← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

دبيان بن محمد الدبيان، ١٤٣٢ هـ فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر الدبيان، دبيان محمد المعاملات المالية أصالة ومعاصرة. / دبيان محمد الدبيان- الرياض، ١٤٣٢ هـ ٥٤٨ ص؛ ١٧×٢٤ سم. ردمك: ٨ - ٧٤٨٠ - ٠٠ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (مجموعة ج ١ ١ - المعاملات (فقه إسلامي) أ. العنوان ديوي ٢٥٣ ٤٧٠٦/ ١٤٣٢ حقوق الطبع محفوظة للمؤلف ١٤٣٤ هـ الطبعة الثانية للطلب الاتصال بالاستاذ / فهد بن عبد العزيز الجوعي ت/ ٠٠٩٦٦٥٠٤٨٨١١٩٤

стр. 492

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة (٢)

стр. 493

بسم الله الرحمن الرحم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد. فهذا هو المجلد الثاني من عقد البيع، وقد درست في المجلد الأول ثلاثة أبواب: الباب الأول: وقد تناولت فيه دراسة المال وبيان أنواعه. والباب الثاني: وقد بحثت فيه حكم البيع وبيان أركانه. الباب الثالث: درست فيه صيغة التعاقد (أحكام الإيجاب والقبول). والباب الرابع: وقد تطرقت إلى الشروط المتعلقة بالعاقدين، إلا أن هذا الباب لم يستكمل في المجلد السابق، وسوف يستكمل إن شاء الله تعالى في هذا المجلد. وسيحوي هذا المجلد الثاني إن شاء الله تعالى بقية الباب الرابع، وبعض مباحث الباب الخامس، وستكون خريطة البحث على النحو التالي: المبحث الخامس: في بيع السكران: الفرع الأول: في بيان المقصود بالسكران. الفرع الثاني: خلاف العلماء في بيع السكران. المبحث السادس: في بيع السفيه. الفرع الأول: في تعريف السفيه. الفرع الثاني: في حكم بيع السفيه.

стр. 494

الشرط الثاني: أن يكون العاقد مختارًا. المبحث الأول: الفرق بين الرضا والاختيار. المبحث الثاني: في بيع المكره. الفرع الأول: في تعريف الإكراه. الفرع الثاني: في حكم بيع المكره. المسألة الأولى: في الإكراه بحق. المسألة الثانية: في الإكراه بغير حق. المسألة الثالثة: في الإكراه على سبب البيع. المبحث الثالث: في الغلط في العقد. الفرع الأول: الغلط في المعقود عليه. المسألة الأولى: الغلط في جنس المعقود عليه. المسألة الثانية: الغلط إذا كان في وصف مرغوب فيه. المسألة الثالثة: الغلط في الصيغة. المسألة الرابعة: الغلط بسبب الجهل بالحكم الشرعي. المبحث الرابع: يشترط في الرضا ألا يشوبه شيء من التدليس. المبحث الخامس: يشترط في الرضا سلامته من الغبن الفاحش. الفرع الأول: في تعريف الغبن وبيان حكمه. الفرع الثاني: خلاف العلماء في الغبن القادح في الرضا. الشرط الثالث: أن يكون العاقد مالكًا للمعقود عليه أو مأذونًا له فيه.

стр. 495

المبحث الأول: في حكم بيع الفضولي. الفرع الأول: في تعريف الفضولي. الفرع الثاني: في الحكم التكليفي لتصرف الفضولي. الفرع الثالث: خلاف الفقهاء في صحة بيع الفضولي. الفرع الرابع: شراء الفضولي لغيره. الباب الخامس: في أحكام المعقود عليه (المبيع والثمن). تمهيد ويشتمل على ثلاثة مباحث: المبحث الأول: في تعريف المبيع والثمن. المبحث الثاني: المبيع والثمن هل هما مترادفان أو متباينان. المبحث الثالث: انقسام المبيع والثمن إلى مثلي وقيمي. فرع: الأثر الفقهي في تقسيم المال إلى مثلي وقيمي. الفصل الأول: في كيفية تعيين المبيع من الثمن. المبحث الأول: تعيين المبيع من الثمن في مبادلة سلعة بنقد. المبحث الثاني: تعيين المبيع من الثمن في مبادلة النقد بمثله. المبحث الثالث: تعيين المبيع من الثمن في مبادلة سلعة بمثلها. المبحث الرابع: هل تتعين النقود بالتعيين. الفصل الثاني: في شروط المعقود عليه (المبيع والثمن). الشرط الأول: في طهارة المعقود عليه. فرع: الصابون من الزيت النجس.

стр. 496

الشرط الثاني: اشتمال المعقود عليه على منفعة مباحة. المبحث الأول: في بيع المصحف وشرائه. الفرع الأول: في إبدال المصحف بمصحف آخر. الفرع الثاني: في بيع المصحف للكافر. الفرع الثالث: في رهن المصحف. المبحث الثاني: في بيع الهر. المبحث الثالث: في بيع الفيل. المبحث الرابع: في بيع القرد. المبحث الخامس: في بيع سباع البهائم والطير التي تصلح للصيد. المبحث السادس: في بيع الحشرات. المبحث السابع: في بيع لين الآدميات. المبحث الثامن: في بيع السم. المبحث التاسع: في بيع الطيور لصوتها أو للونها. الشرط الثالث: أن يكون المعقود عليه معلومًا للمتعاقدين. الشرط الرابع: أن يكون المعقود عليه مقدورًا على تسليمه. الشرط الخامس: أن يكون المعقود عليه مالًا. الشرط السادس: أن يكون المبيع مملوكًا في ذاته ولو لغير البائع. الشرط السابع: هل يشترط وجود المبيع حال العقد. الفصل الثالث: في شروط الثمن.

стр. 497

المبحث الأول: ما يشترط في المبيع يشترط في الثمن. المبحث الثاني: في الجهالة بالثمن. المبحث الثالث: إبهام الثمن على وجه التخيير. المبحث الرابع: في اشتراط القدرة على تسليم الثمن. الفصل الرابع: فيما يختص به المبيع من الأحكام. الحكم الأول: في شمول المبيع وما يدخل فيه عند الإطلاق. المبحث الأول: الضوابط التي تحكم ما يدخل في المبيع وما لا يدخل فيه. المبحث الثاني: ما يدخل في بيع الأرض. الفرع الأول: البناء والشجر. الفرع الثاني: في معادن الأرض. الفرع الثالث: الزرع الذي يحصد مرة واحدة. الفرع الرابع: الزرع الذي يجز مرة بعد أخرى. الفرع الخامس: في دخول البذر في بيع الأرض. الفرع السادس: في دخول ماء الأرض في بيع الأرض. الفرع السابع: في دخول الحجارة في بيع الأرض. المبحث الثالث: ما يدخل في بيع النخل والشجر. الفرع الأول: في ثمرة النخل والشجر. المسألة الأولى: لو لم يعلم بالتأبير أو لم يعلم في حكم الثمر المؤبر. المسألة الثانية: إذا اشترطت الثمرة على النخل.

стр. 498

المطلب الأول: أن يشترط المشتري الثمرة المطلب الثاني: أن يشترط البائع الثمرة. الفرع الثاني: في ثمر النخل إذا بيع وقد أبر بعضه. الفرع الثالث: في تأبير بعض الثمرة في الشجرة الواحدة. الفرع الرابع: في اشتراط بعض الثمرة. الفرع الخامس: أذا كانت الثمرة للبائع فهل له أن يبقيها إلى الجذاذ. الفرع السادس: في فحل النخل. الفرع السابع: في سقي الشجر إذا كانت الأصول لرجل والثمار لآخر. مسألة: فيمن يتولى السقي. الفرع الثامن: في دخول الأرض تبعًا إذا باع النخل. المبحث الرابع: ما يدخل في بيع الدار. الفرع الأول: يدخل فيها ما يتناوله اسم الدار. الفرع الثاني: يدخل في اسم الدار ما كان من توابعها متصلًا بها. الفرع الثالث: في دخول المفاتيح في بيع الدار. الفرع الرابع: في دخول بستان الدار في بيع الدار. الفرع الخامس: ما دخل في بيع الأرض دخل في بيع الدار إن كان ذلك بداخلها. الفرع السادس: في دخول ظلة الدار. المسألة الأولى: في إخراج الظلة في هواء الطريق.

стр. 499

المسألة الثانية: في دخول ظلة الدار في بيع الدار. الفرع السابع: في دخول المرافق كالطريق والمسيل ونحوها. الفرع الثامن: في دخول حريم المبيع في بيعه. المبحث الخامس: ما يدخل في بيع القرية. الفرع الأول: في دخول ما تناوله اسم القرية. الفرع الثاني: في دخول مزارع القرية. الفرع الثالث: في دخول الأشجار في بيع القرية. الفرع الرابع: في دخول حريم القرية. المبحث السادس: ما يدخل في بيع الثمار. الفرع الأول: في دخول الثمار إذا كان ظهوره متلاحقًا. مسألة: إذا كانت الأصول لرجل والثمار لآخر ثم حدث نماء جديد. المبحث السابع: ما يدخل في بيع الحيوان. المبحث الثامن: ما يلحق في بيع المرابحة بأصل العقد. الحكم الثاني: في قبض المبيع. المبحث الأول: تعريف القبض. المبحث الثاني: علاقة القبض بعقد البيع. المبحث الثالث: في كيفية قبض المال. الفرع الأول: في كيفية قبض ما لا ينقل. المسألة الأولى: في قبض العقار.

стр. 500

المطلب الأول: في تعريف العقار. المطلب الثاني: في قبض العقار. المطلب الثالث: في شروط القبض بالتخلية. المسألة الثانية: في قبض الثمار على الشجر. الفرع الثاني: في كيفية قبض المال المنقول. المسألة الأولى: قبض ما فيه حق توفية. المسألة الثانية: القبض في بيع الأثمان بعضها ببعض. المسألة الثالثة: قبض المنقول مما ليس فيه حق توفية. المطلب الأول: في قبض الجزاف. المطلب الثاني: في قبض المشاع. القسم الأول: في قبض المشاع من غير الأسهم. القسم الثاني: في قبض المشاع من الأسهم والوحدات الاستثمارية. المطلب الثالث: القبض عن طريق القيد المصرفي. المطلب الرابع: استلام الشيك هل يقوم مقام القبض لمحتواه. المطلب الخامس: في قبض الشيكات السياحية. المطلب السادس: قبض الأوراق التجارية عدا الشيك؟ المطلب السابع: الشراء بالبطاقات الائتمانية فيما يشترط لصحة القبض القسم الأول: شراء الذهب والفضة عن طريق بطاقات الائتمان. القسم الثاني: صرف العملات عن طريق بطاقات الائتمان.

стр. 501

المطلب الثامن: هل يقوم القبض السابق مقام القبض اللاحق. المطلب التاسع: حكم القبض السابق في تطارح الدينين صرفًا. هذا ما استوعبه المجلد الثاني من خطة البحث المتعلقة بعقد البيع، وتجد بقية خطة البحث في سائر المجلدات الباقية إن شاء الله تعالى. وسوف أذكر في كل مجلد ما يخصه منها. * * *

стр. 502

المبحث الخامس في بيع السكران الفرع الأول في بيان المقصود بالسكران [م - ٨٧] ما المقصود بالسكران ؟ هل المقصود به، من ذهب عقله، فلم يعد يميز بين الأشياء؟ أو المقصود به، من تغير عقله، وإن لم يذهب بالكلية؟ اختلف العلماء في هذا على ثلاثة أقوال: القول الأول: المراد به من ذهب عقله جملة، وهو مذهب الحنفية. قال في البحر الرائق: «وهو - أي السكران - من لا يعرف الرجل من المرأة، ولا السماء من الأرض، فإن كان معه من العقل ما يقوم به التكليف فهو كالصاحي. والحاصل أن المعتمد في المذهب، أن السكران الذي تصح منه التصرفات من لا عقل له يميز به الرجل من المرأة ... والعجب ما صرح به في بعض العبارات من أنه معه من العقل ما يقوم به التكليف، ولا شك أن على هذا التقدير لا يتجه لأحد أن يقول لا تصح تصرفاته .. » (١).

стр. 503

القول الثاني: المراد من تغير عقله وإن لم يذهب بالكلية، وهي طريقة ابن رشد، وعليه أكثر المالكية. نقل الباجي عن القاضي أبي الوليد أنه قال: « ... والذي عندي في هذا: أن السكران المذكور لا يذهب عقله جملة وإنما يتعين مع صحة قصده إلى ما يقصده .... وإنما تكلم الفقهاء على المعتاد من سكر الخمر؛ لأن سكر الخمر ليس بمنزلة الجنون الذي يذهب العقل جملة وإنما يتغير العقل تغييرًا يجترئ به على معان لا يجترئ عليها صاحيًا كالسفيه، ولو علم أنه بلغ حد الإغماء لما اقتص منه، ولا لزمه طلاق ولا غيره كسائر من أغمي عليه .... » (١). إذا علم ذلك فالذي يظهر من كلامهم أن السكران الذي لا تمييز عنده كالمجنون اتفاقًا. وقد نص ابن رشد والباجي: أنه إن لم يعرف الأرض من السماء ولا الرجل من المرأة فكالمجنون اتفاقًا. واستدلوا على هذا بأن الله خاطب السكران بقوله: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] فلو كان المقصود بالسكران من ذهب عقله بالكلية لكان بمعنى المجنون، وبالتالي لا يصح أن يوجه له أمر ونهي، فكيف ينهى عن قربان الصلاة، ولكن المقصود بالسكران هو الذي يفهم ما يأتي ويذر غير أن الشراب قد أثقل لسانه، وأجزاء جسمه، وأخدرها حتى عجز عن إقامة قراءته في صلاته وحدودها الواجبة عليه فيها من غير زوال عقله، فهو بما أمر به ونهي عنه عارف فهم، وعن

стр. 504

أداء بعضه عاجز بخدر جسمه من الشراب، وأما من صار إلى حد لا يعقل ما يأتي ويذر، فذلك منتقل من السكر إلى الخبل، ومعدود في المجانين، وليس ذلك الذي خوطب بقوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء:٤٣] لأن ذلك مجنون، وإنما خوطب به السكران، والسكران ما وصفنا صفته (١). وهذا رأي ابن قدامة من الحنابلة، فإنه قال: «السكران لا يزول عقله بالكلية ولهذا يتقي المحذورات ويفرح بما يسره ويساء بما يضره ويزول سكره عن قرب من الزمان فأشبه الناعس بخلاف النائم والمجنون» (٢). ويشكل على هذا قول ابن قدامة قبل: «وحد السكر الذي يقع الخلاف في صاحبه هو الذي يجعله يخلط في كلامه ولا يعرف رداءه من رداء غيره ونعله من نعل غيره ونحو ذلك لأن الله تعالى قال ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء:٤٣] فجعل علامة زوال السكر علمه ما يقول، وروي عن عمر ﵁ أنه قال: استقرئوه القرآن أو ألقوا رداءه في الأردية فإن قرأ أم القرآن أو عرف رداءه وإلا فأقم عليه الحد، ولا يعتبر أن لا يعرف السماء من الأرض ولا الذكر من الأنثى; لأن ذلك لا يخفى على المجنون فعليه أولى» (٣). القول الثالث: المقصود بالسكران مطلقًا، سواء كان معه تمييز أم لا، وهذا اختيار اللخمي من المالكية (٤).

стр. 505

والذي أميل إليه أن الذي لا يتأثر بالسكر مطلقًا لكونه قد شرب قليلًا منه، أو لكونه قد اعتاد شربه حتى أصبح لا يؤثر في عقله، أنه لا فرق بينه وبين الصاحي؛ لأن الحكم يدور مع علته، فالعلة هي الخوف من تأثير السكر على العقل، فإذا انتفى التأثير انتفى الحكم. ولذلك قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء:٤٣] فجعل غاية النهي هي إدراك ما يقول. وأما من أثر فيه السكر ولو لم يذهب عقله بالكلية فإنه داخل في الخلاف، فإنه معروف أن من يشرب الخمرة فقد تدفعه إلى الإقدام على الصفقة من غير إدراك لعواقبها وإن كان لا يزال معه بقية من عقله، وقد تحول البخيل إلى كريم، والجبان إلى شجاع كما قال حسان: ونشربها فتتركنا ملوكًا وأسدًا ما ينهنهنا اللقاء وقال آخر: فإذا شربت فإنني رب الخورنق والسدير وإذا صحوت فإنني رب الشويهة والبعير وأما الاحتجاج بالآية في قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] وأن السكران لو كان عقله قد ذهب بالكلية لما صح أن يوجه له أمر ونهي، فكيف ينهى عن قربان الصلاة؟ فهذا استدلال ببعض الآية وترك لبعضها، فالآية تقول ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] وهو دليل على أن السكران لا يعلم ما يقول. هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن الآية نزلت في وقت كان شرب الخمر مأذونًا فيه، وهي تنهى شارب الخمر عن شرب الخمر في أوقات الصلوات لأن شربه الخمر سيكون سببًا في تركه للصلاة، فهو خطاب للمسلم قبل سكره، لهذا كان بعض الصحابة بعد نزول هذه الآية لا يشرب الخمر إلا بعد صلاة العشاء فلا يصبح إلا وقد ذهب عنه السكر. * * *

стр. 506

الفرع الثاني خلاف العلماء في بيع السكران [م - ٨٨] اختلف العلماء في بيع السكران، وفي سائر تصرفاته، ما ذا يلزمه؟ على أربعة أقوال: القول الأول: يصح بيعه، وسائر تصرفاته. وهو مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة في المشهور (٣)، واختيار

стр. 507

ابن نافع من المالكية (١). القول الثاني: لا يصح شيء من تصرفاته، وهو قول أبي يوسف، وأبي الحسن الكرخي، وأبي جعفر الطحاوي من الحنفية (٢)، ومحمد بن عبد الحكم من المالكية (٣)، وقول في مذهب الشافعية (٤)، وقول في مذهب الحنابلة (٥)، واختيار ابن حزم (٦). القول الثالث: تلزمه الأفعال، ولا تلزمه الأقوال، فيقتل بمن قتل، ويحد في الزنا والسرقة، ولا يحد في القذف، ولا يلزمه طلاق، ولا عتق، وهو قول الليث. القول الرابع: تلزمه الجنايات والعتق، والطلاق والحدود ولا يلزمه الإقرارات والعقود وهو مذهب مالك وعامة أصحابه (٧)، وبناء عليه لا يصح بيعه عند المالكية؛ لأنه من جملة العقود. والذي يعنينا في هذا الباب هو بيع السكران، وليس البحث في جناياته، ولا في طلاقه، فتصبح الأقوال في بيعه على قولين:

стр. 508

القول الأول: يرى أن السكر لا يمنع من صحة البيع، ولو ذهب عقله بالكلية، وهذا مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة. القول الثاني: يرى أن السكر مانع من صحة البيع، حتى ولو لم يذهب العقل بالكلية، وهذا مذهب المالكية. دليل من قال: لا ينعقد بيع السكران . الدليل الأول: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء:٤٣]. وجه الاستدلال: أن الله لم يرتب على كلام السكران حكمًا حتى يكون عالمًا بما يقول، فدل على أنه لا عبرة بالعقود التي يعقدها السكران حال سكره. الدليل الثاني: (ح-٣٧) ما رواه مسلم من طريق سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: جاء ماعز بن مالك إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله طهرني، فقال: ويحك: ارجع فاستغفر الله، وتب إليه، حتى إذا كانت الرابعة، قال له رسول الله ﷺ : فيم أطهرك؟ فقال: من الزنا، فسأل رسول الله ﷺ أبه جنون؟ فأخبر أنه ليس بمجنون، فقال: أشرب خمرًا؟ فقام رجل فاستنكهه، فلم يجد منه ريح الخمر ... الحديث (١).

стр. 509

وجه الاستدلال: لم يؤاخذ الرسول ﷺ ماعزًا حتى علم أنه ليس بمجنون، ولم يشرب الخمرة، فدل على أن المجنون والسكران لا عبرة لأقوالهم. الدليل الثالث: (ح-٣٨) ما رواه البخاري من طريق يحيى بن سعيد، عن محمد ابن إبراهيم، عن علقمة بن وقاص، عن عمر أن رسول الله ﷺ قال: الأعمال بالنية، ولكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه (١). وجه الاستدلال: أن الحديث بين بقوله ﷺ (الأعمال بالنية) أن العمل لا يقع إلا بالنية. وبين ﷺ بقوله: «ولكل امرئ ما نوى» أن العامل ليس له من عمله إلا ما نواه. وهذا يعم العبادات والمعاملات والأيمان والنذور وسائر العقود (٢). فالحكم إنما يتوجه على العاقل المختار العامد الذاكر ... ؛ لأن غير العاقل المختار لا نية له فيما يقول أو يفعل، والسكران لا ينوي ما يفعل، ولا يعلم ما يقول بنص القرآن، ولذلك ترجم البخاري في صحيحه: (باب الطلاق في الإغلاق والكره والسكران والمجنون وأمرهما .. ) فجمع البخاري رحمه السكران مع المجنون ممن لا نية له (٣).

стр. 510

الدليل الرابع: (ح-٣٩) ما رواه أبو داود من طريق سفيان، ثنا عطاء بن السائب، عن أبي عبدالرحمن السلمي. عن علي بن أبي طالب ﵁، أن رجلا من الأنصار دعاه وعبد الرحمن بن عوف، فسقاهما قبل أن تحرم الخمر، فأمهم علي في المغرب، فقرأ قل يا أيها الكافرون فخلط فيها فنزلت ﴿اأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] (١). وفي رواية الترمذي بين هذا التخليط بحيث قرأ: ونحن نعبد ما تعبدون (٢). [مداره على عطاء بن السائب وفيه اختلاف في إسناده ومتنه] (٣).

стр. 511

وجه الاستدلال: لو كان السكران مؤاخذًا بما يقول للزم من ذلك كفر من قال مثل تلك المقالة، فلما لم يؤاخذ بما يستوجب الكفر لم يؤخذ بما دونه من الأقوال والأفعال، والله أعلم. الدليل الخامس: (ح-٤٠) روى الشيخان من حديث علي ﵁ أن حمزة ﵁ حين شرب الخمرة، واعتدى على ناقتي علي ﵁ فجب أسنمتهما، وبقر خواصرهما، فشكاه علي إلى رسول الله ﷺ ، فذهب رسول الله ﷺ إلى حمزة، وتغيظ عليه، فقال: وهل أنتم إلا عبيد لآبائي، فعرف أنه ثمل .... الحديث اختصرته من حديث طويل (١). وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ لم يؤاخذ حمزة في حال سكره، واعتبر كلامه لاغيًا، وكذلك يقاس عليه بقية أقواله.

стр. 512

الدليل السادس: (ث- ٣) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: نا وكيع، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن أبان بن عثمان. عن عثمان قال: كان لا يجيز طلاق السكران والمجنون، قال: وكان عمر ابن عبد العزيز يجيز طلاقه، ويوجع ظهره حتى حدثه أبان بذلك (١). [إسناده صحيح] (٢). دليل من قال يصح بيع السكران وشراؤه . الدليل الأول: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]. وجه الاستدلال: أن خطاب الله للسكران دليل على التكليف، فلو كان بمنزلة المجنون لما صح أن يقال له: إذا سكرت فلا تقرب الصلاة. قال أحمد في السكران: «ليس بمرفوع عنه القلم، وقال: وكذا كان الشافعي يقول: وجدت السكران ليس بمرفوع عنه القلم» (٣).

стр. 513

وأجيب: بأن معنى الآية: لا تشربوا الخمر إذا دنى وقت الصلاة حتى لا تقربوها وأنتم سكارى، وقد ورد أنهم بعد نزول هذه الآية يشربون الخمرة بعد العشاء، فلا يصبحون إلا وقد زال عنهم السكر، وصاروا يعلمون ما يقولون، حتى نزل تحريمها في آية المائدة في قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] (١). الدليل الثاني: قال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. فلم يستثن السكران من غيره، فدل إطلاق الآية على وقوع طلاق السكران، وإذا اعتبر قوله في الطلاق اعتبر قوله في سائر العقود. الدليل الثالث: (ث-٤) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: نا وكيع، عن جرير بن حازم، عن الزبير بن الخريت، عن أبي لبيد. أن عمر أجاز طلاق السكران بشهادة النسوة (٢). [إسناده منقطع] (٣).

стр. 514

الدليل الرابع: قالوا: صححنا عقد السكران، وإن كان غير مكلف لأنه من قبيل ربط الأحكام بالأسباب الذي هو خطاب الوضع (١). ويجاب: لو صح هذا الكلام لصح عقد المجنون والنائم ونحوهما، فإذا لم يصح عقد المجنون لكونه غير مكلف، لم يصح عقد السكران للعلة نفسها، ولأن من شروط البيع أن يكون البائع قاصدًا للبيع مختارًا له راضيًا به، وهذا لا يتحقق وجوده مع السكر. الدليل الخامس: (ث -٥) ما رواه مالك، عن ثور بن زيد الديلي. أن عمر بن الخطاب استشار في الخمر يشربها الرجل فقال له علي بن أبي طالب نرى أن تجلده ثمانين فإنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى أو كما قال فجلد عمر في الخمر ثمانين (٢). وجه الاستدلال: أن الصحابة جعلوه كالصاحي في الحد بالقذف، حيث قبلوا ما قاله علي ﵁، وفيهم عمر ﵁، فدل على أن أقواله وأفعاله معتبرة كسائر تصرفاته. ويجاب على هذا: بأن عمر ﵁ أراد أن يزيد في عقوبة الخمر لردع من يشربها، فقال علي ﵁

стр. 515

ما قال، وفي صحيح مسلم (استشار عمر الناس، فقال عبد الرحمن ابن عوف: أخف الحدود ثمانين، فأمر به عمر) (١). وقد يسكر الرجل ولا يهذي، وقد يهذي ولا يفتري، فلا يعاقب الشخص عقوبة القذف لمظنة أن يصدر منه ذلك، وإنما كلام عبد الرحمن بن عوف ألحقه بأخف الحدود، وهو ثمانون جلدة، والله أعلم. الدليل السادس: أنه أزال عقله بنفسه بما هو معصية لله، فتؤخذ عليه تصرفاته عقوبة، وزجرًا له عن ارتكاب المعاصي. ويجاب عنه: بأن يقال: نعم قد عصى الله في شربه للخمر، وله على ذلك عقوبة مقدرة في الدنيا على خلاف هل هي حد أو تعزير، وهو في الآخرة إن لم يتب تحت المشيئة، إن شاء الله غفر له، وإن شاء عاقبه وليس ذلك بموجب إلزامه حكمًا زائدا لم يلزمه الله تعالى إياه (٢). الراجح: القول بأن أقوال السكران لغو، وأنه لا يصح منه بيع ولا شراء، ولا عتق، ولا طلاق ولا غيرها هو الأقرب للصواب، والموافق لقواعد الشرع. * * *

стр. 516

المبحث السادس في بيع السفيه الفرع الأول في تعريف السفيه تعريف السفه (١): السفه في الاصطلاح: السفه ضد الرشد، قال الحنفية في تعريفه: خفة تبعث الإنسان على العمل في ماله بخلاف مقتضى العقل (٢). وقال الباجي المالكي: «وأما السفيه فهو الذي لا معرفة له بحفظ ماله ووجه إصلاحه ... » (٣).

стр. 517

[م - ٨٩] فالسفه في الاصطلاح اختلف الفقهاء في تفسيره على قولين: القول الأول: أنه إساءة التصرف في المال، ولا أثر للفسق والعدالة فيه. ويقابله الرشد، وهو إصلاح المال وتنميته، وعدم تبذيره. وهذا تعريف الجمهور من الحنفية، والمالكية، والحنابلة، وقول مرجوح عند الشافعية (١). القول الثاني: وهو الراجح عند الشافعية (٢)، وقول للإمام أحمد: أن السفيه: هو الفساد في الدين والمال معًا. فالفساد في المال يكون بالتبذير والإسراف فيه. والفساد في الدين: أن يكون ساقط العدالة، وذلك يكون بترك الواجبات، وارتكاب المحرمات، والإصرار عليها.

стр. 518

واحتج الشافعي بقوله تعالى: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]. وقال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِن لَّا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٣]. وقال تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ [البقرة:١٤٢]. وكل هذه الآيات هي في سفيه الدين. وقول الجمهور أقوى، وليس الخلاف هل يطلق على الفاسق اسم السفيه أو لا، وإنما الخلاف في السفه في المال، هل يشمل السفه في الدين، فالجمهور على أنه إذا كان الرجل لا يخدع في ماله، وكان حافظًا له، فليس بسفيه، وإن كان فاسقًا. وقولنا: ليس بسفيه يعني في ماله، وإن كان سفيهًا في دينه. وقد سبق لنا أن الصحيح في الرشد أنه يختلف من مقام لآخر. فالرشد في ولي النكاح مثلًا: معرفته بالكفء، ومصالح النكاح، وليس له علاقة بحفظ المال. والرشد في المال: هو حفظه وإصلاحه، ولا يدخل فيه الرشد في الدين، ولو كان صلاح الدين شرطًا في الرشد لوجب الحجر على المنافقين والمبتدعة، بل يجب الحجر على كل من اغتاب مسلمًا ولم يتب من هذه المعصية وذلك لارتكابه كبيرة من كبائر الذنوب، ويجب الحجر على كل من كذب في بيعه، أو غش فيه. * * *

стр. 519

الفرع الثاني في حكم بيع السفيه إذا بلغ الصبي، فإما أن يكون قد بلغ رشيدًا فيدفع إليه ماله بالاتفاق (١)، وإما أن يكون السفه قد استمر معه بعد البلوغ فيمنع عنه ماله باتفاق العلماء. [م - ٩٠] فإن تصرف في ماله في هذه الحالة، فاختلف العلماء في حكم تصرفه على قولين: القول الأول: يرى أبو حنيفة أن تصرفه نافذ، لأنه لا يرى الحجر على الحر البالغ العاقل، وإن كان سفيهًا. فإن قيل: كيف يجوز تصرفه فيه، وهو ممنوع من قبضه؟ قيل: إن مثل ذلك لا يمنع، ألا ترى أن المبيع في يد البائع يمنع المشتري من قبضه قبل تسليم الثمن، ولو أعتقه جاز (٢).

стр. 520

القول الثاني: ذهب المالكية والحنابلة إلى أن تصرفه لا يصح إلا بإذن وليه كالصبي المميز (١). القول الثالث: ذهب الشافعية أن تصرفه باطل مطلقًا أذن له وليه، أو لم يأذن له (٢). [م - ٩١] وإذا بلغ سفيهًا ومنعنا عنه ماله، فمتى يدفع إليه ماله؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين:

стр. 521

القول الأول: يدفع إليه ماله إذا بلغ خمسًا وعشرين سنة، حتى لو استمر معه السفه، وهو مذهب أبي حنيفة. القول الثاني: لا يدفع إليه ماله، ولو بلغ مائة سنة حتى يؤنس منه الرشد، وهذا مذهب الجمهور. [م - ٩٢] وأما إذا بلغ الصبي رشيدًا ثم طرأ عليه السفه: فيرى أبو حنيفة إلى أنه لا يجوز الحجر عليه مطلقًا، فلا يمنع عنه ماله. ويرى الجمهور إلى أنه يعود إليه الحجر (١). أدلة أبي حنيفة على التفريق بين اتصال السفه بالبلوغ ، وبين أن يبلغ رشيدًا، ثم يطرأ عليه السفه: الدليل الأول: أما الدليل على منع المال منه عند البلوغ إذا لم يؤنس منه الرشد بقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:٦] فإذا لم يوجد منه رشد بعد البلوغ لم يدفع المال إليه، لبقاء أثر الصبا عليه، وبقاء أثره كبقاء عينه. وهذا الكلام جيد إلا أن أبا حنيفة يرى أنه لا يدفع له المال في الوقت الذي يصحح له تصرفه فيه، وأي فائدة في ذلك إذ كنا نمنع عنه المال، ونطلق له التصرف فيه، وإنما لم ندفع له المال من أجل حفظه وصيانته عن التبذير، فإذا أطلق له التصرف انتفت الحكمة من منعه ماله.

стр. 522

الدليل الثاني: استدل أبو حنيفة ﵀ على أنه إذا كبر لم يحجر عليه مطلقًا سواء كان سفيهًا أو غير سفيه، ومثله إذا طرأ عليه السفه بعد إيناس الرشد بقوله تعالى ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا﴾ [النساء:٦] معناه مخافة أن يكبروا، فيلزمكم دفع المال إليهم، ودفع المال إليهم هنا مطلق غير معلق بشرط الرشد. ويجاب عن استدلاله: بأن يقال: الأصل في الكبير أن يكون راشدًا، وأن تكون أهليته مكتملة، فالآية سيقت بناء على الأصل، فالسفه عارض، وهو حالة مرضية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى لم تسق الآية في معرض بيان متى يدفع المال لليتيم، وإنما كانت الآية متوجهة إلى تناول الأولياء لمال اليتيم، فنهاهم سبحانه عن أكل مال اليتيم في حالتين: في حالة الإسراف، وفي حالة تقصد مبادرة الأخذ، استغلالًا لوقت الولاية، مخافة أن يصل اليتيم إلى سن الرشد الذي يجب أن يستلم فيه ماله. الدليل الثالث: (ح - ٤١) ما رواه البخاري من طريق عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر ﵁، أن رجلًا ذكر للنبي ﷺ أنه يخدع في البيوع، فقال: إذا بايعت فقل: لا خلابة (١). الدليل الرابع: (ح-٤٢) ما رواه أحمد، قال: حدثنا عبد الوهاب، أخبرنا سعيد، عن قتادة

стр. 523

عن أنس: أن رجلًا على عهد رسول الله ﷺ كان يبتاع، وكان في عقدته - يعني عقله - ضعف، فأتى أهله النبي ﷺ ، فقالوا: يا نبي الله احجر على فلان؛ فإنه يبتاع، وفي عقدته ضعف، فدعاه النبي ﷺ ، فنهاه عن البيع، فقال: يا نبي الله إني لا أصبر عن البيع، فقال ﷺ ، إن كنت غير تارك البيع، فقل هاء وهاء، ولا خلابة (١). [صحيح] (٢). فلم يحجر عليه الرسول ﷺ ماله، وأباح له التصرف فيه، ولو كان الحجر واجبًا لما تركه النبي ﷺ يبيع، وهو مستحق المنع منه. وأجيب عن هذا الحديث بأجوبة منها: الجواب الأول: بأن هذه قضية عين لا عموم لها، وأن النبي ﷺ لم ينكر عليهم طلب الحجر، ولكن خصه بهذا الحكم بعد أن قال: لا أصبر عن البيع، فلا يقاس عليه غيره (٣).

стр. 524

ويجاب: بأنه لا يوجد أحد يخص عينه بحكم من الأحكام، وإنما الاختصاص بالوصف، فقد يقال: إن الحجر ليس بواجب؛ لأن الرسول ﷺ أقرهم على طلبهم الحجر، ولم يجعله لازمًا، وعالج الأمر باشتراط عدم الخديعة. الجواب الثاني: أن الغبن ربما كان يسيرًا، ولذلك لم يحجر عليه الرسول ﷺ ، قال الخطابي: «وهذا الحديث إنما جاء في قصة حبان بن منقذ، ولم يذكر صفة سفهٍ، ولا إتلافًا لماله، وإنما جاء أنه كان يخدع في البيع، وليس كل من غبن في شيء يجب أن يحجر عليه، وللحجر حد، فإذا لم يبلغ ذلك الحد لم يستحق الحجر» (١). ويجاب عن ذلك: بأن الغبن اليسير لا يكاد ينفك عنه أحد، ولو حكمنا برد البيع لوجود الغبن اليسير ما نفذ بيع أبدًا، وإنما يرد البيع بوجود الغبن الفاحش (٢)، وقد ترك الرسول ﷺ الاستفصال هل كان الغبن يسيرًا أو فاحشًا؟ وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال. الجواب الثالث: ربما أذن له الرسول ﷺ في البيع؛ لأنه لم يكن محجورًا عليه، فيكون سفيهًا مهملًا، والمنع إنما يكون على السفيه المحجور عليه، ويجاب: بأن أهله قد طلبوا الحجر عليه من الرسول ﷺ ، ومع ذلك لم يحجر عليه،

стр. 525

وأذن له بالتصرف، وأرشده إلى الاشتراط، مع أن أسباب الحجر قائمة، وهي ضعف العقل، مع كون هذا الضعف مؤثرًا في كونه يخدع في البيع. الجواب الرابع: وقيل من الأجوبة: إن الرسول ﷺ لم يرض له البيع إلا باشتراط عدم الغبن، فإذا انتفى الغبن بالشرط لم يكن للحجر معنى. ونوقش هذا: قال الجصاص: ليرض القائلون بالحجر منا على ما رضيه النبي ﷺ لهذا السفيه الذي كان يخدع في البيع، وليس أحد من الفقهاء يشترط ذلك على السفهاء، لا من القائلين بالحجر، ولا من نفاته؛ لأن من يرى الحجر يقول: يحجر عليه الحاكم، ويمنعه من التصرف، ولا يرون إطلاق التصرف له مع التقدمة إليه بأن يقول عند البيع: لا خلابة. ومبطلو الحجر يجيزون تصرفه على سائر الأحوال (١). وقد يقال: ليس كل محجور عليه مولعًا بالبيع، لا يستطيع أن يمنع نفسه منه، فالأصل في الحجر أنه يمنع المحجور من التصرف، لكن لو كان المحجور بمثل حبان بن منقذ، لا يستطيع أن يمنع نفسه من البيع، وقول الصحابي: أنه لا يستطيع دليل على غلبة هذا الأمر على نفسه، وأن في منعه من ذلك أذى لا يمكن أن يتحمله، فإنه يمكن أن يعالج هذا بهذا العلاج النبوي، وهو اشتراط عدم الخديعة، والله أعلم. الدليل الخامس لأبي حنيفة: يمكن أن يستدل لأبي حنيفة: بأن السفيه البالغ أهليته كاملة فيما يتعلق بحقوق

стр. 526

الله تعالى، فلا يسقط عنه صلاة، ولا صيام، ولا زكاة، ولا حج، وذمته صالحة لأن تكون مشغولة بالتكاليف، مع أن حق الله مبني على المسامحة، قال القرافي في الذخيرة: «السفيه البالغ يلزمه جميع حقوق الله تعالى التي أوجبها على عباده في بدنه وماله .. » (١)، فإذا وجب عليه حقوق الله تعالى فالتصرف في ماله أخف، أرأيت الصبي الذي لم يبلغ لا يجب عليه شيء من حقوق الله، وإذا تصرف بإذن وليه جاز، فلما كان السفيه مكلفًا في حقوق الله دل على أن أهليته كاملة لأن يتصرف في ماله بيعًا وشراء ونحوهما. الدليل السادس: بأن الحجر على الحر البالغ العاقل إهدار لآدميته، وإلحاق له بالبهائم، وهو أشد ضررًا من التبذير، أو من الضرر اللاحق بالغرماء، ولا يجوز تحمل الضرر الأعلى لدفع الضرر الأدنى (٢). ويجاب: بأن الحجر عليه مراعاة لمصلحته، فإنه لو ترك له التصرف أهلك ماله، فدفعه إلى الحاجة، فإذا حفظ ماله، وأنفق عليه منه على قدر حاجته لم يحتج لأحد، واستغنى عن الناس بماله. دليل أبي حنيفة على دفع المال إليه إذا بلغ خمسًا وعشرين سنة ولو كان سفيهًا: أن الحجر عليه إن كان من قبيل التعزيز على تبذيره المال، فإنه إذا بلغ خمسًا

стр. 527

وعشرين سنة فقد انقطع رجاء التأديب؛ لأنه يتوهم أن يصير جَدًا في هذه المدة (١). وإن كان المنع مراعاة لمصلحته، فإن الإنسان في أول أحوال البلوغ قد لا يفارقه السفه لقربه بزمان الصبا، وبعد تطاول الزمان به لا بد من أن يستفيد رشدًا ما، بطريق التجربة والامتحان؛ إذ التجارب لقاح العقول، والشرط قوله تعالى ﴿فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:٦] وكلمة: (رشد) نكرة في سياق الشرط، فتعم أي رشد، ويتحقق بأدنى ما ينطلق عليه الاسم كما في سائر الشروط المنكرة فسقط المنع أي منع المال بوجود هذا النوع من الرشد (٢). دليل الجمهور على الحجر على السفيه مطلقًا، اتصل بالبلوغ أو طرأ بعده الدليل الأول: استدل الجمهور بقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:٦] فدفع المال للصبي موقوف على تحقق شرطين: الأول: البلوغ، فلا يدفع إليه ماله قبله. الثاني: إيناس الرشد منه. (ث - ٦) وقد روى مسلم في صحيحه من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه. «عن يزيد بن هرمز أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله، عن خمس خلال، وفيه: وكتبت تسألني متى ينقضي يتم اليتيم، فلعمري إن الرجل لتنبت لحيته، وإنه

стр. 528

لضعيف الأخذ لنفسه، ضعيف العطاء منها، فإذا أخذ لنفسه من صالح ما يأخذ الناس، فقد ذهب عنه اليتم ... » (١). الدليل الثاني: قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء:٥] فنهينا أن نعطي السفيه المال، وهو مطلق يشمل السفه المتصل بالبلوغ، والسفه الذي عاد إليه بعد أن كان رشيدًا. الدليل الثالث: قال تعالى: ﴿فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة:٢٨٢]. وجه الاستدلال: قال الشافعي: أثبت الولاية على السفيه والضعيف والذي لا يستطيع أن يمل هو، وأمر وليه بالإملاء عليه؛ لأنه أقامه فيما لا غناء به عنه من ماله مقامه (٢). ونوقش هذا الاستدلال: بأن شيخ المفسرين الطبري ﵀ قد رجح أن السفيه هنا هو الجاهل، وبين في تفسيره أن السفه في لغة العرب يأتي بمعنى الجهل، واستدل على ذلك، بأن الله ابتدأ الآية بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢]. والصبي والسفيه لا يجوز مداينته، وقد استثنى الله ثلاثة أشياء من الإملال، وهم السفيه والضعيف والذي لا يستطيع أن يمل هو، وهؤلاء الثلاثة أشخاص

стр. 529

مختلفون وليسوا صنفًا واحدًا، وكلهم تجوز مداينتهم، ولكنهم لا يستطيعون توثيق هذا الدين بالكتابة، فصار السفيه: هو الجاهل بالإملال، فوضع عنه فرض الإملال بجهله موضع صواب ذلك من خطئه. والموصوف بالضعف: هو العاجز عن إملاله، إما لعي لسانه أو خرس به، وإن كان شديدًا رشيدًا. وأن الموصوف بأنه لا يستطيع أن يمل هو: الممنوع عن إملاله إما لغيابه أو لحبسه ونحوهما. والولي هنا ليس ولي السفيه ومن ذكر معه، وإنما المقصود ولي الحق. قال الطبري: ولا وجه لقول من زعم أن السفيه في هذا الموضع: هو الصغير، وأن الضعيف: هو الأكبر الأحمق؛ لأن ذلك إن كان كما قال: يوجب أن يكون قوله أو لا يستطيع أن يمل هو: هو العاجز من الرجال العقلاء الجائزي الأمر في أموالهم وأنفسهم عن الإملال، إما لعلة بلسانه من خرس أو غيره من العلل وإما لغيبته عن موضع الكتاب، وإذا كان ذلك كذلك بطل معنى قوله: فليملل وليه بالعدل؛ لأن العاقل الرشيد لا يولى عليه في ماله، وإن كان أخرس أو غائبًا، ولا يجوز حكم أحد في ماله إلا بأمره (١). الدليل الرابع: (ث -٧) ما رواه الدارقطني، قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن الحسن الصواف، أخبرنا حامد بن شعيب نا سريج بن يونس، أخبرنا يعقوب ابن إبراهيم - هو أبو يوسف القاضي - نا هشام بن عروة عن أبيه. أن عبد الله بن جعفر أتى الزبير، فقال: إني اشتريت بيع كذا وكذا، وأن عليا يريد أن يأتي أمير المؤمنين

стр. 530

فيسأله أن يحجر على فيه، فقال الزبير: فأنا شريكك في البيع، فأتى على عثمان فقال: إن ابن جعفر اشترى بيع كذا وكذا، فأحجر عليه فقال الزبير: فأنا شريكه في البيع، فقال عثمان: كيف أحجر على رجل في بيع شريكه فيه الزبير (١). [أعله أحمد بتفرد أبي يوسف فيه] (٢).
следующие страницы →