← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.

стр. 4621

المبحث الثاني أن يملك المشتري المبيع بعوض غير مالي [م-١٠٦٧] إذا انتقل المشفوع فيه بعوض غير مالي، كما لو جعل الشقص مهرًا، أو عوضًا في الخلع، أو في الصلح عن دم العمد (١)، فهل تثبت فيه الشفعة؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: لا شفعة فيه، وهو مذهب الحنفية، والمشهور من مذهب الحنابلة، وبه قال ابن حزم (٢). دليل هذا القول: الدليل الأول: ما رواه مسلم من طريق أبي خيثمة، عن أبي الزبير، (ح-٦٥٣) عن جابر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : من كان له شريك في ربعة، أو نخل، فليس له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن رضي أخذ، وإن كره ترك (٣).

стр. 4622

وجه الاستدلال: قوله ﷺ (فليس له أن يبيع) فالأخذ بالشفعة ورد بالبيع، وهذه العقود ليست بيعًا، ولا بمعنى البيع، فلا تثبت بها الشفعة. ويناقش: لا إشكال بأن النص في الشفعة ثبت في البيع، ونحن نعمل به، وليس في الحديث دليل على نفي الشفعة فيما سوى البيع. الدليل الثاني: أن هذا شقص مملوك بغير مال فلم يؤخذ بالشفعة أشبه الموهوب والميراث. الدليل الثالث: أن هذه الأشياء لا مثل لها حتى يأخذها الشفيع بمثلها، فلم يمكن مراعاة شرط الشرع فيها: وهو التملك بما يملك به المشتري فلم يكن مشروعًا. ونوقش هذا: بأنه من الممكن أخذ الشقص بقيمته، سواء زاد على مثل مهر المرأة، أو نقص، أو ساوى، ومثله يقال: إذا كان عوضه خلعًا، أو صلحًا عن دم العمد، فالشفعة في هذه الحال تكون بقيمة الشقص، ويسأل أهل الخبرة، كم يساوي هذا الشقص، ويأخذه بقيمته، والله أعلم. القول الثاني: فيه الشفعة، وبه قال المالكية، والشافعية، وأحد الوجهين في مذهب الحنابلة (١).

стр. 4623

وجه هذا القول: أن هذا شقص مملوك بعوض فتثبت فيه الشفعة كالبيع، والعلة في مشروعية الشفعة دفع الضرر، لا نفس البيع، وهذه الأشياء متقومة بدليل العقد الصحيح والفاسد. واختلفوا كيف يأخذ بالشفعة: فقيل: يأخذ الشقص بقيمته، وهو مذهب المالكية. وقيل: يأخذه بقيمة مهر مثلها؛ لأن البضع متقوم، وقيمته مهر المثل. وبه قال الشافعي (١)، والأول أصوب. جاء في المنتقى للباجي: «ويأخذه الشفيع بقيمة الشقص خلافًا للشافعي في قوله: يأخذه بمهر المثل، والدليل على ما نقول: إن البضع ليس بمال، فيتقدر به ثمن المبيع فيه، وليس كل مهر المثل هو الثمن، فيلزم ذلك الشفيع كأخذه من دم العمد» (٢). وجاء في المدونة: «أرأيت إن تزوجت على شقص في دار، أو خالعت امرأتي على شقص من دار، أتكون فيه الشفعة في قول مالك؟ قال: نعم، مثل النكاح، والخلع. قلت: فإن صالحت من دم عمد كان قد وجب علي بشقص لي في دار، أتكون فيه الشفعة في قول مالك؟ قال: نعم.

стр. 4624

قلت: وبماذا يأخذ الشفيع في النكاح والخلع والصلح في دم العمد الشقص الذي يأخذه الشفيع؟ قال: أما في النكاح والخلع قال لي مالك: يأخذ الشفيع الشقص بقيمته. قال: وأرى الدم العمد مثل ذلك يأخذه بقيمته» (١). الراجح: جريان الشفعة فيما ملك بعوض غير مالي؛ لأن انتقال الملك فيه كان اختياريًا وليس قهريًا؛ ولأن دفع ضرر الشركة موجود فيها، ويأخذه بقيمته على قول المالكية، والله أعلم. * * *

стр. 4625

المبحث الثالث أن يملك المشتري المشفوع فيه بغير عوض قال الشيخ محمد بن عثيمين: القاعدة التي تظهر لي من السنة أنه متى انتقل الملك على وجه اختياري ففيه الشفعة بأي حال من الأحوال (١). [م-١٠٦٨] إذا انتقل الشقص بغير عوض، فإن كان انتقاله عن طريق الإرث فلا شفعة فيه قولًا واحدًا. جاء في التلقين: «فأما الميراث فمجمع على أن لا شفعة فيه» (٢). وقال ابن جزي: «أن يكون الحظ المشفوع فيه قد صار للمشفوع عليه بمعاوضة كالبيع .... فإن صار له بميراث فلا شفعة فيه اتفاقًا» (٣). كما حكى الإجماع ابن رشد في بداية المجتهد (٤). وإن انتقل الشقص عن طريق الهبة المحضة التي لم يقصد بها الثواب، ومثلها الصدقة، والوصية، فاختلف العلماء في ثبوت الشفعة فيها على قولين: القول الأول: لا شفعة فيها، وهذا قول الجمهور والمشهور عن الإمام مالك (٥).

стр. 4626

وجه القول بعدم ثبوت الشفعة: الوجه الأول: أن الشفعة ثبتت في عقد البيع نصًا، فيلحق به ما كان في معناه، والهبة والصدقة والوصية ليست بيعًا، ولا في معنى البيع، فلا تثبت الشفعة فيها. الوجه الثاني: القياس على الموروث، فقد سبق لنا أن العلماء مجمعون على أن الموروث لا شفعة فيه. قال ابن قدامة: «فأما الموهوب والموصى به فلا شفعة فيه؛ لأنه انتقل بغير بدل أشبه الموروث» (١). وجاء في الفتاوى الهندية: «وأما شرطها فأنواع: منها عقد المعاوضة، وهو البيع أو ما هو بمعناه، فلا تجب الشفعة بما ليس ببيع، ولا بمعنى البيع، حتى لا تجب بالهبة والصدقة والميراث والوصية؛ لأن الأخذ بالشفعة تملك على المأخوذ منه ما تملك هو، فإذا انعدم معنى المعاوضة فلو أخذ الشفيع إما أن يأخذ بالقيمة أو مجانًا، لا سبيل إلى الأول لأن المأخوذ منه لم يتملك بالقيمة. ولا إلى الثاني لأن الجبر على التبرع ليس بمشروع فامتنع الأخذ أصلًا» (٢). ونوقش: بأن هناك فرقًا بين انتقال الملك عن طريق الهبة والصدقة والوصية، وبين

стр. 4627

انتقاله عن طريق الإرث، فالأول ينتقل الملك فيها بالاختيار، والثاني ينتقل قهرًا بلا اختيار. جاء في التلقين: «وما يعتبر في انتقال الملك الذي تجب به الشفعة، فيه روايتان: إحداهما: أن يكون بعوض، وذلك كالبيع والصلح، والمهر، وغير ذلك. والأخرى أن يكون باختيار. وفائدة الفرق يتصور في الهبة والصدقة، فأما الميراث فمجمع على أن لا شفعة فيه» (١). وقال شيخنا ابن عثيمين يرحمه الله: «القول الراجح: أنه إذا انتقلت بغير عوض، فإن كان قهريًا فلا شفعة، وإن كان اختياريًا ففيه الشفعة» (٢). القول الثاني: فيها الشفعة، وهو رواية عن مالك، وحكي عن ابن أبي ليلى، ورجحه شيخنا محمد ابن عثيمين يرحمه الله (٣). وجه القول بثبوت الشفعة: الوجه الأول: بأن الشفعة ثبتت لإزالة ضرر الشركة، وهذا موجود في انتقال الملك عن طريق الهبة والصدقة، والوصية.

стр. 4628

الوجه الثاني: أن ثبوت الشفعة في الهبة أولى من ثبوتها في البيع، وجه ذلك: أن الضرر اللاحق بالمتهب والمتصدق عليه أقل من الضرر اللاحق للمشتري؛ لأن إقدام المشتري على شراء الشقص وبذل ماله فيه دليل على حاجته إليه، فانتزاعه منه أعظم ضررًا ممن آل إليه عن طريق الهبة والصدقة حيث لم يقم دليل الحاجة. الوجه الثالث: أننا نوجب على الشفيع أن يدفع قيمة المشفوع كما وجبت القيمة في المشفوع إذا كان متقومًا (١). وهذا القول هو الأقرب، والله أعلم. * * *

стр. 4629

الفصل الخامس أن يملك المشتري المبيع بعقد صحيح [م-١٠٦٩] إذا ملك المشتري المبيع بعقد صحيح فلا إشكال في ثبوت الشفعة فيه، وإذا ملكه بعقد باطل فلا إشكال أيضًا في عدم ثبوت الشفعة فيه؛ لأن العقد الباطل لا يفيد الملك، ولا ينقلب إلى عقد صحيح (١). وأما إذا ملكه المشتري بعقد فاسد فهذا هو الذي يجري فيه الخلاف بين الفقهاء. والفاسد يختلف عن الباطل عند الحنفية والمالكية خلافًا للشافعية والحنابلة الذين يرون أن العقد الفاسد مرادف للعقد الباطل، وسبق تحرير الخلاف في التفريق بينهما في عقد البيع. [م-١٠٧٠] فإذا باع الشريك شقصه بيعًا فاسدًا، فإن كان المبيع ما زال قائمًا فإنه يجب رده بالاتفاق. قال ابن رشد: «اتفق العلماء على أن البيوع الفاسدة إذا وقعت، ولم تفت بإحداث عقد فيها، أو نماء، أو نقصان، أو حوالة سوق أن حكمها الرد - أعني أن يرد البائع الثمن والمشتري المثمون» (٢). وقال الكاساني: «فلا تجب الشفعة في المشترى شراء فاسدًا; لأن للبائع حق النقض، والرد إلى ملكه ردًا للفساد وفي إيجاب الشفعة تقرير الفساد» (٣).

стр. 4630

[م-١٠٧١] وإن فات المبيع، كما لو قبضه المشتري بإذن البائع، وباعه بيعًا صحيحًا، فقد اختلف الفقهاء في أخذه بالشفعة: وسبب الخلاف: هل فوات المبيع يسقط حق الفسخ في البيع الفاسد، فمن قال: إن الفوات يسقط حق الفسخ، ويمضي البيع صحيحًا رأى وجوب الشفعة، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، واختيار ابن تيمية (١). جاء في المدونة: «قلت: أرأيت البيع الفاسد، أفيه الشفعة أم لا؟ قال: لم أسمع من مالك فيه شيئًا، ولكن إن كان لم يفت البيع الفاسد رد بعينه، وإن فات حتى تصير الدار على المشتري بالقيمة رأيت الشفعة للشفيع» (٢). وقال الكاساني: «ولو باعها المشتري شراء فاسدًا بيعًا صحيحًا، فجاء الشفيع فهو بالخيار إن شاء أخذها بالبيع الثاني؛ لأن حق الشفيع ثابت عند كل واحد من البيعين لوجود سبب الثبوت» (٣). ومن قال: البيع الفاسد مردود أبدًا، ولو تصرف فيه المشتري لم ير فيه حق الشفعة، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة (٤). قال النووي: «إذا اشترى شيئًا شراء فاسدًا إما لشرط فاسد، وإما لسبب آخر،

стр. 4631

ثم قبضه لم يملكه بالقبض، ولا ينفذ تصرفه فيه، ويلزمه رده، وعليه مؤنة رده كالمغصوب، ولا يجوز حبسه لاسترداد الثمن» (١). وقال ابن قدامة: «وكل موضع فسد العقد لم يحصل به ملك، وإن قبض؛ لأنه مقبوض بعقد فاسد، فأشبه ما لو كان الثمن ميتة، ولا ينفذ تصرف المشتري فيه، وعليه رده بنمائه المنفصل والمتصل، وأجرة مثله مدة مقامه في يده، ويضمنه إن تلف أو نقص بما يضمن به المغصوب؛ لأنه ملك غيره حصل في يده بغير إذن الشرع، أشبه المغصوب» (٢). وإذا لم يستفد من العقد الملك لم تثبت الشفعة؛ لأن الشفعة فرع عن انتقال الملك من الشريك إلى أجنبي، والله أعلم. * * *

стр. 4632

الفصل السادس إذا تغير المبيع في يد المشتري المبحث الأول إذا تغير بزيادة الفرع الأول إذا تغير بزيادة لا تدوم كالزراعة [م-١٠٧٢] إذا أخذ الشفيع الأرض من المشتري وفيها زرع للمشتري فهو محترم؛ لأن المشتري زرعه في ملكه، أشبه ما لو قام الشفيع بشراء الأرض، وفيها زرع، ولا يجبر المشتري على قلعه؛ لأنه لا يدوم، فضرره لا يبقى، ولأن المشتري زرع في ملكه، وما كان يتيقن بأن الشفيع يطلب الشفعة قبل إدراك زرعه، فلا يكون متعديًا فيما صنع، ولأن لإدراك الزرع نهاية معلومة فلو انتظر ذلك لم يبطل حق الشفيع وإن تأخر قليلًا، وإذا قلع الشفيع زرع المشتري تضرر بإبطال ملكه وضرر التأخير أخف من ضرر الإبطال، وهذا قول عامة العلماء، وحكي إجماعًا. وقال الحنفية بهذا القول استحسانًا، وكان القياس أن يقلع الزرع؛ لأنه زرع في أرض غيره، فهو أحق بها منه، ولأن المشتري كما لا يتمكن من إبطال حق الشفيع لا يتمكن من تأخير حقه (١).

стр. 4633

قال الكاساني: «وأجمعوا على أن المشتري لو زرع في الأرض، ثم حضر الشفيع أنه لا يجبر المشتري على قلعه ولكنه ينتظر إدراك الزرع، ثم يقضى له بالشفعة، فيأخذ الأرض بجميع الثمن» (١). * * *

стр. 4634

الفرع الثاني في استحقاق الشفيع الأجرة مقابل بقاء الزرع [م-١٠٧٣] إذا كان المشتري يستحق إبقاء الزرع إلى الحصاد، فهل يستحق الشفيع أجرة المثل على المشتري، اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: له الأجرة من حين أخذه، وهذا مذهب الحنفية، وأحد الوجهين في مذهب الحنابلة (١). القول الثاني: لا يستحق شيئًا، وهو مذهب الشافعية، وأصح الوجهين في مذهب الحنابلة (٢). جاء في الإنصاف: «وإن أخذه الشفيع، وفيه زرع أو ثمرة ظاهرة، فهي للمشتري مبقاة إلى الحصاد والجداد، يعني بلا أجرة، وهذا المذهب، قال المجد في شرح الهداية: هذا أصح الوجهين لأصحابنا» (٣). القول الثالث: إن أخذ الشفيع بشفعته في موسم زراعة الأرض فيلزم المشتري أن يدفع

стр. 4635

الأجرة للشفيع، وإن أخذ في غير موسم زراعة الأرض فلا أجرة له، وهذا مذهب المالكية (١). جاء في الذخيرة: «في الكتاب إن زرع المشتري الأرض أخذها الشفيع والزرع للزارع .... ولا كراء للمستحق في الزرع إلا أن يكون في إبان الزراعة فله كراء المثل» (٢). ولعل وجه هذا القول: أن الشفيع إذا أخذ بالشفعة وقت الزراعة أمكنه أن يزرع الأرض، فإذا منعه زرع المشتري استحق الأجرة، وأما إذا أخذ الشفعة في غير وقت الزراعة فلم يفوت المشتري على الشفيع شيئًا، فلم يستحق أجرة الأرض، والله أعلم. الراجح: هل يقاس بقاء الزرع في الأرض على بيع النخل، وعليه ثمرة مؤبرة فإن الثمرة للبائع، ويستحق بمقتضى العقد أن تبقى إلى أن تطيب بلا أجرة، فيقال: إذا أخذت بالشفعة، والأرض فيها زرع فإن الزرع يبقى إلى الحصاد قياسًا على ذلك. أو يقال: إن المشتري كونه زرع الأرض في ملك تعلق به حق للغير من غير إذن من صاحب الحق، وقبل أن يقف على رغبة الشريك في الشفعة يجعل بقاء الزرع في الأرض ليس مستحقًا بلا مقابل؛ لأن استعمال مال الغير الأصل فيه أنه بعوض، فيستحق الشفيع أجرة المثل، المسألة محتملة عندي، وإن كنت أميل إلى القول بأخذ أجرة المثل، والله أعلم. * * *

стр. 4636

الفرع الثالث إذا تغير بزيادة تدوم كالبناء والغراس [م-١٠٧٤] إذا أحدث المشتري في الشقص بناء أو غرسًا، ثم طلب الشفيع الشفعة، فما حكم البناء والغرس؟ هذه المسألة مفروضة على أن المشتري لم يتعد بالبناء والغرس؛ لأنه لا يحق للشريك أن يبني أو يغرس قبل القسمة، وإذا بنى أو غرس فهو متعد، وبعد القسمة لا يكون فيه مجال للشفعة؛ لأنه جار وليس بشريك، إلا أن هناك صورًا قد تصح فيها القسمة ويبقى حق الشفعة: منها: أن يخبر كاذب بأن الأرض ملكت عن طريق الهبة، أو يخبر بثمن فيبالغ فيه، فيتنازل الشفيع عن شفعته، ويكون المخبر غير المشتري؛ لأن كذب المشتري في دعوى الثمن يصيره متعديًا، فيقاسم، ثم يتبين خلاف ذلك. ومنها أن يشتري الأرض كلها فيعمر فيها، وهو يعتقد أنها له، ثم يتبين أن رجلًا يستحق شقصًا منها، ويريد أن يأخذ الباقي بالشفعة (١).

стр. 4637

فالخلاف في المسألة مفروض فيما إذا كان المشتري لم يتعد حين بنى أو غرس، فما العمل مع المشتري حينئذ؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: يجبر المشتري على قلع البناء والغرس، وتسليم الساحة إلى الشفيع، إلا إذا كان في القلع نقصان للأرض فللشفيع الخيار إن شاء أخذ الأرض بالثمن والبناء والغرس بقيمته مقلوعًا، وإن شاء أجبر المشتري على القلع. هذا مذهب الحنفية (١). وجه قول الحنفية بأن المشتري يجبر على قلعه: الوجه الأول: أن حق الشفيع كان متعلقًا بالأرض قبل البناء والغرس، وحقه آكد من حق المشتري، فلم يبطل بالبناء والغرس، فإذا أخذ بالشفعة كان المشتري ملزمًا بتسليمه ملكه، ولا يمكن تسليمه إلا بالقلع فيؤمر بالقلع كالغاصب.

стр. 4638

ولأن المشتري بنى في محل تعلق به حق متأكد للغير من غير تسليط من جهة من له الحق، فينقض. ونوقش هذا: بأن المشتري بنى في ملكه، بدليل أن النماء المنفصل له قبل الأخذ بالشفعة، فلا يقلع مجانًا، فهناك فرق بين الغاصب المتعدي، وبين المشتري، والله أعلم. الوجه الثاني: أن تصرف المشتري فيه إضرار بالشفيع فيكون باطلًا؛ لأن في إلزام الشفيع بأخذ ما أحدثه المشتري بالقيمة فيه ضرر كزيادة القيمة، وإذا كان تصرف المشتري في البيع والهبة والوقف ينقض بالشفعة فكذلك ينقض ما يحدثه في العين من بناء وغرس بها. ويجاب: بأن دفع الضرر عن الشفيع ليس بأولى من دفع الضرر عن المشتري، خاصة أنه تصرف في وقت كان المشفوع فيه ملكًا له، والقاعدة الفقهية تقول: لا ضرر ولا ضرار، فلا يمنع الشفيع من الشفعة بسبب البناء والغرس، ولا يقلع الغرس والبناء مجانًا، بل يأخذ الشفيع البناء والغرس بقيمته، وهذا هو العدل، فما دفعه الشفيع لا يأخذه بلا مقابل، أو يقلعه المشتري ويجبر ضرره، والله أعلم. القول الثاني: للمشتري الحق في أخذ ما أحدثه من بناء وغراس، ولا يحق للشفيع منعه؛ لأنه ماله: وإن تركه المشتري كان الشفيع مخيرًا بين ثلاثة أشياء:

стр. 4639

إما أن يترك الشفعة، وإما أن يأخذ البناء والغرس بقيمته، وإما أن يقلعه ويضمن للمشتري ما نقص بسبب القلع. هذا مذهب الشافعية والحنابلة (١). وذهب المالكية أنه مخير بين أمرين فقط: إما أن يأخذ بالشفعة ويغرم قيمة البناء والغرس، وإما أن يترك الشفعة، وبه قال أبو يوسف من الحنفية (٢). دليل من قال بالتخيير: (ح-٦٥٤) ما رواه الدارقطني من طريق عثمان بن محمد بن عثمان ابن ربيعة، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: لا ضرر ولا ضرار، من ضار ضاره الله، ومن شاق شق الله عليه. [المعروف من حديث أبي سعيد أنه مرسل، وهو حسن بشواهده] (٣).

стр. 4640

وجه الاستدلال بالحديث: أن الضرر لا يمكن أن يزول عن المشتري والشفيع على حد سواء إلا على القول بالتخيير. الدليل الثاني: إذا كان الشفيع لم يكن متعديًا في فعله كان ماله محترمًا، واحترام المال يعني إعطاء المشتري عين ماله إن أحب أن يأخذ ما بناه أو غرسه، وإن تركه كان الشفيع مخيرًا بين أخذه بقيمته، وبين قلعه وضمان ما يصيبه من نقص للمشتري، وبين ترك الشفعة. الراجح: أرى أن قول الجمهور أقوى من مذهب الحنفية، وهو يحفظ حق الشفيع وحق المشتري في آن واحد، والله أعلم. * * *

стр. 4641

المبحث الثاني إذا تغير المبيع بنقص الفرع الأول إذا كان النقص بآفة سماوية [م-١٠٧٥] إذا حدث في المبيع نقص، وكان هذا النقص بفعل قاهر كتلف بعض المبيع بآفة سماوية، فقد اختلف العلماء في ذلك إلى أقوال هي: القول الأول: يلزم الشفيع بأخذ ما تبقى من العين بكل الثمن أو يترك الشفعة، من غير فرق بين أن يكون التلف في الأصل أو التابع، وهذا مذهب المالكية، واختاره أبو عبد الله بن حامد من الحنابلة (١). وجه هذا القول: أن في إسقاط ما تلف من العين بآفة سماوية يلحق الضرر بالمشتري بما لا صنع له فيه، كما لو أخذ البعض مع بقاء البعض الآخر. ويناقش: بأن العين لم تكن أمانة في يده حتى لا يضمن ما تلف فيها، فإذا كان الضمان على المشتري كان عليه قيمة ما تلف في يده، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن

стр. 4642

إلزام الشفيع بأن يأخذ بعض المبيع بجميع الثمن فيه إضرار بالشفيع أيضًا، والعدل أن يؤخذ المبيع بحصته من الثمن، فلا إضرار بالشفيع ولا إضرار بالمشتري. القول الثاني: للشفيع أن يأخذ الباقي بحصته من الثمن مطلقًا من غير فرق بين تلف الأصل أو التابع، وهذا مذهب الحنابلة (١). قال ابن قدامة: «إن أراد الشفيع بعد تلف بعضه أخذ الموجود بحصته من الثمن، سواء كان التلف بفعل الله تعالى، أو بفعل آدمي، وسواء تلف باختيار المشتري كنقضه للبناء، أو بغير اختياره ..... هذا ظاهر كلام أحمد في رواية ابن القاسم» (٢). وجه هذا القول: أن المبيع لما تعذر أخذه كله بسبب التلف، وقدر الشفيع على أخذ بعضه بالحصة كان له ذلك، كما لو تلف بفعل آدمي، وكما لو كان هناك شفيع آخر. القول الثالث: قالوا: إن كان التلف يعود إلى تابع من غراس أو بناء فإن الشفيع يأخذ المشفوع فيه بجميع الثمن أو يترك، وأما إذا كان التلف يعود إلى الأصل، كما لو غرق نصف الأرض مثلًا، فإن الشفيع يأخذ الباقي بحصته من الثمن. وهذا مذهب الحنفية (٣).

стр. 4643

وجه هذا القول: بأن التابع يدخل في المبيع من غير تسمية، فإذا هلك بآفة سماوية لم يكن له حصة من الثمن بخلاف التلف في غير التابع، ولهذا يجوز في هذه الصورة بيعه مرابحة بكل الثمن. وأما مذهب الشافعي، فله قولان في المسألة: أحدهما: يأخذه بجميع الثمن كمذهب المالكية، وهذا هو القول الجديد للشافعي. والثاني: يأخذه بحصته من الثمن كمذهب الحنابلة، وهو القول القديم للشافعي (١). واختلف أصحاب الشافعي في تفسير القولين: فمنهم من حكى في المسألة قولين مطلقًا، قال الشيرازي: وهو الصحيح. ومنهم من قال: يأخذ الباقي بحصته من الثمن قولًا واحدًا، وغلط من حكى القول الآخر، وأنه لا يوجد نص من الشافعي في القول بأنه يأخذ المبيع بجميع الثمن. وهذا مذهب ابن سريج وأبي إسحاق المروزي.

стр. 4644

ومنهم من حمل كل قول على حال: فقال بعضهم: إن كانت العرصة باقية أخذ بالجميع؛ لأن العرصة هي الأصل، وهي باقية، فإن ذهب بعض العرصة أخذ بالحصة لأنه تلف بعض الأصل، فأخذ الباقي بالحصة، وحمل القولين على هذين الحالين كمذهب الحنفية، وقد تقدم (١). ومنهم من قال: إن حصل التلف، ولم يذهب من الأجزاء شيء أخذ بالجميع؛ لأن الذي يقابله بالثمن أجزاء العين، وهي باقية، فإن تلف بعض الأجزاء من الآجر والخشب أخذه بالحصة؛ لأنه تلف بعض ما يقابله الثمن، فأخذ الباقي بالحصة، وحمل القولين في المذهب على هذين الحالين. ومنهم من قال: إن كان التلف بآفة سماوية أخذه بحصته من الثمن، وإن كان الهدم بفعل آدمي أخذه بجميع الثمن لإمكان الرجوع على الهادم بأرش النقص. وهذا ملخص الأقوال في مذهب الشافعية (٢). وبناء عليه فمذهب الشافعية لا يخرج عن الأقوال الثلاثة السابقة: فقيل: يأخذه الشفيع بجميع الثمن مطلقًا. وقيل: يأخذه بحصته من الثمن مطلقًا. أو التفريق بين أن يكون التلف في الأصل (الأرض) أو يكون التلف في التابع من بناء وغراس.

стр. 4645

أو التفريق بين أن يكون التلف يذهب بجزء من العين، أو لا يذهب كما لو انشق الجدار، والجدار باق، هذا ملخص الأقوال. الراجح: الذي أميل إليه هو القول بأن الشفيع يأخذ المبيع بحصته من الثمن، ولا يتحمل تلف ما حصل في يد غيره من غير فعله، والله أعلم. * * *

стр. 4646

الفرع الثاني إذا كان النقص بفعل آدمي [م-١٠٧٦] إذا كان تلف بعض المبيع بفعل آدمي، فهل يأخذه الشفيع بحصته من الثمن، أو يأخذه بجميع الثمن؟. اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: يأخذ الشفيع ما تبقى بحصته من الثمن، وهذا مذهب الحنفية، والحنابلة، واختاره بعض الشافعية (١). وجه هذا القول: الوجه الأول: ما هدمه المشتري بيده ليس له الحق في أخذ قيمته لسببين: السبب الأول: أن البناء في نفسه منقول لا يستحق بالشفعة، وإنما كان ثبوت حقه فيه لاتصاله بالأرض، فإذا أزال ذلك لم يستحق قيمته. السبب الثاني: أن ما أتلفه في يده فهو من ضمانه، فإذا أراد الشفيع أخذ الباقي أخذه بحصته من الثمن. الوجه الثاني: أنه تعذر على الشفيع أخذ الجميع، وقدر على أخذ البعض، فكان له الأخذ بالحصة من الثمن.

стр. 4647

الوجه الثالث: أنه متى كان النقص بفعل آدمي رجع بدله إلى المشتري فلا يتضرر بأخذه بحصته من الثمن. القول الثاني: يأخذ الشفيع ما تبقى بجميع الثمن أو يترك الشفعة بشرط أن يكون ما أتلفه المشتري من المبيع راجع لمصلحته (١). وجه هذا القول: أن المشتري قد تصرف في ملكه بما يجوز له، فلم يكن عليه ضمان لسلامته من التعدي (٢). القول الراجح: أن الشفيع يأخذه بحصته من الثمن، فما فات من المبيع لا يلزم الشفيع أن يدفع ثمنه، والله أعلم. * * *

стр. 4648

الفصل السابع إذا انتقل المبيع من يد المشتري المبحث الأول إذا انتقل بما تستحق به الشفعة كالبيع ونحوه [م-١٠٧٧] إذا باع المشتري المبيع، فإن كان تصرفه هذا بعد مطالبة الشفيع له بالشفعة، فإن تصرفه يعتبر باطلًا؛ لأنه يعتبر متعديًا على حق الغير. قال ابن مفلح: «وتصرف مشتر بعد طلب الشقص منه باطل مطلقًا، ويصح قبله» (١). وإن كان تصرف المشتري قبل مطالبة الشفيع بالشفعة، ففيه قولان: القول الأول: أن تصرفه يعتبر تصرفًا صحيحًا؛ لأنه تصرف في ملكه، فإذا طالب الشفيع بالشفعة كان له الخيار إن شاء أخذ بالبيع الأول الذي استحق بموجبه الشفعة، وإن شاء أمضى تصرف المشتري الأول، وأخذ بالشفعة من المشتري الثاني؛ لأن كل واحد من العقدين سبب تام لثبوت حق الأخذ له بالشفعة. وهذا قول عامة الفقهاء، وحكي إجماعًا (٢).

стр. 4649

قال ابن قدامة في المغني: «ولا نعلم في هذا خلافًا» (١). القول الثاني: تصرفه يعتبر باطلًا، وهو وجه في مذهب الحنابلة. قال ابن رجب: «لو باع المشتري الشقص المشفوع قبل المطالبة بالشفعة، ففيه وجهان: أحدهما: أن البيع باطل؛ لأن ملكه غير تام، وهو ظاهر كلام أبي بكر في التنبيه. الثاني: أن البيع صحيح، وهو قول الخرقي، والمشهور من المذهب؛ لأن أخذ الشفيع من المشتري الثاني ممكن، فإن اختار ذلك فعل، وإلا فسخ البيع الثاني، وأخذ من الأول لسبق حقه عليه» (٢). الراجح: أن تصرفه صحيح، والشفيع بالخيار إن شاء أخذه بالبيع الأول، وإن شاء أخذه بالبيع الثاني، والله أعلم. * * *

стр. 4650

المبحث الثاني إذا انتقل بما لا تستحق به الشفعة كالوقف [م-١٠٧٨] إذا تصرف المشتري بالمبيع بما لا تستحق به الشفعة كالوقف والهبة بلا عوض، فهل يبطل بذلك حق الشفيع؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: للشفيع إبطال تصرف المشتري، والأخذ بالشفعة، وهذا مذهب الجمهور من الحنفية، والمالكية، والشافعية (١). جاء في بدائع الصنائع: «ولو جعل المشتري الدار مسجدًا، أو مقبرة، فللشفيع أن يأخذها بالشفعة، وينقض ما صنع المشتري» (٢). وجاء في مجمع الأنهر: «وله أن ينقض المسجد، وينبش الموتى» (٣).

стр. 4651

وقال الغزالي: «أما تصرفات المشتري بالوقف والهبة والوصية فكلها منقوضة» (١). وجه هذا القول: أن للشفيع نقض تصرف المشتري؛ لأن حقه سابق على تصرف المشتري، وثابت بأصل العقد، فلا يتمكن المشتري من إبطاله، فيكون تصرف المشتري في ملك تعلق به حق للغير، فلا ينفذ. ولأن القاعدة تقول: إذا تزاحمت الحقوق أخذ بالأسبق، وحق الشفيع سابق على حق المشتري. القول الثاني: إذا أوقف المشتري أو وهب سقط حق الشفيع، وهذا هو المذهب عند الحنابلة. وفي وجه عند الشافعية: تصرفات المشتري تبطل حق الشفيع مطلقًا. وفي وجه آخر عندهم: لا ينقض الوقف، وينقض ما سواه (٢). وجه هذا القول: أن أخذ الشفيع بالشفعة بعد أن أوقفه المشتري، أو وهبه، أو تصدق به فيه إضرار بالموقوف عليه، والموهوب له، والمتصدق عليه؛ لأن ملكه يزول عنه بغير عوض؛ لأن الثمن إنما يأخذه المشتري، والضرر لا يزال بالضرر.

стр. 4652

ولأن المشتري إذا تصرف فيما اشتراه تصرفًا ينقل الملك على وجه لا تثبت فيه الشفعة ابتداء كالوقف والهبة والصدقة فإن الشفعة تسقط. ويناقش: بأن الثمن في الموهوب له، والمتصدق عليه يرجع إليهما لا إلى المشتري؛ لأن المشتري لما وهبه أو تصدق به، وهو يعلم أن فيه حق الشفعة للشفيع علم أنه قصد بذلك إعطاءه العين إن لم يأخذ بالشفعة، أو الثمن إن أخذ الشفيع بها، وكذلك يقال بالوقف، بأن يشترى بثمنه بدله. وأما الجواب عن القاعدة: بأن المشتري قد تصرف في المبيع تصرفًا لا تثبت فيه الشفعة ابتداء فسقطت الشفعة، هذه القاعدة تسلم لو كان حق الشفيع مستفادًا من تصرف المشتري، فيقال: إن كان تصرف المشتري يستفاد منه الشفعة ثبت حقه وإلا سقط، وأما إذا كان حق الشفيع مستفادًا من تصرف الشريك البائع كان حق الشفيع سابقًا لتصرف المشتري، ومستفادًا من غير جهته، فلا يبطلها تصرفه، والله أعلم. الراجح: بعد استعراض الأدلة أجد أن قول الجمهور أقوى لقوة مأخذه، والله أعلم. * * *

стр. 4653

المبحث الثالث إذا انتقل المبيع من يد المشتري بالإقالة [م-١٠٧٩] إذا باع الشريك شقصه على رجل، ثم تقايلا البيع، فإن كان ذلك بعد أن تنازل الشفيع عن شفعته، فلا شفعة بالإقالة؛ لأنه لما تنازل عن حقه سقط، والإقالة وحدها لا توجب الشفعة؛ لأنها فسخ للعقد، وليست بيعًا (١). وخالف في ذلك أبو حنيفة، فقال: يتجدد للشفيع الشفعة وإن كان قد عفا عنها؛ لأن الإقالة عنده فسخ في حق العاقدين، بيع جديد في حق شخص ثالث (٢)، والشفيع شخص ثالث، فالإقالة بالنظر إليه بيع جديد، أي يعتبر البائع مشتريًا للعقار من المشتري بالنسبة للشفيع، فتثبت الشفعة للشفيع بالإقالة (٣). وهذا قول في مذهب الشافعية، جاء في الشرح الكبير للرافعي: «فإن كان الشفيع قد عفا فتجدد الشفعة ينبني على أن الإقالة فسخ أم بيع. إن قلنا: بيع، تجدد وأخذه من البائع، وإن قلنا: فسخ لم يتجدد» (٤). والصواب القول الأول؛ لأن الإقالة فسخ، وحق الشفيع قد تنازل عنه فلم يتجدد له ما يقضى له بالشفعة.

стр. 4654

[م-١٠٨٠] وإن كان الشفيع لم يتنازل عن الشفعة، فهل يسقط حق الشفيع بالإقالة؟ أو له أن يشفع باعتبار أن حقه ثبت بعقد البيع قبل الإقالة، فلا تسقطه الإقالة سواء فسرنا الإقالة بأنها فسخ، أو على أنها بيع مستأنف (١). اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: الإقالة لا تبطل حق الشفعة، وهذا مذهب الجمهور من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والصحيح من مذهب الحنابلة (٢). وحكى ابن رشد الإجماع على أن الإقالة لا تبطل الشفعة (٣)، وفيه نظر. وعلل الحنفية بأن الإقالة وإن كانت فسخًا في حق العاقدين فهي بيع في حق شخص ثالث، والشفيع شخص ثالث، فكان مقتضى هذا أن له الأخذ بأي بيع شاء. وهو أحد القولين في مذهب الشافعية.

стр. 4655

جاء في فتح العزيز: «وإن جرت الإقالة قبل علم الشفيع، فإن جعلنا الإقالة بيعًا فالشفيع بالخيار بين أن يأخذ بها، وبين أن ينقضها حتى يعود الشقص إلى المشتري، فيأخذ منه. وإن جعلناها فسخًا فهو كطلب الشفعة بعد الرد بالعيب» (١). وعلل الجمهور بأن حق الشفيع سابق للإقالة، فليس للعاقدين التصرف في إبطال حق الشفيع، وقد يتهم العاقدان بمحاولة إبطال حق الشفيع بالإقالة. وهذا التعليل هو الصواب، والله أعلم. القول الثاني: الإقالة تبطل الشفعة، وهو رواية عن الإمام أحمد، وقول زفر من الحنفية (٢). لأن حقيقة الإقالة ترد العاقدين إلى الحال التي كانا عليها قبل العقد، فلا يقوم حق للشفيع. القول الثالث: إنْ استقاله قبل المطالبة بها لم تكن له شفعة. وهو قول في مذهب الحنابلة (٣). وجه هذا القول: لعله رأى أنه إذا لم يطالب بها لم يثبت حق الشفيع بالشفعة، فإذا تقايلا قبل المطالبة لم يكن حق الشفيع سابقًا لها، والله أعلم.

стр. 4656

الراجح: بعد استعراض الأدلة أجد أن القول بأن الإقالة لا تسقط حق الشفيع هو الأقوى، والله أعلم. * * *

стр. 4657

المبحث الرابع إذا رد المشتري المبيع بسبب العيب [م-١٠٨١] إذا اشترى الرجل شركًا في عقار، ثم أراد المشتري رد المبيع بسبب وجود عيب فيه، فهل للشفيع أن يأخذ المبيع، ويبطل الرد؟ اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: إن رد المشتري المعيب بقضاء قاضٍ فلا شفعة للشفيع؛ لأنه فسخ من كل وجه، وإن رده بعد القبض بغير قضاء فللشفيع الشفعة. وهذا مذهب الحنفية (١). وجه ذلك: أن الرد بالعيب إذا كان بغير قضاء وإنما بتراضيهما فإنه فسخ في حق العاقدين، بيع جديد في حق ثالث، لوجود حد البيع: وهو مبادلة المال بالمال بالتراضي، والشفيع ثالث، ومراده الرد بالعيب بعد القبض؛ لأن قبله فسخ من الأصل وإن كان بغير قضاء. القول الثاني: يحق للشفيع إبطال الرد، وأخذه بالشفعة مطلقًا، وهذا قول ابن القاسم من المالكية، وأظهر القولين عند الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (٢).

стр. 4658

قال في الحاوي: «لو حضر الشفيع وقد رده المشتري بالعيب كان للشفيع إبطال رده، واسترجاع الشقص من بائعه؛ لأن الرد بالعيب قطع للعقد، وليس برافع للأصل، فلم يكن للمشتري إبطال حق الشفيع، كما لو باعه المشتري وأراد الشفيع إبطال بيعه كان له ليتوصل إلى شفعته» (١). وجه القول بثبوت الشفعة: أن حق الشفيع ثبت بالعقد، وهو سابق على الرد بالعيب، فلا يبطله. القول الثالث: تسقط الشفعة مع الرد بالعيب، اختاره أشهب من المالكية، وأحد الوجهين في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (٢). وجه القول بسقوط الشفعة: أن الرد بالعيب نقض للعقد من أصله، فيسقط حق الشفيع بالأخذ. الراجح: أن الرد بالعيب لا يسقط حق الشفيع من الأخذ بالشفعة، والله أعلم. * * *

стр. 4659

الباب الخامس في مسقطات الشفعة الفصل الأول في تنازل الشفيع عن الشفعة المبحث الأول في تنازل الشفيع قبل البيع [م-١٠٨٢] إذا تنازل الشفيع عن الشفعة قبل البيع، فهل يسقط ذلك شفعته؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: ليس ذلك مما يقطع شفعته، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة (١). جاء في المبسوط: «ولو سلم الشفعة قبل الشراء كان ذلك باطلًا؛ لأن

стр. 4660

وجوب حقه بالشراء، والإسقاط قبل وجود سبب الوجود يكون لغوًا كالإبراء عن الثمن قبل البيع» (١). وجاء في المدونة: «أرأيت إن قال رجل: يا فلان اشتر هذا النصف من هذه الدار، فقد سلمت لك شفعتي، وأشهد له بذلك، فاشتراها ثم طلب شفعته، وقد كان سلمها له قبل الاشتراء؟ قال: قال مالك: له أن يأخذ بالشفعة، وليس تسليمه ـ وإن أشهد على ذلك قبل الاشتراء ـ بشيء، وليس ذلك مما يقطع شفعته» (٢). وقال ابن قدامة: «وإن أذن الشريك بالبيع، ثم طلب بالشفعة بعد وقوع البيع فله ذلك» (٣). وجه من قال بعدم سقوط الشفعة: أن إسقاط الشفعة قبل البيع هو من باب إسقاط الحق قبل وجوبه، وذلك لا يصح. القول الثاني: إذا تنازل الشفيع عن الشفعة قبل البيع سقطت شفعته، وهو قول إسحاق ابن راهويه، ورواية عن الإمام أحمد، وبه قال الحكم والثوري وأبو عبيد، وأبو خيثمة، وطائفة من أهل الحديث، ورجحه ابن تيمية وابن القيم (٤).
следующие страницы →