← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.

стр. 4586

الفصل الثالث الشفعة في شركة الوقف المبحث الأول في أخذ الوقف بالشفعة إذا بيع الوقف [م-١٠٥٥] أرض نصفها موقوف، ونصفها مملوك لم تقسم، وبيع الوقف على القول بجواز بيعه إذا تعطلت منافعه، فهل لمالك الطلق أن يأخذ الوقف بالشفعة؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: لا شفعة فيه. وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية،، ووجه في مذهب الحنابلة. جاء في الفتاوى الهندية نقلًا من التجريد: «ما لا يجوز بيعه من العقار كالأوقاف لا شفعة في شيء من ذلك عند من يرى جواز البيع في الوقف، كذا في الخلاصة» (١).

стр. 4587

وجاء في حاشية الجمل: «(فلا شفعة لصاحب شقص) من أرض مشتركة (موقوف عليه) إذا باع شريكه نصيبه؛ لأن الوقف لا يستحق بالشفعة، فلا تستحق به الشفعة» (١). وجه القول بالمنع: أن الشفعة بيع، والوقف مما لا يجوز بيعه. ونوقش هذا: بأننا لا نقول بالشفعة إلا في حال جاز بيع الوقف كما لو تعطلت منافعه، أو أراد ناظر الوقف استبداله بأنفع منه على الصحيح، وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الوقف مناقشة حكم بيع الوقف بلغنا الله ذلك بمنه وكرمه. القول الثاني: يؤخذ بالشفعة، وهو الأصح في مذهب الحنابلة، وقول في مذهب الحنفية. جاء في الفروع: «الأصح يوخذ بها موقوف جاز بيعه» (٢). وجاء في الفواكه العديدة: «إذا بيع الوقف حيث جاز بيعه، هل يأخذ الشريك بالملك؟ على وجهين: المختار نعم» (٣). وجاء في حاشية ابن عابدين: «وحاصله أن الوقف منه ما لا يملك بحال، فلا شفعة فيه لعدم صحة بيعه، ولا له: أي لقيِّمه ولا للموقوف عليه؛ لعدم الملك.

стр. 4588

ومنه ما قد يملك، كما إذا كان غير محكوم به، فلا شفعة له لعدم المالك، بل فيه الشفعة إذا بيع لجواز البيع» (١). واستدلوا بأدلة منها: الدليل الأول: عموم قوله ﷺ : قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم، وسبق تخريجه. وجه الاستدلال: أن هذا الحديث مطلق يشمل ما بيع في ملك مطلق، أو شركة وقف. الدليل الثاني: أن هذا الوقف قد انتقل بعوض مالي، وهو مال مشترك، فكونه ينتقل إلى الشريك بالشفعة أولى من انتقاله إلى أجنبي. الدليل الثالث: ولأن الضرر الذي من أجله شرعت الشفعة موجود في هذه الشركة الجديدة، فيشرع دفعه بالشفعة. الراجح: جواز أخذ الوقف بالشفعة في حال جاز بيع الوقف، والله أعلم. * * *

стр. 4589

المبحث الثاني في أخذ الواقف الطلق بالشفعة قال القاضي حسين: ما لا يستحق بالشفعة لا يستحق به الشفعة (١). [م-١٠٥٦] إذا كان البعض وقفًا، والبعض ملكًا، فبيع الملك، فهل يؤخذ شفعة بالوقف؟ اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: لا يؤخذ المبيع شفعة بالوقف، وهو مذهب الحنفية، وأصح الوجهين في مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة. جاء في الدر المختار: «ما لا يملك من الوقف بحال فلا شفعة فيه، وما يملك بحال ففيه الشفعة، وأما إذا بيع بجواره، أو كان بعض المبيع ملكًا، وبعضه وقفًا وبيع الملك، فلا شفعة للوقف» (٢). وعلل الحنفية ذلك: بأن الشفعة تجب بحق الملك، والموقوفة ليست بمملوكة لأحد في الحقيقة (٣). قال السبكي: «لو كان بعض الدار وقفًا، فباع صاحب الطلق منها نصيبه، لم يكن للموقف عليه الشفعة على الأصح، وإن قلنا: إن الموقوف عليه يملك

стр. 4590

الوقف، وأنه يقبل القسمة. ومن أصحابنا من علل المنع بأن الموقوف عليه لا يملك، وأن الوقف لا يفرز بالقسمة عن الطلق» (١). وقال أيضًا: «قال القاضي حسين: ما لا يستحق بالشفعة، لا يستحق به الشفعة، وجعل هذا علة قولهم: أرض نصفها وقف، ونصفها طلق، أنه لا يثبت للموقوف عليه الشفعة، وهو الصحيح، وتبعه الرافعي، فقال: إن الوقف لا يستحق الشفعة، فلا تستحق به الشفعة، والأصح عند الوالد ﵀ أن علة الوقف كون الموقوف عليه لا يملك الوقف على المذهب، فليس بشريك في الملك، والشفعة إنما تثبت لشريك الملك، وهذه هي التي اختارها ابن الصباغ. ولو قلنا: إن الموقوف عليه يملك فشرط الشفعة قبول القسمة، والوقف لا يفرز بالقسمة عن الملك على أشهر الوجهين» (٢). وقال ابن قدامة: «وإن كان بعض العقار وقفًا، وبعضه طلقًا، فذكر القاضي أنه لا شفعة لصاحب الوقف؛ لأنه ملك غير تام، فلا يستفيد به ملكًا تامًا. وقال أبو الخطاب: هذا ينبني على الروايتين في ملك الوقف، إن قلنا: هو مملوك فلصاحبه الشفعة؛ لأنه يلحقه الضرر من جهة الشريك، فأشبه الطلق، فإن قلنا: ليس بمملوك فلا شفعة له لعدم ملكه» (٣). القول الثاني: ذهب المالكية إلى تفصيل في أخذ الواقف والموقوف عليه وناظر الوقف الشفعة.

стр. 4591

أما الواقف فإن أخذه ليوقفه كان له ذلك، وإن أخذه له لم يكن له ذلك إلا أن يكون مرجع الوقف له، كأن يوقف على عشرة مدة حياتهم، أو يكون الوقف مدة معينة. وأما ناظر الوقف فليس له أن يأخذ لنفسه بالشفعة، وهل له أن يأخذه ليضيفه إلى الوقف، إن جعل الواقف ذلك له بأن نص في ولايته على الأخذ بالشفعة كان له ذلك، وإلا فلا. وأما الموقوف عليهم فلا يأخذون الشفعة بالوقف حتى ولو أخذوه ليوقفوا إلا أن يئول الوقف إلى الموقوف عليهم ملكًا، كمن حبس على جماعة على أنه إذا لم يبق فيهم إلا فلان فالوقف له ملكًا. هذا ملخص مذهب المالكية (١). القول الثالث: يؤخذ المبيع شفعة بالوقف، وهو أحد الوجهين في مذهب الحنابلة، اختاره الشيخ عبد الرحمن السعدي وشيخنا ابن عثيمين، وقال به الشافعية في أحد الوجهين للموقوف عليه دون الواقف. قال الماوردي: «إن كانت حصة الخليط وقفًا نظر في الوقف: فإن كان عامًا كالوقف على الفقراء والمساكين، أو على خاص لا يملك كالوقف على جامع، أو مسجد فلا يستحق به شفعة في المبيع. وإن كان خاصًا على مالك كالوقف على رجل بعينه، أو على جماعة بأعيانهم

стр. 4592

فلا يملك به الواقف شفعة؛ لزوال ملكه عن الموقوف، وأما الموقوف عليه فقد اختلف قول الشافعي ﵁ هل يكون مالكًا لرقبة الوقف أم لا؟ على قولين: أحدهما: لا يكون مالكًا لرقبته، وإنما يكون مالكًا لغلته، فعلى هذا لا شفعة له لعدم ملكه. والقول الثاني: يكون مالكًا لرقبة الوقف، فعلى هذا في استحقاقه للشفعة وجهان: أحدهما: يستحق به الشفعة لثبوت ملكه، واستضراره بسوء المشاركة. والوجه الثاني: لا شفعة له؛ لأنه ليس بتام الملك، ولا مطلق التصرف» (١). قال شيخنا ابن عثيمين عليه رحمة الله: «الشفعة في شركة الوقف أحق منها في شركة الطلق؛ لأن تضرر الشريك في الوقف أشد من تضرر صاحب الملك الطلق» (٢). وذلك أن شريك الطلق لو وجد الشريك سيء المعاملة باع نصيبه وتخلص من الشركة بخلاف شريك الوقف. الراجح: أصل الخلاف في هذه المسألة راجع إلى مسألتين: الأولى سبب الشفعة، فمن قال: إن الشفعة شرعت لدفع ضرر القسمة، فلا شفعة هنا؛ لأن الوقف لا يدخله قسمة. ومن قال: إن الشفعة شرعت لدفع ضرر الشركة، فهنا يمكن أن يقال: يؤخذ المبيع شفعة بالوقف لدفع ضرر الشركة.

стр. 4593

السبب: اختلاف الفقهاء في الوقف على معين، هل يصير وقفه ملكًا لله، أو ينتقل إلى الموقوف عليه، أو يكون باقيًا على ملك الواقف على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره. والمشهور من المذهب أن الوقف ملك للموقوف عليه يملكه، ولكن ملكه له ملك قاصر غير تام، لأنه لا يملك التصرف في رقبته. وإذا كان يملكه الموقوف عليه فإنه ينبغي أن يقال: له الشفعة، ولا يوجد دليل في الشفيع أن يكون ملكه تامًا، فإذا ملك استحق الشفعة سواء كان ملكه تامًا أو ناقصًا؛ لأن تضرره بالشركة موجود في الحالين، والله أعلم. * * *

стр. 4594

الفصل الرابع الشفعة في شركة المضاربة المبحث الأول إذا كان الشفيع رب المال والمشتري هو المضارب [م-١٠٥٧] أصل هذه المسألة راجع إلى مسألتين: أحدهما: حكم شراء رب المال من مال المضاربة. والثانية: متى يملك المضارب حصته من الربح، هل يملك الربح بمجرد الظهور، أو لا يملكه إلا بعد القسمة. إذا علم ذلك نأتي لتصوير مسألتنا وبيان الخلاف فيها: صورة المسألة: إذا كان رب المال له عقار بينه وبين رجل أجنبي، فباع هذا الأجنبي نصيبه على المضارب، وكان المضارب قد اشتراه للمضاربة لا لنفسه، فهل لرب المال أن يأخذ الشقص بالشفعة، ويخرج العقار من مال المضاربة، أو لا يستطيع أن يأخذ بالشفعة باعتبار أن المضارب يتصرف لرب المال، وهو وعامل في ماله بموجب عقد بينهما؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: لرب المال أن يأخذ العقار من المضارب بالشفعة، وهو مذهب الحنفية،

стр. 4595

والمالكية، وأحد القولين في مذهب الشافعية، وأحد الوجهين في مذهب الحنابلة (١). جاء في بدائع الصنائع: «لو اشترى المضارب دارًا، ورب المال شفيعها بدار أخرى بجنبها، فله أن يأخذ بالشفعة؛ لأن المشترى وإن كان له في الحقيقة، لكنه في الحكم كأنه ليس له، بدليل أنه لا يملك انتزاعه من يد المضارب، ولهذا جاز شراؤه من مال المضارب» (٢). وقال ابن قدامة: «وإن اشترى المضارب شقصًا في شركة رب المال، فهل لرب المال فيه شفعة؟ على وجهين مبنيين على شراء رب المال من مال المضاربة» (٣). القول الثاني: لا يستحق رب المال الأخذ بالشفعة، وهو أصح القولين في مذهب الشافعية، والمشهور عند الحنابلة (٤). جاء في مغني المحتاج: «فلو اشترى العامل بمال القراض شقصًا من شريك المالك لم يشفع المالك؛ لأن الشراء وقع له، فلا يمكن الأخذ من نفسه لنفسه» (٥).

стр. 4596

وقال في الإنصاف: «هل تجب الشفعة لرب المال على المضارب فيما يشتريه للمضاربة ..... فأطلق المصنف فيه وجهين ...... أحدهما: لا تجب الشفعة، وهو الصحيح من المذهب ..... » (١). جاء في كشاف القناع: «ولا شفعة لرب المال على مضارب، كأن يكون لرب المال شقص في دار، فيشتري المضارب بمالها أي مال المضاربة بقيتها؛ لأن الملك لرب المال، فلا يستحق الشفعة على نفسه» (٢). * * *

стр. 4597

المبحث الثاني أخذ المضارب الشفعة لنفسه ما اشتراه للمضاربة صورة المسألة: إذا اشترى المضارب من مال المضاربة شقصًا في شركة عقار وكان المضارب أحد الشركاء، فهل يملك أن يأخذ لنفسه ما اشتراه للمضاربة بالشفعة باعتباره يملك شقصًا في هذا العقار؟ [م-١٠٥٨] اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: له الأخذ بالشفعة، وهو مذهب الحنفية، والمالكية وأحد الوجهين في مذهب الشافعية (١). جاء في تهذيب المدونة: «وإذا اشترى المقارض من المال شقصًا، هو شفيعه، فله الشفعة، ولا يمنعه رب المال، ولو كان رب المال هو الشفيع، فله القيام أيضًا» (٢). وجاء في مغني المحتاج: «فإن كان العامل شريك البائع في الشقص المبيع،

стр. 4598

كان له الأخذ بالشفعة، ولو ظهر في المال ربح؛ لأنه لا يملك شيئًا منه بالظهور» (١). القول الثاني: إن كان في المال ربح لم يكن للعامل أن يأخذ بالشفعة، وإن كان لم يكن فيه ربح فله الأخذ بالشفعة، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة. جاء في روضة الطالبين: «وإن كان العامل شريكًا فيه، فله الأخذ إن لم يكن في المال ربح، أو كان، وقلنا: لا يملك بالظهور، فإن قلنا: يملك به فعلى الوجهين في المالك» (٢). وقال في الإقناع: «ولا شفعة لمضارب على رب المال إن ظهر ربح، وإلا وجبت. وصورته: أن يكون للمضارب شقص في دار، فيشتري من مال المضاربة بقيتها» (٣). وقال ابن قدامة: «وإن كان المضارب شفيعه، ولا ربح في المال، فله الأخذ بها؛ لأن الملك لغيره» (٤). القول الثالث: ليس له الأخذ بالشفعة مطلقًا، وهو قول اللخمي من المالكية (٥).

стр. 4599

وجهه: أن العامل حين اشترى الشقص اشتراه للمضاربة، وبقصد الربح، والشفعة لا ربح فيها؛ لأنه يأخذها بالثمن، فكان هذا تصرفًا منه في مال المضاربة لحظه هو دون حظ المالك. جاء في الذخيرة: «قال اللخمي: قيل: لا شفعة للعامل، قال: وهو أبين إذا قال اشتريت للقراض، وهو عالم بوجوب الشفعة للشريك؛ لأن ذلك إقرار منه أنه قصد الربح، والشفعة لا ربح فيها، فهو خلاف ما أقر به، وإن جهل، فأعلم بعد الشراء، حلف وأخذ، وإن قال: قصدت بالشراء نفسي، وتعديت على المال، كان لصاحب المال أن يباع له، ويأخذ جزءًا من ربحه .... » (١). * * *

стр. 4600

الفصل الخامس في الشفعة في عقارين بيعا صفقة واحدة المبحث الأول أن يكون الشريك شفيعًا فيهما [م-١٠٥٩] إذا بيع عقاران صفقة واحدة، وكان المشتري واحدًا، وكان الشريك شفيعًا فيهما، فهل يلزم أن يأخذ الجميع أو يدع الشفعة، أو له أن يأخذ أحدهما دون الأخرى؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: يلزم الشفيع أخذ الجميع أو ترك الجميع، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، وأحد القولين عند الشافعية، وأحد الوجهين عند الحنابلة (١). جاء في المبسوط: «وإذا اشترى الرجل دارين صفقة واحدة، وشفيعهما واحد، فأراد أخذ أحدهما دون الأخرى فليس له ذلك» (٢).

стр. 4601

وجاء في المدونة: «أرأيت لو أن رجلًا اشترى نصيبًا من دارين صفقة واحدة، وشفيعهما واحد، فقال الشفيع: أنا آخذ إحدى الدارين وأسلم الأخرى، وقال المشتري: خذ الجميع أو دع. قال مالك: يقال للشفيع: خذ الجميع أو دع. قلت: فإن كان المشتري اشترى هذين النصيبين من رجلين مختلفين صفقة واحدة؟ قال: قال مالك: ليس للشفيع أن يأخذ حظ أحد الرجلين دون الآخر؛ لأن الصفقة واحدة، والمشتري واحد، فإما أن يأخذ الجميع وإما أن يدع» (١). وجه ذلك: أن المشتري ملكهما صفقة واحدة، وفي أخذ أحدهما تفريق للصفقة عليه، وكما لا يملك المشتري في حق البائع تفريق الصفقة بقبول أحدهما دون الأخرى، فالشفيع يحل محله. بخلاف ما إذا كان العقد في صفقتين. القول الثاني: له أن يأخذ أحدهما فقط، وله أخذهما جميعًا، وهو قول زفر من الحنفية، وأصح القولين في مذهب الشافعية، وأحد الوجهين في مذهب الحنابلة (٢). وجه هذا القول: أما كونه يأخذهما جميعًا فلأنه شريك فيهما، وأما كونه يصح أن يأخذ أحدهما دون الأخرى فلأن الشقص لما تعدد وانفصل كل واحد منهما عن

стр. 4602

الآخر، جاز له أن يأخذ بالشفعة أحدهما، ولأن اجتماع العقارين في عقد واحد لا يعني إلزام الشفيع في الجميع كما لو وقع العقد عليهما في عقدين مختلفين، ولأنه قد يتوصل به إلى إسقاط حق الشفيع فيجمع مع العقار عقارًا آخر في صفقة واحدة ليعجز الشفيع عن أخذهما، والله أعلم. الراجح: أن العقار المتعدد في الصفقة الواحدة ينظر إليه على أنه مبيع واحد، فإما أن يأخذ الجميع أو يدع الجميع، والله أعلم. * * *

стр. 4603

المبحث الثاني أن يكون الشريك شفيعًا في أحدهما [م-١٠٦٠] إذا بيع عقاران صفقة واحدة، وكان الشريك شفيعًا في أحدهما، فهل له أن يأخذ الجميع، أو لا يملك إلا أخذ العين الذي هو شريك فيها؟ اختلف العلماء في ذلك: فذهب عامة أهل العلم وبه قال أبو يوسف ومحمد بن الحسن إلى أن الشفيع لا يملك إلا أخذ العين الذي هو شريك فيها دون الأخرى (١). وجه ذلك: أن الصفقة وإن وقعت مجتمعة ولكنها أضيفت إلى شيئين أحدهما ثبت فيه حق الشفعة، والآخر لم يثبت فيه حق الشفعة، فله أن يأخذ ما ثبت فيه الحق كما إذا اشترى عقارًا ومنقولًا صفقة واحدة فإنه يأخذ العقار خاصة كذا هذا (٢). القول الثاني: روى الحسن عن أبي حنيفة أن للشفيع أن يأخذ العقارين جميعًا، أو يتركهما؛

стр. 4604

لأنه لو أخذها دون الأخرى لتفرقت الصفقة على المشتري، فيثبت حقه في الأخرى حكمًا لدفع الضرر عن المشتري (١). الراجح: القول الأول، ويقال: إن أبا حنيفة رجع إلى قول محمد بن الحسن وأبي يوسف، والله أعلم. * * *

стр. 4605

الباب الرابع في أحكام المشفوع عليه الفصل الأول تعريف المشفوع عليه تكلمنا في الباب الأول عن أحكام الشفيع، ثم انتقلنا في الباب الثاني إلى أحكام المشفوع فيه، ونبحث في هذا الباب أحكام المشفوع عليه، والمقصود بالمشفوع عليه: هو المأخوذ منه المبيع بالشفعة، وهو المشتري. وقد عرفه بعض المالكية بقولهم: كل من تجدد ملكه اللازم باختياره زاد بعضهم بمعاوضة. فقيد التجدد: احتراز من رجلين اشتريا دارًا معًا، فلا شفعة لأحدهما. وقيد: اللازم: احتراز من بيع الخيار. وقيد الاختيار: احتراز من الإرث (١). وقيد المعاوضة يدخل فيه هبة الثواب، والصلح، ويخرج به الإرث باتفاق، والهبة المحضة والصدقة، والوصية على خلاف سيأتي تحريره إن شاء الله تعالى. كما اشترط بعضهم أن يكون عقد المشتري عقدًا صحيحًا، فإن كان فاسدًا لم تثبت فيه الشفعة، وفيه خلاف سيأتي تحريره إن شاء الله تعالى.

стр. 4606

وعرفه الشافعية: بأنه من كان ملكه طارئًا على ملك الآخذ، لازمًا بعوض (١). وهذا التعريف قريب من تعريف المالكية، والقيود والاحترازات على هذا التعريف هي نفس الاحترازات على التعريف السابق، والله أعلم. * * *

стр. 4607

الفصل الثاني أن يكون ملك المشفوع عليه طارئًا [م-١٠٦١] يشترط أن يكون ملك المشفوع عليه (المشتري) طارئًا على ملك الشفيع، فإن اشترى رجلان دارًا معًا، أو شقصًا من دار فلا شفعة لواحد منهما على الآخر؛ لاستوائهما في وقت حصول الملك (١). قال ابن رشد: واتفقوا على أن من شرط الأخذ بالشفعة أن تكون الشركة متقدمة على البيع (٢). * * *

стр. 4608

الفصل الثالث أن يكون البيع لازمًا المبحث الأول الأخذ بالشفعة في زمن الخيار الفرع الأول الأخذ بالشفعة إذا كان الخيار للبائع أولهما [م-١٠٦٢] إذا جرى البيع بشرط الخيار: فإن كان الخيار للعاقدين، أو كان الخيار للبائع وحده فلا شفعة ما دام الخيار باقيًا، وهذا قول الأئمة الأربعة، سواء قلنا: الملك في زمن الخيار للبائع أو قلنا: هو موقوف، أو قلنا: إن الملك للمشتري وهو الصحيح (١). وذكر أبو الخطاب من الحنابلة احتمالًا بثبوت الشفعة مطلقًا إذا قلنا بانتقال الملك إلى المشتري؛ لأن الملك لما انتقل في مدة الخيار ثبتت فيه الشفعة كما بعد انقضائه (٢). وجه القول بعدم ثبوت الشفعة: علل الحنفية وبعض الشافعية عدم ثبوت الشفعة في كون البيع ليس لازمًا. ولكون الأخذ بالشفعة يسقط حق البائع من الخيار، فخيار البائع يمنع خروج

стр. 4609

المبيع عن ملكه، وبقاء ملك البائع يمنع وجوب الشفعة؛ لأن شرط ثبوتها خروج المبيع عن ملك البائع (١). جاء في الفتاوى الهندية: «ومنها زوال ملك البائع عن المبيع، فإذا لم تزل فلا تجب الشفعة كما في البيع بشرط الخيار للبائع حتى لو أسقط خياره وجبت الشفعة ..... ولو كان الخيار لهما لا تجب الشفعة» (٢). وجاء في المدونة: «الخيار إذا كان للبائع فهذا لا شك فيه أنه لا شفعة» (٣). وقال النووي: «فإن باع بشرط الخيار لهما أو للبائع فلا شفعة ما دام الخيار باقيًا» (٤). وانتقد بعض الشافعية التعليل بعدم اللزوم، وعللوا عدم ثبوت الشفعة في حال كان الخيار للبائع بعدم الملك الطارئ. فقال: «ولا حاجة لقوله: لازمًا لثبوت الشفعة في مدة خيار المشتري، وعدم ثبوتها في مدة خيار البائع، أو خيارهما؛ لعدم الملك الطارئ لا لعدم اللزوم» (٥).

стр. 4610

ورد بعض الشافعية: بأن الملك إذا تم العقد تبين أنه طرأ من حين العقد فظهر التعليل بعدم اللزوم له فائدة (١). وجاء في قواعد ابن رجب: «فأما الأخذ بالشفعة فلا يثبت في مدة الخيار على الروايتين عند أكثر الأصحاب، ونص عليه أحمد في رواية حنبل. فمن الأصحاب من علل بأن الملك لم يستقر بعد. ومنهم من علل بأن الأخذ بالشفعة يسقط حق البائع من الخيار، فلذلك لم تجز المطالبة بها في مدته. وهو تعليل القاضي في خلافه، فعلى هذا لو كان الخيار للمشتري وحده لثبتت الشفعة. وذكر أبو الخطاب احتمالًا بثبوت الشفعة مطلقًا إذا قلنا بانتقال الملك إلى المشتري» (٢). الراجح: الخلاف في المسألة راجع إلى الخلاف في ملك المبيع زمن الخيار: فمن قال: إن الملك زمن الخيار للبائع أو قال: هو موقوف فلم يتجدد ملك للمشتري زمن الخيار حتى يقال بثبوت الشفعة. ومن قال: إن الملك للمشتري وهو الصحيح اختلف في اشتراط أن يكون الملك لازمًا. ولا يوجد دليل على اشتراط أن يكون الملك لازمًا، والذي أميل إليه القول بثبوت الشفعة مع قيام الخيار؛ لأننا إذا قلنا: إن البيع بشرط الخيار ينعقد صحيحًا إلا أنه عقد جائز، وليس بلازم، والملك في زمن الخيار

стр. 4611

للمشتري، وله النماء وقت الخيار، فلا مانع من القول بثبوت الشفعة، ويقال: للشفيع لك الحق في أخذ المبيع بالشفعة وتحل محل المشتري إلا أن العقد في حقك ليس لازمًا زمن الخيار كحال المشتري، فإن شاء البائع رجع، وإن أمضى البيع فأنت على شفعتك، فكما أن المشتري لا يملك بت البيع زمن الخيار فكذلك الشفيع لا يملك بت الأخذ بالشفعة زمن الخيار، وتكون مصلحة الشفيع هنا الاستفادة من نماء المبيع وقت الخيار، والله أعلم. * * *

стр. 4612

الفرع الثاني في الأخذ بالشفعة إذا كان الخيار للمشتري [م-١٠٦٣] إذا كان الخيار للمشتري وحده فقد اختلف الفقهاء في ثبوت الشفعة زمن الخيار على قولين: القول الأول: تثبت الشفعة، وهو مذهب الحنفية، والصحيح من مذهب الشافعية، وقول عند الحنابلة (١). جاء في تبيين الحقائق: «وإن اشترى بشرط الخيار وجبت الشفعة، أما عندهما فظاهر؛ لأن المشتري يملكها، وأما عنده فلخروجه عن ملك البائع» (٢). وجاء في مغني المحتاج: «وإن شرط - يعني الخيار - للمشتري وحده فالأظهر أنه يؤخذ بالشفعة إن قلنا: الملك في زمن الخيار للمشتري، وهو الراجح كما سبق في باب الخيار» (٣). وجه القول بثبوت الشفعة: إذا كان الخيار للمشتري فقد خرج من ملك البائع وانتقل الملك إلى المشتري، ولا حق لغيره فيه، والشفيع يملك أخذه بعد لزوم البيع واستقرار

стр. 4613

الملك، فلأن يملك ذلك قبل لزومه أولى، وعامة ما يُقدَّر ثبوت الخيار له وذلك لا يمنع الأخذ بالشفعة كما لو وجد به عيبًا (١). القول الثاني: لا تثبت الشفعة في زمن الخيار، لا فرق في ذلك بين أن يكون الخيار للبائع أو للمشتري، أو لهما، وهذا مذهب المالكية، والحنابلة، وقول في مذهب الشافعية (٢). وجه القول بعدم ثبوت الشفعة: القول بثبوت الشفعة يلزم المشتري بالعقد من غير رضاه، ويوجب العهدة عليه، ويفوت حقه من الرجوع في عين الثمن فلم يجز كما لو كان الخيار للبائع، فإننا إنما منعنا من الشفعة لما فيه من إبطال خيار البائع، وتفويت حق الرجوع عليه في عين مالهما، وهما في نظر الشرع على السواء، وفارق الرد بالعيب فإنه إنما ثبت لاستدراك الظلامة بخلاف الشفعة (٣). الراجح: القول بثبوت الشفعة لأن مدار الشفعة على خروج المبيع من ملك البائع، وقد خرج، ولذلك لو أقر البائع بالبيع، وأنكر المشتري كان للشفيع أن يأخذه من البائع، فلم يتعلق الأمر بلزوم العقد على المشتري، فكذلك هنا، والله أعلم. * * *

стр. 4614

الفصل الرابع أن يملك المشتري المبيع المبحث الأول أن يملكه بعوض مالي الفرع الأول أن يملكه عن طريق البيع [م-١٠٦٤] لم يختلف الفقهاء في ثبوت الشفعة في المشفوع فيه إذا كان انتقاله من الشريك عن طريق البيع؛ لأن الأخذ بالشفعة يكون بمثل ما ملك، فإذا انعدمت المعاوضة تعذر الأخذ بالشفعة (١). جاء في المغني: «ما عوضه المال كالبيع فهذا فيه الشفعة بغير خلاف» (٢). وحكى الإجماع على ذلك القاضي عبد الوهاب البغدادي من المالكية (٣). (ح-٦٥٢) ومستند الإجماع ما رواه مسلم من طريق أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : من كان له شريك في ربعة أو نخل فليس له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن رضي أخذ وإن كره ترك (٤).

стр. 4615

فإن كان المشفوع فيه قد بيع بمال مثلي فالشفعة فيه بمثل ثمنه، وإن بيع بمتقوم فبقيمته (١). قال ابن قدامة: «إذا ثبت هذا ـ يعني الأخذ بالشفعة ـ فإننا ننظر في الثمن، فإن كان دنانير أو دراهم أعطاه الشفيع مثله، وإن كان مما لا مثل له كالثياب والحيوان، فإن الشفيع يستحق الشقص بقيمة الثمن، وهذا قول أكثر أهل العلم، وبه يقول أصحاب الرأي والشافعي. وحكي عن الحسن وسوار أن الشفعة لا تجب هاهنا؛ لأنها تجب بمثل الثمن، وهذا لا مثل له، فتعذر الأخذ فلم يجب كما لو جهل الثمن. ولنا: أنه أحد نوعي الثمن، فجاز أن تثبت به الشفعة في المبيع كالمثلي، وما ذكروه لا يصح؛ لأن المثل يكون من طريق الصورة، ومن طريق القيمة كبدل المتلف» (٢). وهذا هو الراجح. * * *

стр. 4616

الفرع الثاني أن يكون ملك المشتري له في معني البيع المسألة الأولى أن ينتقل عن طريق الصلح الذي بمعني البيع [م-١٠٦٥] إذا انتقل الشقص عن طريق الصلح نظر: فإن كان الصلح مع إنكار المدعى عليه لم يكن الصلح في حق المنكر بيعًا؛ بل كان صلحًا محضًا لقطع المنازعة فلا يثبت له ما يثبت في البيع من الرد بالعيب، ومن الأخذ بالشفعة لو كان عقارًا؛ لأنه بذل ماله في هذه الحالة افتداء ليمينه أو قطعًا لشغب خصمه. وإن كان الصلح مع إقرار المدعى عليه، كما لو أقر له بدين أو عين، ثم صالحه عنه بعوض فإن هذا الصلح بمنزلة البيع، يثبت له ما يثبت للبيع من الرد بالعيب، ومن الأخذ بالشفعة لو كان عقارًا. وبه قال الأئمة الأربعة (١). جاء في منهاج الطالبين: «باب الصلح، وهو قسمان: أحدهما: يجري بين المتداعيين، وهو نوعان:

стр. 4617

أحدهما: صلح على إقرار، فإن جرى على عين غير المدعاة فهو بيع بلفظ الصلح تثبت فيه أحكامه كالشفعة والرد بالعيب ... » (١). وقال في الحاوي الكبير: «والعقود على ثلاثة أقسام: قسم يجب فيه العوض، وقسم لا يجب فيه العوض، وقسم اختلف قوله في وجوب العوض فيه. فأما الموجب للعوض فخمسة عقود: البيع والإجارة، والصلح، والصداق، والخلع، فالشفعة بجميعها مستحقة كالبيع» (٢). وجاء في المبدع: «ما انتقل بعوض مالي كالصلح بمعنى البيع .... فإنها تثبت فيها؛ لأن ذلك يثبت فيه أحكام البيع» (٣). وجاء في شرح القواعد الفقهية: «وأما الصلح فإنه يعتبر بأقرب العقود إليه فحينئذ إما أن يكون المدعى عليه مقرًا بالمدعى به، أومنكرًا. ففي حالة إقراره إن وقع الصلح عن مال بمال يدفعه المدعى عليه يعتبر بيعًا، فيجري في المدعى به الرد بالعيب، ويؤخذ بالشفعة إن كان عقارًا .... وفي حال إنكار المدعى عليه إذا تصالحا على بدل يدفعه للمدعي يكون ذلك في حقه صلحًا محضًا لقطع المنازعة، فلا يمكنه بعد عقد الصلح أن يرد المدعى به: أي المصالح عنه بالعيب، ولا يؤخذ بالشفعة لو كان عقارًا» (٤).

стр. 4618

المسألة الثانية أن يملك المشتري المبيع عن طريق هبة الثواب القصد في العقد معتبر [م-١٠٦٦] اختلف الفقهاء في الشرك إذا انتقل للغير عن طريق الهبة بشرط الثواب هل يثبت في ذلك شفعة أو لا يثبت؟ والخلاف فيه راجع إلى توصيف الهبة هل تكون بيعًا اعتبارًا بالقصد والمعنى، أو تكون هبة اعتبارًا للفظ؟ وهل يشترط أن يكون الثواب معلومًا حتى لا يكون الثمن مجهولًا، أو يصح العقد ولو مع جهالة الثمن، ويجعل العرف فيها بمنزلة الشرط، وهو ثواب مثلها (١).

стр. 4619

فمن قال: العبرة في العقود بالمعاني نظر إلى أن الهبة بشرط ثواب معلوم قد قصد فيها المعاوضة، فتكون بمنزلة البيع، فيجوز للولي أن يهب مال الصبي بشرط الثواب، ويثبت في الهبة الخيار، وترد بالعيب، ويؤخذ الموهوب بالشفعة، ومن قال: هي هبة لم يثبت فيها ما سبق، إذا عرف ذلك نأتي إلى مسألتنا، فقد اختلف العلماء في هبة الثواب هل تؤخذ بالشفعة على قولين. القول الأول: يؤخذ الموهوب بالشفعة، وهو مذهب الجمهور، والقول القديم للشافعي (١). لأن الهبة بشرط الثواب بمنزلة البيع، فهي قائمة على المعاوضة، إلا أن الحنفية - خلافًا لزفر - اشترطوا لثبوت الشفعة أن يتم التقابض بينهما. وجه قول الحنفية: أن عقد الهبة بشرط العوض هبة ابتداء، معاوضة انتهاء، فلا يثبت الملك في كل واحد منهما قبل القبض، ولكل واحد منهما أن يرجع في سلعته ما لم يقبضا، وكذا إذا قبض أحدهما ولم يقبض الآخر حتى يتقابضا جميعًا، فإذا

стр. 4620

تقابضا كان بمنزلة البيع، يرد كل واحد منهما بالعيب، ويرجع في الاستحقاق، وتجب به الشفعة. وقال غيرهم: إن العقد عقد بيع ابتداء وانتهاء؛ لأن معنى البيع موجود في هذا العقد؛ لأن البيع تمليك العين بعوض، وقد وجد، واختلاف العبارة لا يوجب اختلاف الحكم كلفظ البيع مع لفظ التمليك. القول الثاني: لا شفعة في هبة الثواب، وهو القول الجديد للشافعي، ورواية عن أحمد (١). ودليلهم: أن الهبة وإن قصد بها الثواب فإنها لا تسمى بيعًا، فلا تثبت فيها الشفعة. وقال ابن قدامة: «وحكي عن أحمد رواية ثانية أنه يغلب فيها حكم الهبة، فلا تثبت فيها أحكام البيع المختصة به» (٢). والراجح قول الجمهور؛ لأن العبرة في العقود المقاصد والمعاني لا الألفاظ والمباني، والله أعلم. * * *

стр. 4621

المبحث الثاني أن يملك المشتري المبيع بعوض غير مالي [م-١٠٦٧] إذا انتقل المشفوع فيه بعوض غير مالي، كما لو جعل الشقص مهرًا، أو عوضًا في الخلع، أو في الصلح عن دم العمد (١)، فهل تثبت فيه الشفعة؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: لا شفعة فيه، وهو مذهب الحنفية، والمشهور من مذهب الحنابلة، وبه قال ابن حزم (٢). دليل هذا القول: الدليل الأول: ما رواه مسلم من طريق أبي خيثمة، عن أبي الزبير، (ح-٦٥٣) عن جابر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : من كان له شريك في ربعة، أو نخل، فليس له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن رضي أخذ، وإن كره ترك (٣).

стр. 4622

وجه الاستدلال: قوله ﷺ (فليس له أن يبيع) فالأخذ بالشفعة ورد بالبيع، وهذه العقود ليست بيعًا، ولا بمعنى البيع، فلا تثبت بها الشفعة. ويناقش: لا إشكال بأن النص في الشفعة ثبت في البيع، ونحن نعمل به، وليس في الحديث دليل على نفي الشفعة فيما سوى البيع. الدليل الثاني: أن هذا شقص مملوك بغير مال فلم يؤخذ بالشفعة أشبه الموهوب والميراث. الدليل الثالث: أن هذه الأشياء لا مثل لها حتى يأخذها الشفيع بمثلها، فلم يمكن مراعاة شرط الشرع فيها: وهو التملك بما يملك به المشتري فلم يكن مشروعًا. ونوقش هذا: بأنه من الممكن أخذ الشقص بقيمته، سواء زاد على مثل مهر المرأة، أو نقص، أو ساوى، ومثله يقال: إذا كان عوضه خلعًا، أو صلحًا عن دم العمد، فالشفعة في هذه الحال تكون بقيمة الشقص، ويسأل أهل الخبرة، كم يساوي هذا الشقص، ويأخذه بقيمته، والله أعلم. القول الثاني: فيه الشفعة، وبه قال المالكية، والشافعية، وأحد الوجهين في مذهب الحنابلة (١).

стр. 4623

وجه هذا القول: أن هذا شقص مملوك بعوض فتثبت فيه الشفعة كالبيع، والعلة في مشروعية الشفعة دفع الضرر، لا نفس البيع، وهذه الأشياء متقومة بدليل العقد الصحيح والفاسد. واختلفوا كيف يأخذ بالشفعة: فقيل: يأخذ الشقص بقيمته، وهو مذهب المالكية. وقيل: يأخذه بقيمة مهر مثلها؛ لأن البضع متقوم، وقيمته مهر المثل. وبه قال الشافعي (١)، والأول أصوب. جاء في المنتقى للباجي: «ويأخذه الشفيع بقيمة الشقص خلافًا للشافعي في قوله: يأخذه بمهر المثل، والدليل على ما نقول: إن البضع ليس بمال، فيتقدر به ثمن المبيع فيه، وليس كل مهر المثل هو الثمن، فيلزم ذلك الشفيع كأخذه من دم العمد» (٢). وجاء في المدونة: «أرأيت إن تزوجت على شقص في دار، أو خالعت امرأتي على شقص من دار، أتكون فيه الشفعة في قول مالك؟ قال: نعم، مثل النكاح، والخلع. قلت: فإن صالحت من دم عمد كان قد وجب علي بشقص لي في دار، أتكون فيه الشفعة في قول مالك؟ قال: نعم.

стр. 4624

قلت: وبماذا يأخذ الشفيع في النكاح والخلع والصلح في دم العمد الشقص الذي يأخذه الشفيع؟ قال: أما في النكاح والخلع قال لي مالك: يأخذ الشفيع الشقص بقيمته. قال: وأرى الدم العمد مثل ذلك يأخذه بقيمته» (١). الراجح: جريان الشفعة فيما ملك بعوض غير مالي؛ لأن انتقال الملك فيه كان اختياريًا وليس قهريًا؛ ولأن دفع ضرر الشركة موجود فيها، ويأخذه بقيمته على قول المالكية، والله أعلم. * * *

стр. 4625

المبحث الثالث أن يملك المشتري المشفوع فيه بغير عوض قال الشيخ محمد بن عثيمين: القاعدة التي تظهر لي من السنة أنه متى انتقل الملك على وجه اختياري ففيه الشفعة بأي حال من الأحوال (١). [م-١٠٦٨] إذا انتقل الشقص بغير عوض، فإن كان انتقاله عن طريق الإرث فلا شفعة فيه قولًا واحدًا. جاء في التلقين: «فأما الميراث فمجمع على أن لا شفعة فيه» (٢). وقال ابن جزي: «أن يكون الحظ المشفوع فيه قد صار للمشفوع عليه بمعاوضة كالبيع .... فإن صار له بميراث فلا شفعة فيه اتفاقًا» (٣). كما حكى الإجماع ابن رشد في بداية المجتهد (٤). وإن انتقل الشقص عن طريق الهبة المحضة التي لم يقصد بها الثواب، ومثلها الصدقة، والوصية، فاختلف العلماء في ثبوت الشفعة فيها على قولين: القول الأول: لا شفعة فيها، وهذا قول الجمهور والمشهور عن الإمام مالك (٥).
следующие страницы →