة إلا للشريك في ملك مشاع، فأما الجار والمقاسم فلا شفعة لهما» (٣).
стр. 4450
وجاء في المغني: «ولا تجب الشفعة إلا للشريك المقاسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق، فلا شفعة» (١).
وقال البهوتي: «ومن أرضه بجوار أرض لآخر، ويشربان من نهر أو بئر واحدة، فلا شفعة بذلك» (٢).
القول الثالث:
تثبت الشفعة بين الجارين إذا كان بينهما حق مشترك من حقوق الأملاك، من طريق، أو ماء، أو نحو ذلك، فإن لم يكن بين الجارين حق مشترك، فلا شفعة بينهما.
وهذا القول رواية عن أحمد نص عليها في رواية أبي طالب، فإنه سأله عن الشفعة لمن هي؟ فقال: إذا كان طريقهما واحدًا، فإذا صرفت الطرق وعرفت الحدود، فلا شفعة. وهو قول القاضيين سوار بن عبيد الله، وعبيد الله بن الحسن العنبري، وبه قال ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، واختاره ابن حزم (٣).
قال ابن حزم: «الشفعة واجبة وإن كانت الأجزاء مقسومة إذا كان الطريق إليها واحدًا متملكًا نافذًا أو غير نافذ لهم فإن قسم الطريق، أو كان نافذًا غير متملك لهم فلا شفعة حينئذ، كان ملاصقًا أو لم يكن» (٤).
стр. 4451
دليل من قال: الشفعة للشريك فقط:
الدليل الأول:
(ح-٦٢١) ما رواه البخاري من طريق عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة،
عن جابر ﵁، جعل رسول الله ﷺ الشفعة في كل مال لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة (١).
ورواه البخاري من طريق عبد الواحد، عن معمر به، بلفظ: (قضى رسول ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم .... ) وذكر بقية الحديث (٢).
ورواه البخاري من طريق هشام، عن معمر به، بلفظ: (إنما جعل النبي ﷺ الشفعة في كل ما لم يقسم ... ) وذكر بقية الحديث (٣).
وإذا كانت لفظة (قضى) ولفظة (جعل) بمعنى، تبقى لفظة الحصر في رواية هشام بن يوسف قد يقال: إن فيها زيادة معنى، ولم ينفرد فيها هشام بن يوسف بل تابعه عليها خارج الصحيح عبد الرزاق الصنعاني، وعبد الرزاق وهشام من أثبت أصحاب معمر، فهما يمنيان، ومعمر يمني، ورواية من سمع من معمر باليمن أصح ممن سمع منه بالبصرة (٤).
стр. 4452
وجه الاستدلال من الحديث:
قوله ﷺ : (فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة) دل على أمرين:
الأول: أن الشفعة في العقار المشترك الذي تمكن قسمته دون غيره لقوله ﷺ (في كل ما لم يقسم) فنص على أنها في العقار المشاع مما يحتمل القسمة؛ لأن الذي لا يحتملها لا يحتاج إلى نفيه.
الثاني: أن الجار ليس له حق في الشفعة؛ لقيام الحدود وتميزها، فإذا كانت الشفعة لا تثبت للشريك إذا قاسم وعرفت الحدود فالجار الملاصق الذي لم يقاسم أبعد من ذلك.
الثالث: أن الحديث بلفظ (إنما جعل الشفعة في كل ما لم يقسم ... ) فكلمة (إنما) تدل على نفي الشفعة لغير الشريك ... لأن كلمة الحصر تعمل بركنيها، فهي مثبتة للشيء نافية لما سواه، فثبت أن لا شفعة في المقسوم (١).
стр. 4453
وأجيب عن هذا الحديث بثلاثة أجوبة:
الجواب الأول:
ذهب أبو حاتم الرازي إلى أن قوله: (فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة) مدرج من كلام جابر، وليس من كلام الرسول ﷺ ، لأن لفظ الحديث مكون من جملتين: أحدهما حكاية من جابر عن قضاء النبي ﷺ (قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم) فهذا اللفظ ليس لفظ النبي ﷺ ، وإنما هو لفظ جابر حكاية عن حكم النبي ﷺ .
والجملة الثانية (فإذا وقعت الحدود ... ) هذه جملة قولية، فالذين يرون أنها من قول النبي ﷺ يرون الالتفات من حكاية جابر ﵁ لقضاء النبي ﷺ إلى نقل جابر لقول النبي ﷺ ، دون أن يكون هناك دليل على هذا الالتفات، ولو كان هذا القول صادرًا من النبي ﷺ لاقتضى ذلك أن يقول جابر، وقال: فإذا وقعت الحدود، ليفصل جابر بين حكايته، وبين قول النبي ﷺ فلما لم يذكر القول للنبي صارت الجملة القولية من جابر أيضًا، وليس في الحديث ما يدل على أنه من قول النبي ﷺ (١).
جاء في العلل لابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه معمر، عن
стр. 4454
الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر، قال: إنما جعل رسول الله ﷺ الشفعة فيما لم يقسم .... وذكر الحديث. قال أبي: عندي أن كلام النبي ﷺ هذا القدر: (إنما جعل النبي ﷺ الشفعة فيما لم يقسم) قط. ويشبه أن يكون بقية الكلام هو كلام جابر: (فإذا قسم ووقعت الحدود فلا شفعة) والله أعلم. قلت له: بم استدللت على ما تقول؟ قال: لأنا وجدنا في الحديث: إنما جعل النبي ﷺ الشفعة فيما لم يقسم تم المعنى، فإذا وقعت الحدود فهو كلام مستقبل، ولو كان الكلام الأخير عن النبي ﷺ كان يقول: إنما جعل النبي الشفعة فيما لم يقسم، وقال: إذا وقعت الحدود، فلما لم نجد ذكر الحكاية عن النبي ﷺ في الكلام الأخير استدللنا أن استقبال الكلام الأخير من جابر؛ لأنه هو الراوي عن رسول الله ﷺ هذا الحديث .... » (١).
ورد هذا الاعتراض:
بأن الإدراج لا يثبت بالاحتمال، والأصل أن كل ما ذكر في الحديث فهو منه حتى يثبت الإدراج بدليل، كمجيء رواية مبينة للقدر المدرج، أو استحالة أن النبي ﷺ يقوله، وقد سئل الإمام أحمد عن هذا الحديث، فلم ير الإدراج، وقد نقل صالح بن الإمام أحمد أنه رجح رفعها (٢).
جاء في مسائل أحمد رواية أبي الفضل: «قلت: حديث الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر: (إنما قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم،
стр. 4455
فإذا وقعت الحدود فلا شفعة، قوله: فإذا وقعت الحدود فلا شفعة في الحديث عن جابر، عن النبي ﷺ ، أو هو من كلام أبي سلمة؟
قال: معمر يقول: عن أبي سلمة، عن جابر، عن النبي ﷺ . وصالح بن أبي الأخضر، كذا يقول أيضًا. ورواه مالك، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة مرسلًا قالا: قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة» (١).
الجواب الثاني:
الاختلاف في وصله وإرساله، فرواه عبد الرزاق وعبد الواحد بن زياد، وهشام بن يوسف، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر موصولًا، وسبق تخريج هذه الطرق.
وتابعه صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري به (٢).
وخالفهم صفوان بن عيسى فرواه عن معمر عن أبي سلمة مرسلًا (٣)، ورجاله ثقات.
وعبد الرزاق ومن معه مقدمون على صفوان بن عيسى، فالمحفوظ من رواية معمر أنها متصلة إلى جابر ﵁.
стр. 4456
ورواه مالك عن الزهري، واختلف على مالك فيه:
فروي عن مالك، عن الزهري، عن أبي سلمة وسعيد بن المسيب، عن أبي هريرة متصلًا (١).
فجعله من مسند أبي هريرة، وقد رواه معمر عن الزهري من مسند جابر.
وروي عن مالك، عن الزهري، عن أبي سلمة، وسعيد بن المسيب مرسلًا (٢).
ولم ينفرد مالك بإرساله، بل تابعه يونس بن يزيد، فرواه عن الزهري عن سعيد بن المسيب مرسلًا ورجاله ثقات (٣).
وروي عن مالك، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، أو عن أبي سلمة، عن أبي هريرة بالشك.
стр. 4457
وكذا رواه ابن جريج، عن أبي سلمة أو عن سعيد بن المسيب، أو عنهما جميعًا، عن أبي هريرة (١).
فتارة يروى مرسلًا، وتارة يروى موصولًا، وتارة من مسند جابر، وتارة من مسند أبي هريرة.
وأجيب:
صحح الإمام أحمد حديث جابر كما نقلناه عنه من رواية ابنه أبي الفضل وصحح البخاري والدارقطني أيضًا رواية مالك المتصلة إلى جابر ﵁، وصحح الدارقطني أيضًا رواية مالك المتصلة إلى أبي هريرة، ولم يعل هاتين الروايتين بالإرسال (٢).
والرواية المرسلة عن مالك صحيحة أيضًا ثابتة عنه، رواه كبار أصحابه، كالرواية المتصلة، وقد يرسل مالك الحديث، وهو متصل عنده، وهذا معروف عنه، خاصة أن الرواية المتصلة لم ينفرد بها عن مالك راو واحد حتى يمكن القول بشذوذها، كيف وقد توبع مالك في الحديث متصلًا إلى أبي هريرة.
стр. 4458
وقد ضعف الحافظ ابن حجر حديث أبي هريرة، ولم ير من الحديث محفوظًا إلا حديث جابر، ومرسل ابن المسيب.
قال الحافظ: «اختلف على الزهري في هذا الإسناد، فقال مالك: عنه، عن أبي سلمة، وابن المسيب مرسلًا، كذا رواه الشافعي وغيره. ورواه أبو عاصم والماجشون عنه، فوصله بذكر أبي هريرة. رواه البيهقي.
ورواه ابن جريج، عن الزهري كذلك، لكن قال: عنهما، أو عن أحدهما. رواه أبو داود. والمحفوظ روايته عن أبي سلمة، عن جابر موصولًا، وعن ابن المسيب مرسلًا، وما سوى ذلك شذوذ ممن رواه» (١).
ورأي الدارقطني أقرب للصواب، وعلى كل حال فإن رواية جابر في الصحيح، وهي كافية في الاحتجاج بالمقصود، والله أعلم.
الجواب الثالث:
قوله ﷺ : (فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة) فيه نفى الشفعة بشرطين: وقوع الحدود، وتصريف الطرق، والمنفي بوجود شرطين لا ينتفي عند وجود أحدهما، بل لابد من اجتماعهما، فإذا وقعت الحدود، ولم تصرف الطرق فالشفعة باقية، وهذا جواب من قال: إن الشفعة بين الجارين إذا كان بينهما حق مشترك، وهذا أقوى الأجوبة، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(ح-٦٢٢) ما رواه مسلم من طريق أبي خيثمة، عن أبي الزبير،
عن جابر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : من كان له شريك في ربعة، أو نخل، فليس له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن رضي أخذ، وإن كره ترك.
стр. 4459
ورواه مسلم من طريق عبد الله بن إدريس، عن ابن جريج، عن أبي الزبير به، بلفظ:
قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل شركة لم تقسم: ربعة، أو حائط، لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك، فإذا باع ولم يؤذنه، فهو أحق به.
ورواه مسلم من طريق ابن وهب، عن ابن جريج، أن أبا الزبير أخبره،
أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله ﷺ الشفعة في كل شرك في أرض أو ربع أو حائط، لا يصلح أن يبيع حتى يعرض على شريكه، فيأخذ أو يدع، فإن أبى فشريكه أحق به حتى يؤذنه (١).
وجه الاستدلال:
قوله (الشفعة في كل شرك .... ) فـ (أل) في كلمة (الشفعة) للمعهود، فإن لم
стр. 4460
يكن فللجنس، وليس هنا معهود ينصرف إليه، فكان للجنس، ومعناه: أنه ﵇ حصر جنس الشفعة في كل شرك، فخرج ما عداه، من جار ونحوه، كما قال ﷺ : الأئمة من قريش، فدل على حصرها فيهم، والله أعلم (١).
وأجيب عن الحديث بجوابين:
الجواب الأول:
ضعف ابن حزم الحديث جملة، قال: «قد جاء هذا الخبر من طريق أبي الزبير، عن جابر، وفيه: «لم يذكر فيه أبو الزبير سماعًا من جابر، وهو قد اعترف على نفسه بأن ما لم يذكر فيه سماعًا فإنه حدث به من لم يسمه عن جابر» (٢).
ويرد على هذا:
بأن مسلمًا قد أخرجه من طريقين، عن أبي الزبير، أحدهما: عن أبي خيثمة، عن أبي الزبير، ولم يذكر سماعًا.
والثاني: ابن جريج، عن أبي الزبير، رواه مسلم من طريقين عن ابن جريج أحدهما عبد الله بن إدريس، ولم يذكر سماعًا، والثاني عبد الله بن وهب، وقد صرح فيه أبو الزبير بالسماع من جابر، وقد نقلت كل هذه الطرق حين الاستدلال، والحمد لله.
وقد رواه الحميدي في مسنده من طريق سفيان ـ يعني ابن عيينة ـ قال: حدثنا أبو الزبير غير مرة ولا مرتين أنه سمع جابر بن عبد الله (٣).
стр. 4461
قلت هذا مع أن أبا الزبير ليس مدلسًا، وإنما على التسليم بأنه مدلس وأنه مكثر من التدليس فالعلة مندفعة (١).
واللفظة التي يمكن أن تكون غير محفوظة في الحديث من طريق أبي الزبير، وهي محفوظة من حديث أبي سلمة عن جابر، وإعلالها لا يكون إعلالًا لجملة الحديث، هي لفظة (لم يقسم) في قوله: (في كل شرك لم يقسم) فلم يقل أحد في حديث أبي الزبير عن جابر (لم يقسم) إلا ابن إدريس، فيما رواه ابن جريج عنه.
قال الدارقطني: «لم يقل: (لم يقسم) في هذا الحديث إلا ابن إدريس، وهو من الثقات الحفاظ» (٢).
وكونه من الثقات الحفاظ لا يعني أنه لا يقع في خطأ أو وهم، ولم يسلم من ذلك أحد، ولا يقدح ذلك في الثقة حتى يكثر ذلك منه (٣)، وقد روى الحديث هذا جمع عن ابن جريج، وهم من الحفاظ أيضًا، ولم يذكروا ما ذكره ابن إدريس، كما رواه جمع من الحفاظ عن أبي الزبير ولم يذكروا هذه اللفظة في حديثه، واتفاقهم على عدم ذكرها، ومخالفة ابن إدريس لهم دليل على وهمه وحفظهم (٤).
وأرى أنه دخل على ابن إدريس حديث أبي سلمة، عن جابر الذي في البخاري، على حديث أبي الزبير عن جابر، ويبقى الحديث حجة في بابه، وهو الاحتجاج به على ثبوت الشفعة للشريك، والله أعلم.
الجواب الثاني:
أجاب الحنفية عن الحديث بأن ثبوت الشفعة لغير الشريك أفاده أحاديث أخرى، فظهر أن الحصر غير حقيقي (١).
وسوف نأتي على ذكر هذه الأحاديث إن شاء الله تعالى عند ذكر أدلة الحنفية، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه.
الدليل الثالث:
(ح-٦٢٣) ما رواه ابن حبان في صحيحه من طريق الماجشون، عن مالك، عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة (٢).
قال ابن حبان: رفع هذا الخبر عن مالك أربعة أنفس، الماجشون،
стр. 4464
وأبو عاصم، ويحيى بن أبي قتيلة، وأشهب بن عبد العزيز، وأرسله عن مالك سائر أصحابه، وهذه كانت عادة لمالك، يرفع في الأحايين الأخبار، ويوقفها مرارًا، ويرسلها مرة، ويسندها أخرى على حسب نشاطه، فالحكم أبدًا لمن رفع عنه وأسند بعد أن يكون ثقة حافظًا متقنًا» (١).
[صحيح] (٢).
وجه الاستدلال:
حديث أبي هريرة في الدلالة كحديث جابر ﵁، وقد ذكرنا وجه الاستدلال منه بالدليل الأول، وما كان جوابًا عن ذاك، كان جوابًا عن هذا، والله أعلم.
الدليل الرابع:
الشفعة ثبتت للشريك إجماعًا على خلاف الأصل لمعنى معدوم في محل النزاع، وهي الشفعة لغير الشريك فلا تثبت فيه.
وبيان انتفاء المعنى: هو أن الشريك ربما دخل عليه شريك فيتأذى به فتدعوه الحاجة إلى مقاسمته، أو يطلب الداخل المقاسمة فيدخل الضرر على الشريك بنقص قيمة ملكه وما يحتاج إلى إحداثه من المرافق (٣).
وأجيب:
لو كانت الشفعة لدفع ضرر القسمة إذا طالب بها الشريك لثبتت الشفعة في العروض دفعًا لضرر القسمة، فلما لم تثبت في العروض دل على أن العلة ليست دفع ضرر القسمة.
стр. 4465
ويجاب عنه:
بأن الشفعة لدفع الضرر، وهذا الضرر تارة يأتي بسبب الشركة، وتارة يأتي بسبب المقاسمة، فالضرر جنس يشمل هذا وهذا، ولم يبين الشارع نوع الضرر المدفوع، وإنما المتفق عليه أن الشفعة شرعت لدفع الضرر، وهذا الضرر لا يوجد في العروض لأنها متنقلة، فلا ضرر في الشراكة بها، ولا في مقاسمتها بخلاف العقار، فإنه ثابت دائم، والله أعلم.
دليل الحنفية على إثبات الشفعة في الجوار والشركة في الحقوق:
الدليل الأول:
(ح-٦٢٤) ما رواه أحمد، قال: حدثنا هشيم، أنا عبد الملك، عن عطاء،
عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها وإن كان غائبًا إذا كان طريقهما واحدًا.
[أعل الحديث ابن معين والبخاري وشعبة ويحيى بن سعيد القطان وابن عبد البر، وقال الإمام أحمد: هذا حديث منكر.
قلت: علته تفرد به عبد الملك، عن عطاء عن جابر، والمحفوظ من حديث جابر أن الشفعة في الشريك وليس في الجار] (١).
стр. 4466
ورد هذا الجواب:
قال ابن عبد الهادي: «واعلم أن حديث عبد الملك حديث صحيح، ولا منافاة بينه وبين رواية جابر المشهورة، فإن في حديث عبد الملك إذا كان طريقهما واحدًا، وحديث جابر المشهور لم ينف فيه استحقاق الشفعة إلا بشرط تصرف الطرق، قاله الحنابلة، فنقول: إذا اشترك الجاران في المنافع كالبئر أو السطح، أو الطريق فالجار أحق بصفقة جاره كحديث عبد الملك، وإذا لم يشتركا في شيء من المنافع فلا شفعة لحديث جابر المشهور، وهو أحد الأوجه الثلاثة في مذهب أحمد، وطعن شعبة في عبد الملك بسبب هذا الحديث لا
стр. 4467
يقدح في عبد الملك، فإن عبد الملك ثقة مأمون، وشعبة لم يكن من الحذاق في الفقه، وطعن من طعن فيه إنما هو تبعًا لشعبة» (١).
قلت: إذا كان شعبة ليس من الحذاق في الفقه فإن الإمام البخاري من المقدمين فيه، وتراجمه تشهد لدقة استنباطه، وقد قال الإمام البخاري: «لا أعلم أحدًا رواه عن عطاء غير عبد الملك بن أبي سليمان، وهو حديثه الذي تفرد به، ويروى عن جابر خلاف هذا».
فأثبت مخالفة حديث عبد الملك لغيره ممن رواه عن جابر، وقد استنكره الإمام أحمد، وهو إمام في الفقه كما هو إمام في الأثر، وضعفه ابن عبد البر في التمهيد، وهو محسوب على الفقهاء، واعتقاد أن الأئمة تابعوا شعبة في الطعن في عبد الملك ليس بسديد، فقد قال الإمام أحمد كما في مسائل أبي داود: هو ثقة. قلت: يخطئ؟ قال: نعم، وكان من حفاظ أهل الكوفة إلا أنه رفع أحاديث عن عطاء» (٢). فأثبت الإمام أحمد أنه يخطئ ويخالف ليس في حديث واحد، وإنما رفع أحاديث مخالفًا فيها غيره ممن رواها موقوفة على عطاء، وكونه ثقة لا يعني أنه لا يهم ولا يقع منه خطأ.
الدليل الثاني:
(ح-٦٢٥) ما رواه البخاري من طريق ابن جريج، أخبرني إبراهيم بن ميسرة،
عن عمرو بن الشريد قال: وقفت على سعد بن أبي وقاص فجاء المسور ابن مخرمة فوضع يده على إحدى منكبي، إذ جاء أبو رافع مولى النبي ﷺ ،
стр. 4468
فقال: يا سعد ابتع مني بيتي في دارك. فقال سعد: والله ما أبتاعهما، فقال المسور: والله لتبتاعنهما. فقال سعد: والله لا أزيدك على أربعة آلاف منجمة، أو مقطعة. قال أبو رافع: لقد أعطيت بها خمس مائة دينار، ولولا أني سمعت النبي ﷺ يقول: الجار أحق بسقبه ما أعطيتكها بأربعة آلاف، وأنا أعطى بها خمس مائة دينار فأعطاها إياه (١).
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ : (الجار أحق بسقبه) فأثبت الحديث الشفعة للجار بسبب قربه من الدار.
وأجيب عن هذا الحديث بجوابين:
الجواب الأول:
معنى قوله (أحق بسقبه) جاء في مختار الصحاح: السقب بفتحتين القرب (٢)، فمعنى الحديث (الجار أحق بقربه) فالحديث ليس فيه ذكر الشفعة، فيحتمل أن يكون المراد منه الشفعة، ويحتمل أن يراد به الجار أحق بالبر والإحسان والمعروف والمعونة لقربه، وإذا كان الحديث محتملًا فلا يعارض به حديث جابر في البخاري الصريح في حصر الشفعة في الشريك، ولفظه: (إنما جعل النبي ﷺ الشفعة في كل ما لم يقسم ... ) الحديث.
ولذلك بَرَّ أبو رافع سعدًا بالثمن، وأعطاه إياه بأقل من ثمنه بكثير محتجًا بهذا الحديث بأنه أحق بهذا البر من البعيد لقربه، والشفعة لا تعطي هذا الحق للشريك.
стр. 4469
قال ابن بطال في شرح البخاري «لا خلاف بين العلماء أنه لا يجب على الشريك أن يعطي شريكه الشقص الذي يريد بيعه بأقل من ثمنه» (١)، وإنما حرص أبو رافع على نفع جاره؛ مستدلًا بهذا الحديث لا بحديث الشفعة؛ لأنه أحق بهذا البر من البعيد، وليس لأنه أحق بالشفعة؛ والكلام في حديث أبي رافع عن البيع والشراء، ولا علاقة له بالشفعة؛ لأنه قال: اشتر بيتي الذين هما في دارك، فقال: والله لا أشتريهما ... والشفعة هي انتزاع الملك بعد بيعه من المشتري بثمنه الذي اشتراه به، وقد حرص أبو رافع على إلزام سعد بالشراء طلبًا لنفعه، والإلزام بالشفعة لمن لا يريدها ليس مستحبًا فضلًا أن يكون واجبًا.
لكن قال المحتجون به: إذا كان جاره أولى بأن يشتري منه، فكذلك جاره أولى بأن يشفع عليه، فتكون دلالة الحديث على الشفعة من باب القياس واللزوم، وليس من باب النص.
وهذا القياس فيه نظر؛ لأن البر جنس يشمل أمورًا كثيرة، وهي من باب الإحسان غير الواجب، ومنه نفعه بالبيع والشراء بأقل من ثمن المثل، والشفعة واجبة لصاحبها وإن كره البائع والمشتري.
ويدل على أن المراد أحق بالبر والمعونة أن الحنفية الذين قالوا بالشفعة للجار لا يأخذون بظاهر هذا الحديث، فإن الحديث يقول: (الجار أحق) والاتفاق منعقد على أن الشريك أحق من الجار، وأن الجار لا يقدم على الشريك.
جاء في الفتح: «حديث أبي رافع مصروف الظاهر اتفاقًا؛ لأنه يقتضي أن يكون الجار أحق من كل أحد حتى من الشريك، والذين قالوا بشفعة الجار قدموا الشريك مطلقًا، ثم المشارك في الطريق، ثم الجار على من ليس
стр. 4470
بمجاور، فعلى هذا يتعين تأويل قوله: (أحق) بالحمل على الفضل والتعهد، ونحو ذلك» (١).
والحنفية يقولون الشفعة إنما هي للجار الملاصق، وأما الجار المقابل فليس له شفعة، بينما عائشة ﵂ روت أنها قالت: يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي. قال: إلى أقربهما منك بابًا. يعني ولو كان غير ملاصق.
الجواب الثاني:
على التنزل أن يكون المراد بالحديث الشفعة، فيحمل الجار على الشريك جمعًا بين حديث جابر وهذا الحديث، واسم الجار يقع على الشريك؛ لأنه يجاور شريكه بأكثر من مجاورة الجار، فإن الجار لا يساكنه، والشريك يساكنه في الدار، خاصة أن هذين البيتين جزء من دار سعد، ولذلك دعاه إلى الشراء بأقل مما أعطاه غيره.
وقد قيل لضرة المرأة (جارة) لأنها تشارك ضرتها في زوجها.
وسميت امرأة الرجل جارته، للمصاحبة، قال الأعشى:
أجارتنا بيني فإنك طالقة ....
فكذلك الشريك يسمى جارًا لما بينهما من الاختلاط بالشركة.
قال ابن بطال: «الجار أحق بصقبه عند أهل الحجاز على وجهين:
أحدهما: أن يراد به الشريك، ويكون حقه الأخذ بالشفعة دون غيره، وهو أولى الوجهين لما تقدم من الدلائل.
الوجه الثاني: يحتمل أن يراد به الجار غير الشريك، ويكون حقه غير
стр. 4471
الشفعة، فيكون جار الرحبة يريد الارتفاق بها، ويريد مثل ذلك غير الجار، فيكون الجار أحق بصقبه .... فإذا اجتمع فيها الجار ومن ليس بجار وجب إيثار الجار على من ليس بجار من طريق مكارم الأخلاق وحسن الجوار، لا من طريق الفرض اللازم، فقد أوصى الله بالجار، فقال: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦]. وقال ﷺ : ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه.
وإذا احتمل هذا كله الحديث المجمل، ثم فسره بحديث آخر بقوله: (فإذا وقعت الحدود فلا شفعة) كان المفسر أولى من المجمل» (١).
الدليل الثالث:
(ح-٦٢٦) ما رواه أحمد من طريق همام، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : جار الدار أحق بالدار من غيره (٢).
وأجيب عن الحديث بجوابين:
أحدهما: أن الحديث منقطع، الحسن لم يسمع من سمرة إلا حديث العقيقة (١).
الثاني: وعلى فرض سماعه فيجاب عنه بنفس الجواب عن الحديث السابق.
стр. 4475
الدليل الرابع:
(ح-٦٢٧) ما رواه أحمد من طريقين، عن عمرو بن شعيب، حدثني عمرو ابن الشريد،
عن أبيه الشريد بن سويد الثقفي، قال: قلت يا رسول الله أرض ليس فيها شرك، ولا قسم إلا الجوار، قال: الجار أحق بسقبه (١).
[في إسناده اختلاف، والمحفوظ من حديث عمرو بن الشريد أنه عن أبي رافع] (٢).
стр. 4476
الدليل الخامس:
أن المعنى الذي من أجله شرعت الشفعة للشريك موجود في الجار، وذلك أن حق الشفعة إنما ثبت للشريك لدفع أذى الدخيل وضرره، وذلك موجود في الجوار، وتعليل النص بضرر القسمة غير سديد؛ لأن القسمة ليست بضرر، بل هي تكميل منافع الملك، وهي ضرر غير واجب الدفع؛ لأن القسمة مشروعة، ولهذا لم تجب الشفعة بسبب الشركة في العروض دفعًا لضرر القسمة (١).
ونوقش هذا الدليل من وجهين:
الوجه الأول:
أن هذا التعليل نظر في مقابل النص، فيكون فاسدًا، والنص قد جاء صريحًا في حديث جابر: (فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة)، فإثبات الشفعة للجار بعد تميز حدوده وتصريف طرقه مخالف للحديث الصحيح، والمعارض لهذا الحديث ليس في درجته في الصحة، وهو قابل للتأويل وقد ذكرنا وجه التأويل فيما سبق، والله أعلم.
стр. 4477
الوجه الثاني:
أن المعنى الذي من أجله شرعت الشفعة هو دفع الضرر اللاحق بالشركة، وهو ما توجبه من التزاحم في المرافق والحقوق، وما تحدثه القسمة من إنشاء مرافق جديدة، ونقص في قيمة الملك، وهذا المعنى غير موجود في الجوار، والله أعلم.
دليل من قال: الشفعة للجار إذا كان بينهما حق مشترك:
الدليل الأول:
(ح-٦٢٨) ما رواه البخاري، قال: حدثني محمود، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة،
عن جابر ﵁، جعل رسول الله ﷺ الشفعة في كل مال لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة (١).
وجه الاستدلال:
بأن قوله ﷺ : (فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة) فالحديث نفى الشفعة بشرطين: وقوع الحدود، وتصريف الطرق، والمنفي بوجود شرطين لا ينتفي عند وجود أحدهما، بل لابد من اجتماعهما، فإذا وقعت الحدود، ولم تصرف الطرق فالشفعة باقية، وهذا دليل على قيام الشفعة للجار إذا كان بينهما حق مشترك. وهذا من أقوى الأدلة على ثبوت الشفعة للجار بشرط أن يكون بينهما حقوق مشتركة.
الدليل الثاني:
(ح-٦٢٩) ما رواه أحمد، من طريق عبد الملك، عن عطاء،
عن جابر بن
стр. 4478
عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها وإن كان غائبًا إذا كان طريقهما واحدًا.
[رجاله ثقات، والحديث معلول] (١).
وأجيب عن الحديث:
بأن الحديث وإن كان رجاله ثقاتًا إلا أنه معلول، وقد أعل الحديث ابن معين، والبخاري، وشعبة، ويحيى بن سعيد القطان، وابن عبد البر، وقال الإمام أحمد: هذا حديث منكر. وسبق نقل كل ذلك عن هؤلاء الأئمة في القول الأول.
وأجيب عن هذه العلة:
قال ابن القيم: «والذين ردوا حديث عبد الملك بن أبي سليمان ظنوا أنه معارض لحديث جابر الذي رواه أبو سلمة عنه: (الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة) وفي الحقيقة لا تعارض بينهما، فإن منطوق حديث أبي سلمة انتفاء الشفعة عند تميز الحدود، وتصريف الطرق، واختصاص كل ذي ملك بطريق، ومنطوق حديث عبد الملك: إثبات الشفعة بالجوار عند الاشتراك في الطريق، ومفهومه: انتفاء الشفعة عند تصريف الطرق، فمفهومه موافق لمنطوق حديث أبي سلمة وأبي الزبير، ومنطوقه غير معارض له» (٢).
ويجاب:
بأن العلماء الذين أعلوا الحديث كابن معين والبخاري وشعبة ويحيى
стр. 4479
ابن سعيد القطان وابن عبد البر والإمام أحمد لم يعلوه لاعتقادهم بالمخالفة الفقهية كما تصور ذلك ابن القيم، وإنما أعل بسببين: التفرد، والمخالفة.
فالعلة الأولى: التفرد، حيث تفرد به عبد الملك بن سليمان عن عطاء، ولا يحتمل منه مثل هذا التفرد عن عطاء لتأخر منزلته في الحفظ من بين أصحاب عطاء، بل إن الإمام أحمد قد تكلم في رواية عبد الملك عن عطاء خاصة، فلو كان هذا الحديث من أحاديث عطاء فأين أصحاب عطاء المهتمون بحديثه عن رواية مثل هذا الحديث.
جاء في مسائل أبي داود: «قلت لأحمد: عبد الملك بن أبي سليمان؟ قال: ثقة. قلت: يخطئ؟ قال: نعم، وكان من حفاظ أهل الكوفة إلا أنه رفع أحاديث عن عطاء» (١).
وقال أحمد: عبد الملك بن أبي سليمان من الحفاظ إلا أنه كان يخالف ابن جريج ـ يعني في روايته عن عطاء ـ وابن جريج أثبت منه عندنا» (٢).
ويحضرني من منكراته ما رواه الطحاوي من طريق عبد الملك، عن عطاء، عن أبي هريرة في الإناء يلغ فيه الكلب أو الهر، قال: يغسل ثلاث مرار، وهو يخالف الحديث المرفوع عن أبي هريرة في الصحيحين وغيرها مرفوعة، وفيه الأمر بغسلها سبعًا، ويخالف ما ثبت عن أبي هريرة من قوله بالغسل سبعًا.
стр. 4480
رواه ابن المنذر في الأوسط، والدارقطني، والبيهقي في السنن الكبرى من طريق حماد بن زيد.
وأبو عبيد في كتاب الطهور من طريق إسماعيل بن علية كلاهما، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال: إذا ولغ الكلب فاغسلوه سبع مرات، أولاهن بالتراب (١).
وهذا يدل على خطأ من قال: لم ينكر عليه إلا حديث الشفعة، وهو يشهد لكلام الإمام أحمد في رواية عبد الملك عن عطاء، والله أعلم.
العلة الثانية:
المخالفة، وليست المخالفة من جهة الفقه كما ظن ابن القيم وابن عبد الهادي بل إن الأئمة رأوا أن حديث جابر حديث واحد، يرويه أبو سلمة وسعيد بن المسيب وأبو الزبير في الشفعة للشريك، ويرويه عبد الملك عن عطاء، عن جابر في الشفعة للجار، وانتظاره في حال الغيبة إذا كان طريقهما واحدًا، ولا شك أن موضوعهما مختلف، والجمع بين الشفعة للجار والشفعة للشريك يذهب إليه لو كان ذلك في حديثين مختلفين، وأما إذا كان الحديث واحدًا والرواة يتفقون على أنه في الشريك، ويخالفهم أحد الثقات فيجعله في الجار لا شك أن هذه مخالفة.
وهذا ما أشار إليه البخاري، قال الترمذي كما في العلل: سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: لا أعلم أحدًا رواه عن عطاء غير عبد الملك بن أبي سليمان، وهو حديثه الذي تفرد به، ويروى عن جابر خلاف هذا» (٢).
стр. 4481
فقول الإمام البخاري: «وهو حديثه الذي تفرد به، ويروى عن جابر خلاف هذا» إشارة من البخاري إلى العلتين: التفرد، والمخالفة.
وإذا ثبتت المخالفة فإن الثقة إذا خالف غيره في لفظ الحديث وموضوعه اقتضى الحكم للأوثق، وللأكثر عددًا كما هو عمل الأئمة المتقدمين بصرف النظر عن الفقه، ولا أعتقد أن هؤلاء الأئمة وفيهم البخاري وأحمد، وهما إمامان في الفقه كما هما إمامان في العلل يغيب عنهما المعنى الفقهي الذي قال به ابن القيم وابن عبد الهادي، ولا يمنع أن يضعف الفقيه الأثر من جهة الإسناد، ويقول به من جهة المعنى، ذلك أن الفقه باب واسع، وهو غير معصوم، وكم من مسألة قال بها الإمام أحمد من جهة الفقه مع تصريحه بأنه لا يثبت في هذا الباب شيء، فعمل الناس قد يكون مرده إلى القياس الصحيح، أو الاستصحاب، أو عمل الصحابة، أو غيره من الأدلة، والاحتياط للرواية ليس في قبولها، وإنما الأصل عدم الصحة حتى يثبت العكس، ومن الخطأ العلمي أن الباحث إذا توجه اختياره إلى قول من الأقوال الفقهية لم ينشط في كشف العلل الواردة على أدلة هذا القول، فليست صحة معنى الحديث كافية في صحة نسبته إلى النبي ﷺ ، وكم من مسألة ثبت الإجماع على صحتها، ولم يصح فيها أثر واحد، كمسألة الماء المتغير طعمه أو ريحه أو لونه بنجاسة، فإنه نجس بالإجماع، ولا يثبت فيه حديث صحيح، ومثلها مسألة بيع الكالئ بالكالئ، ومسألة كل قرض جر نفعًا فهو ربا، وغيرها كثير، والله أعلم.
الدليل الثالث:
من القياس . قال ابن القيم: «والقياس الصحيح يقتضي هذا القول، فإن الاشتراك في حقوق الملك شقيق الاشتراك في الملك، والضرر الحاصل بالشركة فيها كالضرر الحاصل بالشركة في الملك أو أقرب إليه، ورفعه مصلحة للشريك من
стр. 4482
غير مضرة على البائع، ولا على المشتري، فالمعنى الذي وجبت لأجله شفعة الخلطة في الملك موجود في الخلطة في حقوقه» (١).
الراجح:
ثبوت الشفعة للجار بشرط الاشتراك في الحقوق، وحديث جابر قد دل على ذلك بمنطوقه، فإنه قال: فإذا وقت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة. والمشارك في الحقوق لم تتميز فيه الطرق، والله أعلم.
* * *
стр. 4483
الفصل الثاني
الشفعة لغير المسلم
[م-١٠٢٥] لم يختلف العلماء في ثبوت الشفعة للمسلم على الذمي؛ لأنها إذا ثبتت الشفعة للمسلم على المسلم فثبوتها للمسلم على الذمي من باب أولى.
وتجب للذمي على الذمي كوجوبها للمسلم على المسلم إذا تحاكموا إلينا.
قال الماوردي: «لا خلاف بين الفقهاء أن الشفعة تجب للمسلم على الذمي كوجوبها له على المسلم، وتجب للذمي على الذمي كوجوبها للمسلم على المسلم (١).
[م-١٠٢٦] واختلفوا في ثبوتها للذمي على المسلم على قولين:
القول الأول:
ذهب الحنفية، والمالكية والشافعية إلى أن المسلم والذمي في أخذ الشفعة من المسلم سواء (٢).
واستدل الجمهور بالأدلة التالية:
الدليل الأول:
(ح-٦٣٠) حديث جابر (قضى رسول ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم .... ) (٣).
стр. 4484
فهو عام في كل ما لم يقسم سواء كان الشريك مسلمًا أو ذميًا.
الدليل الثاني:
(ح-٦٣١) ما رواه مسلم من طريق أبي خيثمة، عن أبي الزبير،
عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : من كان له شريك في ربعة أو نخل فليس له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن رضي أخذ، وإن كره ترك (١).
وجه الاستدلال:
قوله (من كان له شريك) هذا لفظ عام يتناول المسلم والكافر والذمي، فتثبت للذمي الشفعة على المسلم كما تثبت للمسلم على الذمي (٢).
ويبقى العام والمطلق من الأدلة على عمومه وإطلاقه لا يخصص ولا يقيد إلا بدليل من الشارع، ولم يأت دليل من الشارع بإخراج الذمي، ومن أخرجه من النصوص فقد قيد نصوص الشارع أو خصصها بلا مخصص.
الدليل الثالث:
قال ابن بطال: «الشفعة حق من حقوق الآدميين كسائر الحقوق التي هي له مثل البيع والإجارة، وغيرها. والشفعة حق يتعلق بالمال، وضع لإزالة الضرر كالرد بالعيب، فما وجب للمسلم فيه وجب للذمي مثله، وليس الصغار يدل على بطلان حقه؛ لأنه لا فرق بين المسلم والذمي في الحقوق المتعلقة بالأموال، كخيار الشرط، والأجل، وإمساك الرهن» (٣).
стр. 4485
القول الثاني:
ذهب جمع من أهل العلم بأنه لا شفعة للذمي على المسلم، وبه قال أحمد ابن حنبل، والثوري، وهو قول الحسن البصري والشعبي، ونصره ابن القيم في أحكام أهل الذمة (١).
دليل من قال: لا شفعة للذمي على المسلم:
الدليل الأول:
(ح-٦٣٢) ما رواه الطبراني في الصغير، والعقيلي في الضعفاء من طريق نائل بن نجيح، عن سفيان، عن حميد،
عن أنس، أن النبي ﷺ قال: لا شفعة لنصراني (٢).
[حديث منكر] (٣).