← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.

стр. 4691

الراجح: الراجح بقاء الشفعة ما بقيت الشركة بصرف النظر عن مقدار نصيب الشريك؛ فالشركة سبب في الشفعة، وليس للاستحقاق نصاب معين إذا نقص سقطت الشفعة، والله أعلم. * * *

стр. 4692

الفصل السادس إسقاط الشفعة بالتحايل على إسقاطها قال ابن حجر: «الحيل: جمع حيلة، وهي ما يتوصل به إلى مقصود خفي، وهي عند العلماء على أقسام: فإن توصل بها بطريق مباح إلى إبطال حق، أو إثبات باطل، فهي حرام، أو إلى إثبات حق، أو دفع باطل فهي واجبة أو مستحبة، وإن توصل بها بطريق مباح إلى سلامة من وقوع في مكروه، فهي مستحبة أو مباحة، أو إلى ترك مندوب، فهي مكروهة» (١). [م-١٠٩٣] والتحايل لإسقاط الشفعة، إن كان بعد ثبوت البيع فهو حرام بالاتفاق؛ لأنه إبطال لحق واجب فلا يجوز التحايل لإسقاطه، وممن حكى الإجماع الزيلعي والكاساني من الحنفية، وابن تيمية من الحنابلة. قال في تبيين الحقائق: «الاختلاف بينهما ـ يعني بين أبي يوسف وبين محمد في حكم الحيلة ـ قبل الوجوب، وأما بعده فمكروه بالإجماع» (٢). وقال ابن تيمية: «الاحتيال على إسقاط الشفعة بعد وجوبها لا يجوز بالاتفاق، وإنما اختلف الناس في الاحتيال عليها قبل وجوبها، وبعد انعقاد السبب» (٣). [م-١٠٩٤] وأما التحايل لدفع ثبوت الشفعة ابتداء، فاختلف فيه الفقهاء على ثلاثة أقوال:

стр. 4693

القول الأول: يجوز التحايل لإسقاط الشفعة قبل ثبوتها، وبه قال أبو يوسف من الحنفية، واختاره من الشافعية أبو بكر الصيرفي والبندنيجي (١). جاء في الهداية: «ولا تكره الحيلة في إسقاط الشفعة عند أبي يوسف، وتكره عند محمد ﵀؛ لأن الشفعة إنما وجبت لدفع الضرر، ولو أبحنا الحيلة ما دفعناه. ولأبي يوسف أنه منع من إثبات الحق فلا يعد ضررًا» (٢). وجه هذا القول: إذا تحايل الشفيع لإسقاط الشفعة قبل وجوبها جاز ذلك لأنه إنما فعل ذلك لدفع الضرر عن نفسه، والحيلة لدفع الضرر عن نفسه جائزة، وإن كان غيره قد يتضرر منه، وإن كان التحايل بعد وجوب الشفعة حرم ذلك؛ لأن الإنسان لا يجوز له أن يدفع الضرر عن نفسه بإلحاق الضرر بغيره. القول الثاني: دفع الشفعة بالحيلة مكروه، وهذا هو اختيار محمد بن الحسن من الحنفية، والأصح في مذهب الشافعية (٣).

стр. 4694

وجه القول بالكراهة: لم يحرم التحايل؛ لأن التحايل كان قبل وجوب الشفعة ومن أجل أن يدفع الشفيع الضرر عن نفسه، وتكره لأن الشفيع يتضرر بذلك. القول الثالث: لا يحل الاحتيال لإسقاط الشفعة، وإن فعل لم تسقط، اختاره بعض الشافعية، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (١). قال في الإنصاف: «ولا يحل الاحتيال لإسقاطها بلا نزاع في المذهب» (٢). وأما المالكية فلم يتوجهوا في بحث التحايل لإسقاط الشفعة بدليل أن القرافي في الذخيرة عندما تعرض لهذه المسألة عرض فيها الخلاف بين أبي يوسف ومحمد بن الحسن، ولو كانت المسألة مسطورة عند أصحابه لنقلها عنهم، والله أعلم (٣). دليل من قال: بتحريم الحيل: الدليل الأول: (ح-٦٥٦) ما رواه مسلم من طريق ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل شركة لم تقسم ربعة أو حائط، لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك، فإذا باع ولم يؤذنه فهو أحق به (٤).

стр. 4695

وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ نهى عن بيع الشريك حتى يعرض على شريكه ليأخذ أو يدع مع أن حق الشفيع ثابت ولو باع بدون أن يؤذنه، فأولى أن ينهى عما يسقط حقه بالكلية. الدليل الثاني: قال تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ [القلم: ١٧]. وجه الاستدلال: أن هؤلاء لما قصدوا من وقت الصرام الاحتيال على حق المساكين عاقبهم الله بإهلاك مالهم، فكذلك الشفيع إذا قصد في فعله إبطال الشفعة حرم ذلك عليه. الدليل الثالث: (ح-٦٥٧) ما رواه البخاري من طريق ثمامة، أن أنسًا ﵁ حدثه، أن أبا بكر ﵁ كتب له التي فرض رسول الله ﷺ : ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة (١). وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ نهى عن جمع المتفرق، أو تفريق المجتمع لإسقاط الزكاة أو تقليلها من غير فرق بين أن يكون ذلك بعد وجوب الزكاة، أو قبل وجوبها، فدل على تحريم التحايل لإسقاط ما قد يجب.

стр. 4696

الدليل الرابع: (ح-٦٥٨) ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ (١). وجه الاستدلال: لما كان الكلأ المباح لا يجوز منع الناس منه، وربما كان حول الكلأ ماء في أرض مملوكة، فإن منع صاحب الماء الناس سقي بهائمهم لحاجته إلى الماء لم يحرم ذلك عليه، وإن منعهم فضل الماء ليتوصل إلى منعهم من الكلأ المباح حرم ذلك عليه، وهذا الحديث دليل على منع الحيل. الدليل الخامس: أن الشفعة شرعت لدفع الضرر، فلو شرع التحايل لإبطالها لكان عودًا على مقصود الشريعة بالإبطال، وللحق الضرر الذي قصد إبطاله (٢). الراجح: أن الباعث على الفعل إذا لم يكن مشروعًا كان الفعل نفسه غير مشروع، وقد تكلمنا على اعتبار القصد في العقود، حول بيع العنب لمن يعصره خمرًا، وبيع السلاح في زمن الفتنة، وأن القصد يجب أن يكون مباحًا ليصح العقد، فإذا قصد منع الشفيع من الشفعة كان القصد غير مباح، فحرم الفعل. والله أعلم. * * *

стр. 4697

عقد الحوالة تمهيد المبحث الأول تعريف الحوالة تعريف الحوالة اصطلاحًا (١): تعريف الحنفية: عرفها الحنفية بأنها نقل الدين من ذمة إلى ذمة. واختلف الحنفية في توصيف هذا النقل: فقيل: نقل للدين والمطالبة جميعًا، فهي توجب براءة المحيل، وهذا قول أبي يوسف، وهو المعتمد في المذهب. وقيل: إنها نقل المطالبة فقط، وأما أصل الدين فباق في ذمة المحيل، وهذا قول محمد بن الحسن (٢).

стр. 4698

ويظهر الخلاف بين القولين في صحة إبراء المحال للمحيل بعد الحوالة، فأبو يوسف يرى أنه باطل بناء على أن الحوالة قد نقلت الدين، وصحيح عند محمد بناء على أن الحوالة نقلت المطالبة بالدين (١). تعريف المالكية: عرفها الدردير بقوله: «نقل الدين من ذمة بمثله إلى أخرى تبرأ بها الأولى» (٢). تعريف الشافعية: جاء في مغني المحتاج: «عقد يقتضي نقل دين من ذمة إلى ذمة» (٣). تعريف الحوالة عند الحنابلة: قال ابن قدامة: هي نقل الدين من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه (٤). وقيل: نقل الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه (٥). فمن خلال التعريفات السابقة نلحظ ما يلي: الأول: أن أكثر التعريفات تجعل الحوالة هي في نقل الدين. وأحسن منه من قال: الحوالة نقل الحق؛ لأن الحق أعم من الدين، فيدخل فيه الدين ويدخل

стр. 4699

غيره من وديعة، ومال مغصوب على القول بصحة الحوالة على العين، وسيأتي تحرير الخلاف في الحوالة على الأعيان إن شاء الله تعالى. الثاني: لا يختلف الفقهاء بأن الحوالة قد نقلت الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، وهذا يعني براءة المحيل، ولم يخالف في ذلك إلا زفر والقاسم ابن معن حيث جعلا الحوالة كالضمان، لا توجب براءة المحيل، والحق في ذمته بعد الحوالة على ما كان عليه قبل كالكفالة سواء (١). ويرى محمد بن الحسن أن الحوالة لا تنقل الدين، وإنما تنقل المطالبة به، وأما أصل الدين فهو باق على المحيل، وقد تقدم. والحق قول الجمهور؛ لأن الحوالة مشتقة من التحويل، وهو النقل، فكان معنى الانتقال لازمًا فيها، والحق إذا انتقل لم يبق في المحل الذي انتقل منه. ولا بد في عقد الحوالة من أطراف، هي: المحيل: هو المدين. والمحال: هو الدائن. والمحال عليه: هو الذي قبل الحوالة. واختار الجمهور وجود المحال به. وهو مبلغ الدين. * * *

стр. 4700

المبحث الثاني أقسام الحوالة يدخل في تعريف الحوالة بيان أقسامها، ويمكن تقسيم الحوالة باعتبارات كثيرة، وأكثر من توجه إلى تقسيم الحوالة هم الحنفية. القسم الأول: تقسيم الحوالة باعتبار التقييد والإطلاق . انفرد الحنفية إلى تقسيم الحوالة إلى مطلقة ومقيدة. يقول الكاساني: «الحوالة نوعان: مطلقة، ومقيدة، فالمطلقة: أن يحيل بالدين على فلان، ولا يقيده بالدين الذي عليه. والمقيدة أن يقيده بذلك» (١). والمطلقة عند الحنفية لها صورتان: الصورة الأولى: أن يكون المحال عليه ليس مدينًا للمحيل. [م-١٠٩٥] وهذه الصورة وقع في جوازها خلاف بين الفقهاء على قولين: القول الأول: تصح الحوالة، وإن كان المحال عليه ليس مدينًا للمحيل، وهذا مذهب الحنفية، واختاره ابن الماجشون من المالكية، وأحد الوجهين في مذهب الشافعية (٢).

стр. 4701

القول الثاني: يشترط في صحة الحوالة، أن يكون المحال عليه مدينًا للمحيل، وهذا مذهب المالكية، والأصح في مذهب الشافعية، وهو مذهب الحنابلة (١). وسيأتي إن شاء الله تعالى تحرير الخلاف في هذه الصورة في مبحث مستقل، وإنما الكلام هنا عن أقسام الحوالة. الصورة الثانية: يدخل في الحوالة المطلقة: أن يكون المحال عليه عنده دين أو عين للمحيل، ولكن الحوالة لم تقيد بما عنده، بل أرسل المحيل الحوالة، ولم يطلب من المحال عليه أن يؤديها من الدين أومن العين التي عنده للمحيل، فهذه تعتبر عند الحنفية حوالة مطلقة. فإن قيد الحوالة بما عند المحال عليه من عين أو دين، فهي حوالة مقيدة. جاء في الفتاوى الهندية: «وهي نوعان: مطلقة، ومقيدة. فالمطلقة منها: أن يرسل الحوالة، ولا يقيدها بشيء مما عنده من وديعة أو غصب أو دين أو يحيله على رجل ليس له عليه شيء مما ذكرنا» (٢).

стр. 4702

والمقيدة عند الحنفية لها صورتان: الصورة الأولى: أن يحيله على الدين الذي في ذمة المحال عليه. الصورة الثانية: أن يحيله على العين التي في يد المحال عليه. وتنقسم الحوالة على العين إلى قسمين: الحوالة المقيدة بعين هي أمانة، كالوديعة، والعارية. مثاله: أن يقول شخص لآخر: أحلت زيدًا عليك بالألف التي له علي على أن تؤديها إليه من الدراهم التي أودعتكها. الحوالة المقيدة بعين هي مضمونة كالمغصوب وبدل الخلع ونحوها، وهي التي تضمن بمثلها إن كانت مثلية، أو بقيمتها إن كانت قيمية. مثاله: أن يقول شخص لآخر: أحلت زيدًا عليك بالألف التي له عليَّ على أن تؤديها من الدراهم التي اغتصبتها. قال في الفتاوى الهندية: «والمقيدة على نوعين: أحدها أن يقيد المحيل الحوالة بالدين الذي له على المحتال عليه، والثاني: أن يقيد الحوالة بالعين التي له في يد المحتال عليه بالغصب أو الوديعة» (١). وقال ابن عابدين: «اعلم أن الحوالة نوعان: مطلقة، ومقيدة. فالمقيدة: أن يقيدها بدين له عليه أو وديعة أو عين في يده وديعة أو غصب أو نحوه.

стр. 4703

والمطلقة: أن يرسلها، ولا يقيدها بواحد مما ذكر، سواء كان له دين على المحال عليه أو عنده عين له أو لا، بأن قبلها متبرعًا، والكل جائز; لأنه في المقيدة وكيل بالدفع، وفي المطلقة متبرع» (١). [م-١٠٩٦] ولم يختلف الفقهاء في جواز الحوالة على الدين. واختلفوا في جواز الحوالة على العين من أمانة، كالوديعة، ومال المضاربة، ومال الشركة، وتركة الميت، ونحوها على قولين: القول الأول: تصح، وتكون حوالة. وهذا مذهب الحنفية (٢). القول الثاني: إذا لم تكن الحوالة على دين، وإنما كانت على عين فإن العقد يصح، ويكون العقد وكالة بقبض العين ممن هي عنده، وليس حوالة، وهذا مذهب الجمهور (٣). وسيأتي إن شاء الله تعالى تحرير الخلاف في مبحث مستقل، وإنما الكلام هنا عن أقسام الحوالة. القسم الثاني: تقسيم الحوالة بالنسبة للحلول والتأجيل . قسم الحنفية الحوالة المطلقة إلى قسمين: حالة ومؤجلة. جاء في الفتاوى الهندية: «ثم المطلقة على نوعين: حالة ومؤجلة» (٤). [م-١٠٩٧] وقد أجاز الفقهاء أن يكون دين المحال عليه مؤجلًا.

стр. 4704

[م-١٠٩٨] واختلفوا في جواز أن يكون دين المحال مؤجلًا على قولين. القول الأول: يشترط حلول دين المحال (١). و القول الثاني: يشترط اتفاق الدينين حلولًا وأجلًا، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة، وبه قال ابن حزم (٢). وسوف يأتينا إن شاء الله ذكر حجة كل فريق في مبحث خاص، وإنما أشرنا إلى هذا في معرض الكلام على أقسام الحوالة. القسم الثالث: تقسيم الحوالة باعتبار اللزوم وعدمه: ذكر ابن نجيم في البحر الرائق نقلًا من الخلاصة والبزازية: «أنها على ثلاثة أوجه: لازمة، وجائزة، وفاسدة. فاللازمة: أن يحيل الطالب على رجل، ويقبل الحوالة، سواء كانت مقيدة، أو مطلقة. والجائزة: أن يقيدها بأن يعطي المحال عليه الحوالة من ثمن دار نفسه، أو ثمن عبده، فلا يجبر المحال عليه على البيع، وهو بمنزلة ما لو قبل الحوالة على أن يسدد عند الحصاد، فإنه لا يجبر على أداء المال قبل الأجل. والفاسدة: أن يقيد بإعطائه من ثمن دار المحيل، أو ثمن عبده; لأنها حوالة

стр. 4705

بما لا يقدر على الوفاء به وهو بيع الدار، والعبد، فإن الحوالة بهذا الشرط لا تكون توكيلا ببيع دار المحيل» (١). * * *

стр. 4706

الباب الأول في حكم الحوالة الفصل الأول في الأدلة على مشروعية الحوالة [م-١٠٩٩] الحوالة من المعاملات الثابتة بالسنة، والإجماع، والقياس. (ح-٦٥٩) أما السنة فما رواه الشيخان من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: مطل الغني ظلم، فإذا أتبع أحدكم على ملئ فليتبع (١). وجه الاستدلال: أن الأمر بالاتباع دليل الجواز، ولولا ذلك لما أمر به. وأما الإجماع، فقد نقل الإجماع طائفة من أهل العلم: قال ابن الملقن في التوضيح شرح الجامع الصحيح: «وهي مجمع عليها» (٢). وجاء في التاج والإكليل: «لم يختلف في جواز الحوالة» (٣). وقال الماوردي: «الأصل في جواز الحوالة السنة والإجماع» (٤).

стр. 4707

وقال النووي: «أصلها مجمع عليه» (١). وقال ابن قدامة: «أجمع أهل العلم على جواز الحوالة في الجملة» (٢). وحكى الإجماع ابن مفلح في المبدع، والبهوتي في شرح منتهى الإرادات (٣). وأما دليل الحوالة من القياس: قياس الحوالة على الكفالة (الضمان) بجامع أن كلًا منهما فيه التزام عن الغير (٤). * * *

стр. 4708

الفصل الثاني في الحكم التكليفي للحوالة (ح-٦٦٠) الأصل في الحوالة ما رواه الشيخان من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: مطل الغني ظلم، فإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع (١). فأمر رسول الله ﷺ بالإتباع إذا أحيل على مليء، واختلف العلماء هل الأمر للوجوب، أو للندب، أو للإباحة؟ على ثلاثة أقوال: القول الأول: الأمر للإباحة، وهو مذهب الحنفية، واختاره بعض المالكية، وبعض الشافعية (٢). قال الشلبي في حاشية تبيين الحقائق: «أكثر أهل العلم على أن الأمر المذكور أمر استحباب، وعن أحمد للوجوب، والحق الظاهر أنه أمر إباحة» (٣). وقال القاضي عياض: «معظم شيوخنا حملوا قوله (فليتبع) على الندب. وقد ذهب بعضهم إلى أنه على الإباحة» (٤).

стр. 4709

وقال الماوردي: «أما الخبر فمحمول على الإباحة؛ لأنه وارد بعد حظر، وهو نهيه عن بيع الدين بالدين» (١). وجه القول بالإباحة: الأصل في المعاوضات الإباحة، فكذلك نقل الحق من ذمة إلى ذمة أخرى مباح مثله، فإذا أمر الشارع بأمر مباح كان ذلك دليلًا على الجواز، وليس على الاستحباب. ولأن المحال عليه وإن كان مليئًا فإما أن تعلم حاله في المطالبة أولا تعلم. فإن جهلت حاله كان الأمر بالاتباع أمر إباحة؛ لأنه قد يكون مليئًا ولكنه مماطل يعسر معه أخذ الحق منه، ومثل هذا لا يأمر الشارع باتباعه، فلما جهل حاله كان الأمر للإباحة. وإن علم حاله، فإن كان لدودًا في الخصومة لم يأمر الشارع باتباعه؛ لأن مثل هذا تكثير للخصومة وليس قطعًا لها. وإن علم منه حسن القضاء استحب اتباعه، ولما كان هذا التفصيل لا يمكن إضافته إلى النص كان الأمر المطلق في الحديث محمولًا على الجواز، والله أعلم. قال ابن الهمام: «والحق الظاهر أنه أمر إباحة، وهو دليل جواز نقل الدين شرعًا أو المطالبة به، فإن بعض الأملياء عنده من اللدد في الخصومة والتعسير ما تكثر به الخصومة والمضارة، فمن علم حاله هذا لا يطلب الشارع اتباعه بل عدمه لما فيه من تكثير الخصومات والظلم، وأما من علم منه الملاءة وحسن

стр. 4710

القضاء فلا شك في أن اتباعه مستحب لما فيه من التخفيف على المديون والتيسير عليه، ومن لا يعلم حاله فمباح، لكن لا يمكن إضافة هذا التفصيل إلى النص؛ لأنه جمع بين معنيين مجازيين للفظ الأمر في إطلاق واحد، فإن جعل للأقرب أضمر معه القيد، وإلا فهو دليل الجواز؛ للإجماع على جوازها دفعًا للحاجة» (١). ويناقش: بأن اشتراط القبول بأن يكون المحال عليه مليئًا، وهذا الشرط يستوعب كل هذه التفاصيل التي أشار إليها ابن الهمام. فقد فسر الإمام أحمد المليء: هو من كان مليئًا بماله وقوله وبدنه (٢). فكونه مليئًا بماله: أخرج بذلك المعسر، فإن كان المحال عليه معسرًا لم يكن مأمورًا بالإتباع .. وكونه مليئًا بقوله: أخرج الكذاب والمماطل، فإذا كان المحال عليه لدودًا في الخصومة، عسرًا في القضاء لم يؤمر بالإتباع. وكونه مليئًا ببدنه بحيث يمكن إحضاره عند المحاكمة إلى مجلس الحكم، فإن كان لا يمكن إحضاره للمحاكمة شرعًا كالأب، أو لا يمكن عادة كالسلطان لم يكن مأمورًا بالإتباع، فتبين أن تفصيل الحنفية يمكن إضافته للنص، فبقي الأمر فيها ليس على الإباحة؛ لأن المباح على التخيير وليس مأمورًا به، ويبقى دائرًا بين الوجوب والاستحباب، والله أعلم.

стр. 4711

القول الثاني: الأمر في الحديث للاستحباب. وهذا مذهب المالكية، والشافعية، ورواية عن الإمام أحمد. ونسبه ابن عبد البر لأكثر الفقهاء وقال ابن حجر والعيني: هو قول الجمهور (١). قال ابن الملقن: «مذهب الشافعي وغيره أنه إذا أحيل على مليء استحب له قبول الحوالة، وحملوا الحديث على الندب؛ لأنه من باب التيسير على المعسر» (٢). وأجاب الجمهور بأن الصارف له عن الوجوب إلى الندب: أولًا: أنه راجع إلى مصلحة دنيوية لما فيه من الإحسان إلى المحيل بتحصيل مقصوده من تحويل الحق عنه، وترك تكليفه التحصيل، والإحسان مستحب. قال القرطبي: «وهذا الأمر عند الجمهور محمول على الندب؛ لأنه من باب المعروف والتيسير على المعسر» (٣). ثانيًا: أن الأمر فيه معنى المعاوضة، من مبادلة دين بدين، وإذا كان أصل المعاوضة ليس واجبًا فكذلك ما في معناها. قال الأنصاري: «الأمر فيها للندب، وصرفه عن الوجوب: القياس على سائر المعاوضات» (٤).

стр. 4712

وقال القاضي عياض: «ولأن أحدًا لا يجبر على بيع سلعته، وهذا مَلَكَ ثمنه في هذه الذمة، فلا يجبر على بيعه بذمة أخرى» (١). وقال القرطبي: «ملك الذمم كملك الأموال، وقد أجمعت الأمة على أن الإنسان لا يجبر على المعاوضة بشيء من ملكه بملك غيره، فكذلك الذمم» (٢). وقال الماوردي: إذا كان «نقله إلى العين لا يلزم إلا بالتراضي فنقله إلى الذمة أولى ألا يلزم إلا بالتراضي؛ لأنه بنقله إلى عين أخرى قد وصل إلى حقه، وبنقله إلى ذمة أخرى لم يصل إلى حقه» (٣). ثالثًا: أن الحوالة مستثناة من منهي عنه، وهو بيع الدين بالدين، والأمر بعد النهي يكون للإباحة والندب على المرجح في الأصول (٤). وسوف يأتي إن شاء الله تعالى بحث مستقل في توصيف الحوالة من الناحية الفقهية، ونناقش فيه: هل عقد الحوالة عقد إرفاق أو بيع دين بدين، أو استيفاء للحق في المبحث التالي، فانظره مشكورًا. القول الثالث: الأمر في الحديث للوجوب، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، وهو مذهب الظاهرية، وبه قال أبو ثور (٥).

стр. 4713

واستدلوا على ذلك: الدليل الأول: قوله ﷺ : (فليتبع) هذا أمر، والأصل في الأمر الوجوب. لقوله ﷺ : لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة. فترك الأمر خشية المشقة، وبقي الاستحباب. ويناقش: نسلم أن الأصل في الأمر الوجوب، وقد قال الأصوليون بأن الأمر يصرف عن الوجوب إلى الاستحباب لأدنى صارف، وقد ذكرنا ثلاثة صوارف للأمر عن الوجوب إلى الاستحباب. الدليل الثاني: أن للمحيل أن يوفي الحق الذي عليه بنفسه أو بوكيله، وقد أقام المحال عليه مقام نفسه في التقبيض، فلزم المحال القبول. ويناقش: بأن المحال عليه ليس وكيلًا نائبًا عن المحيل، بل سيتحول المحال عليه إلى أصيل في الدين والمطالبة، ويبرأ المحيل بمجرد الحوالة، وهذا ليس شأن الوكالة. الراجح: القول بأن الأمر للاستحباب، والله أعلم.

стр. 4714

المبحث الثالث التوصيف الفقهي لعقد الحوالة قال القرافي: الحوالة تحويل الحق، وليس بتبديل ... لأن تبديل الدين بالدين لا يجوز، ولأن اسم الحوالة من التحويل، لا من التبديل (١). [م-١١٠٠] اختلف الفقهاء في توصيف عقد الحوالة إلى ثلاثة أقوال: منهم من يرى أنها من قبيل البيع، ومنهم من يرى أنها عقد إرفاق ومعونة، ومنهم من يرى أنها استيفاء. وإليك بيان الأقوال منسوبة إلى أصحابها. القول الأول: أن الحوالة عقد إرفاق ومعونة. وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، وأحد الوجهين في مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة. أما الحنفية فهم يرون صحة الحوالة ولو كان المحال عليه ليس مدينًا للمحيل، وبهذا يعلم أن الحوالة عند الحنفية ليست معاوضة؛ إذ لو كانت بيعًا لم تصح على من لا دين عليه لعدم الاعتياض (٢). بل صرح ابن الهمام في فتح القدير بأن الحوالة لا يقصد منها المعاوضة، فهي كالقرض (٣).

стр. 4715

وجاء في العناية شرح الهداية: «البيع معاوضة من كل وجه، والوصي يملكها إذا لم يكن فيها غبن فاحش، فأما الحوالة فليست كذلك لجوازها بالمسلم فيه، وبرأس مال السلم، ولو كانت معاوضة من كل وجه كان استبدالًا بالمسلم فيه، وبرأس المال، وهو لا يصح» (١). وأما المالكية فهم وإن صرح بعضهم بأن الحوالة من باب بيع الدين بالدين إلا أن هذا لا يعني أن الحوالة عندهم خرجت عن الإرفاق والإحسان. فابن رشد الذي يقول في بداية المجتهد: «الحوالة معاملة صحيحة مستثناة من الدين بالدين» (٢). يقول في الكتاب نفسه: «وللحوالة عند مالك ثلاثة شروط: ... الثاني: أن يكون الدين الذي يحيله به مثل الذي يحيله عليه في القدر، والصفة؛ لأنه إذا اختلفا في أحدهما كان بيعًا، ولم يكن حوالة فخرج من باب الرخصة إلى باب البيع، وإذا خرج إلى باب البيع دخله الدين بالدين» (٣). فقوله: (كان بيعًا ولم يكن حوالة) صريح في التفريق بين البيع والحوالة. وجاء في البهجة شرح التحفة: «قال عياض: الأمر فيها للندب عند أكثر شيوخنا، وحملها بعضهم على الإباحة لما أشبهت بيع الدين بالدين» (٤). فقوله: لما أشبهت دليل على أنها تشبه الشيء وليست هي الشيء نفسه. وقال فيها أيضًا: «وهي عند شيوخنا مستثناة من الدين بالدين ... كما خصت

стр. 4716

الشركة والتولية والإقالة من بيع الطعام قبل قبضه ... لما كان سبيل هذه التخصيصات المعروف» (١). فهذا النص دليل على أن المالكية اعتبروها من باب بيع الدين بالدين في الصورة، وليس في الحقيقة، كما يقال عن عقد القرض إرفاق في الابتداء معاوضة في الانتهاء وإن كان هذا في الصورة فقط، وهذا ما اقتضاه نص البهجة لأمرين: الأول: أنه جعل حكمها حكم التولية والإقالة في بيع الطعام قبل قبضه. وقد ذهب مالك وربيعة، وطاووس (٢)، إلى أن عقد التولية من عقود الإرفاق، ويقصد بها المعروف كالإقالة، ولهذا ذهب الإمام مالك إلى جواز بيع الطعام تولية قبل قبضه، مع أن المالكية يشددون في المنع من بيع الطعام قبل قبضه (٣). واستدل المالكية على جواز بيع الطعام تولية قبل قبضه بأثر، ونظر (ح-٦٦١) أما الأثر، ما رواه أبو داود في مراسيله، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم البزار، حدثنا منصور بن سلمة، حدثنا سليمان ابن بلال، عن ربيعة بن أبي عبدالرحمن. قال سعيد بن المسيب في حديث يرفعه كأنه إلى النبي ﷺ : لا بأس بالتولية

стр. 4717

في الطعام قبل أن يستوفى، ولا بأس بالإقالة في الطعام قبل أن يستوفى، ولا بأس بالشركة في الطعام قبل أن يستوفى (١). [مرسل] (٢). وأما النظر، فقد قال ابن رشد في بداية المجتهد: «إن هذه إنما يراد بها الرفق، لا المغابنة» (٣). وإذا كان يراد بها الرفق خرجت عن البيع، وإذا كانت الحوالة مقيسة على التولية والإقالة كانت الحوالة يراد بها الرفق كذلك. الثانية: أنه نص على أن سبيل الحوالة والتولية والإقالة المعروف، ومعلوم أن البيع ليس سبيله المعروف، وإنما يقوم على المكاسبة. جاء في التاج والإكليل: «وهي في الحقيقة بيع دين بدين، فاستثنيت منه؛ لأنها معروف». فإذا كانت خرجت من بيع الدين بالدين؛ لأنها معروف فهي خرجت لمعنى، وهو كون العقد يراد به المعروف، والمعاوضة ليست من المعروف. وكل ما قال المالكية بأن العقد يراد به المعروف فإنه لا يعتبر بيعًا عندهم. يقول الباجي: «مقتضى البيع المغابنة، والمكايسة» (٤).

стр. 4718

وقال ابن رشد في بداية المجتهد: «العقود تنقسم أولا إلى قسمين: قسم يكون بمعاوضة. وقسم يكون بغير معاوضة كالهبات والصدقات. والذي يكون بمعاوضة ينقسم ثلاثة أقسام: أحدها: يختص بقصد المغابنة والمكايسة، وهي البيوع، والاجارات، والمهور، والصلح، والمال المضمون بالتعدي وغيره. والقسم الثاني: لا يختص بقصد المغابنة، وإنما يكون على جهة الرفق وهو القرض. والقسم الثالث: فهو ما يصح أن يقع على الوجهين جميعا. أعني على قصد المغابنة وعلى قصد الرفق كالشركة، والإقالة والتولية .... وأما العقود التي تتردد بين قصد الرفق والمغابنة، وهي التولية والشركة والإقالة. فإذا وقعت على وجه الرفق من غير أن تكون الإقالة، أو التولية بزيادة، أو نقصان، فلا خلاف أعلمه في المذهب أن ذلك جائز (يعني التولية والشركة) قبل القبض وبعده .... فعمدة من اشترط القبض في جميع المعاوضات أنها في معنى البيع المنهي عنه، وإنما استثنى مالك من ذلك التولية والإقالة والشركة للأثر والمعنى، ثم ساق أثر سعيد بن المسيب المتقدم ذكره في باب التولية. وأما من طريق المعنى، فإن هذه إنما يراد بها الرفق لا المغابنة، إذا لم تدخلها زيادة أو نقصان» (١).

стр. 4719

فقول ابن رشد: «أحدها يختص بقصد المغابنة والمكايسة، وهي البيوع» دليل على أن البيع لا يقصد به الإرفاق والمعروف بخلاف الحوالة. وأجاز المالكية الزيادة اليسيرة في مبادلة الدرهم والدنانير بمثلها إذا كان ذلك عن طريق العدد، فإذا عمل به على العدد جوز يسير الوزن زيادة على سبيل المعروف ما لم يكن في ذلك وجه من المكايسة والمغابنة، فيمنع منه (١). فظهر بذلك أن المالكية لا يرون أن عقد الحوالة بيع حقيقة، وإن كانت الحوالة في الصورة مبادلة دين بدين. وإذا تحرر هذا من مذهب المالكية فإن القول بأن عقد الحوالة من عقود الإرفاق هو أحد الوجهين في مذهب الشافعية، والمشهور من مذهب الحنابلة. جاء في أسنى المطالب: «الحوالة ليست على حقيقة المعاوضات، وإنما هي معاوضة إرفاق جوزت للحاجة، فاعتبر فيها الإرفاق كما في القرض» (٢). وجاء في الحاوي: «اختلف أصحابنا هل هي بيع، أو عقد إرفاق ومعونة؟ على وجهين: ..... والوجه الثاني: أنها عقد معونة وإرفاق؛ لأنها تخرج من البيوع بما يتعلق بها من الأحكام» (٣). وقال ابن قدامة: «والصحيح أنها عقد إرفاق منفرد بنفسه، ليس بمحمول على غيره؛ لأنها لو كانت بيعًا لما جازت، لكونها بيع دين بدين، ولما جاز التفرق

стр. 4720

قبل القبض؛ لأنه بيع مال الربا بجنسه، ولجازت بلفظ البيع، ولجازت بين جنسين كالبيع كله» (١). وجاء في شرح منتهى الإرادات: «وهي عقد إرفاق منفرد بنفسه، ليس محمولًا على غيره» (٢). دليل من قال: الحوالة عقد إرفاق: الدليل الأول: أن الحوالة لا خيار فيها، ولو كانت بيعًا لدخلها خيار المجلس. ويناقش: بأن القائلين بأنها بيع لا يمنعون من دخول خيار المجلس؛ لأن خيار المجلس موضوع لاستدراك الغبن في عقود المعاوضات. الدليل الثاني: لا تصح الحوالة بلفظ البيع، ولو كانت الحوالة بيعًا لصحت بلفظه. ونوقش هذا: بأن هذه المسألة فيها خلاف، وسيأتي تحرير الخلاف فيها إن شاء الله تعالى. الدليل الثالث: نص المالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥) على اشتراط تساوي الدينين

стр. 4721

قدرًا وصفة، وعقد البيع لا يشترط فيه ذلك، فيجوز الاعتياض عن الدين بجنسه و بغير جنسه كما جاء في حديث ابن عمر، قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير، وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم، وآخذ الدنانير (١)، إلا أنه في حال كانت المعاوضة من جنس الدين وكان المال ربويًا اشترط فيه شرطان، هما التماثل والتقابض، وفي حال اختلف الجنس لا يشترط التماثل، فيجوز التفاضل ويشترط التقابض، ولا يصح أن يربح فيه، بل يجب أن يأخذه بسعر يومه حتى لا يربح فيما لم يضمن، فلما اشترط في الحوالة تساوي الدينين جنسًا، وقدرًا وصفة كان ذلك من أجل ألا تكون الحوالة معاوضة. وهذا من أقوى الأدلة. القول الثاني: الحوالة من قبيل البيع، وبه قال بعض المالكية كما سبق في القول الأول، وأصح الوجهين في مذهب الشافعية، وبعض الحنابلة (٢). ثم اختلفوا في توصيف هذا البيع، فقيل: بيع دين بدين وهذا أصحها. وقيل: بيع عين بعين. وقيل: عين بدين، وقيل غير ذلك. قال ابن الملقن: «والأصح عندنا أنها بيع دين بدين استثني للحاجة» (٣). قال في الحاوي: «اختلف أصحابنا هل هي بيع أو عقد إرفاق ومعونة؟ على وجهين:

стр. 4722

أحدهما: وهو ظاهر نص الشافعي في كتاب السلم أن الحوالة بيع؛ لأن المحتال قد عاوض على ذمة بذمة» (١). وقال السيوطي: «في حقيقتها عشرة أوجه أصحها بيع دين بدين جوز للحاجة» (٢). وجاء في حاشية قليوبي وعميرة: «فهي بيع دين بدين في الأصح جوزها الشارع للحاجة» (٣). وجه القول بأن الحوالة بيع: حقيقة الحوالة: هي تحول من دين إلى دين، فهي من باب بيع الدين بالدين، لأن كل واحد منهما ملك بها ما لم يملكه من قبل، فكأن المحيل باع المحتال ماله في ذمة المحال عليه بما للمحتال في ذمته، فهي مبادلة مال بمال على سبيل التمليك، وهذا هو حقيقة البيع. وأجيب على هذا: قول الشافعية بأنه بيع دين بدين لا يناقض عندهم أنها عقد إرفاق ومعروف، فهي عندهم بمنزلة القرض، صورتها مبادلة مال بمال، فهي معاوضة، والقصد منها الإرفاق والإحسان، فلم تطبق عليها أحكام المعاوضات من وجوب التقابض بين المالين الربويين. جاء في البيان للعمراني: «ولا تصح الحوالة إلا إذا كان الحقان من نوع لجنس واحد لما ذكرناه في الجنس، فإن كان له على رجل ألف درهم صحاح،

стр. 4723

فأحاله بها على من له عليه ألف درهم مكسرة، أو كان بالعكس من ذلك لم تصح الحوالة؛ لأن الحوالة في الحقيقة بيع دين بدين، وبيع الدراهم بالدراهم صرف من شرطه القبض في المجلس إلا أنه جوز تأخير القبض في الحوالة؛ لأنه عقد إرفاق ومعروف، فإذا دخل فيه الفضل سار بيعًا وتجارة، وبيع الدين بالدين لا يجوز، ألا ترى أن القرض في الحقيقة صرف؛ لأنه يعطي درهما بدرهم، وكنا جوزنا تأخير القبض فيه؛ لأنه إرفاق» (١). فأنت ترى في هذا النص أنه مع جزم العمراني بأن حقيقة الحوالة بيع دين بدين، فهو يجزم أيضًا بأنها عقد إرفاق ومعروف، وشبه عقد الحوالة بعقد القرض. وبهذا نفهم أن القول بأنها بيع دين بدين مأخوذ من المبادلة الحاصلة وانتقال الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، ولا يعني هذا أن المبادلة في الحوالة تأخذ حكم البيع المطلق، فلا يحق لهما في عقد الحوالة تغيير جنس الدين أو نوعه، أو مقداره أو صفته بخلاف بيع الدين إذا قصد به البيع المطلق طبق عليه أحكام البيوع، وليس أحكام الإرفاق والمعروف، والله أعلم. ويقول العمراني أيضًا: «اختلف أصحابنا في الحوالة هل هي بيع، أو رفق؟ على وجهين: ...... الوجه الثاني: منهم من قال: إن الحوالة بيع، إلا أن البيع ضربان، ضرب بلفظ البيع، فيدخله الربح والفضل والمغابنة، وضرب منه بغير لفظه، فيكون القصد منه الرفق، فلا يدخله الفضل والمغابنة؛ ولأنها تقتضي التمليك كالبيع؛ لأن المحيل يملك المحتال ما له في ذمة المحال عليه إلا أنهما اختلفا في الاسم ليعرف به المطلوب من كل واحد منهما.

стр. 4724

فإذا قلنا: إنها رفق لم يدخلها خيار المجلس كالقرض. وإذا قلنا: إنها بيع دخلها خيار المجلس كالصرف، وأما خيار الثلاث ـ يعني خيار الشرط ـ فلا يدخلها بالإجماع» (١). فانظر كيف اعتبر العمراني بأنها بيع قصد منه الإرفاق، فإذا كان هذا هو القصد منه فقد خرجت عن حكم البيع، والله أعلم. القول الثالث: الحوالة من باب استيفاء الحق، وليست بيعًا. وهذا اختيار ابن تيمية وابن القيم. قال ابن تيمية: «الحوالة من جنس إيفاء الحق، لا من جنس البيع، فإن صاحب الحق إذا استوفى من المدين ماله كان هذا استيفاء، فإذا أحاله على غيره كان قد استوفى ذلك الدين عن الدين الذي له في ذمة المحيل، ولهذا ذكر النبي ﷺ الحوالة في معرض الوفاء، فقال في الحديث الصحيح: مطل الغني ظلم، وإذا اتبع أحدكم على ملئ فليتبع. فأمر المدين بالوفاء، ونهاه عن المطل، وبين أنه ظالم إذا مطل، وأمر الغريم بقبول الوفاء إذا أحيل على مليء» (٢). وقولنا: الحوالة بمعنى الاستيفاء، المراد أن المحال بقبوله الحوالة، يكون قد استوفى دينه من المحيل حكمًا، بدليل أن المحيل تبرأ ذمته من الدين بمجرد الحوالة، بحيث لا يرجع عليه المحال بحال، ولهذا اعتبر الفقهاء الحوالة بمنزلة القبض وإلا فالحوالة بمجردها لا يحصل بها استيفاء من المحال عليه حقيقة، والله أعلم.

стр. 4725

ونوقش هذا: لو كانت الحوالة استيفاء لوجبت على المحال بدون رضاه، ولما توقفت على الإيجاب والقبول، وهذا كالمطروح عند جماهير العلماء. ورد هذا: بأن القائلين بأنها استيفاء كالحنابلة لا يرون رضا المحال شرطًا في الحوالة إذا كان على مليء، فالحوالة لا تفتقر إلى قبول من المحال عندهم، والله أعلم. القول الراجح: ثمرة الخلاف بين القول بأنها بيع أو أنها عقد إرفاق أو استيفاء: على القول بأنها بيع يدخل فيها خيار المجلس ويصح اشتراط الرهن والضمان فيها، ولا تصح الحوالة إلا إذا كان المحال عليه مدينًا للمحيل. وعلى القول بأنها عقد إرفاق أو استيفاء لا يدخلها شيء من ذلك (١). والذي أميل إليه أن عقد الحوالة ليست من عقود البيع؛ لأن لفظ الحوالة يشعر بالتحول، ولا يشعر بالبيع، ولا يقصد منه الربح والتكسب، بل يقصد منها التيسير على المدين بنقله من ذمته إلى ذمة أخرى، وعمدة القائلين بأنها بيع بأن فيها مبادلة مال بمال يقصد منه التملك، وهذا لا يكفي فالقرض فيه مبادلة مال بمال ويقصد فيه التملك، وليس بيعًا، ولا يجوز فيه التكسب بالإجماع، فالحوالة تشبه البيع، وليست بيعًا، وتشبه الوكالة، وليست وكالة، وتشبه الكفالة (الضمان) وليست ضمانًا، فأرى أنها عقد مستقل بنفسه له أحكام متنوعة، يختلف عما سواه من العقود، وأقرب الأقوال أنها عقد إرفاق وإحسان، والله أعلم. * * *

стр. 4726

الباب الثاني في أركان الحوالة أركان الحوالة هي أركان العقد، والخلاف في أركان الحوالة كالخلاف في أركان العقد: [م-١١٠١] فالعلماء متفقون على اعتبار الصيغة من أركان الحوالة. [م-١١٠٢] واختلفوا في غير الصيغة. فذهب الحنفية إلى اعتبار الصيغة وحدها ركنًا فقط (١). وزاد الجمهور على الصيغة أطراف الحوالة، من محيل، ومحال، ومحال عليه. وكذا الدين: المحال به، والدين المحال عليه (٢). جاء في الشرح الصغير: «وأركانها خمسة: محيل: وهو من عليه الدين، ومحال: وهو من له الدين. ومحال عليه: وهو من عليه دين مماثل للمدين الأول. ومحل به: وهو الدين الممثل.

стр. 4727

وصيغة تدل على التحول والانتقال، ولو بإشارة أو كتابة» (١). وسبب الاختلاف: أن الحنفية يرون أن الركن: هو ما يتوقف عليه وجود الشيء، وكان جزءًا داخلًا في حقيقته، وهذا خاص في الإيجاب والقبول، أما العاقدان والمعقود عليه فهي من لوازم العقد، وليست جزءًا من حقيقة العقد، وإن كان يتوقف عليها وجوده. بينما الجمهور يرون أن الركن: ما توقف عليه وجود الشيء وتصوره عقلًا، سواء أكان جزءًا من حقيقته أم لم يكن، ووجود العقد يتوقف على العاقدين والمعقود عليه، وإن لم يكن هؤلاء جزءًا من حقيقته. ومذهب الحنفية أجود، وأدق، والجمهور لا يطردون في تحديد الأركان، فاللوازم تارة يعتبرونها من الأركان، وتارة لا يدخلونها، فهم يجعلون الفاعل ركنًا في مثل عقد البيع والنكاح، ولا يجعلونه ركنًا في العبادات كالصلاة والحج، وإن كان لا يتصور قيام الحج والصلاة بدون فاعل. قال في المصباح المنير: «والفرق عسر ... » (٢). * * *

стр. 4728

الباب الثالث في شروط الحوالة الشرط الأول في شروط الصيغة (الإيجاب والقبول) ذكرت في الباب الثالث من عقد البيع أحكام الصيغة (الإيجاب والقبول). وأحكام الإيجاب والقبول في عقد البيع لا تختلف عن أحكام الإيجاب والقبول في سائر العقود اللازمة. وقد تعرضت فيها لشروط الإيجاب والقبول، ولرجوع الموجب، وهل يشترط تقدم الإيجاب على القبول؟ وفي مبطلات الإيجاب. كما تعرضت لأحكام الصيغة في جملة من الأحكام كالخلاف في تحديد الإيجاب والقبول. وانقسام الإيجاب والقبول إلى صريح وكناية، وإلى صيغة قولية، وفعلية. وتكلمت عن الصيغة القولية للإيجاب والقبول في صيغه المختلفة كصيغة الماضي، والمضارع، والأمر، والجملة الاسمية، وفي القبول بكلمة (نعم). وتكلمت عن الصيغة الفعلية كالإيجاب والقبول بالمعاطاة، والخلاف الفقهي في اعتبارها، وفي الإيجاب والقبول عن طريق الإشارة والكتابة، وعن صيغ الإيجاب والقبول بوسائل الاتصال الحديثة، وفي صدور الإيجاب والقبول من طرف واحد، وفي الإيجاب والقبول الصوري كبيع التلجئة، والهازل في البيع. وبينت مواضع الاتفاق ومواضع الخلاف في كل هذه المسائل، مع بيان

стр. 4729

الراجح فيها، وما بينته في عقد البيع يجري على عقد الحوالة، ويغني عن تكراره هنا، والحمد لله وحده. وما بقي من المباحث الخاصة المتعلقة بصيغة الحوالة نبحثه في المباحث التالية إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 4730

المبحث الأول في اشتراط القبول في عقد الحوالة [م-١١٠٣] اختلف الفقهاء في اعتبار القبول شرطًا في انعقاد الحوالة على قولين: القول الأول: ذهب الحنابلة بأن الحوالة تنعقد بمجرد إيجاب المحيل إذا كانت على مليء، ولا تحتاج إلى قبول؛ لأنهم لا يرون رضا المحال، ولا رضا المحال عليه. جاء في مجلة الأحكام الشرعية: «تنعقد الحوالة بمجرد إيجاب المحيل، ولا تحتاج إلى قبول أو رضى من المحتال، ولا المحال عليه» (١). وسيأتي إن شاء الله ذكر دليلهم في مبحث مستقل بعنوان حكم قبول الحوالة، فانظره هناك مشكورًا. القول الثاني: ذهب الجمهور إلى أن الحوالة لا تنعقد إلا بإيجاب وقبول. [م-١١٠٤] واختلف القائلون باشتراط القبول لانعقاد الحوالة، من المعتبر قبوله؟ على قولين: القول الأول: يرى الحنفية بأن الحوالة الناجزة تنعقد بإيجاب وقبول صادرين من أطراف الحوالة: المحيل، والمحال، والمحال عليه (٢).
следующие страницы →