الراجح:
بعد استعراض الأدلة أجد أن القول بأن الإقالة لا تسقط حق الشفيع هو الأقوى، والله أعلم.
* * *
стр. 4657
المبحث الرابع
إذا رد المشتري المبيع بسبب العيب
[م-١٠٨١] إذا اشترى الرجل شركًا في عقار، ثم أراد المشتري رد المبيع بسبب وجود عيب فيه، فهل للشفيع أن يأخذ المبيع، ويبطل الرد؟
اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
إن رد المشتري المعيب بقضاء قاضٍ فلا شفعة للشفيع؛ لأنه فسخ من كل وجه، وإن رده بعد القبض بغير قضاء فللشفيع الشفعة. وهذا مذهب الحنفية (١).
وجه ذلك:
أن الرد بالعيب إذا كان بغير قضاء وإنما بتراضيهما فإنه فسخ في حق العاقدين، بيع جديد في حق ثالث، لوجود حد البيع: وهو مبادلة المال بالمال بالتراضي، والشفيع ثالث، ومراده الرد بالعيب بعد القبض؛ لأن قبله فسخ من الأصل وإن كان بغير قضاء.
القول الثاني:
يحق للشفيع إبطال الرد، وأخذه بالشفعة مطلقًا، وهذا قول ابن القاسم من المالكية، وأظهر القولين عند الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (٢).
стр. 4658
قال في الحاوي: «لو حضر الشفيع وقد رده المشتري بالعيب كان للشفيع إبطال رده، واسترجاع الشقص من بائعه؛ لأن الرد بالعيب قطع للعقد، وليس برافع للأصل، فلم يكن للمشتري إبطال حق الشفيع، كما لو باعه المشتري وأراد الشفيع إبطال بيعه كان له ليتوصل إلى شفعته» (١).
وجه القول بثبوت الشفعة:
أن حق الشفيع ثبت بالعقد، وهو سابق على الرد بالعيب، فلا يبطله.
القول الثالث:
تسقط الشفعة مع الرد بالعيب، اختاره أشهب من المالكية، وأحد الوجهين في مذهب الشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (٢).
وجه القول بسقوط الشفعة:
أن الرد بالعيب نقض للعقد من أصله، فيسقط حق الشفيع بالأخذ.
الراجح:
أن الرد بالعيب لا يسقط حق الشفيع من الأخذ بالشفعة، والله أعلم.
* * *
стр. 4659
الباب الخامس
في مسقطات الشفعة
الفصل الأول
في تنازل الشفيع عن الشفعة
المبحث الأول
في تنازل الشفيع قبل البيع
[م-١٠٨٢] إذا تنازل الشفيع عن الشفعة قبل البيع، فهل يسقط ذلك شفعته؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
ليس ذلك مما يقطع شفعته، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة (١).
جاء في المبسوط: «ولو سلم الشفعة قبل الشراء كان ذلك باطلًا؛ لأن
стр. 4660
وجوب حقه بالشراء، والإسقاط قبل وجود سبب الوجود يكون لغوًا كالإبراء عن الثمن قبل البيع» (١).
وجاء في المدونة: «أرأيت إن قال رجل: يا فلان اشتر هذا النصف من هذه الدار، فقد سلمت لك شفعتي، وأشهد له بذلك، فاشتراها ثم طلب شفعته، وقد كان سلمها له قبل الاشتراء؟
قال: قال مالك: له أن يأخذ بالشفعة، وليس تسليمه ـ وإن أشهد على ذلك قبل الاشتراء ـ بشيء، وليس ذلك مما يقطع شفعته» (٢).
وقال ابن قدامة: «وإن أذن الشريك بالبيع، ثم طلب بالشفعة بعد وقوع البيع فله ذلك» (٣).
وجه من قال بعدم سقوط الشفعة:
أن إسقاط الشفعة قبل البيع هو من باب إسقاط الحق قبل وجوبه، وذلك لا يصح.
القول الثاني:
إذا تنازل الشفيع عن الشفعة قبل البيع سقطت شفعته، وهو قول إسحاق ابن راهويه، ورواية عن الإمام أحمد، وبه قال الحكم والثوري وأبو عبيد، وأبو خيثمة، وطائفة من أهل الحديث، ورجحه ابن تيمية وابن القيم (٤).
стр. 4661
دليل من قال: بصحة الإسقاط:
(ح-٦٥٥) ما رواه مسلم من طريق ابن جريج، عن أبي الزبير،
عن جابر قال: قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل شركة لم تقسم ربعة أو حائط، لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك، فإذا باع ولم يؤذنه فهو أحق به (١).
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ : (فإذا باع ولم يؤذنه فهو أحق به) مفهومه أنه إن باعه وقد آذنه فلا حق له. قال الزركشي: وهذا ظاهر (٢).
وأجيب:
بأن الحديث محمول على الندب إلى إعلام الشريك، وكراهة بيعه قبل إعلامه كراهة تنزيه، وليس فيه تعرض لإسقاط الشفعة بعد العرض (٣).
وقد فهم ابن حزم من الحديث وجوب إعلام الشريك مع القدرة عليه (٤).
وقال ابن القيم في بدائع الفوائد: «حرم النبي ﷺ على الشريك البيع قبل استئذان شريكه» (٥).
وذهب جمهور العلماء على أن في الحديث قرينة على أن المراد بقوله: (لا
стр. 4662
يحل له أن يبيع) ليس معناه التحريم، إذ لو كان محرمًا لم يقل في آخر الحديث: فإن باع ولم يؤذنه فهو أحق به، ويكون معنى لا يحل له: أي يكره له، ويصدق على المكروه أنه ليس بحلال، ويكون الحلال: بمعنى: المباح: وهو مستوي الطرفين، والمكروه ليس بمستوي الطرفين، بل هو راجح الترك (١).
واعترض الشوكاني على هذا التأويل بأن المكروه من أقسام الحلال كما تقرر في الأصول (٢).
قلت: ما تقرر في اصطلاح الأصول لا يلزم أن يكون مسلمًا في لغة الشرع، فالمكروه عند الأصوليين ليس هو المكروه عند السلف.
وقال القرطبي في شرح مسلم: «هو محمول على الإرشاد إلى الأولى بدليل قوله: (فإذا باع ولم يؤذنه فهو أحق به) ولو كان ذلك على التحريم لذم البائع، ولفسخ البيع، لكنه أجازه وصححه، ولم يذم الفاعل، فدل على ما قلناه، وقد قال بعض شيوخنا: إن ذلك يجب عليه» (٣).
ويمكن أن يقال: إن التحريم والصحة غير متلازمين لكن القرينة عندي في صرف النهي عن التحريم: كون النهي عن البيع قبل إعلام الشريك ليس لحق الله، وإنما هو لحق الشريك، وحق الشريك محفوظ سواء أخبره قبل البيع أو لم يخبره حتى باع، وما دام أن حقه قد حفظ لم يبلغ النهي التحريم، كما في النهي عن تلقي الجلب، وإذا تلقاه كان صاحبه بالخيار، والنهي عن تلقي الجلب للكراهة، وليس للتحريم، والله أعلم.
стр. 4663
الراجح من الخلاف:
إسقاط ما لم يجب ولا جرى سبب وجوده، هل يعتبر إسقاطًا، أو مجرد وعد بالإسقاط لا يلزم منه الإسقاط مستقبلًا، ويجوز الرجوع فيه والعود إلى المطالبة بالحق.
والوعد بالشيء إن كان على سبيل المعاوضة كالمواعدة على بيع شيء أو على شرائه لا يعتبر بيعًا، ولا يلزم الواعد قولًا واحدًا عند فقهائنا المتقدمين، وفيه خلاف حادث للمعاصرين حررته في بيع المرابحة للآمر بالشراء.
وإن كان الوعد على سبيل التبرع كما هو في مسألتنا هذه ففيه خلاف بين الفقهاء المتقدمين، والجمهور على أن الوعد بالتبرع لا يلزم، وذهب المالكية في قول إلى لزومه إن كان هذا الوعد قد أدخل الموعود في كلفة ومشقة، وسبق تحرير هذه المسألة أيضًا في عقد المرابحة للآمر بالشراء فأغنى ذلك عن إعادة هذه المسألة هنا. وبناء على تخريج المسألة على مذهب المالكية قد يختلف الأمر بين أن يعد البائع بأنه لا يأخذ بالشفعة، وبين أن يعد الشفيع المشتري بذلك، فالبائع لم يدخل في أي كلفة بوعده بعدم الأخذ؛ لأن رغبته بالبيع ليست متوقفة على ترك الشفيع الشفعة، بخلاف المشتري فإنه ربما حمله وعد الشفيع بعدم الأخذ بالإقبال على الشراء، وهذا التخريج قد يعد مقبولًا لو لم يكن هناك قول صريح للمالكية في المسألة، وما دام لهم قول صريح فلا أرى حاجة إلى هذا التخريج، والله أعلم.
* * *
стр. 4664
في تنازل الشفيع عن الشفعة بعد البيع
الفرع الأول
إسقاط الشفيع شفعته صراحة
[م-١٠٨٣] إذا صرح الشفيع بإسقاط حقه سقطت شفعته، وهذا لا نزاع فيه.
فالتنازل الصريح: نحو أن يقول الشفيع: أبطلت الشفعة، أو أسقطتها، أو أبرأتك عنها، أو نحو ذلك؛ لأن الشفعة خالص حقه، فيملك التصرف فيها استيفاء وإسقاطًا كالإبراء عن الدين، سواء علم الشفيع بالبيع أو لم يعلم بشرط أن يكون بعد البيع (١).
قال ابن جزي: «وتسقط الشفعة إذا أسقطها بعد الشراء» (٢).
* * *
стр. 4665
الفرع الثاني
إسقاط الشفيع شفعته دلالة وضمنًا
[م-١٠٨٤] إذا تصرف الشفيع بما يدل على رضاه بالبيع، وعدم الأخذ بالشفعة فهل تسقط شفعته؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
إذا تصرف بما يدل على رضاه بالبيع سقطت شفعته ضمنًا عند جماهير العلماء (١).
قال السرخسي: «وإذا اشترى الرجل أرضًا، فاستأجرها الشفيع منه أو أخذها مزارعة، أو كان فيها نخيل فأخذها معاملة بعد علمه بالشراء أو ساوم بها فقد بطلت شفعته; لأن إقدامه على هذه التصرفات دليل الرضا بتقرر ملك المشتري فيها، ودليل الرضا كصريح الرضا والاستيام دليل إبطال حق الشفعة; لأنه طلب التملك منه بسبب يباشره باختياره ابتداء وذلك يتضمن تقرره على مباشرة هذا السبب فيكون إسقاطا للشفعة دلالة» (٢).
وقال الكاساني: «وأما بطلان الشفعة من طريق الدلالة فهو أن يوجد من الشفيع ما يدل على رضاه بالعقد، وحكمه للمشتري، وهو ثبوت الملك له؛ لأن حق الشفعة مما يبطل بصريح الرضا، فيبطل بدلالة الرضا أيضًا .... »
стр. 4666
ثم ذكر أمثلة مما يدل على إسقاط الشفعة عن طريق الدلالة منها: «إذا ساوم الشفيع الدار من المشتري، أو سأله أن يوليه إياها، أو استأجرها الشفيع من المشتري، أو أخذها مزارعة، أو معاملة، وذلك كله بعد علمه بالشراء؛ لأن ذلك كله دليل الرضا، أما المساومة ; فلأنها طلب تمليك بعقد جديد وأنه دليل الرضا بملك المتملك وكذلك التولية; لأنها تملك بمثل الثمن الأول من غير زيادة ولا نقصان، وأنها دليل الرضا بملك المتملك. وأما الاستئجار والأخذ معاملة أو مزارعة ; فلأنها تقرير لملك المشتري فكانت دليل الرضا بملكه» (١).
وقال ابن جزي: «وتسقط الشفعة إذا أسقطها بعد الشراء ... وكذلك تسقط إذا ساوم المشتري في الشقص أو اكتراه منه، وسكت حتى أحدث فيه غرسًا أو بناه» (٢).
وجاء في شرح الخرشي: «الشفيع إذا طلب مقاسمة المشتري في الشقص فإن شفعته تسقط بذلك، وإن لم تحصل مقاسمة بالفعل، وسواء كانت المقاسمة في الذات أو في منفعة الأرض للحرث، أو الدار للسكنى، وأما قسمة الغلة فلا تسقطها عند ابن القاسم خلافا لأشهب، وكذلك تسقط الشفعة إذا اشترى الشفيع الشقص من المشتري؛ لأن شراءه دليل على إسقاط شفعته، وظاهره ولو جاهلا بحكم الشفعة، وهو كذلك؛ لأن المذهب أن الشفعة لا يعذر فيها بالجهل، وفائدة سقوط الشفعة بشراء الشقص مع أن الشفيع قد ملكه بالشراء تظهر فيما إذا كان الثمن المشترى به أكثر من ثمن الشفعة، وأيضا الشراء قد يقع بغير جنس الثمن الأول، وكذلك تسقط الشفعة إذا ساوم الشفيع في الحصة المشتراة، وأما
стр. 4667
لو أراد الشراء أو المساومة فإنه لا تسقط شفعته، وكذلك تسقط الشفعة إذا أخذ الشفيع الحصة التي له فيها الشفعة مساقاة، أي جعل نفسه مساقيا عند المشتري للحصة، ومثله إذا استأجر الشفيع الحصة من المشتري ومقتضى حمل المساقاة على هذا المعنى أن الشفيع لو دفع حصته للمشتري مساقاة أن شفعته لا تسقط، ولا فرق بين أن يستأجر بالفعل أو يدعو إليه» (١).
القول الثاني:
ذهب الشافعية في قول عندهم إلى أن الشفعة لا تسقط إلا بالصريح دون التعريض، وحجتهم في هذا أن الله فرق في خطبة النساء بين التعريض والتصريح، فحرم التصريح، وأباح التعريض فدل على وجود فرق بينهما (٢).
قال تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٥].
وأما سكوته بعد علمه بالبيع فهل يعتبر تسليمًا للشفعة، وإسقاطًا لحقه؟ فيه خلاف، وهو راجع إلى مسألة سابقة سبق تحريرها، هل طلب الشفعة على الفور أو على التراخي؟ فمن قال: الشفعة على الفور اعتبر سكوته مسقطًا لشفعته، ومن قال: هي على التراخي لم يسقط الشفعة بالسكوت، والله أعلم.
* * *
стр. 4668
الفصل الثاني
في التنازل عن الشفعة في مقابل عوض
المبحث الأول
في المعاوضة على حق الشفعة
حقوق الآدميين تقبل من المعاوضة والبدل ما لا يقبلها حقوق الله تعالى (١).
حق الشفعة حق آدمي محض يتعلق بالمال فيجوز إسقاطه بعوض (٢).
وهذا أصح من قول الحنفية: الحقوق لا تحتمل الإفراد بالبيع (٣).
[م-١٠٨٥] إذا صالح المشتري الشفيع على مال ليتنازل عن الشفعة، فهل يصح أخذ العوض عن حق الشفعة، أو لا يصح؟
وقبل الجواب على ذلك نقول: الحقوق تنقسم إلى قسمين:
حق مالي: وهي الحقوق التي تقوم بالمال، وتقبل التنازل عنها، والانتقال من شخص إلى آخر، كحق القصاص، وحق المرور، وحق المسيل، وحق الشرب فهذه يجوز المعاوضة عليها.
وحق غير مالي: لا يقوم بالمال كحق الولاية، وحق حرية التنقل، وحق الحضانة.
стр. 4669
وحق الشفعة متردد بين الحقين: فمنهم من اعتبره حقًا ماليًا يقبل المعاوضة اعتبارًا بأصله؛ لأنه تنازل عن مال، وقياسًا على المعاوضة على الخلع، والمعاوضة على حق رد السلعة المعيبة.
قال ابن رشد: «فإن اتفقا ـ أي العاقدان ـ على أن يمسك المشتري سلعته، ويعطيه البائع قيمة العيب، فعامة فقهاء الأمصار يجيزون ذلك» (١).
لأن خيار الرد بالعيب حق للمشتري، وهذا الحق له أن يستوفيه برد السلعة، وله أن يأخذ العوض على هذا المال بشرط أن يكون ذلك بالتراضي بين العاقدين، فإذا تراضيا على دفع عوض مقابل إسقاط هذا الحق جاز.
وإذا جازت المعاوضة على خيار الرد جازت المعاوضة على خيار الترك.
ومنهم من اعتبر حق الشفعة ليس حقًا ماليًا؛ لأن حق الشفعة غاية ما فيه أنه يعطي صاحبه حق التملك، وحق التملك ليس حقًا ماليًا حتى يعاوض عليه الإنسان، وإن كان يتعلق بالمال.
ومثله لو طلب رجل من إنسان ترك الشراء في بيع المزايدة مقابل مقدار معين من المال، هل له أن يأخذ هذا؟ أو يعتبر هذا من أكل مال الناس بالباطل.
إذا علم هذا فقد اختلف الفقهاء في الصلح عن حق الشفعة مقابل عوض مالي على قولين:
القول الأول:
لا يصح الصلح، ولا يثبت العوض، وهذا مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة (٢).
стр. 4670
جاء في الحاوي: «وإذا صالح الشفيع المشتري على ملك يأخذه منه عوضًا على ترك الشفعة لم يجز، وكان صلحًا باطلًا وعوضًا مردودًا كما لا يجوز أن يعاوض على ما قد استحقه من دين أو خيار مجلس، أو شرط ... » (١).
وجه القول ببطلان الصلح:
أن ترك الشفعة ليس بمال، ولا يؤول مالًا بحال، فالاعتياض عنه بمال لا يجوز.
القول الثاني:
يجوز أخذ العوض في مقابل التنازل عن حق الشفعة، وهو مذهب المالكية، وبه قال أبو إسحاق المروزي من الشافعية، وخرج ابن رجب صحة المعاوضة على حق الشفعة على صحة المعاوضة على ترك وضع الخشب على جدار ونحوه، ورجحه شيخنا ابن عثيمين (٢).
جاء في المدونة: «قال مالك: إذا أسلم الشفعة بعد وجوب الصفقة بمال أخذه فذلك جائز» (٣).
стр. 4671
وقال ابن رجب: «وتجوز المعاوضة بعوض على إسقاط حقه من وضع الخشب على جدار ونحوه، ذكره في المجرد ........
قال أحمد في رواية ابن منصور: الشفعة لا تباع ولا توهب، وحمل القاضي قوله: لا تباع على أن المشتري ليس له أن يصالح الشفيع عنها بعوض، قال: لأنه خيار لا يسقط إلى مال، فلم يجز أخذ العوض عنه كخيار الشرط والمجلس، بخلاف خيار القصاص والعيب؛ لأنه يسقط إلى الدية والأرش، والأظهر حمل قول أحمد: لا تباع ولا توهب على أن الشفيع ليس له نقلها إلى غيره بعوض ولا غيره، فأما مصالحته للمشتري فهو كالمصالحة على ترك وضع الخشب على جدار ونحوه» (١).
الراجح:
القول بجواز المعاوضة على التنازل عن حق الشفعة؛ لأنه حق آدمي يتعلق بالمال، ولم يكن في المعاوضة عليه محذور شرعي فلم يمنع من أخذ العوض عليه، والله أعلم.
* * *
стр. 4672
المبحث الثاني
في بقاء حق الشفعة بعد طلب العوض
[م-١٠٨٦] إذا طلب الشفيع عوضًا ماليًا مقابل التنازل عن الشفعة، فهل يسقط ذلك حقه من الشفعة عند القائلين بعدم صحة أخذ العوض على حق الشفعة؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
إذا طلب الشفيع عوضًا مقابل التنازل سقط حقه من الشفعة، وهذا مذهب الحنفية، وأحد الوجهين في مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة (١).
واشترط الشافعية في أحد الوجهين لسقوط الشفعة علمه ببطلان المعاوضة عليها، فإن كان لا يعلم لم يسقط حقه في الشفعة.
قال الغزالي: «لو صالح الشفيع بطلت شفعته، ولم يثبت العوض إن كان عالمًا بالبطلان، فإن ظن الصحة فوجهان، والأولى ألا يبطل» (٢).
стр. 4673
وقال في مغني المحتاج: «لا يصح الصلح عن الشفعة بحال .... وتبطل شفعته إن علم بفسادها» (١).
وجه هذا القول:
الوجه الأول:
أن الإعراض عن الشفعة يسقطها سواء كان ذلك صراحة أو دلالة، فإذا طلب المعاوضة عليها فقد أعرض عن الأخذ بالشفعة دلالة، فسقطت.
ونوقش هذا:
بأن الترك مشروط بعوض، فلما بطل العوض بطل الترك.
الوجه الثاني:
أن الواجب على الشفيع أن يطالب بالشفعة فورًا من حين علمه بها، فإذا طلب المعاوضة عليها فاتت الفورية في طلب الشفعة، فسقطت.
ويناقش:
بأن الراجح أن الشفعة لا تجب على الفور، بل على التراخي.
القول الثاني:
لا تسقط الشفعة، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعية، واختاره القاضي وابن عقيل من الحنابلة (٢).
جاء في الحاوي: «وإذا صالح الشفيع المشتري على ملك يأخذه منه عوضًا على ترك الشفعة لم يجز، وكان صلحًا باطلًا وعوضًا مردودًا .....
стр. 4674
وفي بطلان شفعته بذلك وجهان:
أحدهما: قد بطلت؛ لأنه تارك لها.
والوجه الثاني: أنها لا تبطل؛ لأن الترك مشروط بعوض، فلما بطل العوض بطل الترك» (١).
الراجح:
إذا كنت رجحت في المسألة السابقة جواز المعاوضة بمال على حق الشفعة باعتباره حقًا آدميًا محضًا متعلقًا بالمال فإذا جاز ذلك لم يسقط حق الشفيع بالشفعة بمجرد طلبه الصلح على إسقاطه، والله أعلم.
* * *
стр. 4675
الفصل الثالث
سقوط الشفعة بعجز الشفيع عن الثمن
[م-١٠٨٧] يشترط في الشفيع أن يكون قادرًا على دفع الثمن، فإن عجز عن الثمن أو عجز عن بعضه فلا شفعة له، ومثل العاجز الممتنع مع قدرته، والمماطل.
فإن أخذ بالشفعة ولم يكن معه ثمن، فقد اختلف العلماء في سقوط الشفعة بذلك على قولين:
القول الأول:
ذهب جمهور العلماء بأن الشفيع إذا أخذ بالشفعة، ولم يكن معه ثمن أمهل إلى ثلاثة أيام، فإن أحضر الثمن خلالها وإلا فسخت شفعته، وهل يفتقر الفسخ إلى حكم حاكم على قولين.
جاء في البحر الرائق: «الشفيع إذا طلب الشفعة، فقال المشتري: هات الدراهم، وخذ شفعتك، فإن أمكنه إحضار الدراهم في ثلاثة أيام، وإلا بطلت شفعته» (١).
وجاء في مغني المحتاج: «وإذا ملك الشفيع الشقص بغير الطريق الأول، وهو تسليم العوض، لم يكن له أن يتسلم الشقص حتى يؤدي الثمن، وإن تسلمه
стр. 4676
المشتري قبل أداء الثمن، ولا يلزم المشتري أن يؤخر حقه بتأخير البائع حقه، فإن غاب أمهل ثلاثة أيام، فإن مضت، ولم يحضر الثمن فسخ الحاكم التملك، وقيل: يبطل بلا فسخ» (١).
وجاء في كشاف القناع: «وإن طلب الشفيع الإمهال لتحصيل الثمن أمهل يومين أو ثلاثة أيام؛ لأنها حد جمع القلة، فإذا مضت الأيام الثلاثة، ولم يحضره: أي يحضر الشفيع الثمن، فللمشتري الفسخ؛ لأنه تعذر عليه الوصول إلى الثمن، فملك الفسخ كبائع بثمن حال، من غير حاكم؛ لأن الأخذ بالشفعة لا يقف على حكم حاكم، فلا يقف فسخ الأخذ بها عليه» (٢).
قال ابن قدامة: «أن يكون الشفيع قادرًا على الثمن؛ لأن أخذ المبيع من غير دفع الثمن إضرار بالمشتري، وإن عرض رهنًا أو ضمينًا أو عوضًا عن الثمن لم يلزمه قبوله؛ لأن في تأخير الحق ضررًا، وإن أخذ بالشفعة لم يلزم تسليم الشقص حتى يتسلم الثمن، فإن تعذر تسليمه قال أحمد: يصبر يومًا أو يومين، أو بقدر ما يرى الحاكم، فأما أكثر فلا، فعلى هذا إن أحضر الثمن وإلا فسخ الحاكم الأخذ، ورده إلى المشتري» (٣).
القول الثاني:
ذهب المالكية إلى تفصيل في المسألة، على النحو التالي:
الحال الأولى:
أن يقول الشفيع بلفظ المضارع: أنا آخذ، أو اسم الفاعل ولا يقول: قد أخذت.
стр. 4677
فالحكم في هذه الحالة: بأن يؤجل الشفيع لإحضار الثمن ثلاثة أيام، فإن أحضره، وإلا سقطت شفعته؛ لأن كلًا من المضارع، واسم الفاعل محتمل للوعد، وليس صريحًا في الأخذ.
الحال الثانية:
أن يقول الشفيع: أخذت بالشفعة بصيغة الماضي، فإن لم يكن عالمًا بالثمن فلا يلزمه الأخذ إذا عرفه، فله الرجوع عن الأخذ إذا عرف الثمن، وإن قال: أخذت بالشفعة، وهو عالم بالثمن فهنا المشتري له ثلاثة أحوال: إما أن يسلم له، أو يسكت، أو يمتنع.
فإن قال المشتري: قد سلمت لك الشقص بعد أن قال الشفيع: أخذت بالشفعة فهنا قد انعقد البيع بينهما، فلا رجوع لأحدهما إلا برضاهما، فإن عجز عن الثمن بيع الشقص من مال الشفيع، إلا أن يشترط عليه إن أتاه بالثمن وإلا فلا شفعة، فيعمل بشرطه.
وإن سكت المشتري بعد أن قال الشفيع أخذت بالشفعة فإنه يؤجله الحاكم باجتهاد ليأتي بالثمن فإن ذهب الأجل ولم يأت بالثمن خير المشتري في بيع الشقص، وفي إسقاط الشفعة.
وإن قال المشتري: أخذت بالشفعة، وأبى المشتري فإن عجل له الشفيع الثمن أجبر على دفعه للشفيع، وإن لم يعجل له ذلك فإن الحاكم يبطل شفعته حيث أراد المشتري ذلك. هذا ملخص مذهب المالكية (١).
وتفريق المالكية بين صيغة المضارع وبين صيغة الماضي تفريق جيد باعتبار أن
стр. 4678
المضارع وعد بالأخذ بخلاف صيغة الماضي إلا أن يكون هناك عرف من كون المضارع يعني الجزم بالأخذ فلا يصح التفريق.
وأما تفريق المالكية بين أن يقول المشتري قد سلمت، أو يسكت أو يمتنع فلا أرى وجهًا لهذا التفريق؛ لأن الشفعة قائمة على الإيجاب فقط دون القبول، فلا يراعى قبول المشتري في حكم الشفعة؛ لأنها انتزاع لا يقوم على الرضا أصلًا، فإذا قال الشفيع: قد أخذت بالشفعة لزمته الشفعة إلا أن المبيع يحبس عند المشتري إلى حين أن يدفع الثمن، فإن لم يسلم الثمن فسخت الشفعة كما لو عجز عن دفع ثمن المبيع، ولا يقال: يباع المبيع من مال الشفيع هذا ما ترجح لي، والله أعلم.
* * *
стр. 4679
الفصل الرابع
سقوط الشفعة بموت الشفيع
الشفعة من حقوق الملك فإذا انتقل الملك انتقل بحقوقه (١).
وقال الزركشي: الضابط: أن ما كان تابعًا للملك يورث عنه كخيار المجلس، وسقوط الرد بالعيب، وحق الشفعة ..... بخلاف ما يرجع للشهوة والإرادة .... لا يقوم الوارث مقامه في التعيين (٢).
[م-١٠٨٨] إذا مات المشتري لم يبطل حق الشفيع؛ وله أن يأخذ المبيع من وارثه؛ لأن حق الشفيع لم يكن مرتبًا على قبول المشتري في حياته، فلم يكن هناك فرق في الحكم بعد وفاته.
[م-١٠٨٩] وإن مات الشفيع فقد اختلف الفقهاء في سقوط الشفعة بذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
تسقط الشفعة بموت الشفيع مطلقًا، سواء طالب بها قبل موته أو لم يطالب. وهذا مذهب الحنفية، وبه قال الثوري، وإسحاق (٣).
القول الثاني:
لا تسقط الشفعة بموت الشفيع مطلقًا، وحق الشفعة ينتقل بعده للورثة، وهو
стр. 4680
مذهب المالكية، والشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (١).
القول الثالث:
إن مات الشفيع قبل المطالبة سقطت، وإن مات بعد المطالبة لم يسقط حقه، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، وبه قال ابن حزم (٢).
جاء في الإنصاف: «وإن مات الشفيع بطلت شفعته إلا أن يموت بعد طلبها، فتكون لوارثه» (٣).
والخلاف في هذا المسألة راجع إلى الخلاف في مسألة أخرى: هل الأصل في الحقوق أن تورث، أو الأصل فيها أنها لا تورث؟
قال ابن رشد: «وعمدة المالكية والشافعية أن الأصل: هو أن تورث الحقوق والأموال إلا ما قام دليل على مفارقة الحق في هذا المعنى للمال.
وعمدة الحنفية: أن الأصل: هو أن يورث المال دون الحقوق إلا ما قام دليله من إلحاق الحقوق بالأموال» (٤).
وأما الحنابلة فلهم مأخذان في التفريق بين المطالبة وعدمها:
الأول: أن خيار الشفعة لا يثبت للشفيع حتى يطالب به، فإذا مات ولم يطالب به لم يثبت له، وإذا لم يثبت له لم يورث عنه، أما إذا اختار الشفعة قبل
стр. 4681
موته فقد ثبت له الحق، فانتقل إلى وارثه بالموت؛ لأن الموت كان بعد ثبوت الحق له، يشبه في هذا من أوجب البيع ثم مات قبل قبول المشتري، فإن الإيجاب يبطل، وكذلك الشفعة تبطل إذا مات قبل أن يطالب بها. فإن علمت رغبته من غير مطالبته كفى ذلك في الإرث عنه، ذكره القاضي في خلافه.
الثاني: أن حقه فيها قد سقط بتركه وإعراضه، لا سيما على القول بأنها على الفور، فعلى هذا لو كان غائبًا فلهم المطالبة، وليس لهم ذلك على الأول (١).
الراجح:
أن الشفعة تثبت للشفيع بمجرد بيع الشريك ما لم يتنازل عنها، فصارت بذلك حقًا ثابتًا له، وهي متعلقة بالمال لا ببدنه، فتبقى لمن ورث المال بعده، ونظير ذلك خيار العيب، فإنه لو مات قبل أن يطالب به كان للوارث حق المطالبة؛ لأنه لما لم يسقط حقه انتقل حقه للوارث بعده، والله أعلم.
стр. 4682
الفصل الخامس
إذا باع الشفيع أو وهب قبل أن يقضي له بالشفعة
المبحث الأول
إذا باع أو وهب نصيبه كله
الفرع الأول
أن يكون الشفيع عالمًا بتصرف شريكه
هل تسقط الشفعة فيما إذا باع الشفيع نصيبه كاملًا أو وهبه كله قبل أن يقضى له بالشفعة باعتبار أن سبب الشفعة قد ارتفع سواء قلنا: إن سبب الشفعة هو دفع ضرر الشركة، أو لدفع ضرر المقاسمة؟
أو يقال: الشفعة ثبتت له قبل البيع فثبت له حق المطالبة بها.
وللجواب على ذلك نقول:
إذا باع الشفيع نصيبه فإما أن يكون عالمًا ببيع شريكه أو لا يعلم.
[م-١٠٩٠] فإن باع الشفيع، وهو عالم ببيع شريكه فقد اختلف العلماء في سقوط حق الشفيع على قولين:
القول الأول:
تسقط شفعته، وهو مذهب الأئمة الأربعة (١).
стр. 4683
وقال في الإنصاف: «لا خلاف فيه أعلمه» (١).
وجاء في حاشية الصاوي: «وظاهر المصنف أيضًا سقوط الشفعة ببيع حصته، ولو غير عالم ببيع شريكه، وهو ظاهر المدونة، وقيل: محل السقوط إذا باع عالمًا ببيع شريكه، فإن باع غير عالم ببيع شريكه فلا تسقط شفعته. قال بعضهم: وهو أظهر» (٢).
وفي الشرح الكبير للرافعي: «إذا باع الشفيع نصيب نفسه من العقار، أو وهب عالمًا بثبوت الشفعة له بطل حقه. أما إذا جعلنا الشفعة على الفور فظاهر، وأما إذا جعلناها على التراخي؛ فلأن الشفعة إنما ثبتت لدفع ضرر سوء المشاركة والمقاسمة، وإنما يلزمه ذلك من الشركة، فإذا باع نصيب نفسه فقد أزال سبب الشفعة» (٣).
قال ابن قدامة: «فإن باع الشفيع حصته عالمًا بالبيع بطلت شفعته؛ لأنها ثبتت لإزالة ضرر الشركة، وقد زال بيعه» (٤).
وجه هذا القول:
الوجه الأول:
أن استحقاق الشفعة إما بالشركة وهذا بالاتفاق، أو بالجوار على قول، فإذا
стр. 4684
باع الشريك أو الجار نصيبه فقد أزال سبب الشفعة.
الوجه الثاني:
أن الشفعة ثبتت لإزالة ضرر سوء المشاركة أو المقاسمة، وقد انتفى كل ذلك بالبيع.
الوجه الثالث:
إذا باع الشريك نصيبه بعد أن علم ببيع شريكه، ولم يطالب بالشفعة، وقلنا: إن الشفعة تجب على الفور فإنها تسقط لوجود التراخي في طلب الشفعة.
القول الثاني:
لا يسقط حقه من الشفعة ولو كان عالمًا ببيع شريكه، وهو قول في مذهب المالكية (١)، وبه قال ابن حزم (٢).
قال في المحلى: «لو أن الشريك بعد بيع شريكه قبل أن يؤذنه باع أيضًا حصته من ذلك الشريك البائع أو من المشتري منه أو من أجنبي، علم بأن له الشفعة أو لم يعلم، علم بالبيع أو لم يعلم، فالشفعة له كما كانت; لأنه حق قد أوجبه الله تعالى له فلا يسقطه عنه بيع ماله ولا غير ذلك أصلًا، وبالله تعالى التوفيق» (٣).
الراجح من الخلاف:
سبب الخلاف بين القولين يرجع إلى: هل المعتبر في الأخذ بالشفعة بوقت وجوبها، وهو وقت شراء المشتري، أو الاعتبار بوقت الأخذ دون وقت
стр. 4685
الوجوب، فمن قال: المعتبر وقت وجوب الشفعة، قال: له الشفعة، ولو باع نصيبه بعد ذلك؛ لأن الشفعة قد ثبتت له بشراء المشتري، فبيعه بعد ذلك لا يسقط ما وجب له من الشفعة.
ومن قال: المعتبر وقت الأخذ، فإن بيعه لحصته التي يستحق بها الشفعة ترك لشفعته؛ لأن الشفعة إنما ثبتت لإزالة الضرر، فإذا باع حصته من الملك لم يبق ما يأخذ بالشفعة لنفي الضرر عنه، فكان بيعه لحصته يقتضي ترك الأخذ بالشفعة (١). وهذا ما أميل إليه، والله أعلم.
* * *
стр. 4686
الفرع الثاني
أن يكون الشفيع غير عالم بتصرف شريكه
[م-١٠٩١] إذا باع الشفيع نصيبه كاملًا وكان جاهلًا ببيع شريكه، فهل يحق له الشفعة إذا علم؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
إذا باع الشفيع نصيبه كاملًا جاهلًا ببيع شريكه سقط حقه من الشفعة. وهذا مذهب الحنفية، وقول في مذهب المالكية، وأصح الوجهين عند الشافعية، واختاره القاضي أبو يعلى من الحنابلة (١).
جاء في الهداية: «وإذا باع الشفيع ما يشفع به قبل أن يقضى له بالشفعة بطلت شفعته .... وإن لم يعلم بشراء المشفوعة» (٢).
وجاء في حاشية الصاوي: «وظاهر المصنف أيضًا سقوط الشفعة ببيع حصته، ولو غير عالم ببيع شريكه، وهو ظاهر المدونة» (٣).
جاء في الشرح الكبير للرافعي: «إذا باع نصيبه جاهلًا بالشفعة، قال أكثرهم: فيه وجهان، وقال صاحب الكتاب قولان ....... أشبههما أنها تبطل
стр. 4687
لزوال سبب الشفعة، ولهذا لو زال عيب المبيع قبل التمكن من الرد سقط حق الرد» (١).
وقال ابن قدامة: «إن باع الشفيع ملكه قبل علمه بالبيع الأول، فقال القاضي: تسقط شفعته أيضًا لما ذكرناه؛ ولأنه زال السبب الذي يستحق به الشفعة، وهو الملك الذي يخاف الضرر بسببه، فصار كمن اشترى معيبًا فلم يعلم عيبه حتى زال» (٢).
القول الثاني:
لا تسقط شفعته، وهو قول ثان في مذهب المالكية، وقول مرجوح في مذهب الشافعية، وبه قال أبو الخطاب من الحنابلة (٣).
جاء في حاشية الصاوي: «وقيل محل السقوط إذا باع عالمًا ببيع شريكه، فإن باع غير عالم ببيع شريكه فلا تسقط شفعته. قال بعضهم: وهو أظهر» (٤).
وقال ابن قدامة: «إن باع الشفيع ملكه قبل علمه بالبيع الأول فقال القاضي: تسقط شفعته .... وقال أبو الخطاب: لا تسقط شفعته؛ لأنها ثبتت له، ولم يوجد منه رضا بتركها، ولا ما يدل على إسقاطها، والأصل بقاؤها، فتبقى، وفارق ما إذا علم فإن بيعه دليل على رضاه بتركها» (٥).
стр. 4688
الراجح:
الخلاف في هذه المسألة كالخلاف في التي قبلها، وهو راجع إلى ما هو المعتبر في الأخذ بالشفعة، هل هو وقت وجوب الشفعة، أو وقت الأخذ بالشفعة، فعلى الأول لا تسقط إذا باع، سواء علم أو لم يعلم، وعلى الثاني: تسقط؛ لأن سبب الاستحقاق وقت الأخذ لم يكن قائمًا، والله أعلم.
* * *
стр. 4689
المبحث الثاني
إذا باع الشفيع أو وهب بعض نصيبه
الشفعة تستحق بقليل الملك كما تستحق بكثيره .
[م-١٠٩٢] إذا باع الشفيع بعض نصيبه قبل أن يقضى له بالشفعة، فهل هذا البيع يسقط حقه بالشفعة، أو يبقى حقه باعتباره ما زال شريكًا؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
إن باع أو وهب البعض لم يسقط حقه من الشفعة. وهذا مذهب الحنفية، وقول في مذهب المالكية، ووجه في مذهبي الشافعية والحنابلة (١).
جاء في الإنصاف: «لو باع بعضه عالمًا ففي سقوط الشفعة وجهان: ....
أحدهما: تسقط. والثاني: لا تسقط؛ لأنه قد بقي من ملكه ما يستحق به الشفعة في جميع المبيع لو انفرد، فكذلك إذا بقي» (٢).
стр. 4690
وجه هذا القول:
الوجه الأول:
بأن ما بقي يصلح لاستحقاق الشفعة ابتداء، فأولى أن يصلح للبقاء؛ لأن البقاء أسهل من الابتداء.
الوجه الثاني:
أن الشفعة ثبتت للشريك بسبب الشركة، والشركة ما زالت قائمة.
الوجه الثالث:
أن الشفعة تستحق بقليل الملك كما تستحق بكثيره، وقد بقي من نصيب الشركة ما تستحق به الشفعة.
القول الثاني:
يسقط حقه في الشفعة، وهو قول ثان في مذهب المالكية، وأظهر الوجهين في مذهب الشافعية، وأحد الوجهين في مذهب الحنابلة (١).
قال النووي: «ولو باع بعضه بطلت على الأظهر» (٢).
وجه هذا القول:
أن الشفعة استحقت بجميع المبيع، فإذا باع بعضه سقط ما تعلق بذلك من استحقاق الشفعة فيسقط باقيها؛ لأنها لا تتبعض، فيسقط جميعها بسقوط بعضها كالنكاح والرق، وكما لو عفى عن بعضها.
стр. 4691
الراجح:
الراجح بقاء الشفعة ما بقيت الشركة بصرف النظر عن مقدار نصيب الشريك؛ فالشركة سبب في الشفعة، وليس للاستحقاق نصاب معين إذا نقص سقطت الشفعة، والله أعلم.
* * *
стр. 4692
الفصل السادس
إسقاط الشفعة بالتحايل على إسقاطها
قال ابن حجر: «الحيل: جمع حيلة، وهي ما يتوصل به إلى مقصود خفي، وهي عند العلماء على أقسام: فإن توصل بها بطريق مباح إلى إبطال حق، أو إثبات باطل، فهي حرام، أو إلى إثبات حق، أو دفع باطل فهي واجبة أو مستحبة، وإن توصل بها بطريق مباح إلى سلامة من وقوع في مكروه، فهي مستحبة أو مباحة، أو إلى ترك مندوب، فهي مكروهة» (١).
[م-١٠٩٣] والتحايل لإسقاط الشفعة، إن كان بعد ثبوت البيع فهو حرام بالاتفاق؛ لأنه إبطال لحق واجب فلا يجوز التحايل لإسقاطه، وممن حكى الإجماع الزيلعي والكاساني من الحنفية، وابن تيمية من الحنابلة.
قال في تبيين الحقائق: «الاختلاف بينهما ـ يعني بين أبي يوسف وبين محمد في حكم الحيلة ـ قبل الوجوب، وأما بعده فمكروه بالإجماع» (٢).
وقال ابن تيمية: «الاحتيال على إسقاط الشفعة بعد وجوبها لا يجوز بالاتفاق، وإنما اختلف الناس في الاحتيال عليها قبل وجوبها، وبعد انعقاد السبب» (٣).
[م-١٠٩٤] وأما التحايل لدفع ثبوت الشفعة ابتداء، فاختلف فيه الفقهاء على ثلاثة أقوال:
стр. 4693
القول الأول:
يجوز التحايل لإسقاط الشفعة قبل ثبوتها، وبه قال أبو يوسف من الحنفية، واختاره من الشافعية أبو بكر الصيرفي والبندنيجي (١).
جاء في الهداية: «ولا تكره الحيلة في إسقاط الشفعة عند أبي يوسف، وتكره عند محمد ﵀؛ لأن الشفعة إنما وجبت لدفع الضرر، ولو أبحنا الحيلة ما دفعناه. ولأبي يوسف أنه منع من إثبات الحق فلا يعد ضررًا» (٢).
وجه هذا القول:
إذا تحايل الشفيع لإسقاط الشفعة قبل وجوبها جاز ذلك لأنه إنما فعل ذلك لدفع الضرر عن نفسه، والحيلة لدفع الضرر عن نفسه جائزة، وإن كان غيره قد يتضرر منه، وإن كان التحايل بعد وجوب الشفعة حرم ذلك؛ لأن الإنسان لا يجوز له أن يدفع الضرر عن نفسه بإلحاق الضرر بغيره.
القول الثاني:
دفع الشفعة بالحيلة مكروه، وهذا هو اختيار محمد بن الحسن من الحنفية، والأصح في مذهب الشافعية (٣).
стр. 4694
وجه القول بالكراهة:
لم يحرم التحايل؛ لأن التحايل كان قبل وجوب الشفعة ومن أجل أن يدفع الشفيع الضرر عن نفسه، وتكره لأن الشفيع يتضرر بذلك.
القول الثالث:
لا يحل الاحتيال لإسقاط الشفعة، وإن فعل لم تسقط، اختاره بعض الشافعية، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (١).
قال في الإنصاف: «ولا يحل الاحتيال لإسقاطها بلا نزاع في المذهب» (٢).
وأما المالكية فلم يتوجهوا في بحث التحايل لإسقاط الشفعة بدليل أن القرافي في الذخيرة عندما تعرض لهذه المسألة عرض فيها الخلاف بين أبي يوسف ومحمد بن الحسن، ولو كانت المسألة مسطورة عند أصحابه لنقلها عنهم، والله أعلم (٣).
دليل من قال: بتحريم الحيل:
الدليل الأول:
(ح-٦٥٦) ما رواه مسلم من طريق ابن جريج، عن أبي الزبير،
عن جابر قال: قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل شركة لم تقسم ربعة أو حائط، لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك، فإذا باع ولم يؤذنه فهو أحق به (٤).
стр. 4695
وجه الاستدلال:
أن النبي ﷺ نهى عن بيع الشريك حتى يعرض على شريكه ليأخذ أو يدع مع أن حق الشفيع ثابت ولو باع بدون أن يؤذنه، فأولى أن ينهى عما يسقط حقه بالكلية.
الدليل الثاني:
قال تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ [القلم: ١٧].
وجه الاستدلال:
أن هؤلاء لما قصدوا من وقت الصرام الاحتيال على حق المساكين عاقبهم الله بإهلاك مالهم، فكذلك الشفيع إذا قصد في فعله إبطال الشفعة حرم ذلك عليه.
الدليل الثالث:
(ح-٦٥٧) ما رواه البخاري من طريق ثمامة، أن أنسًا ﵁ حدثه،
أن أبا بكر ﵁ كتب له التي فرض رسول الله ﷺ : ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة (١).
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ نهى عن جمع المتفرق، أو تفريق المجتمع لإسقاط الزكاة أو تقليلها من غير فرق بين أن يكون ذلك بعد وجوب الزكاة، أو قبل وجوبها، فدل على تحريم التحايل لإسقاط ما قد يجب.