فقول الإمام البخاري: «وهو حديثه الذي تفرد به، ويروى عن جابر خلاف هذا» إشارة من البخاري إلى العلتين: التفرد، والمخالفة.
وإذا ثبتت المخالفة فإن الثقة إذا خالف غيره في لفظ الحديث وموضوعه اقتضى الحكم للأوثق، وللأكثر عددًا كما هو عمل الأئمة المتقدمين بصرف النظر عن الفقه، ولا أعتقد أن هؤلاء الأئمة وفيهم البخاري وأحمد، وهما إمامان في الفقه كما هما إمامان في العلل يغيب عنهما المعنى الفقهي الذي قال به ابن القيم وابن عبد الهادي، ولا يمنع أن يضعف الفقيه الأثر من جهة الإسناد، ويقول به من جهة المعنى، ذلك أن الفقه باب واسع، وهو غير معصوم، وكم من مسألة قال بها الإمام أحمد من جهة الفقه مع تصريحه بأنه لا يثبت في هذا الباب شيء، فعمل الناس قد يكون مرده إلى القياس الصحيح، أو الاستصحاب، أو عمل الصحابة، أو غيره من الأدلة، والاحتياط للرواية ليس في قبولها، وإنما الأصل عدم الصحة حتى يثبت العكس، ومن الخطأ العلمي أن الباحث إذا توجه اختياره إلى قول من الأقوال الفقهية لم ينشط في كشف العلل الواردة على أدلة هذا القول، فليست صحة معنى الحديث كافية في صحة نسبته إلى النبي ﷺ ، وكم من مسألة ثبت الإجماع على صحتها، ولم يصح فيها أثر واحد، كمسألة الماء المتغير طعمه أو ريحه أو لونه بنجاسة، فإنه نجس بالإجماع، ولا يثبت فيه حديث صحيح، ومثلها مسألة بيع الكالئ بالكالئ، ومسألة كل قرض جر نفعًا فهو ربا، وغيرها كثير، والله أعلم.
الدليل الثالث:
من القياس . قال ابن القيم: «والقياس الصحيح يقتضي هذا القول، فإن الاشتراك في حقوق الملك شقيق الاشتراك في الملك، والضرر الحاصل بالشركة فيها كالضرر الحاصل بالشركة في الملك أو أقرب إليه، ورفعه مصلحة للشريك من
стр. 4482
غير مضرة على البائع، ولا على المشتري، فالمعنى الذي وجبت لأجله شفعة الخلطة في الملك موجود في الخلطة في حقوقه» (١).
الراجح:
ثبوت الشفعة للجار بشرط الاشتراك في الحقوق، وحديث جابر قد دل على ذلك بمنطوقه، فإنه قال: فإذا وقت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة. والمشارك في الحقوق لم تتميز فيه الطرق، والله أعلم.
* * *
стр. 4483
الفصل الثاني
الشفعة لغير المسلم
[م-١٠٢٥] لم يختلف العلماء في ثبوت الشفعة للمسلم على الذمي؛ لأنها إذا ثبتت الشفعة للمسلم على المسلم فثبوتها للمسلم على الذمي من باب أولى.
وتجب للذمي على الذمي كوجوبها للمسلم على المسلم إذا تحاكموا إلينا.
قال الماوردي: «لا خلاف بين الفقهاء أن الشفعة تجب للمسلم على الذمي كوجوبها له على المسلم، وتجب للذمي على الذمي كوجوبها للمسلم على المسلم (١).
[م-١٠٢٦] واختلفوا في ثبوتها للذمي على المسلم على قولين:
القول الأول:
ذهب الحنفية، والمالكية والشافعية إلى أن المسلم والذمي في أخذ الشفعة من المسلم سواء (٢).
واستدل الجمهور بالأدلة التالية:
الدليل الأول:
(ح-٦٣٠) حديث جابر (قضى رسول ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم .... ) (٣).
стр. 4484
فهو عام في كل ما لم يقسم سواء كان الشريك مسلمًا أو ذميًا.
الدليل الثاني:
(ح-٦٣١) ما رواه مسلم من طريق أبي خيثمة، عن أبي الزبير،
عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : من كان له شريك في ربعة أو نخل فليس له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن رضي أخذ، وإن كره ترك (١).
وجه الاستدلال:
قوله (من كان له شريك) هذا لفظ عام يتناول المسلم والكافر والذمي، فتثبت للذمي الشفعة على المسلم كما تثبت للمسلم على الذمي (٢).
ويبقى العام والمطلق من الأدلة على عمومه وإطلاقه لا يخصص ولا يقيد إلا بدليل من الشارع، ولم يأت دليل من الشارع بإخراج الذمي، ومن أخرجه من النصوص فقد قيد نصوص الشارع أو خصصها بلا مخصص.
الدليل الثالث:
قال ابن بطال: «الشفعة حق من حقوق الآدميين كسائر الحقوق التي هي له مثل البيع والإجارة، وغيرها. والشفعة حق يتعلق بالمال، وضع لإزالة الضرر كالرد بالعيب، فما وجب للمسلم فيه وجب للذمي مثله، وليس الصغار يدل على بطلان حقه؛ لأنه لا فرق بين المسلم والذمي في الحقوق المتعلقة بالأموال، كخيار الشرط، والأجل، وإمساك الرهن» (٣).
стр. 4485
القول الثاني:
ذهب جمع من أهل العلم بأنه لا شفعة للذمي على المسلم، وبه قال أحمد ابن حنبل، والثوري، وهو قول الحسن البصري والشعبي، ونصره ابن القيم في أحكام أهل الذمة (١).
دليل من قال: لا شفعة للذمي على المسلم:
الدليل الأول:
(ح-٦٣٢) ما رواه الطبراني في الصغير، والعقيلي في الضعفاء من طريق نائل بن نجيح، عن سفيان، عن حميد،
عن أنس، أن النبي ﷺ قال: لا شفعة لنصراني (٢).
[حديث منكر] (٣).
стр. 4486
الدليل الثاني:
(ح-٦٣٣) ما رواه مسلم من طرق عن سهيل، عن أبيه،
عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه (١).
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ لم يجعل لهم حقًا في الطريق المشترك عند تزاحمهم مع المسلمين، فكيف يجعل لهم حق في انتزاع ملك المسلم منه قهرًا، بل هذا تنبيه على المنع من انتزاع الأرض من يد المسلم، وإخراجه منها لحق الكافر لنفي ضرر الشركة عنه، وضرر الشركة على الكافر أهون عند الله من تسليطه على إزالة ملك المسلم عنه قهرًا (٢).
ويجاب:
بأن الحديث يتكلم عن إكرام الكافر واحترامه، وقد أهانهم الله بالكفر، فذكر من ذلك النهي عن البداءة بالسلام، والتنحي لهم في الطريق الضيق إكرامًا واحترامًا لهم، وليس في الحديث ما يدل على إسقاط حقوقهم أو أذيتهم، ولذلك إذا سلموا رددنا ﵈، وإذا كان الطريق واسعًا لم نضطرهم إلى أضيقه؛
стр. 4487
لأن ذلك من باب أذيتهم، وهي منهي عنها. وقد نقل ابن حجر عن القرطبي أنه قال: «وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه) معناه: لا تتنحوا لهم عن الطريق الضيق إكرامًا لهم، واحترامًا» (١).
أما حقوقهم فلا يعتدى عليها؛ وإذا كان يحرم الاعتداء على أموالهم فكذلك لا يجوز الاعتداء على الحقوق المتعلقة بالمال؛ وإذا كنا نصحح مشاركتهم، فجميع الحقوق المتعلقة بالشركة مستحقة لهم ومنها استحقاق الشفعة عند قيام سببها.
الدليل الثالث:
أن الشفعة من حقوق المسلمين بعضهم على بعض، فلا حق للذمي فيها، ونكتة هذا الاستدلال: أن الشفعة من حق المالك لا من حق الملك (٢).
ويناقش:
نعم الشفعة من حقوق المالك لكنها بسبب الملك، ولذلك أثبت الحنابلة الشفعة للذمي على مثله، ولو كانت مستفادة بسبب الإسلام لم تثبت الشفعة للذمي على مثله؛ لأنه لا إسلام بينهما (٣).
الدليل الرابع:
الشفعة معنى يختص بالعقار فأشبه الاستعلاء في البنيان، فإذا كان الكافر يمنع من الاستعلاء على المسلم مع أن ذلك تصرف في هواء ملكه المختص به،
стр. 4488
فأين هذا الاستعلاء من استعلائه عليه بإخراجه من ملكه قهرًا. ولهذا حرم عليهم نكاح المسلمات إذ كان فيه نوع استعلاء عليهن، ولم يجر القصاص بينهم وبين المسلمين، ولا حد القذف، ولا يمكنون من تملك رقيق مسلم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١] ومن أعظم السبيل تسليط الكافر على انتزاع أملاك المسلمين منهم، وإخراجهم منها قهرًا (١).
ويناقش:
أما الجواب عن النهي عن استعلاء بنيان الكافر على المسلم فإن حق الذمي بالشفعة سابق على حق المشتري بالتملك، ذلك أن الشركة وهي سبب الشفعة قائمة قبل بيع الشريك، ولهذا لو كان بنيان الكافر أقدم من جاره المسلم لم يمنع من استعلاء بنائه على بناء جاره المسلم الحادث، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الاستعلاء ليس ممنوعًا لذاته، وإنما لما في الاستعلاء من كشف العورات، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولذلك لو رضي المسلم لجاره الكافر أن يستعلي عليه لم يكن له ذلك؛ لأن الحق فيه لله، ولا يمنع الكافر على الصحيح من مساواة المسلم في البنيان، مع أن الكفر لا يساوي الإسلام، كما لا يمنع الكافر من استعلاء بنائه إذا لم يكن بجانبه جار يتضرر من استعلائه.
وأما الجواب عن تحريم نكاح المسلمات للكفار فإن ذلك قد يؤدي إلى افتتان المرأة عن دينها، وهذا غير موجود في الشفعة، ومثله استرقاق الكافر للعبد المسلم.
وأما سقوط حد القذف إذا قذف مسلم نصرانيًا فلا يعني أن قذف الذمي
стр. 4489
حلال، بل يعزر القاذف بما يردعه، وإنما لم يحد حد القذف؛ لأن الحدود توقيفية لا اجتهاد فيها، ولذلك لو قذف الرجل عبده المسلم لم يحد به في الدنيا مع قيام الإسلام.
الراجح:
ثبوت الشفعة للشريك مطلقًا مسلمًا كان أو ذميًا، والأدلة التي ساقها المانعون ليست نصًا في الموضوع، والله أعلم.
* * *
стр. 4490
الفصل الثالث
الشفعة للبدوي
[م-١٠٢٧] قال ابن قدامة: «وتثبت الشفعة للبدوي على القروي، وللقروي على البدوي في قول أكثر أهل العلم.
وقال الشعبي والبتي: لا شفعة لمن لم يسكن المصر. ولنا عموم الأدلة، واشتراكهما في المعنى المقتضي لوجوب الشفعة» (١).
وقول الشعبي والبتي قول ضعيف جدًا، والمعنى الذي من أجله شرعت الشفعة موجود في حق القروي كما هو موجود في حق الحضري، والله أعلم.
* * *
стр. 4491
الفصل الرابع
الشفعة للغائب
[م-١٠٢٨] إذا غاب الشريك عن البلد الذي فيها الشقص المشترك، فقام شريكه الآخر بالبيع أثناء غيابه.
فإن كان الشريك الغائب لم يعلم بالبيع لم تسقط شفعته، ولو طالت غيبته، مثله مثل الحاضر إذا كتم البائع عنه البيع (١). وحكى المالكية الاتفاق على ذلك.
قال في القوانين الفقهية: «فإن كان غائبًا، ولم يعلم لم تسقط شفعته اتفاقًا» (٢).
[م-١٠٢٩] وإن علم بالبيع، وهو غائب، فقد اختلف العلماء في ثبوت الشفعة له على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
لا شفعة للغائب مطلقًا، وهو قول النخعي، والحارث العكلي (٣).
وجه هذا القول:
بأن في ثبوت الشفعة للشريك الغائب ضررًا يلحق بالمشتري لكونه يبقى
стр. 4492
خائفًا، ولا يطمئن على استقرار ملكه للشقص، فهو لا يتصرف فيه تصرف الملاك تحسبًا لانتزاعه منه بالشفعة.
ونوقش هذا:
بأن ضرر المشتري يندفع بإيجاب قيمة ما ينميه ويصلحه على الشفيع.
القول الثاني:
إن كانت غيبته قريبة فله الشفعة، وإن كانت غيبته منقطعة فلا شفعة له، وهذا قول البتي (١).
ولعله يرى أن من كانت غيبته قريبة لا يتضرر المشتري بذلك بخلاف من كانت غيبته طويلة، والله أعلم.
القول الثالث:
للغائب الشفعة مطلقًا، وهو مذهب الأئمة الأربعة على خلاف بينهم، هل تجب المبادرة إلى المطالبة بالشفعة، أو لا تجب؟ وإذا لم يبادر بنفسه هل يجب عليه التوكيل أو لا يجب؟ وإذا لم يبادر ولم يوكل، هل يجب عليه الإشهاد أو لا يجب؟ (٢).
стр. 4493
واستدلوا بأن الغائب له الشفعة بأدلة منها:
الدليل الأول:
(ح-٦٣٤) ما رواه أحمد، من طريق عبد الملك، عن عطاء،
عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها وإن كان غائبًا إذا كان طريقهما واحدًا.
[رجاله ثقات، والحديث معلول] (١).
الدليل الثاني:
أن الشفعة من الحقوق المالية متى وجد سببه فللمستحق استيفاؤه، وإذا ثبت الحق لم يسقط إلا بإسقاطه، ولا تأثير للغيبة بإسقاط حق تقرر سببه كالإرث في حالة غيبة الوارث.
الراجح:
هو ما ذهب إليه الأئمة الأربعة، وهو أن الغائب له المطالبة بالشفعة، والغيبة ليست سببًا في إسقاط الشفعة.
* * *
стр. 4494
مبحث
الواجب على الشفيع الغائب إذا علم بالبيع
[م-١٠٣٠] تقدم لنا في المبحث السابق القول بأن الشفيع الغائب له الشفعة في قول الأئمة الأربعة، إلا أنهم اختلفوا في الواجب على الشفيع الغائب لاستحقاق الشفعة، وهذا الاختلاف راجع إلى اختلافهم في طلب الشفعة، هل هي على الفور، أو على التراخي، وسبق لنا تحرير الخلاف فيها والحمد لله، فمن أوجب في الشفعة الفورية في الطلب كالجمهور أو جب على الشفيع المبادرة بالطلب والإشهاد على ذلك، ومن لم يوجب المبادرة كالمالكية لم يوجبوا عليه الإشهاد، وإليك تحرير الخلاف بين الفقهاء.
القول الأول:
ذهب المالكية بأن الغائب على شفعته ما لم يصرح بإسقاطها ولا تجب عليه المبادرة، ولا الإشهاد، ولا التوكيل (١).
جاء في المدونة: «قلت: أرأيت الغائب إذا علم بالاشتراء، وهو شفيع، فلم يقدم يطلب الشفعة، حتى متى تكون له الشفعة؟ قال: قال مالك: لا نقطع عن الغائب الشفعة لغيبته. قلت: علم أو لم يعلم؟ قال ابن القاسم: ليس ذلك عندي إلا فيما علم، أما فيما لم يعلم فليس فيه كلام، ولو كان حاضرًا» (٢).
стр. 4495
واستدل المالكية:
بأن حق الشفعة ثبت للشفيع بالسنة الصحيحة، والحقوق الثابتة بالأدلة الصحيحة لا تسقط لمجرد غيبة صاحبها، فيبقى الغائب على شفعته حتى يحضر، فيأخذ أو يدع، والله أعلم.
القول الثاني:
القائلون بأن الشفعة على الفور اختلفوا فيما يجب على الشفيع الغائب إذا علم بالشفعة.
فقال الحنفية إن لم يشهد ولم يوكل مع قدرته وسكت ساعة بطلت شفعته (١).
جاء في الجوهرة النيرة: «وإن كان الشفيع حين علم بالبيع غائبًا عن البلد، فإن أشهد حين علم، أو وكل من يأخذ له بالشفعة فهو على شفعته، وإن علمه، ولم يشهد أولم يوكل حين بلغه ذلك مع قدرته عليه، وسكت ساعة بطلت شفعته؛ لأن الغائب يقدر على الطلب كما يقدر عليه الحاضر» (٢).
وذهب الشافعية إلى أن الغائب إذا علم بالشفعة وجب عليه المبادرة بالتوجه إلى صوب المشتري، أو يبعث وكيلًا إلا أن يكون الطريق مخوفًا فيجوز التأخير إلى أن يجد رفقة أو يزول الخطر.
وهل يكتفى بالبدار أو يجب معه الإشهاد قولان نقلهما العراقيون.
أحدهما: أنه يتعين معه الإشهاد، وتركه يبطل الحق.
الثاني: لا يتعين، ويكفي البدار في نحو الطلب.
стр. 4496
فإذا لم يستمكن من الخروج بنفسه، فله أن يوكل، فإن لم يوكل مع القدرة عليه ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها ـ وهو قول القاضي أبي حامد ـ أنه تسقط شفعته؛ لأنه ترك الطلب مع القدرة، فأشبه إذا قدر على الطلب بنفسه فترك.
والثاني ـ وهو قول أبي علي الطبري ـ أنه لا تسقط؛ لأن التوكيل إن كان بعوض لزمه غرم، وفيه ضرر. وإن كان بغير عوض احتاج إلى التزام منه، وفي تحملها مشقة، وذلك عذر فلم تسقط به الشفعة.
ومن أصحابنا من قال: إن وجد من يتطوع بالوكالة سقطت شفعته؛ لأنه ترك الطلب من غير ضرر، فإن لم يجد من يتطوع لم تسقط؛ لأنه ترك للضرر.
فإن عجز عن المبادرة، وعجز عن التوكيل، فليشهد على الطلب، فإن لم يشهد فقولان أو وجهان:
أظهرهما: أنه يبطل حقه؛ لأن السكوت مع التمكن من الإشهاد مشعر بالرضا.
والثاني: لا يبطل، وإنما الإشهاد لإثبات الطلب عند الحاجة (١).
وذهب الحنابلة إلى أن الغائب يلزمه الإشهاد إذا علم بالبيع، ولا يضره تأخير المبادرة بعد الإشهاد. وإذا علم بالبيع، وبادر بالسير إلى المشتري ولم يشهد سقطت شفعته؛ لأن السير يكون لطلب الشفعة ولغيره، وقد قدر أن يبين كون السير لطلب الشفعة بالإشهاد عليه فإذا ترك سقطت شفعته. ولا يلزمه التوكيل
стр. 4497
قدر عليه أو لم يقدر؛ لأن الوكيل إن كان بجعل ففيه غرم، وإن كان متبرعًا ففيه منة عليه (١).
وأدلة الجمهور على هذا التفصيل هي أدلتهم في كون الشفعة تجب على الفور، وسبق ذكر أدلتهم والجواب عنها، والله أعلم.
الراجح:
أن الغائب على شفعته حتى يحضر فيأخذ أو يترك، ولا دليل على وجوب الفورية بالمطالبة، والله أعلم.
* * *
стр. 4498
الفصل الخامس
الشفعة للصغير
[م-١٠٣١] اختلف العلماء في الشفعة للصغير على قولين.
القول الأول:
له الشفعة، ويقوم وليه مقامه في الأخذ بها، وهو قول الأئمة الأربعة (١).
وجه ذلك:
أن الشفعة حق مبني على الملك، وهؤلاء من أهل ثبوت الملك، ويقوم الولي مقام الصغير واليتيم؛ لأنه تصرف في المال عن طريق التجارة، والولي والوصي والقاضي يملك ذلك لهم؛ ولأن الأخذ بالشفعة بمنزلة الشراء لهم من المشتري، والولي يملك ذلك كما يملك الشراء، ولأن في ذلك دفع الضرر عنهم، وتوفير المنفعة لهم.
القول الثاني:
لا شفعة للصغير، وبهذا قال ابن أبي ليلى، والنخعي، والحارث العكلي (٢).
ويروى في هذا حديث ضعيف جدًا.
(ح-٦٣٥) رواه ابن ماجه من طريق محمد بن الحارث، عن محمد بن
стр. 4499
عبد الرحمن البيلماني، عن أبيه،
عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : لا شفعة لشريك على شريك إذا سبقه بالشراء، ولا لصغير، ولا لغائب (١).
[وإسناده ضعيف جدًا، بل هو مسلسل بالضعفاء] (٢).
والراجح:
القول الأول، وهو ثبوت الشفعة للصغير.
* * *
стр. 4500
مبحث
حق الولي في العفو عن الشفعة
[م-١٠٣٢] إذا لم يطالب الولي بالشفعة بعد علمه بها، أو صرح بتركها، هل ذلك يسقط حق الصبي في المطالبة بالشفعة إذا كبر؟
اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال.
القول الأول:
أن ذلك يسقط حق الصبي، وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف ومالك (١).
وجه سقوطها:
أن الولي بمنزلة الصبي والمجنون، وترك الشفعة منه بمنزلة ترك الشراء، وللولي ولاية الامتناع عن الشراء.
القول الثاني:
هو على شفعته إذا بلغ، وهو قول محمد بن الحسن، وزفر، والثوري، وقال في الإنصاف: «وهو المذهب، نص عليه، وهو ظاهر كلام الخرقي» (٢). واختاره ابن المنذر والأوزاعي (٣).
قال ابن قدامة: «ظاهر قول الخرقي أن للصغير إذا كبر الأخذ بها، سواء عفا عنها الولي أو لم يعف، وسواء كان الحظ في الأخذ بها أو في تركها،
стр. 4501
وهو ظاهر كلام أحمد في رواية ابن منصور له الشفعة إذا بلغ فاختار، ولم يفرق» (١).
وجه ذلك:
أن حق الشفعة حق ثبت للصبي واليتيم فإبطاله لا يكون نظرًا في حقه، ومثل هذا لا يدخل تحت ولاية الولي كالعفو عن قصاص وجب للصبي، وكالإبراء والتبرع ونحو ذلك مما لا يدخل تحت ولاية الولي.
القول الثالث:
إنْ ترك الولي الشفعة، وكانت مصلحة الصبي في الأخذ بها بقيت، وإن كان في ترك الشفعة مصلحة للصبي لم يأخذها الولي، ولو أخذها كان أخذه مردودًا فإن التصرفات في مال الصبي تنحصر في رعاية المصلحة، فلو بلغ الطفل وأراد أن يأخذ بالشفعة، ففي المسألة وجهان: أظهرهما أنه لا يثبت له ذلك. وهذا مذهب الشافعي، واختيار ابن حامد وابن تيمية من الحنابلة، ورجحه ابن حزم (٢).
وجه ذلك:
قال ابن حزم: «فإن ترك ولي الصغير أو المجنون الأخذ بالشفعة فإن كان ذلك نظرًا لهما لزمهما؛ لأنه فعل ما أمر به من النصيحة لهما، وإن كان الترك ليس نظرًا لهما لم يلزمهما، ولهما الأخذ أبدًا؛ لأنه فعل ما نهي عنه من غشهما» (٣).
стр. 4502
الراجح:
هذه المسألة ترجع إلى توصيف الشفعة، هل هي حق، أو بمنزلة الشراء، فإن كانت الشفعة حقًا للصبي لم يسقط هذا الحق إلا إذا كان في إسقاطه مصلحة للصبي، فلا يحق له أن يرجع ويطالب. وإن كانت الشفعة بمنزلة الشراء فإن الولي له الحق في ترك الشراء للصبي مطلقًا، ولو كان في الشراء غبطة؛ لأن الذي يؤاخذ به الولي ألا يفرط في مال الطفل، فأما أن يتجر بمال الطفل فلا يلزمه ذلك، ولو ألزمناه لأوجبنا عليه أن يبذل كنه المجهود في سلوك طرق المكاسب والمتاجر، وهذا بعيد، والشفعة إنما شرعت لينتفع بها الآخذ لنفي الضرر، فلا يضار المشتري بحيث يقال له: إذا بلغ الطفل كان له الحق في انتزاع الملك منك، وقد تتغير الأسعار ويحدث فيها المشتري من البنيان والزرع ما يكون في انتزاعها مضرة عليه، والذي أميل إليه أن الشفعة حق، فإن كان الولي قد تركها لحظ الصبي، أو كان الصبي ليس معه ما يشتري به في ذلك الوقت سقطت، وإن تركها الولي ولم يكن في ذلك مصلحة للصبي كان للصبي أن يضمن الولي إذا بلغ، والضمان مسألة غير المطالبة بالشفعة؛ لأن المطالبة بالشفعة بعد مرور سنوات كثيرة فيه إضرار بالمشتري، فأرى أن مثل هذا يعتبر فوتًا، ويبقى حق الصبي في تضمين الولي باعتبار أن هذا نوع من التفريط الذي كان يجب عليه أن يقوم به. ومثل الصبي المجنون الذي لا ينفك عنه جنونه، والله أعلم.
* * *
стр. 4503
الفصل السادس
حق الحمل في الشفعة
[م-١٠٣٣] لو كانت دار بين رجلين، فمات أحدهما عن حمل، فباع الآخر نصيبه، فهل يأخذ ولي الحمل الشفعة للحمل؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
للحمل الشفعة، فيقوم بالطلب والأخذ من يقوم مقامه شرعًا في استيفاء حقوقه، وهذا مذهب الحنفية، وقول في مذهب الحنابلة إلا أن الحنفية اشترطوا أن يثبت وجوده وقت البيع وذلك بأن تضعه أمه لأقل من ستة أشهر منذ وقع الشراء (١).
وجه ذلك:
أن الحمل من أهل التملك، وإذا كان له حق الإرث من مورثه، فكذلك يثبت له تملك سائر الحقوق المالية.
القول الثاني:
لا شفعة للحمل. وهو مذهب الجمهور، وإذا ولد الحمل فله الأخذ بالشفعة (٢).
стр. 4504
جاء في المدونة: «قلت ـ القائل سحنون ـ أرأيت الوصي أيأخذ للحبل بالشفعة في قول مالك؟ قال ـ القائل ابن القاسم ـ لا يأخذ بالشفعة حتى يولد؛ لأنه لا ميراث له إلا بعد الولادة في رأيي، فكذلك لا شفعة له إلا بعد الولادة، وبعد الاستهلال صارخًا» (١).
وجاء في قواعد ابن رجب: «ومنها الأخذ للحمل بالشفعة .... قال الأصحاب: لا يؤخذ له، ثم اختلفوا، منهم من علل بأنه لا يتحقق وجوده، ومنهم من علل بانتفاء ملكه، ويتخرج وجه آخر بالأخذ له بالشفعة بناء على أن له حكمًا وملكًا» (٢).
وجاء في المغني: «وإن بيع شقص في شركة حمل، لم يكن لوليه أن يأخذ له بالشفعة؛ لأنه لا يمكن تمليكه بغير الوصية، وإذا ولد الحمل، ثم كبر، فله الأخذ بالشفعة كالصبي إذا كبر» (٣). يقصد إذا لم يأخذ له الولي.
وجاء في حاشيتي قليوبي وعميرة «ولا شفعة لحمل، فإن كان وارث غير الحمل أخذ الكل، ولا رجوع عليه لو انفصل الحمل حيًا، ولو ورث الحمل شفعة لم يصح أن يأخذ له الولي إلا بعد انفصاله حيًا» (٤).
الراجح:
ثبوت الشفعة للحمل بشرط أن يولد حيًا، لصحة تملك الحمل، والله أعلم.
* * *
стр. 4505
الفصل السابع
في شفعة المريض والمحبوس
[م-١٠٣٤] إن كان المرض لا يمنع من المطالبة كالصداع اليسير والألم القليل فهو كالصحيح.
وإن كان المرض يمنع من المطالبة كالمرض الذي لا ينتظر زواله عن قرب، فإن كان لا يقدر على الطلب، ولا على التوكيل والإشهاد فهو على شفعته؛ لأنه معذور، أشبه ما لو لم يعلم (١).
جاء في العناية شرح الهداية: «أجمعوا على أنه إذا تركه بمرض أو حبس أو غير ذلك ولم يمكنه التوكيل بهذا الطلب لا تبطل شفعته، وإن طالت المدة» (٢).
وجاء في المهذب: «وإن وجبت له الشفعة، وهو محبوس أو مريض أو غائب نظرت: فإن لم يقدر على الطلب، ولا على التوكيل، ولا على الإشهاد فهو على شفعته؛ لأنه ترك بعذر» (٣).
وإن كان يقدر على التوكيل والإشهاد فحكمه حكم الغائب، والعلماء مختلفون في حكم الغائب؛ لاختلافهم في الشفعة، هل هي على الفور أو على التراخي على قولين:
القول الأول:
أن المريض كالغائب على شفعته مطلقًا علم بالبيع أو لم يعلم، فإذا زال عذره
стр. 4506
فهو كالحاضر، ولا يجب على المريض إشهاد ولا توكيل (١).
ومبنى قولهم هذا أن المطالبة بالشفعة لا تجب على الفور، كسائر الحقوق.
جاء في مواهب الجليل: «واختلف في المريض، فقيل: إنه كالغائب، ولو علم بالشفعة. وقيل: كالحاضر نقلهما ابن ناجي وغيره» (٢).
وقد تقدم لنا مذهب المالكية في الغائب وأنه على شفعته حتى يقدم، فإذا قدم فهو كالحاضر، وأن الحاضر لا يجب عليه المطالبة بالشفعة على الفور.
القول الثاني:
اختلف الجمهور القائلون بأن الشفعة على الفور ما ذا يجب على المريض القادر على التوكيل والإشهاد.
جاء في روضة الطالبين: «والعذر ضربان:
أحدهما: ما لا ينتظر زواله عن قرب، كالمرض، فينبغي للمريض أن يوكل إن قدر، فإن لم يفعل بطلت شفعته على الأصح لتقصيره.
والثاني: لا.
والثالث: إن لم يلحقه في التوكيل منة ولا مؤنة ثقيلة بطلت، وإلا فلا.
فإن لم يمكنه فليشهد على الطلب، فإن لم يشهد بطلت على الأظهر، أو الأصح، والخوف من العدو كالمرض» (٣).
стр. 4507
وقال ابن قدامة: «من كان مريضا مرضًا لا يمنع المطالبة كالصداع اليسير والألم القليل فهو كالصحيح. وإن كان مرضا يمنع المطالبة كالحمى وأشباهها فهو كالغائب في الإشهاد والتوكيل» (١).
والشفيع الغائب عند الحنابلة يجب عليه الإشهاد، ولا يلزمه التوكيل، وقد تقدم ذكر مذهبهم.
الراجح:
الذي أميل إليه أن الشفعة ليست على الفور، وأن المريض كغيره على شفعته، ولا يسقط حقه إلا بإسقاط، أو يطلب منه الحاكم أن يأخذ أو يدع، والله أعلم.
* * *
стр. 4508
الفصل الثامن
في تعدد الشفعاء
المبحث الأول
تعدد الشفعاء مع اختلاف سبب الشفعة
[م-١٠٣٥] سبق لنا أن الفقهاء متفقون في ثبوت الشفعة للشريك الذي لم يقاسم، واختلفوا في ثبوت الشفعة للشريك في حق من حقوق العقار، والشفعة للجار، فإذا تعدد الشفعاء سواء كان سبب الشفعة واحدًا، أو كان سبب الشفعة مختلفًا عند من يثبت الشفعة لغير الشريك، فمن يجب تقديمه عند التزاحم؟
اختلف الفقهاء في هذه على أقوال:
القول الأول:
ذهب الحنفية وهو رواية عن أحمد إلى القول بتعدد سبب الشفعة على اختلاف بينهم في عددها.
فالحنفية جعلوا الأسباب ثلاثة:
(ا) ـ الشركة في عين العقار. (٢) ـ الشركة في المرافق. (٣) ـ الجوار الملاصق (١).
стр. 4509
وجعل الإمام أحمد في رواية عنه للشفعة سببين:
(١) ـ الشركة في عين العقار.
(٢) ـ الشركة في حق من حقوق العقار (١).
فبناء على القول بتعدد سبب الشفعة يمكن أن يقع التزاحم بين الشفعاء.
فذهب الحنفية إلى أن الشفعة تثبت فيهما على الترتيب، فيقدم الشريك في المبيع، ثم الشريك في المرافق، ثم الجار الملاصق احترازًا من المحاذي (٢).
فإن سلَّم الشريك، وجبت للخليط، وإن اجتمع خليطان قدم الأخص على الأعم، وإن سلم الخليط وجبت للجار بشرط أن يكون الجار قد طلب الشفعة مع الشريك إذا علم بالبيع؛ ليمكنه الأخذ إذا سلَّم الشريك.
جاء في حاشية ابن عابدين: «واعلم أن كل موضع سلم الشريك الشفعة فإنما تثبت للجار إن طلبها حين سمع البيع، وإن لم يكن له حق الأخذ في الحال، أما إذا لم يطلب حتى سَلَّم الشريك فلا شفعة له» (٣).
стр. 4510
وخالف في ذلك أبو يوسف، فقال: إذا وجد الشريك فلا حق لغيره في الشفعة، سواء أخذ ذلك الشريك أو لم يأخذ (١).
واستدل الحنفية على الترتيب:
الدليل الأول:
(ح-٦٣٦) ما رواه عبد الزراق (٢)، وابن أبي شيبة (٣)، من طريق وكيع، عن هشام ابن المغيرة الثقفي، قال:
سمعت الشعبي يقول: قال رسول الله ﷺ الشفيع أولى من الجار، والجار أولى من الجنب.
[رجاله ثقات إلا أنه مرسل، وروي مسندًا، ولا يعرف] (٤).
الدليل الثاني:
أن المؤثر في ثبوت حق الشفعة هو دفع ضرر الدخيل وأذاه، وسبب وصول الضرر والأذى هو الاتصال، والاتصال بالشركة في عين المبيع أقوى من الاتصال بالخلط، والاتصال بالخلط أقوى من الاتصال بالجوار، والترجيح بقوة التأثير ترجيح صحيح (٥).
стр. 4511
وجه قول أبي يوسف:
أن الحق عند البيع كان للشريك لا لغيره، ألا ترى أن غيره لا يملك المطالبة، فإذا سَلَّم سقط الحق أصلًا.
القول الثاني:
ذهب الشافعية في أصح القولين، والحنابلة في المشهور إلى القول بعدم التزاحم في الشفعة؛ لأنهم يرون أن سبب الشفعة سبب واحد، وهو الشركة في ملك العقار، فلا يحتمل عندهما التعدد في سبب الشفعة، فإذا تعدد الشفعاء اشتركوا في الأخذ بالشفعة (١).
القول الثالث:
ذهب المالكية، والشافعية في قول بأن التزاحم قد يقع وإن كان سبب الشفعة واحدًا، فقالوا: يقدم الشريك الأخص، وهو المشارك في السهم على الشريك الأعم، فإذا مات إنسان، وترك ورثة كزوجتين، وجدتين، وأختين، وعاصب، فإذا باعت إحدى الزوجتين نصيبها من العقار فإن الزوجة تختص بالشفعة دون غيرها؛ لأنها هي المشاركة في السهم، وكذلك إذا باعت إحدى الجدتين نصيبها اختصت الجدة الأخرى بالشفعة دون غيرها من الورثة، وإذا باعت إحدى الأختين نصيبها اختصت الأخت الأخرى بالشفعة دون سائر الورثة، وهكذا (٢).
стр. 4512
الراجح:
أن الشفعة إذا كان سببها واحدًا فهم سواء في الاستحقاق، فالشركة في الميراث سببها واحد، وإذا كان سببها مختلفًا قدم الشريك على غيره على أنني لا أرى الشفعة للجوار إذا لم يكن بينهما حق مشترك، والله أعلم.
* * *
стр. 4513
المبحث الثاني
تعدد الشفعاء مع اتحاد سبب الشفعة
[م-١٠٣٦] إذا تعدد الشفعاء، وكان سبب الشفعة واحدًا كالشركة في العقار، فكيف يوزع المشفوع فيه على الشفعاء:
اختلف الفقهاء في ذلك على أقوال:
القول الأول:
إذا تعدد الشفعاء وتزاحموا في الشفعة وزع المشفوع فيه بينهم على عدد الرؤوس بالتساوي، ولا اعتبار لمقدار الحصص. وهذا مذهب الحنفية، والقول القديم للشافعي، ورواية عن أحمد اختارها ابن عقيل، ورجحه ابن حزم (١).
وجه هذا القول:
الوجه الأول:
لا يوجد نص في المفاضلة بين الشركاء في الشفعة، ولو كان هناك مفاضلة بينهم لبينها الرسول ﷺ ، ولم يجمل الأمر، فلما لم يبين بطلت المفاضلة.
стр. 4514
الوجه الثاني:
أن سبب استحقاق الشفعة إما الجوار وإما الشركة، وقد استويا في أصل ذلك، فإنَّ صاحب القليل شريك كصاحب الكثير.
الوجه الثالث:
أن علة الاستحقاق أصل الملك لا قدر الملك، ألا ترى أن صاحب الكثير لو باع نصيبه كان لصاحب القليل أن يأخذ الكل بالشفعة، كما لو باع صاحب القليل نصيبه، والاستواء في العلة يوجب الاستواء في الحكم، ولا ترجيح بكثرة العلل، بل بقوتها، ألا ترى أن أحد الخصمين إذا أقام شاهدين والآخر أربعة فهما سواء.
القول الثاني:
يوزع المشفوع فيه على قدر حصصهم. وهذا مذهب المالكية، وأظهر القولين عند الشافعية، قال الغزالي: وهو القول الجديد، وذكر ابن قدامة أنه الصحيح في مذهب الحنابلة (١).
جاء في المدونة: «ما قول مالك في الشفعة، أتقسم على عدد الرجال، أم على قدر الأنصباء؟
قال: قال مالك: إنما الشفعة على قدر الأنصباء، وليس على عدد الرجال» (٢).
стр. 4515
وقال ابن قدامة: «الصحيح في المذهب أن الشقص المشفوع إذا أخذه الشفعاء قسم بينهم على قدر أملاكهم ..... وعن أحمد رواية ثانية أنه يقسم بينهم على عدد رؤوسهم، اختارها ابن عقيل» (١).
وجه هذا القول:
الوجه الأول:
أن الشفعة إنما وجبت لشركتهم لا لعددهم، فوجب تفاضلهم فيها بتفاضل الشركة.
الوجه الثاني:
أن سبب الشفعة الملك، فتتبعه ككسب العبد، وثمر الشجر، وأرش الجناية، وأجرة الدار.
الوجه الثالث:
أن الشريك إذا باع ملكه سقطت شفعته، فدل على أن نصيبه هو الموجب لشفعته، فتقسم على قدر الأنصباء.
الوجه الرابع:
أن الشفعة شرعت لدفع الضرر، ويختلف الضرر باختلاف الأنصباء، فالأكثر يتضرر أكثر بالقسمة، وأجرة القاسم، فوجب أن يكون استحقاقهم لدفع الضرر على قدر أنصبتهم.
الراجح:
الذي أميل إليه أن الشفعة تتفاضل على قدر الأملاك؛ لأن الشفعة وإن ثبتت
стр. 4516
بسبب الشركة في العقار إلا أن مقدار ما يستحقه منها يرجع إلى مقدار نصيبه من هذا العقار كالربح يستحقه بسبب الشركة، ومقداره من الربح يرجع إلى نصيبه منها، والله أعلم.
* * *
стр. 4517
الفصل التاسع
في الشريك يشتري نصيب أحد الشركاء
[م-١٠٣٧] إذا اشترى أحد الشركاء حصة من الشركة، فهل يسقط ذلك حقه وحق شركائه من الشفعة؟
اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
لا شفعة للمشتري إذا كان شريكًا، بل للشريك أن يأخذ الجميع إذا أراد الشفعة دون المشتري.
وهذا القول نسبه أبو حامد الإسفراييني لأبي العباس بن سريج الشافعي، لكن قال الماوردي: وجدت أبا العباس بن سريج قائلًا بخلافه، موافقًا لأصحابه، وحكاه أبو الحسن الماوردي عن أبي حنيفة وهو مخالف لما في كتب الحنفية كما سيأتي، وحكاه ابن حزم قولًا ولم ينسبه، وحكاه ابن الصباغ للحسن والشعبي والبتي كما في المغني، وقد حكي عنهم قول آخر كما في القول الثاني (١).
وجه هذا القول:
أن الشفعة يستحقها الشريك على المشتري، فلا يستحقها المشتري على نفسه.
стр. 4518
ونوقش هذا:
بأن المشتري الشريك له صفتان، أحدهما: كونه مشتريًا، وهذا سبب قيام الشفعة للشركاء، والصفة الثانية: كونه شريكًا، فإذا انتزع منه المبيع بسبب الشراء، فقد استرد المشتري جزءًا منه بقدر شقصه لكونه شريكًا وليس لكونه مشتريًا، فسبب استحقاق الشفعة مختلف، فهو لم يستحق الشفعة لكونه مشتريًا، وإنما استحق الشفعة لكونه شريكًا، فإذا منعنا الشريك المشتري من الشفعة فقد أعطينا شريكه الحق بأن يأخذ مقداره ومقدار غيره من الشفعة دون رضى شريكه، وهذا لا يصح.
قال ابن قدامة: «ولنا أنهما تساويا في الشركة فتساويا في الشفعة، كما لو اشترى أجنبي، بل المشتري أولى؛ لأنه قد ملك الشقص المشفوع» (١).
القول الثاني:
لا شفعة للشركاء على الشريك، وقد نسب هذا القول للحسن، والشعبي، وعثمان البتي (٢).
دليل هذا القول:
الدليل الأول:
(ح-٦٣٧) ما رواه ابن ماجه من طريق محمد بن الحارث، عن محمد ابن عبد الرحمن البيلماني، عن أبيه،
عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : لا شفعة لشريك على شريك إذا سبقه بالشراء، ولا لصغير، ولا لغائب (٣).
стр. 4519
[إسناده ضعيف جدًا، بل هو مسلسل بالضعفاء] (١).
الدليل الثاني:
أن الشفعة إنما ثبتت لدفع ضرر الشريك الداخل، وهذا المشتري شركته متقدمة، فلا ضرر في شرائه.
وأجيب:
بأن الضرر يحصل بشراء هذا السهم المشفوع من غير نظر إلى المشتري، هل هو شريك أو أجنبي، وقد حصل شراؤه.
القول الثالث:
شراء الشريك لا يسقط حقه، ولا حق شركائه من الشفعة، بل يترك للشريك المشتري حصته من الشفعة، فلا يؤخذ منه الجميع بل يتقاسم مع الشركاء حصصهم منها، هذا مذهب الأئمة الأربعة (٢).
стр. 4520
دليل هذا القول:
الدليل الأول:
ثبتت الأدلة على استحقاق الشريك للشفعة من حديث جابر وغيره، وعمومها وإطلاقها تشمل كل شريك، سواء كان مشتريًا أو غير مشتر، والمطلق والعام يحملان على عمومهما وإطلاقهما حتى يرد عليهما مخصص أو مقيد من الشارع لا غير؛ لأن كلام الشارع لا يقيده ولا يخصصه إلا نص مثله، فمن قال بإخراج الشريك إذا كان مشتريًا فعليه الدليل.
الدليل الثاني:
أن الشريك المشتري قد تساوى مع شريكه في الشركة، فيجب أن يتساويا في الشفعة، كما لو كان المشتري أجنبيًا، بل المشتري أولى؛ لأنه قد ملك الشقص المشفوع.
[م-١٠٣٨] وإن أسقط المشتري حقه من الشفعة.
فقيل: يلزم الشريك أخذ الكل أو يسلمه إلى المشتري، هذا مذهب المالكية ووجه في مذهب الشافعية (١).