← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 4516–4555 · переход к 4521.

стр. 4516

بسبب الشركة في العقار إلا أن مقدار ما يستحقه منها يرجع إلى مقدار نصيبه من هذا العقار كالربح يستحقه بسبب الشركة، ومقداره من الربح يرجع إلى نصيبه منها، والله أعلم. * * *

стр. 4517

الفصل التاسع في الشريك يشتري نصيب أحد الشركاء [م-١٠٣٧] إذا اشترى أحد الشركاء حصة من الشركة، فهل يسقط ذلك حقه وحق شركائه من الشفعة؟ اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: لا شفعة للمشتري إذا كان شريكًا، بل للشريك أن يأخذ الجميع إذا أراد الشفعة دون المشتري. وهذا القول نسبه أبو حامد الإسفراييني لأبي العباس بن سريج الشافعي، لكن قال الماوردي: وجدت أبا العباس بن سريج قائلًا بخلافه، موافقًا لأصحابه، وحكاه أبو الحسن الماوردي عن أبي حنيفة وهو مخالف لما في كتب الحنفية كما سيأتي، وحكاه ابن حزم قولًا ولم ينسبه، وحكاه ابن الصباغ للحسن والشعبي والبتي كما في المغني، وقد حكي عنهم قول آخر كما في القول الثاني (١). وجه هذا القول: أن الشفعة يستحقها الشريك على المشتري، فلا يستحقها المشتري على نفسه.

стр. 4518

ونوقش هذا: بأن المشتري الشريك له صفتان، أحدهما: كونه مشتريًا، وهذا سبب قيام الشفعة للشركاء، والصفة الثانية: كونه شريكًا، فإذا انتزع منه المبيع بسبب الشراء، فقد استرد المشتري جزءًا منه بقدر شقصه لكونه شريكًا وليس لكونه مشتريًا، فسبب استحقاق الشفعة مختلف، فهو لم يستحق الشفعة لكونه مشتريًا، وإنما استحق الشفعة لكونه شريكًا، فإذا منعنا الشريك المشتري من الشفعة فقد أعطينا شريكه الحق بأن يأخذ مقداره ومقدار غيره من الشفعة دون رضى شريكه، وهذا لا يصح. قال ابن قدامة: «ولنا أنهما تساويا في الشركة فتساويا في الشفعة، كما لو اشترى أجنبي، بل المشتري أولى؛ لأنه قد ملك الشقص المشفوع» (١). القول الثاني: لا شفعة للشركاء على الشريك، وقد نسب هذا القول للحسن، والشعبي، وعثمان البتي (٢). دليل هذا القول: الدليل الأول: (ح-٦٣٧) ما رواه ابن ماجه من طريق محمد بن الحارث، عن محمد ابن عبد الرحمن البيلماني، عن أبيه، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : لا شفعة لشريك على شريك إذا سبقه بالشراء، ولا لصغير، ولا لغائب (٣).

стр. 4519

[إسناده ضعيف جدًا، بل هو مسلسل بالضعفاء] (١). الدليل الثاني: أن الشفعة إنما ثبتت لدفع ضرر الشريك الداخل، وهذا المشتري شركته متقدمة، فلا ضرر في شرائه. وأجيب: بأن الضرر يحصل بشراء هذا السهم المشفوع من غير نظر إلى المشتري، هل هو شريك أو أجنبي، وقد حصل شراؤه. القول الثالث: شراء الشريك لا يسقط حقه، ولا حق شركائه من الشفعة، بل يترك للشريك المشتري حصته من الشفعة، فلا يؤخذ منه الجميع بل يتقاسم مع الشركاء حصصهم منها، هذا مذهب الأئمة الأربعة (٢).

стр. 4520

دليل هذا القول: الدليل الأول: ثبتت الأدلة على استحقاق الشريك للشفعة من حديث جابر وغيره، وعمومها وإطلاقها تشمل كل شريك، سواء كان مشتريًا أو غير مشتر، والمطلق والعام يحملان على عمومهما وإطلاقهما حتى يرد عليهما مخصص أو مقيد من الشارع لا غير؛ لأن كلام الشارع لا يقيده ولا يخصصه إلا نص مثله، فمن قال بإخراج الشريك إذا كان مشتريًا فعليه الدليل. الدليل الثاني: أن الشريك المشتري قد تساوى مع شريكه في الشركة، فيجب أن يتساويا في الشفعة، كما لو كان المشتري أجنبيًا، بل المشتري أولى؛ لأنه قد ملك الشقص المشفوع. [م-١٠٣٨] وإن أسقط المشتري حقه من الشفعة. فقيل: يلزم الشريك أخذ الكل أو يسلمه إلى المشتري، هذا مذهب المالكية ووجه في مذهب الشافعية (١).

стр. 4521

وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن المشتري ليس له أن يلزم الشفيع بذلك (١). قال المزني: «ولو اشترى شقصًا، وهو شفيع، فجاءه شفيع آخر، فقال له المشتري: خذها كلها بالثمن أو دع، وقال هو: بل آخذ نصفها كان ذلك له؛ لأنه مثله، وليس له أن يلزم شفعته لغيره» (٢). وقال ابن قدامة: «إن أسقط المشتري حق شفعته ليلزم شريكه أخذ الكل لم يملك ذلك؛ لأن ملكه استقر على قدر حقه، فلم يسقط بإسقاطه» (٣). «فإن قيل: هذا تبعيض للصفقة على المشتري. قلنا: هذا التبعيض اقتضاه دخوله في العقد، فصار كالرضا منه به، كما قلنا في الشفيع الحاضر إذا أخذ جميع الشقص، وكما لو اشترى شقصًا وسيفًا» (٤). الراجح: ثبوت الشفعة للشفيع ولو كان مشتريًا، والله أعلم.

стр. 4522

الفصل العاشر إذا أقر البائع بالبيع وأنكر المشتري [م-١٠٣٩] اختلف العلماء في الأخذ بالشفعة إذا أقر البائع بالبيع، وأنكر المشتري: القول الأول: لا تثبت الشفعة للشفيع، وهو مذهب المالكية، وبه قال ابن سريج من الشافعية، وأحد الوجهين في مذهب الحنابلة (١). جاء في المدونة: «أرأيت إن أقر البائع بالبيع، وجحد المشتري البيع، وقال: لم أشتر منك شيئًا ثم تحالفا، وتفاسخا البيع فقام الشفيع فقال: أنا آخذ الشفعة بما أقررت لي أيها البائع؟ قال: ما سمعت من مالك فيه شيئًا ولا أرى فيه شفعة; لأن عهدته على المشتري فإذا لم يثبت للمشتري ما اشترى فلا شفعة له» (٢). وجه هذا القول: أن الشفعة فرع البيع، ولم يثبت فلم يثبت فرعه. ولأن الشفيع إنما يأخذ الشقص من المشتري، وإذا أنكر البيع لم يمكن الأخذ منه.

стр. 4523

القول الثاني: للشفيع أن يأخذ المبيع من البائع، إذا أقر بالبيع وأنكر المشتري، وهذا مذهب الحنفية، والأصح عند الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (١). جاء في الإنصاف: «وإن أقر البائع بالبيع، وأنكر المشتري، فهل تجب الشفعة؟ على وجهين: ...... أحدهما: تجب، وهو المذهب» (٢). وجه هذا القول: أن البائع أقر بحقين: حق للمشتري، وحق للشفيع، فإذا سقط حق المشتري بإنكاره بقي حق الشفيع، كما لو أقر بدار لرجلين، فأنكر أحدهما. ولأن البائع قد قام بأمرين: إقرار ودعوى. أما الإقرار فهو إقراره على نفسه بالبيع، وهذا حجة عليه، ويؤاخذ به، وقد أقر أن الشفيع مستحق لأخذ هذه الدار بالشفعة، والشفيع يطلب ذلك، فيجب قبوله كما لو أقر أنها ملكه. وأما الدعوى فهي في حق المشتري، فالبائع يدعي على المشتري بالبيع، والمشتري ينكر ذلك، فلا يؤاخذ المشتري بدعوى البائع، ويقال له: ألك بينة، فإن أقامها لزم المشتري، وإن لم يقم البينة كان على المشتري اليمين، فإذا حلف لم يلزمه شيء، والله أعلم.

стр. 4524

الراجح: أرى أن القول بأن للشفيع أخذ الشفعة بإقرار البائع هو القول الراجح، وقد يتهم المشتري بإنكاره العقد حتى يحرم الشفيع من أخذ الشقص، والله أعلم. * * *

стр. 4525

الفصل الحادي عشر ما يأخذه الشفيع إن كان الثمن مؤجلًا [م-١٠٤٠] إذا بيع الشقص بثمن حال أخذه الشفيع بثمن حال، وهذا لا خلاف فيه. [م-١٠٤١] واختلفوا فيما إذا أخذه المشتري بثمن مؤجل بم يأخذه الشفيع؟ على أربعة أقوال: القول الأول: يخير الشفيع بين أن يعجل الثمن، ويأخذ المبيع أو ينتظر إلى حلول الأجل، وليس له الحق في أخذ المبيع بالأجل. وهذا مذهب الحنفية، والقول الجديد للشافعي (١). وجه هذا القول: الوجه الأول: أن رضا البائع بذمة المشتري لا يوجب على المشتري أن يرضى بذمة الشفيع، ولذلك حل دين الميت؛ لأن رضا ربه بذمته لا يوجب عليه الرضا بذمة وارثه؛ لأن الذمم تتفاوت ملاءة وثقة وإعسارًا.

стр. 4526

و نوقش هذا بجوابين: الجواب الأول: الشفعة تستحق بصرف النظر عن رضا البائع أو رضا المشتري، ومن أين وجب مراعاة رضاهما وسخطهما، وهب أن البائع والمشتري لم يرضيا معاملة الشفيع فكان ماذا؟ فالشريك (الشفيع) أحق بالمبيع، والشرع فضله على المشتري فله الأخذ بما يبيع به جملة (١). وحلول دين الميت إذا وجب مؤجلًا فيه نزاع، وما فيه نزاع لم يكن حجة يلزم به المخالف، وإذا قدم الورثة ضمينًا مليئًا لم يجب تعجيل الدين المؤجل على الميت على الصحيح. الجواب الثاني: أن عدم قبول الشفيع بسبب التفاوت في الملاءة يندفع في وجود ضمين مليء، أو رهن. الوجه الثاني: لما كان في إلزام الشفيع بدفع الثمن حالًا ضرر عليه؛ لأن الأجل يقابله قسط من الثمن لم نلزم الشفيع بالتعجيل، بل قلنا: يتخير بين التعجيل وأخذ المبيع، أو الانتظار إلى حلول الأجل. الوجه الثالث: أخذ الشفعة باستحقاق الأجل يدخل في عقود المراضاة، ولا يدخل في الاستحقاق ما لم يكن مراضاة.

стр. 4527

وبمعنى آخر: أن الأجل لم يجب بالبيع، وإنما وجب بالشرط، والشرط لم يوجد في حق الشفيع. ويناقش: الواجب على الشفيع دفع الثمن بقدره وصفته، والأجل من صفته. القول الثاني: إن كان مليئًا أو كفله مليء فله أن يأخذه بما أخذ به المشتري، زاد المالكية: أو وثق ذلك برهن. وهذا مذهب المالكية والحنابلة، وقول في مذهب الشافعية حكاه حرملة (١). جاء في المدونة: «قال مالك في الرجل يبتاع الشقص من الدار إلى أجل: إن الشفيع إن كان مليًا فله أن يأخذها إلى ذلك الأجل وإن لم يكن مليًا فأتى بحميل ملي ثقة فذلك له في قول مالك» (٢). وجه ذلك: أما كون الشفيع يستحق أن يأخذه مؤجلًا فلأن الشفيع تابع للمشتري في قدر الثمن وصفته، والتأجيل من صفته. وأما وجوب الضمين أو الرهن فلأن في تسليم المبيع إلى الشفيع مع تأجيل

стр. 4528

الثمن فيه ضرر بالمشتري فاحتاج الأمر إلى ضامن مليء يضمن حق المشتري لدفع الضرر عنه. ونوقش هذا: بأن الواجب على المشتري ثمن المشفوع فيه، والضمين والرهن وثيقة بالثمن، وليسا من جملة الثمن، فلا يجب على المشتري، والاستحقاق: هو أخذ الشفيع الشفعة، وهذا لا يشترط له الرضا، وأما استحقاق الأجل فليس من الشفعة، ولا يستحق إلا بالرضا. القول الثالث: يأخذ الشفيع الشقص بأجله مطلقًا، وهو قول زفر من الحنفية، والقول القديم للشافعي، وبه قال ابن حزم (١). وجه هذا القول: الوجه الأول: أن الشفيع يدخل مدخل المشتري في قدر الثمن، وصفته، والتأجيل من صفته فله أن يأخذه بذلك. الوجه الثاني: أن تعجيل المؤجل استزادة في الثمن، والمشتري ممنوع من الاستزادة، ولا يمكن للمشتري أن يقول: أحط لك من الثمن بسبب التعجيل قدر ما بين الحال والمؤجل لأمرين:

стр. 4529

أحدهما: أنه مفض إلى الربا كما لو كان الثمن نقودًا؛ لأنه يفضي إلى مبادلة النقود بالنقود مع التفاضل. قلت: هي شبيهة بمسألة الصلح عن المؤجل ببعضه حالًا، وفيها خلاف، وقد سبق بحث هذه المسألة، وهي عكس مسألة الربا. الثاني: أن ما استحق تأجيله لم يلزمه تعجيله. القول الرابع: يأخذ الشفيع المبيع بعرض يساوي الثمن المؤجل، وهذا القول حكاه ابن سريج من الشافعية (١). وجه هذا القول: أن المشتري لا يمكن أن يطالب الشفيع بالثمن حالًا؛ لأن ذلك أكثر مما لزم المشتري، كما أنه لا يلزمه أن يقبل أن يأخذه الشفيع مؤجلًا؛ لأن الذمم لا تتماثل، ولا يمكن أن يحط عنه من النقود بقدر التأجيل؛ لأن ذلك مفض إلى الربا، فوجب أن يعدل إلى جنس آخر بقيمته. الراجح: الخلاف في المسألة خلاف قوي، والأجل له وقع في الثمن، فاستحقاق الثمن معجلًا لا يستحقه المشتري، وإجباره على قبول الأجل مطلقًا فيه ضرر عليه، فكان القول الوسط، وهو مقتضى العدل أن يطلب المشتري ضمينًا مليئًا، أو رهنا، والله أعلم.

стр. 4530

الفصل الثاني عشر إذا حط البائع أو زاد بعد البيع [م-١٠٤٢] إذا حط البائع أو زاد بعد البيع، فهل يثبت ذلك في حق الشفيع؟ اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: يسقط عن الشفيع ما يحطه البائع عن المشتري مطلقًا، سواء كان ذلك قبل الأخذ بالشفعة أو بعده، بخلاف الزيادة على الثمن فإنها لا تلزم في حق الشفيع. وهذا مذهب الحنفية (١). دليل هذا القول: الدليل الأول: من الكتاب قوله تعالى: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ [النساء: ٢٤]. وجه الاستدلال: أنه إذا جاز إلحاق الزيادة والحط من المهر بعد وجوبه، جاز ذلك في عقد البيع. ويناقش: ليس الكلام على جواز الزيادة والحط، وإنما الخلاف في توصيف هذه

стр. 4531

الزيادة والحط، هل هما تبرع باعتبار أن العقد أصبح لازمًا بالثمن الأول؟ أو رجوع عن الثمن الأول إلى ثمن آخر وذلك بتعديل العقد. الدليل الثاني: أن الحط قد غير العقد عن وجهه الأول، وهو كونه بذلك المقدار إلى كونه بهذا المقدار ورأينا أن الشرع أثبت لهما ولاية تحويل العقد من صفة إلى صفة، فلهما أن يحولا العقد من عدم اللزوم إلى اللزوم بإسقاط الخيار، وعكسه بإلحاق الخيار وكذا من كونه حالًا إلى مؤجل بإلحاق الأجل. ومن وجوده بعد تحققه في الوجود إلى إعدامه بلا سبب سوى اختيارهما، كما لو أَقَالَ أحدهما الآخر، فأولى أن يثبت لهما تغيير الثمن والحط منه (١). ويناقش: إذا كان الفقهاء متفقين على أن الزيادة بعد لزوم العقد لا تلحق بأصل الثمن لمن أخذ بالشفعة، ولو كانت الزيادة تعديلًا للعقد الأول للحقت الزيادة لمن أخذ المبيع بالشفعة، فدل ذلك على أن الزيادة أو الحط إنما هما من قبيل التبرع، وليس تعديلًا للعقد الأول (٢). ويناقش هذا: بأن النقص والزيادة كليهما تعديل للعقد الأول، وإنما لم تلحق الزيادة بتعديل العقد؛ لأن الشفعة استحقت قبل حصول الزيادة، فلم تلزم الشفيع. القول الثاني: إن حط عن المبتاع ما يشبه أن يحط في البيوع وضع ذلك عن الشفيع، بأن

стр. 4532

يكون مقدار ما حطه البائع عن المشتري مما جرت العادة بحطه من الثمن بين الناس، وكان المتبقي من الثمن يشبه أن يكون ثمنًا للشقص، وإن كان لا يحط مثله فهي هبة، ولا يحط عن الشفيع شيء. وهذا مذهب المالكية (١). وجه هذا القول: أن المتبقي من الثمن إن كان يشبه أن يكون ثمن مثله كان الحط من الثمن ليس تبرعًا محضًا من البائع، بل وصول إلى الثمن الحقيقي للشقص، فيسقط الحط عن الشفيع، وقد تكون الزيادة من أجل أن يترك الشفيع الشفعة. وإذا كان المتبقي لا يشبه أن يكون ثمنًا قطعنا أن ذلك كان على وجه التبرع، فلا يسقط عن الشفيع. القول الثالث: إن كان الحط أو الزيادة بعد لزوم العقد لم يحط منه شيء عن الشفيع، وإن كان الحط أو الزيادة قبل لزوم العقد كما في خيار المجلس، أو في مدة خيار الشرط فإنه يحط عن الشفيع، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة (٢). وجه هذا القول: أن الزيادة والنقص قبل لزوم العقد يعتبر جزءًا من الثمن؛ لأن العقد قبل لزومه لم يستقر، فالثمن فيه قابل للزيادة والنقص، فما حط عن المشتري حط عن

стр. 4533

الشفيع، وما زيد لزم الشفيع، وأما بعد لزوم العقد واستقرار الثمن فإنه هبة تعتبر لها شروط الهبة، ولا تحط عن الشفيع، ولا يلزمه ما زاده المشتري بعد لزوم العقد؛ لأنه تبرع محض. الراجح: الذي أميل إليه أن مذهب الشافعية والحنابلة أقوى؛ وإن كان مذهب المالكية فيه قوة، ويراعي المعنى الذي من أجله حط البائع أو زاد إلا أن القواعد تتمشى مع مذهب الشافعية والحنابلة، فالعقد قبل لزومه لا يعتبر ثمنه مستقرًا، وأضعف الأقوال قول الحنفية، والله أعلم. * * *

стр. 4534

الفصل الثالث عشر إذا اختلف البائع والمشتري بالثمن [م-١٠٤٣] إذا اختلف البائع والمشتري في قدر الثمن، فهل يأخذ الشفيع المبيع بقول البائع، أو بقول المشتري؟ اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: إذا ادعى البائع الأكثر يتحالفان، ويترادَّان، وأيهما نكل ظهر أن الثمن ما يقوله الآخر، فيأخذها الشفيع بذلك، وإن حلفا فسخ القاضي البيع، ويأخذها الشفيع بقول البائع إن كان لم يقبض الثمن، وإن كان قد قبض الثمن أخذها بما قال المشتري، ولم يلتفت إلى قول البائع، هذا مذهب الحنفية (١). وجه هذا القول: أن البائع إذا لم يكن قبض الثمن فالتملك يقع عليه بتمليكه، فيرجع مقدار ما ملك به إلى قوله بخلاف ما إذا قبض الثمن فإن القول قول المشتري؛ لأنه إذا قبض الثمن لم يبق له حق في المبيع أصلًا، وصار أجنبيًا، فالتحق تصديقه بالعدم (٢). القول الثاني: ذهب المالكية أن البائع والمشتري إذا اختلفا في قدر الثمن يتحالفان، ويتفاسخان، فإن حلفا أو نكلا فسخ البيع، وبطلت الشفعة (٣).

стр. 4535

وإن نكل المشتري، وحلف البائع على دعواه أخذ البائع ما حلف عليه من الثمن، فإذا قام الشفيع على المشتري ليأخذ الشقص، فقولان في مذهب المالكية: أحدهما: يأخذه بما ادعى به المشتري؛ لأنه الثمن الذي أقر به، وادعى أن البائع قد ظلمه في الزائد، فلا تلزم الشفيع، وبه قال ابن المواز. وقيل: يأخذه بما أدى المشتري للبائع؛ لأن من حجته أن يقول: إنما ملكت الشقص بها، فلم يتم لي الشراء إلا بها، وبه قال ابن عبد الحكم، وأصبغ (١). القول الثالث: يأخذه الشفيع بقول المشتري مطلقًا حتى لو ثبت قول البائع بالبينة، وهذا مذهب الشافعية، والحنابلة (٢). جاء في فتح العزيز: «ولو اختلف البائع والمشتري في قدر الثمن، فإن ثبت قول المشتري فذاك، وإن ثبت قول البائع بالبينة أو باليمين المردودة، فعلى المشتري ما ادعاه البائع، والشفيع يأخذ بما ادعاه المشتري لاعترافه بأن البيع جرى بذلك، والبائع ظالم بالزيادة» (٣). وجه هذا القول: أن الشفيع مقر له باستحقاقه بالثمن الذي ادعاه، ويدعي أن البائع ظلمه بالزيادة، فلا تلزم الشفيع.

стр. 4536

الراجح: أرى أن الراجح أن المتداعيين إن تحالفا أو نكلا فسخ البيع، ولم تثبت حينئذ شفعة لعدم ثبوت البيع، وإن نكل أحدهما وحلف الآخر لزم الناكل ما حلف به صاحبه، فإن حلف المشتري ونكل البائع لزم البائع ما حلف عليه المشتري، والشفيع يأخذه في الحالة هذه بما أخذه به المشتري. وإن حلف البائع، ونكل المشتري لزم المشتري أخذ المبيع بما ادعى به البائع، وأما الشفيع فلا يأخذه إلا بما أقر به المشتري مطلقًا، سواء لزمه ما أقر به، أو لزمه ما ادعاه عليه البائع، والله أعلم. * * *

стр. 4537

الفصل الرابع عشر إذا اختلف المشتري والشفيع [م-١٠٤٤] تقدم لنا الخلاف في مسألة: اختلاف البائع والمشتري في قدر الثمن، فهل يختلف الحكم فيما لو كان الخلاف بين المشتري والشفيع في قدر الثمن، ولم تكن هناك بينة لأحدهما؟ اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: القول قول المشتري مع يمينه. وهذا مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة (١). قال في الحاوي: «إذا اختلف الشفيع والمشتري في قدر الثمن، فادعى المشتري أن الثمن ألف، وقال الشفيع: خمسمائة، ولا بينة لواحد منهما فالقول قول المشتري مع يمينه لأمرين: أحدهما: أنه مباشر للعقد، فكان أعلم به من غيره. الثاني: أنه مالك للشقص فلم ينزع منه إلا بقوله. فإن حلف المشتري على ما ادعى من الثمن أخذه الشفيع به إن شاء، وإن نكل المشتري ردت اليمين على الشفيع، فإن حلف أخذه بما قال» (٢).

стр. 4538

وجاء في المغني: «وإن اختلفا في الثمن فالقول قول المشتري إلا أن يكون للشفيع بينة» (١). القول الثاني: مذهب المالكية، وفيه ثلاثة أقوال: المشهور من المذهب أن القول قول المشتري مع يمينه فيما يشبه كونه ثمنًا معتادًا لمثل الشقص سواء أشبه الشفيع أم لا. وإن لم يشبه المشتري فالقول قول الشفيع إن أشبه (٢). «قال ابن القاسم: إذا اختلف الشفيع والمبتاع في الثمن صدق المبتاع؛ لأنه مدعى عليه، إلا أن يأتي بما لا يشبه مما لا يتغابن الناس بمثله فلا يصدق» (٣). وجاء في المدونة: «قلت ـ القائل سحنون ـ أرأيت إن اختلف الشفيع والمشتري في الثمن الذي اشتريت به الدار القول قول من في قول مالك؟ قال: قال مالك: القول قول المشتري إلا أن يأتي بما لا يشبه فلا يصدق عندي إلا أن يكون مثل هؤلاء الملوك يرغب أحدهم في الدار لضيق داره فيثمنها فالقول قوله إذا أتى بما يشبه. قلت: وما معنى قوله: إذا أتى بما يشبه؟ قال: يشبه أن يكون ثمنها فيما يتغابن الناس فيه. قلت: أرأيت إن أقاما جميعا البينة؟

стр. 4539

قال: إذا تكافأت البينتان في العدالة فالقول قول المشتري في الثمن وهما بمنزلة من لا بينة لهما; لأن الدار في يده وهذا رأيي» (١). القول الثاني في مذهب المالكية: أن القول قول المشتري مطلقًا، أتى بما يشبه أم لا. وهذا قول مطرف (٢). القول الثالث: يقوم الشقص قيمة عدل، ويخير الشفيع بين أن يشفع بتلك القيمة أو يترك. وهذا القول لابن حبيب (٣). الراجح: أن القول قول المشتري مع يمينه، والله أعلم. * * *

стр. 4540

الباب الثالث في أحكام المشفوع فيه الفصل الأول الشفعة في العقار المبحث الأول الشفعة في العقار الذي لا يقبل القسمة [م-١٠٤٥] أجمع العلماء القائلون بالشفعة على ثبوت الشفعة في العقارات التي تقسم قسمة إجبار (١). قال ابن تيمية: «اتفق الأئمة على ثبوت الشفعة في العقار الذي يقبل القسمة؛ قسمة الإجبار، كالقرية، والبستان، ونحو ذلك» (٢).

стр. 4541

[م-١٠٤٦] واختلفوا في ثبوت الشفعة في العقار الذي لا يقبل القسمة على قولين: القول الأول: تثبت به الشفعة، وهو مذهب الحنفية، وأحد القولين عن مالك، والقول القديم للشافعي، اختاره بعض أصحابه كابن سريج، ورواية عن أحمد، رجحها ابن عقيل، وابن تيمية، وبه قال ابن حزم (١). القول الثاني: لا تثبت الشفعة فيما لا يقبل القسمة، وهو القول الثاني عن مالك، والقول الجديد للشافعي، والمشهور من مذهب الحنابلة (٢). مرجع الخلاف بين القولين: يرجع الخلاف في هذه المسألة إلى مسألة سابقة، هل شرعت الشفعة لدفع ضرر القسمة، أو لدفع ضرر الشركة؟

стр. 4542

فمن قال: إن العلة لدفع ضرر الشركة رأى أن الشفعة تجري فيما ينقسم، وفيما لا ينقسم. ومن قال: إن العلة لدفع ضرر القسمة، رأى أن الشفعة لا تكون إلا فيما ينقسم من الأصول. أدلة القائلين بمنع الشفعة فيما لا ينقسم: الدليل الأول: (ح-٦٣٨) ما رواه البخاري، من طريق عبد الواحد، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر ﵁ قال: قضى رسول ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم .... ) وذكر بقية الحديث (١). وجه الاستدلال: قوله ﷺ (في كل ما لم يقسم) دليل على ثبوت الشفعة فيما ينقسم خاصة، أما ما لا يصح فيه القسمة فإنه لا يقال فيه: ما لم يقسم، كما لا يقال في الإنسان: يثبت فيه حكم كذا وكذا ما لم يقسم (٢). وقوله ﷺ : (فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة) دليل على اختصاص الشفعة فيما يقسم في كل ما يتأتى فيه إيقاع الحدود، وذلك خاص بالأشياء الواسعة التي يمكن قسمتها. ويجاب: بأن الحديث بَيَّن انقطاع الشفعة عند وقوع الحدود وتصريف الطرق، وقبل

стр. 4543

ذلك فالشفعة ثابتة في المشاع، لأنه يصح أن يقال في العقار الذي لا ينقسم: إنه لم تقع فيه الحدود ولم تصرف فيه الطرق فلا تنفى عنه الشفعة، فالحديث يوجب الشفعة في المشاع، ويبطلها في المقسوم، والمشاع يشمل ما يقسم وغيره، فالحديث غايته أنه أثبت الشفعة فيما نفى عنه القسمة، إما لأنها لا تقبل القسمة، وإما أنها تقبل، ولم تقع القسمة. ورد هذا الجواب: بأن النفي في الحديث جاء بلفظ (لم) في قوله: (في كل ما لم يقسم) ومقتضاها قبول المحل الفعل المنفي، وتوقع وجوده، ألا تراك تقول: الحجر لا يتكلم، ولو قلت: الحجر لم يتكلم لكان ركيكًا من القول لإفهامه قبوله للكلام، وتقول للبصير لم يبصر، لإمكان الرؤية منه، ولا تقول عنه: لا يبصر. ويجاب عن هذا الرد: بأن العقار كله يقبل القسمة، ولكن المانع من قسمة العقار الصغير يعود إلى أمر خارج عن العقار، وهو الضرر الناتج من القسمة، ولذلك قال شيخنا ابن عثيمين ﵀: قوله ﷺ : (فإذا وقعت الحدود) يشمل كل ما يمكن قسمته، سواء أكانت قسمته قسمة إجبار أم اختيار، حتى الذي يمكن قسمته قسمة تراض يمكن أن تقع فيه الحدود، وتصرف فيه الطرق (١). جواب آخر: قال بعضهم: بأن حديث قضى رسول الله ﷺ بالشفعة فيما لم يقسم هذا القول من الرواي حكاية قضية من النبي ﷺ قضى بها، وليس بعموم لفظ، ولا

стр. 4544

حكاية قول منه ﷺ ، والحجة إنما هي في قول النبي ﷺ أو فعله، وليست في حكاية الراوي (١). ويجاب عن ذلك: بأن الصحابي إذا حكى فعلًا من أفعال النبي ﷺ ظاهره العموم فهو على عمومه في قول أكثر العلماء؛ لأن الصحابي عدل ضابط، لا يروي ما يدل على العموم إلا وهو جازم بالعموم خلافًا لما اختاره كثير من الأصوليين فيما حكاه الآمدي عنهم، واختاره إمام الحرمين، والرازي من أنه لا عموم فيما حكاه الصحابي؛ لأن الحجة إنما هي في المحكي، وهو قول النبي ﷺ أو فعله، وليست في حكاية الراوي، والمحكي قد يكون خاصًا فيتوهمه الراوي عامًا، والأول أرجح لقوة مأخذه، والله أعلم. الدليل الثاني: (ح-٦٣٩) ما رواه أبو عبيد بن سلام في كتابه غريب الحديث معلقًا بدون إسناد، قال أبو عبيد: في حديثه ﵇ أنه قضى أن لا شفعة في فناء، ولا طريق، ولا منقبة، ولا ركح، ولا رهو (٢). وجه الشاهد: قوله: (ولا منقبة) قال ابن الجوزي في التحقيق: والمنقبة: الطريق بين القوم لا يمكن قسمته (٣).

стр. 4545

ويجاب عنه: بأن الحديث معلق، والمعلق لا حجة فيه، وإنما الحجة في المسند. الدليل الثالث: (ث-١١٣) ما رواه ابن الجوزي من طريق سعيد بن منصور، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، حدثني محمد بن عمارة، أخبرنا أبو بكر محمد بن عمرو ابن حزم، قال: خطب عمر الناس، فقال: لا شفعة في بئر، ولا نخل (١). [منقطع، والمعروف أن الأثر عن عثمان ﵁] (٢). الدليل الرابع: (ث-١١٤) ما رواه ابن أبي شيبة، والإمام أحمد قالا: حدثنا ابن إدريس، عن محمد بن عمارة، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبان بن عثمان، قال: قال عثمان: لا شفعة في بئر، ولا فحل، والأرف يقطع كل شفعة (٣). [صح عن عثمان موقوفًا، وروي مرفوعًا، ولا يصح] (٤).

стр. 4546

الدليل الخامس: أن الشفعة إنما شرعت لدفع ضرر مقاسمة الشريك، وهذا الضرر يتحقق بوجوه منها، أن العقار قد تنقص قيمته إذا قسم، وقد يحتاج كل واحد من المتقاسمين إلى إحداث مرافق جديدة في نصيبه، ومنها ما يلزم لقسمته من المؤن والأجر إذ ليس كل واحد يحسن قسمته، وهذه العلة علة صحيحة يشهد لصحتها

стр. 4547

طردها وانعكاسها، ألا ترى أن العروض التي تنقسم بالكيل والوزن لا شفعة فيها إذ لا مؤونة في قسمتها (١). دليل من قال بثبوت الشفعة فيما لا ينقسم: الدليل الأول: (ح-٦٤٠) ما رواه مسلم من طريق ابن وهب، عن ابن جريج، أن أبا الزبير أخبره، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله ﷺ : الشفعة في كل شرك في أرض أو ربع أو حائط، لا يصلح أن يبيع حتى يعرض على شريكه، فيأخذ أو يدع، فإن أبى فشريكه أحق به حتى يؤذنه (٢). فقوله ﷺ : (في كل شرك) مطلق يشمل ما يقبل القسمة وما لا يقبلها. الدليل الثاني: (ح-٦٤١) ما رواه الترمذي من طريق أبي حمزة السكري، عن عبد العزيز ابن رفيع، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : الشريك شفيع، والشفعة في كل شيء (٣). [المحفوظ أنه مرسل، والمرسل لا حجة فيه] (٤). الدليل الثالث: (ح-٦٤٢) ما رواه الطحاوي من طريق يوسف بن عدي، قال: ثنا

стр. 4548

ابن إدريس، عن ابن جريج، عن عطاء. عن جابر ﵁، قال: قضى رسول الله بالشفعة في كل شيء (١). [خالف فيه يوسف بن عدي غيره في إسناده ومتنه] (٢). الدليل الرابع: أن الأرض التي لا يمكن قسمتها ولا تقسم إلا بالتراضي أولى بثبوت الشفعة من الأرض التي تقسم إجبارًا؛ لأن ما لا يمكن قسمتها لا يمكن أن يتخلص من الشريك الجديد بخلاف الأرض التي يمكن قسمتها فيمكن التخلص منه بطلب القسمة. وأجيب: بأن هذا الدليل يصلح لمن قال: إن العلة في الشفعة لدفع ضرر الشركة، وأما من قال: إن الشفعة شرعت لدفع ضرر القسمة فلا يسلم لهذا الدليل. الراجح من الخلاف: بالنظر في الأدلة نجد أن الخلاف في هذه المسألة خلاف قوي، ولكل قول دليله، وإن كنت أميل إلى قول القائل بثبوت الشفعة فيما لا ينقسم، والله أعلم. * * *

стр. 4549

المبحث الثاني الشفعة في البناء المتعدد الأدوار [م-١٠٤٧] اختلف العلماء في الشفعة في البناء المتعدد الطوابق على أقوال: القول الأول: إذا بيع سفل عقار دون علوه، أو علوه دون سفله، أو بيعا جميعًا ففيهما الشفعة، وهو مذهب الحنفية (١). وجه القول بالشفعة: أن أحدهما بالنسبة للآخر إما شريك في الحقوق إن كان طريق العلو يمر بالسفل، وإما جار ملاصق إن كان طريق العلو على الطريق العام مستقلًا. وإن لم يأخذ صاحب العلو السفل بالشفعة حتى انهدم العلو فعلى قول أبي يوسف بطلت؛ لأن الجوار بالاتصال وقد زال، وعلى قول محمد تجب؛ لأنها ليست بسبب البناء، بل بالقرار، والقرار باق. وإن كانت ثلاثة أبيات بعضها فوق بعض، وباب كل إلى السكة مستقلًا، فبيع الأوسط تثبت للأعلى والأسفل، وإن بيع الأسفل أو الأعلى فالأوسط الأولى. وسبق أن ذكرنا الخلاف في شفعة الجار، والشريك في الحقوق وذكرنا أدلة

стр. 4550

الحنفية على ثبوت الشفعة للجار الملاصق والشريك في المرافق، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا. القول الثاني: لا شفعة لعلو على سفل وعكسه، وهذا مذهب المالكية، وأصح الوجهين في مذهب الشافعية، ومذهب الحنابلة (١). جاء في المدونة: «أرأيت إن بعت عوالي لي، وتحته سفل لغيري، أو بعت سفليًا لي، وعليه عوالٍ لغيري، أتكون لبعضهم الشفعة فيما باع صاحبه في قول مالك؟ قال: لا شفعة لهم؛ لأن هؤلاء قد عرف كل واحد منهما حقه ما هو، وحيث هو» (٢). وجه القول بعدم الشفعة: أن سبب الشفعة هو الاشتراك، ولا اشتراك بينهما هذا تعليل المالكية. بل إن الحنابلة والصحيح من مذهب الشافعية لا يقولون بالشفعة في علو، حتى ولو كان مشتركًا؛ لأنه لا أرض له فهو بمنزلة الأبنية المفردة، وأما السفل فإن كان مشتركًا، والعلو خالصًا لأحدهما ثبتت الشفعة في السفل دون العلو لعدم الشركة فيه.

стр. 4551

جاء في شرح منتهى الإرادات: «وما بيع من علو مشترك دون سفله فلا شفعة فيه مطلقًا، وبالعكس إذا باع الشريك العلو، وحصته من السفل فلشريك الشفعة في السفل فقط» (١). وجاء في مطالب أولي النهى «فإن باع سفلًا مشتركًا بين اثنين فأكثر، والعلو خالص لأحد الشريكين، فباع رب العلو نصيبه من السفل ثبتت الشفعة في السفل فقط دون العلو لعدم الشركة فيه» (٢). القول الثالث: قالوا: إن كان السفل مشتركًا، والعلو لأحدهما فباع صاحب العلو نصيبه، فوجهان: أحدهما: أن للشريك أن يأخذ السفل ونصف العلو؛ لأن الأرض مشتركة، وعلوها تابعها. وأصحهما لا يأخذ إلا السفل (٣). وإن كان السفل لواحد، وعلوها مشتركًا، فإن كان السقف لصاحب السفل لم تثبت الشفعة في الحصة المبيعة من العلو؛ لأنه بناء مفرد. وإن كان السقف مشتركًا ففيه وجهان في مذهب الشافعية. أحدهما: لا تثبت فيه الشفعة؛ لأنه لا يتبع أرضًا، وهو أصح الوجهين. الثاني: تثبت فيه الشفعة؛ لأن السقف أرض لصاحب العلو يسكنه، ويأوي إليه، فهو كالأرض، وساقه ابن قدامة احتمالًا (٤).

стр. 4552

قال الغزالي: «دار سفلها لواحد، وعلوها مشترك، إن كان السقف لصاحب السفل، فلا شفعة في العلو؛ لأنه لا أرض له، فلا ثبات، وإن كان السقف لشركاء العلو، فوجهان: ووجه المنع: أنه لا أرض له، والسقف لا ثبات له» (١). الراجح: أرى أن الراجح مذهب الحنفية، وأن الشفعة لهما لأنه لا يخلو من اشتراك بين صاحب العلو والسفل، فلا يقوم العلو إلا معتمدًا على السفل، وهذا نوع اشتراك، والله أعلم. * * *

стр. 4553

الفصل الثاني الشفعة في المنقول المبحث الأول أن يباع المنقول منفردًا المقصود بالمنقول: هو ما يمكن تحويله من مكان لآخر كالحيوان، والثوب والسيف، ويقابله الأرض والعقار. [م-١٠٤٨] وقد اتفق الفقهاء في ثبوت الشفعة في عقار يمكن قسمته ونحوه من البساتين. قال ابن المنذر: «لا اختلاف بين أهل العلم في إثبات الشفعة للشريك الذي لم يقاسم فيما يباع من أرض أو دار أو حائط» (١). [م-١٠٤٩] ولم يختلف الفقهاء فيما أعلم في ثبوت الشفعة في البناء والغرس تبعًا للأرض (٢). (ح-٦٤٣) ومستندهم ما رواه مسلم من طريق ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل شركة لم تقسم ربعة أو حائط،

стр. 4554

لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك، فإذا باع ولم يؤذنه فهو أحق به (١). وجه الاستدلال: أن لفظ (ربعة) يتناول الأبنية، ولفظ (حائط) يتناول الأشجار. [م-١٠٥٠] وأما الشفعة في المنقول فيما لم يقسم كما لو باع أحد الشريكين نصيبه في حيوان أو ثمرة، فهل للشريك أن يأخذ نصيب شريكه بالشفعة؟ اختلف الفقهاء في ذلك على أربعة أقوال: القول الأول: لا شفعة في المنقولات، وهو مذهبالحنفية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، وقول في مذهب المالكية (٥). أدلة الجمهور على عدم ثبوت الشفعة في المنقولات: الدليل الأول: (ح-٦٤٤) ما رواه البخاري من طريق معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة

стр. 4555

ابن عبد الرحمن، عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: قضى النبي ﷺ بالشفعة في كل مال لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة (١). وجه الاستدلال: دل الحديث بمفهومه على عدم الشفعة في المنقولات؛ لتعذر الحدود والطرق فيها. فقوله: «فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق» يدل على اختصاص الشفعة بما له حدود وطرق، وهو العقار خاصة. قال ابن عبد البر: «وفي قوله ﷺ الشفعة فيما لم يقسم دليل على أن ما لا يقسم ولا يضرب فيه حدود لا شفعة فيه، وهذا ينفي الشفعة في الحيوان وغيره مما لا يقسم» (٢). وأجيب عن هذا الدليل بجوابين: الأول: أن قوله: (فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة) مدرج من كلام جابر، وليس مرفوعًا من كلام النبي ﷺ ، قاله ابن أبي حاتم في العلل لابنه (٣)، وسبق الجواب عنه. الجواب الثاني: أن قوله: (فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة) لا يقتضي تخصيصًا حسب القاعدة التي تقول: إذا ذكر فرد من أفراد العموم يوافق العموم في حكمه لا يقتضي تخصيصًا،
следующие страницы →