← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.

стр. 4726

الباب الثاني في أركان الحوالة أركان الحوالة هي أركان العقد، والخلاف في أركان الحوالة كالخلاف في أركان العقد: [م-١١٠١] فالعلماء متفقون على اعتبار الصيغة من أركان الحوالة. [م-١١٠٢] واختلفوا في غير الصيغة. فذهب الحنفية إلى اعتبار الصيغة وحدها ركنًا فقط (١). وزاد الجمهور على الصيغة أطراف الحوالة، من محيل، ومحال، ومحال عليه. وكذا الدين: المحال به، والدين المحال عليه (٢). جاء في الشرح الصغير: «وأركانها خمسة: محيل: وهو من عليه الدين، ومحال: وهو من له الدين. ومحال عليه: وهو من عليه دين مماثل للمدين الأول. ومحل به: وهو الدين الممثل.

стр. 4727

وصيغة تدل على التحول والانتقال، ولو بإشارة أو كتابة» (١). وسبب الاختلاف: أن الحنفية يرون أن الركن: هو ما يتوقف عليه وجود الشيء، وكان جزءًا داخلًا في حقيقته، وهذا خاص في الإيجاب والقبول، أما العاقدان والمعقود عليه فهي من لوازم العقد، وليست جزءًا من حقيقة العقد، وإن كان يتوقف عليها وجوده. بينما الجمهور يرون أن الركن: ما توقف عليه وجود الشيء وتصوره عقلًا، سواء أكان جزءًا من حقيقته أم لم يكن، ووجود العقد يتوقف على العاقدين والمعقود عليه، وإن لم يكن هؤلاء جزءًا من حقيقته. ومذهب الحنفية أجود، وأدق، والجمهور لا يطردون في تحديد الأركان، فاللوازم تارة يعتبرونها من الأركان، وتارة لا يدخلونها، فهم يجعلون الفاعل ركنًا في مثل عقد البيع والنكاح، ولا يجعلونه ركنًا في العبادات كالصلاة والحج، وإن كان لا يتصور قيام الحج والصلاة بدون فاعل. قال في المصباح المنير: «والفرق عسر ... » (٢). * * *

стр. 4728

الباب الثالث في شروط الحوالة الشرط الأول في شروط الصيغة (الإيجاب والقبول) ذكرت في الباب الثالث من عقد البيع أحكام الصيغة (الإيجاب والقبول). وأحكام الإيجاب والقبول في عقد البيع لا تختلف عن أحكام الإيجاب والقبول في سائر العقود اللازمة. وقد تعرضت فيها لشروط الإيجاب والقبول، ولرجوع الموجب، وهل يشترط تقدم الإيجاب على القبول؟ وفي مبطلات الإيجاب. كما تعرضت لأحكام الصيغة في جملة من الأحكام كالخلاف في تحديد الإيجاب والقبول. وانقسام الإيجاب والقبول إلى صريح وكناية، وإلى صيغة قولية، وفعلية. وتكلمت عن الصيغة القولية للإيجاب والقبول في صيغه المختلفة كصيغة الماضي، والمضارع، والأمر، والجملة الاسمية، وفي القبول بكلمة (نعم). وتكلمت عن الصيغة الفعلية كالإيجاب والقبول بالمعاطاة، والخلاف الفقهي في اعتبارها، وفي الإيجاب والقبول عن طريق الإشارة والكتابة، وعن صيغ الإيجاب والقبول بوسائل الاتصال الحديثة، وفي صدور الإيجاب والقبول من طرف واحد، وفي الإيجاب والقبول الصوري كبيع التلجئة، والهازل في البيع. وبينت مواضع الاتفاق ومواضع الخلاف في كل هذه المسائل، مع بيان

стр. 4729

الراجح فيها، وما بينته في عقد البيع يجري على عقد الحوالة، ويغني عن تكراره هنا، والحمد لله وحده. وما بقي من المباحث الخاصة المتعلقة بصيغة الحوالة نبحثه في المباحث التالية إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 4730

المبحث الأول في اشتراط القبول في عقد الحوالة [م-١١٠٣] اختلف الفقهاء في اعتبار القبول شرطًا في انعقاد الحوالة على قولين: القول الأول: ذهب الحنابلة بأن الحوالة تنعقد بمجرد إيجاب المحيل إذا كانت على مليء، ولا تحتاج إلى قبول؛ لأنهم لا يرون رضا المحال، ولا رضا المحال عليه. جاء في مجلة الأحكام الشرعية: «تنعقد الحوالة بمجرد إيجاب المحيل، ولا تحتاج إلى قبول أو رضى من المحتال، ولا المحال عليه» (١). وسيأتي إن شاء الله ذكر دليلهم في مبحث مستقل بعنوان حكم قبول الحوالة، فانظره هناك مشكورًا. القول الثاني: ذهب الجمهور إلى أن الحوالة لا تنعقد إلا بإيجاب وقبول. [م-١١٠٤] واختلف القائلون باشتراط القبول لانعقاد الحوالة، من المعتبر قبوله؟ على قولين: القول الأول: يرى الحنفية بأن الحوالة الناجزة تنعقد بإيجاب وقبول صادرين من أطراف الحوالة: المحيل، والمحال، والمحال عليه (٢).

стр. 4731

وقد يجري الإيجاب والقبول بين اثنين من أطرافها الثلاثة إلا أنها في غالب صورها لا تنعقد ناجزة، وهذه صورها: الصورة الأولى: أن يجري الإيجاب والقبول بين المحيل والمحال بغيبة المحال عليه. حكمها: تنعقد موقوفة على إجازته، فإن قبلها صحت، وإلا بطلت. جاء في درر الحكام في شرح مجلة الأحكام: «الحوالة التي أجريت بين المحيل والمحال له للمحال عليه، إذا قبل المحال عليه تكون صحيحة، وتامة، وإن لم يقبل تكون باطلة» (١). الصورة الثانية: أن يجري الإيجاب والقبول بين المحال والمحال عليه بغيبة المحيل. حكمها: تنعقد ناجزة، ولا تتوقف على رضا المحيل خلافًا للقدوري من الحنفية. جاء في الجوهرة النيرة: «وأما المحيل فالحوالة تصح بدون رضاه؛ لأن التزام الدين من المحال عليه تصرف في حق نفسه، وهو لا يتضرر به، بل فيه منفعة؛ لأنه لا يرجع عليه إذا لم يكن بأمره» (٢). وجاء في الفتاوى الهندية: «فأما رضا من عليه الدين وأمره فليس بشرط لصحة الحوالة» (٣).

стр. 4732

وقد عقدت مبحثًا خاصًا في مناقشة اشتراط رضا المحيل، فانظره مشكورًا. الصورة الثالثة: أن يجري الإيجاب والقبول بين المحيل والمحال عليه بغيبة المحال. حكمها: اختلف الحنفية في حكمها: فقيل: تنعقد موقوفة على إجازة المحال، فاتحاد المجلس ليس شرطًا في انعقادها، بل هو شرط في نفاذها، وهذا قول أبي يوسف. وقيل: لا تنعقد أصلًا، وهو قول أبي حنيفة، ومحمد بن الحسن؛ لأن قبول المحال في المجلس شرط انعقاد عندهما. وهو المصحح في المذهب. جاء في البحر الرائق: «لو كان المحتال غائبًا عن المجلس، فبلغه الخبر، فأجاز، لم ينعقد عندهما، خلافًا له ـ يعني أبا يوسف ـ والصحيح قولهما» (١). وسيأتي الكلام على اشتراط المجلس، وبيان دليله إن شاء الله تعالى. القول الثاني: ذهب المالكية، والشافعية، وبعض الحنابلة إلى أن الحوالة لا تنعقد إلا بإيجاب وقبول بين المحيل والمحال فقط دون المحال عليه، وإن اشترط المالكية حضور المحال عليه، وإقراره بالدين إلا أنهم لا يشترطون رضاه. وسيأتي ذكر أدلتهم حين الكلام على شرط الرضا، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه. الراجح: الصحيح أن القبول شرط لانعقاد الحوالة، فمذهب الحنابلة بأنها تنعقد بإيجاب وحده قول مرجوح كما بينت ذلك في حكم قبول الحوالة.

стр. 4733

ويبقى الترجيح بين مذهب الحنفية من جهة القائلين باشتراط القبول من أطراف الحوالة الثلاثة: المحيل، والمحال، والمحال عليه، وبين مذهب المالكية والشافعية القائلين بأنه لا يعتبر قبول المحال عليه، وإنما تنعقد بإيجاب وقبول من المحيل، والمحال، وهذا هو الصواب؛ لأن المحال عليه ذمته مشغولة بالدين يؤديه لصاحبه، أو لمن يرتضيه إلا أن يكون هناك عداوة بين المحال والمحال عليه فهنا قد يكون اعتبار قبول المحال عليه من باب السياسة الشرعية، كما هو مذهب المالكية، والله أعلم. * * *

стр. 4734

المبحث الثاني في اشتراط لفظ الحوالة [م-١١٠٥] اختلف العلماء في اشتراط أن تكون الصيغة بلفظ الحوالة على قولين: القول الأول: لا يتعين في الصيغة لفظ الحوالة، بل يكفي ما يؤدي معناها، كنقلت الحق إلى فلان، أو جعلت ما استحقه فلان علي لك، أو ملكتك الذي عليه. وهذا ما عليه جماهير أهل العلم، وهو إحدى القولين في مذهب المالكية، اختاره ابن رشد الجد، وظاهر كلام ابن عرفة (١). جاء في البهجة في شرح التحفة: «وقع لابن رشد في البيان أنها تكون بلفظها، أو ما يقوم مقامه كخذ من هذا حقك، وأنا بريء من دينك، واستظهره الحطاب، وهو ظاهر قول ابن عرفة: الصيغة: ما دل على ترك المحال دينه من ذمة المحيل بمثله في ذمة المحال عليه» (٢). وجاء في كشاف القناع: «وتصح الحوالة بلفظها، كأحلتك بدينك على فلان، أو معناها الخاص كأتبعتك بدينك على فلان، ونحوه؛ لدلالته على المقصود» (٣).

стр. 4735

القول الثاني اختار بعض المالكية وبعض الشافعية اشتراط لفظ الحوالة في الصيغة، وهو ظاهر كلام خليل في مختصره. قال الخرشي «من شروطها الصيغة، وظاهره أنه لابد من لفظها الخاص بها، قال أبو الحسن: وأن تكون بلفظ الحوالة» (١). وجاء في البهجة في شرح التحفة: «قال في الشامل: وشرطها صيغة بلفظها أي الخاص بها، كأحلتك بحقك على فلان، أو أنت محال به عليه ... وعليه لو قال: خذ حقك من هذا، أو يأمره بالدفع ليس بحوالة؛ لأنه يقول: ليس هذا احتيالًا بالحق، وإنما أردت أن أكفيك التقاضي، وإنما الحوالة أن تقول: أحيلك بالحق على هذا، وهو نص سماع يحيى عن ابن القاسم .... وعلى اشتراط الصيغة اقتصر ابن يونس واللخمي، وأبو الحسن والفشتالي في وثائقه، وأبو محمد صالح في شرح الرسالة وابن الفاكهاني» (٢). وقال الغزالي: «وأما لفظ الحوالة فلابد منه» (٣). والصحيح الأول، وإذا رجحنا أنه لا يتعين لفظ الحوالة في الصيغة فلابد أن تدل على انتقال الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه بحيث يبرأ المحيل من الدين، ولا تلتبس بالوكالة. قال ابن عرفة: «الصيغة ما دل على ترك المحال دينه من ذمة المحيل بمثله في ذمة المحال عليه .... » (٤).

стр. 4736

وجه من قال: لا يشترط في الصيغة لفظ الحوالة: الوجه الأول: أن المعتبر في العقود المقاصد والمعاني، وليس الألفاظ والمباني، ولهذا اعتبر الحنفية أن الحوالة بشرط مطالبة الأصيل كفالة (ضمان)؛ لأنه لما أراد بالحوالة ضم ذمة إلى أخرى صار ذلك قرينة على أنه أراد حقيقة الضمان ولم يرد الحوالة. واعتبر الحنفية أن الكفالة بشرط براءة الأصيل حوالة للقرينة نفسها، وهو أنه لما أراد بالكفالة براءة الأصيل صار العقد حقيقة في الحوالة (١). قال الكاساني: «الكفالة بشرط براءة الأصيل حوالة معنى، وإن لم يأت بلفظ الحوالة» (٢). واعتبر المالكية أن المحال عليه إذا لم يكن عليه دين للمحيل فهي حمالة (أي ضمان) سواء كانت بلفظ الحوالة أو الحمالة (٣). الوجه الثاني: أن الحوالة عقد ينتقل بها الدين عن ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، فلا يكون ذلك إلا بيقين، وهو التصريح بلفظ الحوالة، أو ما ينوب منابه، مثل أن يقول له: خذ من هذا حقك، وأنا بريء من دينك، وما أشبه ذلك (٤).

стр. 4737

الوجه الثالث: ولأنه إذا أتى بلفظ يحتمل الحوالة ويحتمل الوكالة كما إذا قال: خذ الذي لك علي من الدين الذي على فلان، فقال ابن القاسم: للمحال أن يرجع على المحيل، ويقول: إنما طلبت منه نيابة عنك، لا على أنها حوالة أبرأتك منها (١). وعليه فلا بد في الصيغة أن يفهم منها أن ذمة المحيل قد برئت من الدين وأن الحق قد انتقل إلى المحال عليه بأي لفظ كان. قال في الشرح الصغير: «أركانها خمسة ...... وذكر منها: «صيغة تدل على التحول والانتقال ولو بإشارة أو كتابة» (٢). قال الصاوي شارحًا: «قوله: تدل على التحول: أي فلا يشترط أن يكون فيها لفظ الحوالة، وما اشتق منها خلافًا لمن يقول ذلك. قوله: (ولو بإشارة أو كتابة) ظاهره أنها تكفي الإشارة أوالكتابة ولو من غير الأخرس، وهو المأخوذ من كلام ابن عرفة، وقال بعضهم: لا يكفيان إلا من الأخرس» (٣). وجاء في الأشباه والنظائر للسيوطي: «قال الماوردي والروياني: لو كتب له في ورقة بلفظ الحوالة، ووردت على المكتوب له لزمه أداؤها إذا اعترف بدين الكاتب، وأنه خطه، وأراد به الحوالة، وبدين المكتوب له، فإن أنكر شيئًا من ذلك لم يلزمه. ومن أصحابنا من ألزمه إذا اعترف بالكتاب والدين اعتمادًا على العرف، ولتعذر الوصول إلى الإرادة ـ يعني إرادة الحوالة ـ» (٤). * * *

стр. 4738

المبحث الثالث في الحوالة بلفظ البيع [م-١١٠٦] اختلف العلماء فيما إذا أحاله بلفظ البيع، هل تصح الحوالة؟ وقد تكلم على هذه المسألة الشافعية والحنابلة، ولهم فيها قولان: القول الأول: لا تنعقد الحوالة بلفظ البيع، ولو نوى بذلك الحوالة، وهذا هو المعتمد عند الشافعية، والمذهب عند الحنابلة (١). وجه ذلك: أن لفظ البيع ليس صريحًا ولا كناية لعقد الحوالة. ولأن الاعتبار في العقود عند الشافعية باللفظ لا بالمعنى. جاء في حاشية البجيرمي: «ولابد في الإيجاب ألا يكون بلفظ البيع، وقياسه ألا يكون القبول بلفظ الشراء، فلو قال: اشتريت ما لك على زيد من الدين بما لي عليك لم يصح، وإن نوى به الحوالة» (٢). وجاء في تحفة المحتاج: «المعتمد عدم الانعقاد بلفظ البيع» (٣).

стр. 4739

القول الثاني: اختار بعض الشافعية انعقاد الحوالة بلفظ البيع إن نواها (١). وذلك لأن الحوالة من قبيل بيع الدين بالدين على الصحيح من مذهب الشافعية، وإذا كان توصيف الحوالة على أنها بيع لم يمنع ذلك من انعقادها بلفظ البيع إذا نوى بذلك الحوالة، والله أعلم. الراجح: أما الذي يرى أن عقد الحوالة ليس من قبيل البيع، وإنما هو عقد إرفاق ومعروف، أو استيفاء للحق فلا يرى صحة الحوالة بلفظ البيع؛ لأن الحوالة عقد غير البيع. وأما من يرى أن الحوالة هي في حقيقتها بيع دين بدين رخص به للحاجة، فهل يقال: تجري بلفظ البيع؟ أو يقال: إنها لما استثنيت من بيع الدين بالدين صار لها شروط خاصة، منها اتفاق الدينين جنسًا ونوعًا وقدرًا، فلم تصح بلفظ البيع المطلق؛ لأن البيع المطلق للدين يشترط فيه تعيين أحد العوضين حتى لا يكون ذلك من باب بيع الدين بالدين، ويشترط القبض فيهما إن كان العوضان مما يجري فيهما ربا النسيئة، بينما الحوالة تجوز بدون هذين الشرطين، لهذا تعين أن يكون العقد بلفظ الحوالة أو ما يدل على معناها لا بلفظ البيع، هذا هو الصواب، وإن كان هذا لا يلغي أن الاعتبار في العقود للمقاصد والمعاني؛ لأن اللفظ إذا كان يؤدي إلى فساد المعنى وجب اجتنابه، ألا ترى أنه يجوز لك أن تقرض الرجل درهمًا

стр. 4740

ليرد لك درهمًا إلى أجل، ولا يجوز بيع الدرهم بالدرهم إلى أجل، وإن كانت صورة المبادلة واحدة، ولا يحمل البيع على القرض، فكذلك إذا كان عقد الحوالة بلفظ البيع لا ينبغي أن يصح وليس هذا إلغاء للمعنى، وإنما لأن بيع الدين يشترط له شروط لا يشترط مثلها في عقد الحوالة، لهذا وجب استبعاد لفظ البيع عن عقد الحوالة، والله أعلم. * * *

стр. 4741

المبحث الرابع انعقاد الحوالة بلفظ الكفالة [م-١١٠٧] هل تنعقد الحوالة بلفظ الكفالة؟ هذه المسألة ترجع إلى مسألة سبق بحثها، هل يتعين في الصيغة لفظ الحوالة، أو يكفي ما يؤدي معناها، كنقلت الحق إلى فلان، أو جعلت ما استحقه فلان علي لك، أو ملكتك الذي عليه، وللعلماء في ذلك قولان: القول الأول: تنعقد الحوالة بلفظ الكفالة إذا تضمن اللفظ معنى الحوالة، فقد صرح الحنفية أن الكفالة بشرط براءة الأصيل حوالة. قال الكاساني: «الكفالة بشرط براءة الأصيل حوالة معنى، وإن لم يأت بلفظ الحوالة» (١). لأنه لما أراد بالكفالة براءة الأصيل صار العقد حقيقة في الحوالة (٢). واعتبر المالكية أن المحال عليه إذا لم يكن عليه دين للمحيل فهي حمالة (أي ضمان) سواء كانت بلفظ الحوالة، أو الحمالة (٣). القول الثاني: لا تنعقد الحوالة بلفظ الكفالة، وهذا قول من يشترط أن تكون الحوالة بلفظها.

стр. 4742

قال الشيخ أبو الحسن الصغير من المالكية: من شرط الحوالة أن تكون بلفظ الحوالة (١)، وهو ظاهر كلام خليل في مختصره. وقال الخرشي «من شروطها الصيغة، وظاهره أنه لابد من لفظها الخاص بها، قال أبو الحسن: وأن تكون بلفظ الحوالة». وقال الغزالي: «وأما لفظ الحوالة فلابد منه» (٢). والصحيح أن المعتبر في العقود المقاصد والمعاني، وليس الألفاظ والمباني، فإذا كان اللفظ يدل على الحوالة لفظًا أو معنى حمل على ذلك، ولا تعبد بصيغة معينة، والله أعلم. * * *

стр. 4743

الشرط الثاني اشتراط الرضا بعقد الحوالة المبحث الأول في اشتراط رضا المحيل لن أتكلم عن الشروط التي تتعلق بأهلية المحيل؛ لأنه قد سبق لي في عقد البيع الكلام على أهلية العاقد على وجه التفصيل، وتكلمت عن أقسام الأهلية، وعن عقد الصبي والسفيه والمجنون، والسكران فأغنى ذلك عن إعادته هنا. وسوف أتكلم في هذا الفصل عن اشتراط رضا المحيل. [م-١١٠٨] فقد اختلف العلماء في اشتراط رضاه على قولين: القول الأول: يشترط رضا المحيل، وهو مذهب الجمهور، واشترطه القدوري من الحنفية، وحكي فيه الإجماع (١). جاء في بدائع الصنائع: «ومنها ـ أي من الشروط ـ رضا المحيل، حتى لو كان مكرهًا على الحوالة لا تصح؛ لأن الحوالة إبراء فيها معنى التمليك، فتفسد بالإكراه كسائر التمليكات» (٢).

стр. 4744

قال ابن حجر: «ويشترط في صحتها رضا المحيل بلا خلاف» (١). وقال ابن قدامة: «ويشترط في صحتها رضا المحيل بلا خلاف؛ فإن الحق عليه، ولا يتعين عليه جهة قضائه» (٢). وجه القول باشتراط رضا المحيل: الوجه الأول: أن ذوي المروءات لا يرضون أن يقوم غيرهم بسداد ديونهم بلا رضاهم. الوجه الثاني: أن الحوالة إبراء فيها معنى التمليك، فتفسد بالإكراه. الوجه الثالث: أن المحيل إذا لزمه الحق فالمستحق عليه أداؤه لا نقله، ألا ترى أنه إذا سئل نقل الحق إلى عين يعطيها بدلًا من الحق الذي عليه لم يلزمه، وكذا لو سئل نقله إلى ذمة أخرى لم يلزمه. الوجه الرابع: أن الدين متعلق في ذمة المدين، فهو مال موصوف غير معين، فله أن يقضيه من أي ماله شاء، ولا يتعين عليه قضاؤه من محل بعينه، ومنه مال الحوالة، بخلاف الأعيان فإنها لا تتعلق بالذمة، وتقضى بذواتها. القول الثاني: لا يشترط رضا المحيل، وهو قول محمد بن الحسن في الزيادات (٣)، ووجه

стр. 4745

في مذهب الشافعية، حكاه الخراسانيون. جاء في الجوهرة النيرة: «وأما المحيل فالحوالة تصح بدون رضاه؛ لأن التزام الدين من المحال عليه تصرف في حق نفسه، وهو لا يتضرر به، بل فيه منفعة؛ لأنه لا يرجع عليه إذا لم يكن بأمره» (١). وجاء في الفتاوى الهندية: «فأما رضا من عليه الدين وأمره فليس بشرط لصحة الحوالة» (٢). قال العمراني في البيان: «وأما المحيل فإن البغداديين من أصحابنا قالوا: يعتبر رضاه؛ لأن الحق عليه فلا تتعين عليه جهة قضائه ..... وأما الخراسانيون فقالوا: هل يعتبر رضا المحيل؟ فيه وجهان. وصورتها: أن يقول المحال عليه لرجل: أحلتك على نفسي بالحق الذي لك على فلان، فإذا قال: قبلت، فهل يصح على الوجهين بناء على الوجهين فيما لو قال: ضمنت عنه بشرط أن يبرئه. وعندي ـ أي عند العمراني ـ أن هذين الوجهين إنما يتصوران في المحال عليه، إذا لم يكن عليه حق للمحيل، وقلنا: تصح الحوالة على من لا حق له عليه برضاه، فأما إذا كان للمحيل على المحال عليه حق فلا يصح بغير رضا المحيل وجهًا واحدًا» (٣). وقد وفَّق الحنفية بين رواية القدوري وبين المشهور من المذهب: فقالوا: إن القدروي اشترط رضا المحيل من أجل رجوع المحال عليه على

стр. 4746

المحيل، فإذا دفع المحال عليه دين الحوالة برضا المحيل رجع المحال عليه على المحيل بما أداه من الدين. وعليه فلا اختلاف في الرواية عند الحنفية. فالمشهور من المذهب: إن تمت الحوالة برضا المحيل سقط دين المحال عليه إن كان عليه دين، أو رجع على المحيل إن لم يكن عليه دين. وعلى هذا يحمل قول القدوري. وإن تمت الحوالة بدون رضا المحيل لم يكن للمحال عليه الرجوع على المحيل، حتى ولو كان عليه دين للمحيل؛ لأن الحوالة تمت بدون رضاه، وعلى هذا يحمل ما ورد عن محمد في الزيادات (١). الراجح: أن الحوالة لا بد فيها من رضا المحيل، ولا خلاف بين الفقهاء فيها فيما إذا كان للمحيل دين في ذمة المحال عليه، وعقدت الحوالة بين المحال عليه والمحال له حوالة مقيدة بأن يعطي المحال عليه المحال به من المال الذي بذمته للمحيل فهنا رضا المحيل شرط لصحة الحوالة؛ لأن ثبوت الحوالة وصحتها يعني سقوط حق المطالبة للمحيل على المحال عليه، وهذا لا يجوز بدون رضاه؛ لأنه تصرف في حقه. وما قاله الحنفية من جواز الحوالة بدون رضا المحيل لا يعتبر مخالفًا لما ذهب إليه الجمهور فإنهم يتحدثون عن التزام المحال عليه بالسداد دون رضا المحيل، وهذا باب آخر غير الحوالة التي نتكلم عنها، وقد لا يكون المحال

стр. 4747

عليه مدينًا للمحيل، وإن كان مدينًا فإن الحوالة لم تكن على ما في ذمته للمحيل، ولذلك جاء في درر الحكام شرح مجلة الأحكام: «الحوالة بغير إذن المحيل ليست حوالة من كل وجه؛ لأن الحوالة هي الإحالة الحاصلة بفعل المحيل، وهذا المعنى في هذه منتف، بل فيها شطر الحوالة، وهو عبارة عن اللزوم على المحال، وأما الشطر الآخر الذي هو انتقال الدين من المدين فهو مفقود» (١). إذا علم ذلك من مذهب الحنفية فإنه يبقى عندي سؤال: هل التزام المحال عليه بالوفاء بدون رضا المحيل يجوز كما قال الحنفية؟ أو ينبغي أن يقيد ذلك برضا المدين حتى ولو كان التزامه تبرعًا دفعًا للمنة؟ الصواب الثاني، والله أعلم * * *

стр. 4748

المبحث الثاني في اشتراط رضا المحال [م-١١٠٩] تكلمنا في فصل سابق عن اشتراط رضا المحيل، فهل يشترط رضا المحال؟ اختلف الفقهاء في ذلك، وسبب اختلافهم: اختلافهم في الأمر بالحوالة الوارد في حديث أبي هريرة. (ح-٦٦٢) فقد روى الشيخان من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: مطل الغني ظلم، فإذا أتبع أحدكم على ملئ فليتبع (١). فأمر رسول الله ﷺ بالاتباع إذا أحيل على مليء، واختلف العلماء هل الأمر للوجوب، أو للندب، أو للإباحة؟ على ثلاثة أقوال: فمن قال: إن الأمر للوجوب لم يشترط رضا المحال، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، ومذهب الظاهرية، وبه قال أبو ثور، وابن جرير الطبري (٢). ومن قال: إن الأمر ليس للوجوب اشترط رضاه، سواء قال: إن الأمر للإباحة كالحنفية وبعض المالكية، وبعض الشافعية (٣)، أو قال: إن الأمر

стр. 4749

للندب، كالجمهور (١). جاء في درر الحكام شرح مجلة الأحكام: «رضا المحال له وقبوله شرط؛ لأن الدين حقه، والناس متفاوتون في إيفاء الدين» (٢). وقال الدردير: «شرط صحة الحوالة رضا المحيل والمحال فقط، لا المحال عليه على المشهور» (٣). وجاء في المهذب: «ولا تصح الحوالة من غير رضا المحتال؛ لأنه نقل حق من ذمة إلى غيرها، فلم يجز من غير رضا صاحب الحق، كما لو أراد أن يعطيه بالدين عينًا» (٤). وجاء في شرح ميارة: «وأما رضا المحال فهو مبني على مذهب الجمهور من عدم وجوب قبول الحوالة، وأما على مذهب أهل الظاهر فلا؛ لوجوب ذلك عليه» (٥). وقد ناقشت ولله الحمد أدلة الأقوال في مبحث مستقل تحت عنوان (الحكم التكليفي للحوالة) ورجحت أن الأمر ليس للوجوب، وإنما هو للندب، وذكرت القرائن الدالة على صرف الأمر إلى الاستحباب، فأغنى ذلك عن إعادته هنا،

стр. 4750

وبالتالي يصح القول بأنه يشترط رضا المحال كما يشترط رضا المحيل على الصحيح؛ فعقد الحوالة عقد رضائي لابد فيه من الاتفاق بين المحيل والمحال، والله أعلم. * * *

стр. 4751

المبحث الثالث في اشتراط رضا المحال عليه المحال عليه إما أن يكون مدينًا للمحيل أولا. [م-١١١٠] فإن لم يكن مدينًا اشترط رضاه بلا نزاع، وسوف يأتينا بحث خاص، هل تصح الحوالة على من ليس عليه دين للمحيل؟ وإذا صحت هل تكون حوالة، أو تكون عقدًا آخر؟ [م-١١١١] وإن كان مدينًا للمحيل فقد اختلف الفقهاء في اشتراط رضا المحال عليه على قولين: القول الأول: يشترط رضاه، وهو مذهب الحنفية، وقول في مذهب المالكية، وقول في مذهب الشافعية، وبه قال داود الظاهري (١). جاء في الشرح الكبير للدردير: «شرط صحة الحوالة رضا المحيل والمحال فقط، لا المحال عليه على المشهور» (٢). فقوله (على المشهور) يفهم منه أن ما يقابل المشهور يشترط رضاه. وفي مغني المحتاج: «يشترط لها لتصح رضا المحيل والمحتال ....

стр. 4752

لا المحال عليه في الأصح فلا يشترط رضاه .... والثاني: يشترط رضاه بناء على أن الحوالة استيفاء» (١). وجاء في الحاوي الكبير: «قال أبو إبراهيم المزني وأبو عبد الله الزبيري وأبوسعيد الإصطخري وأبو حفص بن الوكيل: الحوالة لا تتم إلا برضا المحال عليه، فإن لم يقبلها، ولم يرض بها لم تصح .... » (٢). وجه من قال: يشترط رضا المحال عليه: لما كان الناس متفاوتين في طلب الدين، فبعضهم يمهل ويتسامح، وبعضهم يتعجل ويتشدد، وربما كان صاحب الدين أسهل اقتضاء وأسمح قبضًا كانت الحوالة موقوفة على قبول المحال عليه؛ لأنه قد يقبل أن يكون مدينًا لفلان ولا يقبل أن يكون مدينًا لغيره، لهذا اشترط رضا المحال عليه، والله أعلم (٣). القول الثاني: لا يشترط رضا المحال عليه، وهو المشهور من مذهب المالكية، والأصح في مذهب الشافعية، وهو مذهب الحنابلة (٤). جاء في الحاوي الكبير: «ظاهر مذهب الشافعي أن رضاه غير معتبر في صحة الحوالة بل تتم برضا المحيل والمحتال، سواء رضي بذلك المحال عليه أم لم

стр. 4753

يرض، وبه قال من أصحابنا أبو العباس بن سريج، وأبو إسحاق المروزي، وأبو علي ابن أبي هريرة ...... » (١). وجه القول بأنه لا يشترط رضاه: الوجه الأول: أن الحق للمحيل، فله أن يستوفي الحق بنفسه، وله أن يستوفيه بغيره كما لو وكل غيره بالاستيفاء. ونوقش هذا: بأن هناك فرقًا بين الحوالة وبين الوكالة، فالحوالة تصرف على المحال عليه بنقل الحق إلى ذمته، فلا يتم إلا بقبوله ورضاه، بخلاف التوكيل بقبض الدين؛ فهو تصرف بأداء الواجب، وليس تصرفًا بنقله فلا يشترط قبوله ورضاه. الوجه الثاني: بالحوالة يزول ملكه عن الدين كالإبراء، فلما لم يكن رضا المبرأ معتبرًا في صحة البراءة لم يكن رضا المحال عليه معتبرًا في صحة الحوالة (٢). واستثنى المالكية فيما إذا كانت هناك عدواة بين المحال والمحال عليه. جاء في البهجة في شرح التحفة «ومحل عدم اشتراط رضا المحال عليه على المشهور إذا لم تكن هناك عداوة بين المحال والمحال عليه، وإلا فلا بد من رضاه (٣).

стр. 4754

الراجح: أن رضا المحال عليه ليس بشرط، والله أعلم. * * *

стр. 4755

المبحث الرابع في فوات الرضا في عقد الحوالة تبين لنا من خلال البحوث السابقة اختلاف الفقهاء فيمن يشترط رضاه لعقد الحوالة. فالجمهور يشترطون رضا المحيل والمحال فقط دون المحال عليه. واشترط الحنفية رضا المحال والمحال عليه دون المحيل. واشترط الحنابلة رضا المحيل فقط دون المحال والمحال عليه. هذا ملخص أقوال الأئمة في اشتراط الرضا بين أطراف الحوالة، والله أعلم. [م-١١١٢] فإذا انتفى الرضا ممن يشترط رضاه في الحوالة، ووقع عقد الحوالة على الإكراه، فقد اختلف الفقهاء في أثر ذلك على الحوالة على ثلاثة أقوال، ترجع إلى اختلافهم في عقد المكره على سبيل العموم: القول الأول: إذا أكره من يشترط رضاه على الحوالة فهي حوالة فاسدة، فرقًا بينها وبين الحوالة الباطلة، وهذا مذهب الحنفية، ولهم مصطلح خاص في التفريق بين الفاسد والباطل سبق تحريره في عقد البيع. قال علي حيدر: «رضا المحال والمحال عليه شرط في صحة الحوالة ... بناء عليه إذا أخذ رجل حوالة بالإكراه المعتبر أو قبلها لا تكون صحيحة» (١).

стр. 4756

وجه ذلك: أن الحوالة إبراء فيها معنى التمليك، فتفسد بالإكراه كسائر التمليكات (١). القول الثاني: الإكراه على عقد الحوالة ينعقد موقوفًا، وللمكره الخيار بين إمضائه ورده. وهذا قول زفر من الحنفية (٢)، ومذهب المالكية (٣). وجه ذلك: أن النهي عن الإكراه في العقود ليس لحق الله، وإنما هو لحق الآدمي، فإذا أجازه صاحبه بعد رفع الإكراه ارتفع المفسد، فصح العقد، مثله عقد الفضولي، فإنه لما كان الفضولي قد باع ملك غيره بغير إذنه، كان ذلك موقوفًا على إجازة صاحبه (٤). القول الثالث: العقد مع الإكراه لا ينعقد، وهذا مذهب الشافعية (٥)، والحنابلة (٦).

стр. 4757

واستدلوا على ذلك بأدلة، منها: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء:٢٩]. وجه الدلالة: إذا كان الرضا شرطًا في صحة البيع، والبيع عقدًا من العقود، فكذلك الحوالة مقيسة عليه، وإذا عدم الشرط عدم المشروط؛ لأنه يلزم من عدمه العدم. الدليل الثاني: إذا كان الإكراه محرمًا، وفيه اعتداء على حق الغير، فإن الحرام لا ينبغي أن يترتب عليه أي أثر شرعي. وقد استوفينا الأدلة ومناقشتها في حكم عقد المكره في عقد البيع، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، والحمد لله. الراجح: أرى أن القول بأن الحوالة تكون موقوفة على إجازة المكره، فإن الحق له، إن شاء أمضاه، وإن شاء رده، لكن بشرط أن يرتفع الإكراه قبل الإجازة.

стр. 4758

الشرط الثالث في اشتراط أن يكون المحيل مدينًا للمحال [م-١١١٣] ذهب الأئمة الأربعة إلى شتراط أن يكون المحيل مدينًا للمحال (١). [م-١١١٤] فإن أحال المحيل رجلًا ليس له عليه دين على من له عليه دين فقد اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: تصح، وتكون وكالة بقبض الدين اعتبارًا للمعنى؛ لأن المعتبر في العقود المقاصد والمعاني، وليست الألفاظ والمباني. وهذا مذهب الجمهور (٢). قال ابن نجيم: «إذا أحال رجلًا وليس للمحتال دين على المحيل، فهذه وكالة، وليست حوالة» (٣). وقال الدسوقي في حاشيته: «وكذا يشترط ثبوت دين للمحال على المحيل» (٤). وجاء في البيان للعمراني: «قال أبو العباس: إذا كان لرجل عند رجل ألف، فقال من له الدين لرجل لا شيء عليه له: أحلتك على فلان بألف، فهذا توكيل

стр. 4759

منه بالقبض، وليس بحوالة؛ لأن الحوالة إنما تكون لمن له حق، ولا حق للمحتال عليه هاهنا، فثبت أن ذلك توكيل» (١). وجه ذلك: قال ابن قدامة: «لأن الحوالة مأخوذة من تحول الحق وانتقاله ولا حق هاهنا ينتقل ويتحول وإنما جازت الوكالة بلفظ الحوالة؛ لاشتراكهما في المعنى; وهو استحقاق الوكيل مطالبة من عليه الدين كاستحقاق المحتال مطالبة المحال عليه وتحول ذلك إلى الوكيل كتحوله إلى المحيل» (٢). القول الثاني: لا تصح لا حوالة ولا وكالة، اختاره بعض الشافعية (٣). أما كون العقد لا يصح حوالة؛ فلأن الحوالة مأخوذة من تحول الحق وانتقاله، ولا حق هنا ينتقل ويتحول. وأما كونه لا ينعقد وكالة فاعتبارًا للفظ، فإن لفظ الحوالة غير لفظ الوكالة، وهذا القول اختاره بعض الشافعية، وهو يتفق مع أصول مذهبهم بأن المقدم في العقود الألفاظ على المعاني. وقد سبق عقد مبحث مستقل في مناقشة المعتبر في العقود، هل هو المقاصد والمعاني، أو الألفاظ والمباني في مقدمة عقد البيع وبينت فيه ضعف مذهب الشافعية، وأنهم لم يطردوا في ذلك، ففي أحيان كثيرة يقدمون اللفظ على المعنى، وفي عقود أخرى يقدمون المعنى على اللفظ. فأغنى ذلك عن إعادته هنا، والله أعلم. * * *

стр. 4760

الشرط الرابع في اشتراط أن يكون المحال عليه مدينًا للمحيل [م-١١١٥] في البحث السابق علمنا اتفاق الأئمة الأربعة على اشتراط أن يكون المحيل مدينًا للمحال، فهل يشترط أن يكون المحال عليه مدينًا للمحيل؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: تصح الحوالة وإن كان المحال عليه ليس مدينًا للمحيل، وتسمى بالحوالة المطلقة، بشرط أن يتضمن العقد براءة المحيل، وهذا مذهب الحنفية، واختاره ابن الماجشون من المالكية، وأحد الوجهين في مذهب الشافعية (١). فإن لم يتضمن العقد براءة المحيل كان العقد عند الحنفية كفالة. جاء في البحر الرائق: «الكفالة بشرط براءة الأصيل حوالة، والحوالة بشرط عدم براءة المحيل كفالة» (٢). قال ابن عابدين: «وأما الدين على المحال عليه فليس بشرط» (٣). وقال السيوطي: «لو أحال على من لا دين عليه برضاه، فالأصح بطلانها بناء على أنها بيع. والثاني: يصح بناء على أنها استيفاء» (٤).

стр. 4761

القول الثاني: يشترط في صحة الحوالة أن يكون المحال عليه مدينًا للمحيل، وهذا مذهب المالكية، والأصح في مذهب الشافعية، ومذهب الحنابلة (١). فإن أحاله صح العقد على خلاف بينهم في توصيف هذا العقد. فقيل: هي حمالة عند المالكية. واقتراض عند الشافعية والحنابلة. جاء في شرح الخرشي: «ومن شروطها ثبوت دين للمحيل في ذمة المحال عليه وإلا كانت حمالة عند الجمهور، قاله الباجي، ولو وقعت بلفظ الحوالة» (٢). وجاء في المدونة: «إذا لم يكن على المحتال عليه للذي أحال عليه دين فإنما هي حمالة» (٣). وجاء في أسنى المطالب: «لو أحال على من لا دين عليه لم تصح الحوالة، ولو رضي بها؛ لعدم الاعتياض، إذ ليس عليه شيء يجعله عوضًا عن حق المحتال، فإن تطوع بأداء دين المحيل كان قاضيًا دين غيره، وهو جائز» (٤). وفي مغني المحتاج: «ولا تصح على من لا دين عليه بناء على الأصح من

стр. 4762

أنها بيع؛ إذ ليس للمحيل على المحال عليه شيء يجعله عوضًا عن حق المحتال. وقيل: تصح برضاه .... وعلى الأول لو تطوع بقضاء دين المحيل كان قاضيًا دين غيره، وهو جائز» (١). وقال ابن قدامة: وإن أحال من عليه دين على من لا دين عليه فليست حوالة نص عليه أحمد، فلا يلزم المحال عليه الأداء، ولا المحتال قبول ذلك؛ لأن الحوالة معاوضة، ولا معاوضة هنا، وإنما هو اقتراض» (٢). وجاء في كشاف القناع: «وإن أحال من عليه دين على من لا دين عليه فهو وكالة في اقتراض» (٣). والقول بأنها قرض أو وكالة باقتراض لا يخالف عندي توصيف من قال: بأنها حمالة، لأنها حمالة بالنظر إلى علاقة المحال بالمحال عليه، ووكالة بالاقتراض بالنظر إلى علاقة المحيل بالمحال، واقتراض بالنظر إلى علاقة المحيل بالمحال عليه. القول الثالث: العقد باطل، وهو قول في مذهب الشافعية. قال الماوردي: «فأما وجوب الحق على المحال عليه فقد اختلف أصحابنا هل هو شرط في صحة الحوالة؟ على وجهين: أحدهما: أنه شرط في صحة الحوالة، فمتى لم يكن للمحيل على المحال عليه ذلك الحق الذي أحال به عليه فالحوالة باطلة؛ لأن الحوالة من تحول

стр. 4763

الحق، فلا بد من أن يكون الحق واجبًا على المحال عليه كما كان واجبًا للمحتال. والوجه الثاني: تصح، وتجرى مجرى الضمان؛ لأنها وثيقة، فعلى هذا لا تتم إلا بقبول المحال عليه» (١). الراجح: الذي يظهر لي أن المحال عليه إذا لم يكن مدينًا للمحيل، ورضي بالحوالة فإنها تصح، ولكن لا تكون حوالة مطلقة كما يقول الحنفية، بل يمكن توصيف الحوالة على أنها وكالة في الاقتراض بالنظر إلى علاقة المحيل بالمحال، واقتراض بالنظر إلى علاقة المحيل بالمحال عليه، وضمان بالنظر إلى علاقة المحال بالمحال عليه، فيكون المحيل مضمونًا عنه، والمحال عليه ضامنًا، والمحال مضمونًا له، وذلك أن المحال عليه عندما رضي بالحوالة أصبح ملتزمًا بأداء قيمتها للمحال، وهذا هو حقيقة الضمان، فإن دفعها بأمر المحيل وبنية الرجوع إلى صاحبها أصبح مقرضًا للمحيل، وإن دفعها بدون أمره، أو نوى عدم الرجوع كان متبرعًا، فإن دفعها إكرامًا للمحيل كانت هدية، وإن دفعها طلبًا للأجر والثواب كانت صدقة، والله أعلم. قال العمراني: «فإن وزن المحال عليه الحق فإن كان بغير إذن المحيل لم يرجع على المحيل بشيء؛ لأنه متطوع، وإن وزن بإذنه رجع عليه» (٢). وقال الماوردي: «ولا رجوع له بالحوالة قبل أدائها، فإن أداها بأمر رجع بها، وإن كان بغير أمر لم يرجع بها» (٣). * * *

стр. 4764

الشرط الخامس في اشتراط حضور أطراف الحوالة المبحث الأول في اشتراط حضور المحال مجلس الحوالة [م-١١١٦] اختلف الفقهاء في اشتراط حضور المحال مجلس الحوالة على قولين: القول الأول: يشترط حضور المحال مجلس الحوالة، وهو قول أبي حنيفة، ومحمد ابن الحسن (١). قال في فتح القدير: «ولا تصح الحوالة في غيبة المحتال في قول أبي حنيفة، ومحمد» (٢). وفي حاشية ابن عابدين: «والشرط حضرة المحتال فقط حتى لا تصح في غيبته» (٣). القول الثاني: لا يشترط، وهو قول أبي يوسف، والمذهب عند الحنابلة (٤).

стр. 4765

جاء في حاشية ابن عابدين: «خلاف أبي يوسف في المحتال فقط، فعنده لا تشترط حضرته، بل يكفي رضاه كالمحال عليه» (١). وفي بدائع الصنائع: «المحتال لو كان غائبًا عن المجلس، فبلغه الخبر، فأجاز لا ينفذ عندهما، وعند أبي يوسف ينفذ» (٢). جاء في مطالب أولي النهى: «ولا يشترط حضوره أي المحتال» (٣). الراجح من الخلاف: الذي أراه صحة الحوالة إذا أجازها المحال، ولو كان غائبًا؛ لأن البيع وهو الأصل في عقود المعاوضات ينعقد بالكتابة، ولو كان المتعاقدان غائبين فالحوالة أولى؛ لأنه عقد استيفاء، والعجيب في مذهب الحنفية أنهم يشترطون حضور المحال مع أنهم لم يعتبروا رضاه في الحوالة، كما أنهم أجازوا الحوالة إذا حضر فضولي مجلس الحوالة فقبل عن المحال، فإذا بلغ المحال عليه وأجازه نفذ، مع أن الفضولي لم يكن نائبًا عن المحال؛ لأنه تصرف له بدون إذنه، فتبين بهذا ضعف مذهب الحنفية، والله أعلم. * * *
следующие страницы →