← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 4761–4800 · переход к 4766.

стр. 4761

القول الثاني: يشترط في صحة الحوالة أن يكون المحال عليه مدينًا للمحيل، وهذا مذهب المالكية، والأصح في مذهب الشافعية، ومذهب الحنابلة (١). فإن أحاله صح العقد على خلاف بينهم في توصيف هذا العقد. فقيل: هي حمالة عند المالكية. واقتراض عند الشافعية والحنابلة. جاء في شرح الخرشي: «ومن شروطها ثبوت دين للمحيل في ذمة المحال عليه وإلا كانت حمالة عند الجمهور، قاله الباجي، ولو وقعت بلفظ الحوالة» (٢). وجاء في المدونة: «إذا لم يكن على المحتال عليه للذي أحال عليه دين فإنما هي حمالة» (٣). وجاء في أسنى المطالب: «لو أحال على من لا دين عليه لم تصح الحوالة، ولو رضي بها؛ لعدم الاعتياض، إذ ليس عليه شيء يجعله عوضًا عن حق المحتال، فإن تطوع بأداء دين المحيل كان قاضيًا دين غيره، وهو جائز» (٤). وفي مغني المحتاج: «ولا تصح على من لا دين عليه بناء على الأصح من

стр. 4762

أنها بيع؛ إذ ليس للمحيل على المحال عليه شيء يجعله عوضًا عن حق المحتال. وقيل: تصح برضاه .... وعلى الأول لو تطوع بقضاء دين المحيل كان قاضيًا دين غيره، وهو جائز» (١). وقال ابن قدامة: وإن أحال من عليه دين على من لا دين عليه فليست حوالة نص عليه أحمد، فلا يلزم المحال عليه الأداء، ولا المحتال قبول ذلك؛ لأن الحوالة معاوضة، ولا معاوضة هنا، وإنما هو اقتراض» (٢). وجاء في كشاف القناع: «وإن أحال من عليه دين على من لا دين عليه فهو وكالة في اقتراض» (٣). والقول بأنها قرض أو وكالة باقتراض لا يخالف عندي توصيف من قال: بأنها حمالة، لأنها حمالة بالنظر إلى علاقة المحال بالمحال عليه، ووكالة بالاقتراض بالنظر إلى علاقة المحيل بالمحال، واقتراض بالنظر إلى علاقة المحيل بالمحال عليه. القول الثالث: العقد باطل، وهو قول في مذهب الشافعية. قال الماوردي: «فأما وجوب الحق على المحال عليه فقد اختلف أصحابنا هل هو شرط في صحة الحوالة؟ على وجهين: أحدهما: أنه شرط في صحة الحوالة، فمتى لم يكن للمحيل على المحال عليه ذلك الحق الذي أحال به عليه فالحوالة باطلة؛ لأن الحوالة من تحول

стр. 4763

الحق، فلا بد من أن يكون الحق واجبًا على المحال عليه كما كان واجبًا للمحتال. والوجه الثاني: تصح، وتجرى مجرى الضمان؛ لأنها وثيقة، فعلى هذا لا تتم إلا بقبول المحال عليه» (١). الراجح: الذي يظهر لي أن المحال عليه إذا لم يكن مدينًا للمحيل، ورضي بالحوالة فإنها تصح، ولكن لا تكون حوالة مطلقة كما يقول الحنفية، بل يمكن توصيف الحوالة على أنها وكالة في الاقتراض بالنظر إلى علاقة المحيل بالمحال، واقتراض بالنظر إلى علاقة المحيل بالمحال عليه، وضمان بالنظر إلى علاقة المحال بالمحال عليه، فيكون المحيل مضمونًا عنه، والمحال عليه ضامنًا، والمحال مضمونًا له، وذلك أن المحال عليه عندما رضي بالحوالة أصبح ملتزمًا بأداء قيمتها للمحال، وهذا هو حقيقة الضمان، فإن دفعها بأمر المحيل وبنية الرجوع إلى صاحبها أصبح مقرضًا للمحيل، وإن دفعها بدون أمره، أو نوى عدم الرجوع كان متبرعًا، فإن دفعها إكرامًا للمحيل كانت هدية، وإن دفعها طلبًا للأجر والثواب كانت صدقة، والله أعلم. قال العمراني: «فإن وزن المحال عليه الحق فإن كان بغير إذن المحيل لم يرجع على المحيل بشيء؛ لأنه متطوع، وإن وزن بإذنه رجع عليه» (٢). وقال الماوردي: «ولا رجوع له بالحوالة قبل أدائها، فإن أداها بأمر رجع بها، وإن كان بغير أمر لم يرجع بها» (٣). * * *

стр. 4764

الشرط الخامس في اشتراط حضور أطراف الحوالة المبحث الأول في اشتراط حضور المحال مجلس الحوالة [م-١١١٦] اختلف الفقهاء في اشتراط حضور المحال مجلس الحوالة على قولين: القول الأول: يشترط حضور المحال مجلس الحوالة، وهو قول أبي حنيفة، ومحمد ابن الحسن (١). قال في فتح القدير: «ولا تصح الحوالة في غيبة المحتال في قول أبي حنيفة، ومحمد» (٢). وفي حاشية ابن عابدين: «والشرط حضرة المحتال فقط حتى لا تصح في غيبته» (٣). القول الثاني: لا يشترط، وهو قول أبي يوسف، والمذهب عند الحنابلة (٤).

стр. 4765

جاء في حاشية ابن عابدين: «خلاف أبي يوسف في المحتال فقط، فعنده لا تشترط حضرته، بل يكفي رضاه كالمحال عليه» (١). وفي بدائع الصنائع: «المحتال لو كان غائبًا عن المجلس، فبلغه الخبر، فأجاز لا ينفذ عندهما، وعند أبي يوسف ينفذ» (٢). جاء في مطالب أولي النهى: «ولا يشترط حضوره أي المحتال» (٣). الراجح من الخلاف: الذي أراه صحة الحوالة إذا أجازها المحال، ولو كان غائبًا؛ لأن البيع وهو الأصل في عقود المعاوضات ينعقد بالكتابة، ولو كان المتعاقدان غائبين فالحوالة أولى؛ لأنه عقد استيفاء، والعجيب في مذهب الحنفية أنهم يشترطون حضور المحال مع أنهم لم يعتبروا رضاه في الحوالة، كما أنهم أجازوا الحوالة إذا حضر فضولي مجلس الحوالة فقبل عن المحال، فإذا بلغ المحال عليه وأجازه نفذ، مع أن الفضولي لم يكن نائبًا عن المحال؛ لأنه تصرف له بدون إذنه، فتبين بهذا ضعف مذهب الحنفية، والله أعلم. * * *

стр. 4766

المبحث الثاني في اشتراط حضور المحال عليه [م-١١١٧] اختلف الفقهاء في اشتراط حضور المحال عليه على قولين: القول الأول: لا يشترط حضوره، وهو مذهب الحنفية والحنابلة، واختاره من المالكية ابن سلمون (١). وجاء في رد المحتار: «لا خلاف في المحال عليه في أن حضرته غير شرط» (٢). وفي فتح القدير: «وكذا لا يشترط حضرة المحتال عليه، حتى لو أحال على غائب، فبلغه الخبر، صحت» (٣). وجاء في الشرح الكبير للدردير: «ولا يشترط حضوره وإقراره على أحد القولين المرجحين» (٤). وجاء في البهجة شرح التحفة: «لا يشترط حضور المحال عليه، ولا إقراره بالدين، وهو الذي شهره ابن سلمون» (٥). وجه من قال: لا يشترط حضوره: أن الحوالة ليست بيعًا، وإنما هي عقد إرفاق فلا يشترط حضور المحال

стр. 4767

عليه؛ ولأن رضاه غير معتبر في عقد الحوالة عند جمهور العلماء فلا يشترط حضوره. القول الثاني: يشترط حضوره، اختاره ابن القاسم من المالكية، وهو المعتمد في مذهبهم، وبه قال أكثرهم. جاء في البهجة شرح التحفة: «وقيل: لابد من حضوره وإقراره، وصدر به في الشامل، وعزاه لابن القاسم ..... وصرح ابن رحال ... بأن تشهير ابن سلمون خلاف الراجح، وتبعه على ذلك الشيخ بناني وغيره» (١). وعندما قال الدردير في الشرح الكبير: «ولا يشترط حضوره وإقراره على أحد القولين المرجحين» (٢). تعقبه الدسوقي في حاشيته، فقال: «قوله على أحد القولين المرجحين فيه نظر، بل الراجح اشتراط الحضور، وأما عدم اشتراطه فقد انفرد بتشهيره ابن سلمون، وهو متعقب» (٣). وجه من قال: يشترط حضوره: الوجه الأول: اشتراط حضوره وإقراره وإن كان رضاه غير معتبر لاحتمال أن يبدي مطعنًا في البينة إذا حضر، أو يثبت براءته من الدين ببينة على الدفع، أو على إقراره به (٤).

стр. 4768

الوجه الثاني: أن اشتراط الحضور والإقرار مبني على أن الحوالة من قبيل بيع الدين بالدين، فيشترط فيها شروطه، غاية الأمر أنه رخص فيها جواز بيع الدين بدين آخر (١). وأجيب: ذكر الشيخ الرهوني بأنهم عللوا اشتراط الحضور بأن الغائب قد يكون له براءة من ذلك، وهذا التعليل يقتضي أن في حضوره تقليلًا للغرر، وقد علمت أن الحوالة من ناحية المعروف، والمعروف لا يؤثر فيه الغرر (٢). ورد هذا الجواب: بأن الحوالة وإن كانت معروفًا فإنما يغتفر فيها على قول ابن القاسم ما اغتفره الشارع ﷺ ؛ لأنها بيع، فما وردت الرخصة فيه كعدم المناجزة في العين اغتفر، وما لم ترد به فهو على أصل البيع فيه، وعدم اشتراط المناجزة مصرح به في الحديث الكريم، حيث قال: (ومن أتبع منكم) الخ إذ الاتباع لا مناجزة فيه .... وأيا ما كان فهو غرر كثير، وليست هي متمحضة للمعروف كالهبة حتى يغتفر فيها الجهل بحصول العوض، بل هي معاوضة حقيقية روعي فيها جانب المعروف بعدم اعتبار بعض شروط البيع فيها .... (٣). فتبين بهذا أن الخلاف عند المالكية راجع إلى الخلاف في الحوالة، هل هي بيع، أو عقد إرفاق؟ فمن رأى أنها بيع اشترط الحضور، ومن رأى أنها عقد إرفاق لم يشترط.

стр. 4769

قال الصاوي في حاشيته: «الحاصل: أن الفقهاء من الأندلسيين اختلفوا: هل يشترط في صحة الحوالة حضوره وإقراره أو لا يشترط ذلك؟ رجح كل من القولين; وإن كان الأول أرجح كما قال الشارح; لأنه مبني على أن الحوالة من قبيل بيع الدين، فيشترط فيها شروطه، غاية الأمر أنه رخص فيها جواز بيعه بدين آخر. وأما القول الثاني فمبني على أنها أصل مستقل بنفسه فلا يسلك بها مسلك بيع الدين من اشتراط الحضور والإقرار» (١). الراجح: إذا كان الراجح في مذهب المالكية أنه لا يشترط رضا المحال عليه، فكذلك لا يشترط حضوره، وإذا تبين أن المحيل خدعه، أو أن المحال عليه أنكر الدين، أو ذكر براءته منه قبل الحوالة رجع المحال على المحيل، وإذا كان القول باشتراط حضوره عند المالكية مبنيًا على أن الحوالة من قبيل بيع الدين بالدين فقد تبين لنا من خلال البحث أن الراجح في الحوالة أنها ليست من عقود البيع، ولا تصح بلفظ البيع، لهذا لا أرى وجهًا لاشتراط حضور المحال عليه، والله أعلم.

стр. 4770

الشرط السادس في اشتراط ملاءة المحال عليه [م-١١١٨] اختلف الفقهاء في اشتراط الملاءة لصحة الحوالة على قولين: القول الأول: ذهب الأئمة الأربعة إلى صحة الحوالة على غير مليء إذا علم المحال بحال المحال عليه، وقبل الحوالة؛ لأن الحق للمحال، وقد رضي بذلك (١). جاء في الذخيرة: «أنه ﷺ اعتبر وصف الملاءة مع جواز الحوالة على المعسر إجماعًا» (٢). وقال أيضًا: «بينا أن اشتراط الملاءة لنفي الضرر، لا مشروعية الحوالة ... بدليل جوازها على المعسر إجماعًا» (٣). وحكاية الإجماع مع خلاف الظاهرية، فيه نظر. وقال زكريا الأنصاري في بيان فائدة ذكر الملاءة في الحديث: «لا يقال: فائدته عدم صحة الحوالة على غير المليء؛ لأنا نقول: تلك صحيحة بالإجماع، نعم قد يقال: من فوائده عدم ندب قبولها حينئذ» (٤). وهذا عند الجمهور القائلين بأن الأمر بقوله: (ومن أحيل على مليء فليتبع) أن الأمر للندب، ومن قال: إن الأمر للوجوب، قال: لا يجب على المحال

стр. 4771

قبول الحوالة إذا كان المحال عليه غير مليء، ونفي الندب أو الوجوب لا يعني: نفي الجواز؛ لأن الحق للمحال، فإذا رضي فقد أسقط حقه. وقال في تقويم النظر: «والملاءة ليست شرطَ صحةِ الحوالة بدليل أنها تصح على غير مليء، وإنما ذكر الملاءة بناء على الغالب» (١). وقال العراقي في طرح التثريب: «لو كان مفلسًا حال الحوالة فالصحيح الذي نص عليه الشافعي، وقال به جمهور أصحابه: أنه لا خيار له، سواء شرط يساره، أم أطلق .... » (٢). القول الثاني: قال ابن حزم: لا تصح الحوالة إلا على مليء بنص الخبر. قال في المحلى: «فإن غره وأحاله على غير مليء، والمحيل يدري أنه غير مليء، أو لا يدري، فهو عمل فاسد؛ وحقه باق على المحيل كما كان؛ لأنه لم يحله على مليء، ولا تجوز الحوالة إلا على مليء بنص الخبر» (٣). وجهه: أن الحوالة لم توافق محلها الذي ارتضاه الشارع، وهو الملاءة. الراجح: أن الملاءة ليست شرطًا في صحة الحوالة؛ لأن الحق للمحال فإذا رضي بالحوالة على غير مليء فقد أسقط حقه. وقد أجاز الأئمة الحوالة مع الجهل بذمة المحال عليه أموسر هو أو معسر (٤).

стр. 4772

وإنما اختلف الفقهاء في حق المحال في الرجوع على المحيل إذا قبل الحوالة ظانًا منه أنه مليء، فبان معسرًا، أو أنكر المحال عليه الحق، أو مات المحال عليه معدمًا، أو اشترط المحال ملاءة المحال عليه فبان غير ذلك، ومسألة رجوع المحال على المحيل مسألة أخرى غير مسألتنا، وسواء قلنا: له الرجوع أو قلنا: لا رجوع له فإن ذلك لا ينافي صحة الحوالة؛ لأن الرجوع نقض للحوالة بعد صحتها. فتبين من هذا أن الملاءة ليست شرطًا لصحة الحوالة، وإنما الخلاف في اعتبار الملاءة شرطًا للزوم الحوالة في حال اشترط المحال ملاءة المحال عليه، أو كان المحيل يعلم حال المحال عليه، ولم يبين، أو مات المحال عليه معدمًا، هل يملك المحال الرجوع على المحيل أم لا؟ وسوف يأتي بحث رجوع المحال على المحيل إن شاء الله تعالى عند الكلام على أحكام الحوالة، بلغنا الله ذلك بمنه وكرمه. * * *

стр. 4773

الشرط السابع في الحوالة على الميت وعلى تركته [م-١١١٩] اختلف الفقهاء في الحوالة على الميت، وعلى تركته على أقوال: القول الأول: ذهب الحنفية والشافعية إلى أن الحوالة لا تصح على التركة، على خلاف بينهم في علة المنع، فعلة المنع عند الحنفية كون الشخص المحال عليه غير موجود فيها. وبه علل صاحب مغني المحتاج. وعلة المنع عند الشافعية أن الحوالة على التركة حوالة على الأعيان، ومن شرط الحوالة أن تكون على دين. جاء في درر الحكام شرح مجلة الأحكام: «ويفهم من هذه الشروط أن الحوالة على التركة غير جائزة؛ لأن الشخص المحال عليه غير موجود فيها» (١). وقال في مغني المحتاج: «ولا تصح على التركة لعدم الشخص المحال عليه» (٢). وجاء في أسنى المطالب: «أن تكون ـ يعني الحوالة ـ بدين لازم، فلا تصح الحوالة على التركة؛ لأنها أعيان» (٣). ويفهم من هذا التعليل أن الحوالة لو كانت على دين للميت صح؛ لأنها حينئذ لا تكون الحوالة على عين، وإنما على دين، لكن قال البجيرمي في حاشيته:

стр. 4774

«ولا تصح الحوالة على التركة، وإن كانت ديونًا، نعم تصح من الوارث على التركة إن كانت دينًا» (١). زاد في حاشية قليوبي وعميرة: «وتصح عليه إن تصرف في التركة؛ لأنها صارت دينًا عليه» (٢). وسيأتينا إن شاء الله تعالى بحث الحوالة على الأعيان في مبحث مستقل، بلغنا الله ذلك بمنه وكرمه. القول الثاني: صحح الحنابلة الحوالة على تركة الميت بشرط أن يكون دينًا مستقرًا. قال البهوتي: «وتصح الحوالة على ما في ذمة الميت من دين مستقر ... » (٣). والصحيح صحة الحوالة مطلقًا على التركة، لكن إن كانت دينًا فهي حوالة، وإن كانت عينًا كانت وكالة في القبض، والله أعلم. [م-١١٢٠] هذا الكلام في الحوالة على تركة الميت، وأما الحوالة على الميت، فاختلفوا فيها أيضًا على قولين: القول الأول: لا تصح الحوالة على الميت، وهذا مذهب المالكية والحنابلة. قال في مواهب الجليل: «ولا يجوز أن يحال به على ميت بعد موته ... لأن ذمة الميت قد فاتت، وذمة الحي موجودة».

стр. 4775

وجاء في مطالب أولي النهى: «إن قال: أحلتك بما عليه: أي الميت، صح، لا أحلتك به عليه؛ أي الميت؛ فلا تصح؛ لأن ذمته خربت» (١). القول الثاني: تصح الحوالة على الميت، وهذا مذهب الشافعية، وعللوا صحتها بعدم اشتراط رضا المحال عليه. قال في مغني المحتاج: «وتصح على الميت؛ لأنه لا يشترط رضا المحال عليه، وإنما صحت عليه مع خراب ذمته؛ لأن ذلك إنما هو بالنسبة للمستقبل: أي لا تقبل ذمته شيئًا بعد موته، وإلا فذمته مرهونة بدينه حتى يقضى عنه» (٢). * * *

стр. 4776

الشرط الثامن أن يكون المحال به دينًا [م-١١٢١] اشترط الأئمة الأربعة أن يكون المحال به دينًا للمحال في ذمة المحيل، فلا تصح الحوالة بالأعيان القائمة؛ لأنها لا تثبت في الذمة. قال الكاساني في معرض كلامه في شروط المحال به: «أن يكون دينًا، فلا تصح الحوالة بالأعيان القائمة؛ لأنها نقل ما في الذمة، ولم يوجد» (١). وقال ابن عابدين: «الشرط كون الدين للمحتال على المحيل، وإلا فهي وكالة، لا حوالة» (٢). وقال الدسوقي في حاشيته: «وكذا يشترط ثبوت دين للمحال على المحيل» (٣). وقال في أسنى المطالب: «أن تكون الحوالة بدين مثلي أو متقوم ..... فلا تصح بالعين» (٤). وقال ابن قدامة: «وإن أحال من لا دين عليه فهي وكالة في اقتراض، وليست حوالة؛ لأن الحوالة إنما تكون بدين على دين، ولم يوجد واحد منهما» (٥). فتبين من هذا اتفاق الأئمة الأربعة على اشتراط أن يكون المحال به دينًا في

стр. 4777

ذمة المحيل، وقد سبق لنا في بحث مستقل أن المحال إذا لم يكن مدينًا للمحيل، وأحاله على شخص مدين: فقيل: يصح، ويكون العقد عقد وكالة في الطلب والقبض، وتثبت فيها أحكام الوكالة، وهذا مذهب الجمهور، وقول في مذهب الشافعية. قال ابن نجيم: «إذا أحال رجلًا وليس للمحتال دين على المحيل، فهذه وكالة، وليست حوالة» (١). وجاء في البيان للعمراني: «قال أبو العباس: إذا كان لرجل عند رجل ألف، فقال من له الدين لرجل لا شيء عليه له: أحلتك على فلان بألف، فهذا توكيل منه بالقبض، وليس بحوالة؛ لأن الحوالة إنما تكون لمن له حق، ولا حق للمحتال عليه هاهنا، فثبت أن ذلك توكيل» (٢). وقيل: لا تصح لا حوالة ولا وكالة، وهو قول في مذهب الشافعية بناء على مذهبهم في تقديم الألفاظ على المعاني في العقود، ولفظ الحوالة غير لفظ الوكالة (٣). والصواب الأول، وأن المعتبر في العقود المقاصد والمعاني دون الألفاظ والمباني، والله أعلم.

стр. 4778

الشرط التاسع أن يكون المحال عليه دينًا [م-١١٢٢] تبين لنا في المبحث السابق اتفاق الأئمة الأربعة على اشتراط أن يكون المحال به دينًا في ذمة المحيل، فالحوالة بالعين لا تصح إذ لا يتصور فيها النقل الحكمي؛ فالحق يتعلق في الأعيان بذاتها، لا بأمثالها، والحوالة مثل المقاصة لا تجري إلا في الديون؛ لأن الوفاء يجري في الحوالة بمثلها، وليس بعينها، وهذا شأن الديون خاصة. أما الحوالة على العين فاختلف الفقهاء فيها على قولين: القول الأول: تصح الحوالة على العين من أمانة، وغصب. وهذا مذهب الحنفية (١). القول الثاني: لا تكون الحوالة إلا على دين، فإن كانت على عين كانت وكالة بقبض العين ممن هي عليه، وليست حوالة. وهذا مذهب الجمهور (٢). والخلاف في توصيف العقد لا في صحته.

стр. 4779

فالحنفية يرون أن العقد حوالة مقيدة، ينتقل فيها الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه. والجمهور يرون أنه وكالة بالقبض، يكون فيها المحال (الوكيل) نائبًا عن الموكل (المحيل)، وليس بديلًا عنه، فإذا قبض العين، تم تسليط الوكيل على ملكها بعد قبضها عن الدين الذي له في ذمة الموكل. وهذا أقرب، قال السرخسي: «حقيقة الحوالة هي المطلقة، فأما المقيدة من وجه فتوكيل بالأداء والقبض» (١). وهذا الكلام من السرخسي يتفق مع توصيف الجمهور، وقد يرفع الخلاف بينهما لو كان هذا على إطلاقه، لكن ما أعرفه من مذهب الحنفية أنهم يقولون هذا عند اختلاف المحيل والمحال عليه، هل قصد بالعقد الحوالة أو الوكالة؟ وأيضًا في مسألة ما إذا أدى الحوالة المحال عليه، ثم رجع على المحيل، فقال المحيل: إنها حوالة بالدين الذي لي عليك، وقال المحال عليه: لست مدينًا لك بشيء. ولو كان الحنفية يرون أن المحال على العين هي وكالة في القبض لم يضمِّنوا المحال عليه إذا دفع العين للمحيل بدلًا من المحال، مع أن دفع المال للموكل يسقط حق الوكيل بالمطالبة بالقبض؛ لأن دفع المال للأصيل يعتبر دفعًا لنائبه، وهذا لا يقول به الحنفية في الحوالة على العين. جاء في حاشية ابن عابدين: «لو دفع المحال عليه العين أو الدين إلى المحيل ضمنه للطالب (المحال)؛ لأنه استهلك ما تعلق به حق المحتال» (٢). وهذا صريح أنهم لا يرون الحوالة بالعين بمنزلة الوكالة بالقبض، والله أعلم. * * *

стр. 4780

الشرط العاشر في اشتراط اللزوم والاستقرار في دين الحوالة المبحث الأول في اشتراط أن يكون دين المحيل لازما مستقرا قال الكاساني: كل دين لا تصح الكفالة به لا تصح الحوالة به (١). وقال الماوردي: ما لم يجب قبل الحوالة لم يصر واجبًا بالحوالة (٢). [م-١١٢٣] الدين في الحوالة اثنان: دين على المحيل، ودين على المحال عليه، والكلام في هذا المبحث إنما هو في دين المحيل، فهل يشترط في الدين المحال به أن يكون لازمًا (٣) مستقرًا؟

стр. 4781

اختلف الفقهاء في هذا على قولين: القول الأول: يشترط أن تكون الحوالة بدين لازم، وهو مذهب الحنفية، والشافعية، وقول في مذهب الحنابلة (١). زاد الشافعية: أو مصيره إلى اللزوم كالإحالة بالثمن في زمن الخيار. جاء في فتح العزيز بشرج الوجيز: «أن يكون الدين لازمًا، أو مصيره إلى اللزوم» (٢). قال الكاساني في بدائع الصنائع: «وأما الذي يرجع إلى المحال به، فنوعان: أحدهما: أن يكون دينًا ...... والثاني: أن يكون لازمًا؛ فلا تصح الحوالة بدين غير لازم كبدل الكتابة، وما يجري مجراه؛ لأن ذلك دين تسمية، لا حقيقة؛ إذ المولى لا يجب له على عبده دين، والأصل أن كل دين لا تصح الكفالة به، لا تصح الحوالة به» (٣). وقال الماوردي في الحاوي: «وأما المحال به، تعريفه، وأحواله، فهو الحق الذي يتحول من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، وللحق ثلاثة أحوال: أحدها: أن يكون لازمًا مستقرًا.

стр. 4782

والثاني: أن يكون غير لازم ولا مستقر. والثالث: أن يكون لازمًا غير مستقر. فإن كان الحق لازمًا مستقرًا كأروش الجنايات، وقيم المتلفات .... فالحوالة به إذا كانت على مثل صفته جائزة ..... فإن كان الحق غير لازم، ولا مستقر كمال الجعالة، وعوض الكتابة، فالحوالة به لا تصح؛ لأن ما لم يجب قبل الحوالة لم يصر واجبًا بالحوالة. وإن كان لازمًا غير مستقر، كالثمن في مدة الخيار، ففي جواز الحوالة وجهان: أحدهما: أنه تجوز إن قيل إنها عقد إرفاق. والثاني لا تجوز إن قيل: إنها عقد بيع» (١). وقال الغزالي: «الشرط الثاني للدين: أن يكون لازمًا، أو مصيره إلى اللزوم، فتجوز الحوالة بالثمن، وعلى الثمن في مدة الخيار على الصحيح، ثم إن فسخ انقطعت الحوالة. وفي نجوم الكتابة ثلاثة أوجه: أحدها: المنع؛ لأنه ليس بلازم عليه. والثاني: نقل عن ابن سريج جواز الحوالة به وعليه جميعًا لثبوته، وتأكده. والثالث: أنه لا تجوز الحوالة عليه؛ إذ لو صح لعتق العبد، ولصار الدين لازمًا على العبد، وتصح حوالة العبد به، فيبرأ العبد، ويعتق، ويلزم الدين في ذمة المحال عليه، فلا بعد فيه» (٢).

стр. 4783

وجاء في الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع في معرض كلامه على شروط صحة الحوالة، قال: «الثالث: كون الحق: أي الدين المحال به، وعليه لازمًا» (١). وقال المرداوي الحنبلي في الإنصاف: «وقيل: يشترط كون المحال به مستقرًا كالمحال عليه، اختاره القاضي في المجرد، وجزم به الحلواني، قال في الهداية والمذهب ومسبوك الذهب والمستوعب والخلاصة: يشترط لصحتها أن تكون بدين مستقر وعلى دين مستقر ...... قال في التلخيص: فلا تصح الحوالة بغير مستقر ولا على غير مستقر. فلا تصح في مدة الخيار ولا في الأجرة قبل استيفاء المنفعة ولا في الصداق قبل الدخول. وكذلك دين الكتابة. على ظاهر كلام أبي الخطاب» (٢). وأما المالكية فقال خليل في مختصره: «شرط الحوالة رضا المحيل والمحال فقط، وثبوت دين لازم» (٣). فيشمل كلمة (دين لازم) الدين المحال به، والدين المحال عليه، إلا أن غالب شراح خليل مثلوا له في دين المحال عليه. القول الثاني: ذهب الحنابلة في المشهور، إلى أنه لا يشترط استقرار المحال به. قال في الإنصاف: «وإن كانت الحوالة بمال لم يشترط استقراره، وتصح الحوالة به على الصحيح من المذهب» (٤).

стр. 4784

وقال ابن قدامة في الكافي: «ولا يعتبر استقرار المحال به؛ لجواز أداء غير المستقر .... ولو أحال الزوج زوجته قبل الدخول بصداقها صح» (١). وفي تصحيح الفروع: «ولا يعتبر استقرار المحال به، فلو أحال الزوج زوجته قبل الدخول بصداقها، أو أحال المشتري البائع بثمن البيع في مدة الخيار، أو أحال المكاتب سيده بنجم قد حل صح ذلك» (٢). وقال في كشاف القناع: «ولا يشترط للحوالة استقرار المحال به» (٣). وفي شرح منتهى الإرادات: «ولا يشترط استقرار محال به، فتصح بجعل قبل عمل؛ لأن الحوالة به بمنزلة وفائه، ويصح الوفاء قبل الاستقرار» (٤). ولأن اشتراط استقرار المحال به لا يثبت إلا بدليل من كتاب أو سنة، أو إجماع، ولا دليل على اشتراط استقرار المحال به، وإذا صح في عقد البيع أن يقبض البائع الثمن، ويقبض المشتري المبيع زمن الخيار، وقبل لزوم العقد صح أن يقبض المحال دينه غير المستقر، فإن لم يثبت الدين انتقضت الحوالة، وإن استقر بعد القبض لزمت الحوالة، غاية ما فيه أنه وفاه حقه قبل استقراره، وهذا ليس بحرام، وإذا صح أن يحال من لا دين له على من عليه دين، ويكون العقد وكالة بالقبض صح أن يحال من له دين غير مستقر من باب أولى، وهذا هو الراجح، والله أعلم. * * *

стр. 4785

المبحث الثاني في اشتراط أن يكون دين المحال عليه لازمًا مستقرًا [م-١١٢٤] سبق لنا أن الحنفية والشافعية في أحد الوجهين وابن الماجشون من المالكية لا يشترطون أن يكون المحال عليه مدينًا لصحة الحوالة، وبالتالي لا يتأتى هذا الشرط على هذا المذهب، كما سبق لنا أن الحنفية لا يصححون الحوالة إلا برضا المحال عليه، فإذا رضي بالحوالة فقد التزم الحق، سواء أكانت ذمته مشغولة بدين أم لا، فلا يكون الحق على المحال عليه عرضة للسقوط. وأما الذين يشترطون أن يكون المحال عليه مدينًا للمحيل. وهم الجمهور فاختلف موقفهم من هذا الشرط على قولين: القول الأول: ذهب المالكية والصحيح من مذهب الشافعية، والحنابلة في المشهور إلى اشتراط أن يكون الدين المحال عليه لازمًا. زاد الشافعية: أو صائرًا إلى اللزوم (١). قال خليل في مختصره: «وثبوت دين لازم» (٢). قال الدردير: «واحترز بقوله: لازم عن دين صبي، وسفيه، ورقيق بغير إذن ولي وسيد، فلا تصح الإحالة عليهم به» (٣).

стр. 4786

قال الصاوي في حاشيته: «فلا تصح الحوالة عليهم: أي لعدم لزوم ذلك الدين؛ لأن لولي الصغير والسفيه، وسيد الرقيق طرح الدين عنهم» (١). وفي منح الجليل: «ووصف دين بـ لازم فلا تصح الحوالة على دين على صبي، أو سفيه تداينه بغير إذن وليه، أو رقيق بغير إذن سيده» (٢). قال النووي في الروضة: «والدين ضربان: لازم، وغيره، أما غيره ففيه مسائل: إحداها: الثمن في مدة الخيار تصح الحوالة به، وعليه على الأصح .... أما الحوالة بالثمن بعد انقضاء الخيار، وقبل قبض المبيع فالمذهب الذي عليه الجمهور القطع بجوازها، وللمسعودي إشارة إلى منعها؛ لكونه غير مستقر. وقد اشتهر في كتب الأصحاب اشتراط استقرار ما يحال به وعليه. المسألة الثانية: إذا أحال السيد على مكاتبه بالنجوم لم يصح على الأصح، وقال الحليمي: يصح ..... الثالثة: مال الجعالة، القياس أن يجيء في الحوالة به وعليه الخلاف المذكور في الرهن به وفي ضمانه. وقطع المتولي بجوازها به وعليه بعد العمل، ومنعها قبله. قال النووي: قطع الماوردي بالمنع مطلقًا. والله أعلم. قال المتولي: لو أحال من عليه الزكاة الساعي جاز: إن قلنا: إنها استيفاء. وإن قلنا: إنها اعتياض فلا؛ لامتناع أخذ العوض عن الزكاة.

стр. 4787

الضرب الثاني: الدين اللازم فتجوز الحوالة به وعليه سواء اتفق الدينان في سبب الوجوب، أو اختلفا» (١). وقال ابن قدامة: «ولا تصح إلا بشروط خمسة: أحدها: أن يحيل على دين مستقر؛ لأن مقتضاها إلزام المحال عليه الدين مطلقًا، ولا يثبت ذلك فيما هو بعرض السقوط؛ ولا يعتبر إستقرار المحال له؛ لجواز أداء غير المستقر» (٢). القول الثاني: لا يشترط لزوم دين المحال عليه ولا استقراره، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعية (٣)، واختاره بعض الحنابلة. قال في الإنصاف: «الحوالة تارة تكون على مال وتارة تكون بالمال ـ يشير إلى المحال به والمحال عليه ـ فإن كانت الحوالة على مال: فيشترط أن يكون المال المحال عليه مستقرًا على الصحيح من المذهب. نص عليه، وعليه جماهير الأصحاب، وقطع به كثير منهم. وقيل: تصح الحوالة على مال الكتابة بعد حلوله. وفي طريقة بعض الأصحاب: أن المسلم فيه منزل منزلة الموجود لصحة الإبراء منه والحوالة عليه وبه. وقال الزركشي: لا يظهر لي منع الحوالة بالمسلم فيه، وظاهر ما قدمه في

стр. 4788

المحرر: صحة الحوالة على المهر قبل الدخول، وعلى الأجرة بالعقد. وإن كانت الحوالة بمال (المال المحال به) لم يشترط استقراره» (١). وقال في كفاية الأخيار: «قد اتفقا على تصحيح الحوالة بثمن في زمن الخيار وعليه، مع أنه غير لازم فضلًا عن الاستقرار، إلا أنه يؤول إلى اللزوم، وأما بعد مضي الخيار، وقبل قبض المبيع فالمذهب الذي قطع به الجمهور: أنه تصح الحوالة به وعليه، مع أنه غير مستقر؛ لجواز تلف المبيع، فلا يستقر إلا بقبض المبيع، وكذا تجوز الحوالة بالأجرة، وكذا الصداق قبل الدخول، والموت ونحو ذلك .... » (٢). يعني وإن كانت غير مستقرة. الراجح: إذا كان المحال عليه غير مدين صحت الحوالة عليه، وصار المحال عليه ضامنًا دين المحيل بقبوله الحوالة، وله الرجوع، وهذا لا يحتاج فيه إلى استقرار الدين ولزومه. وإن كانت الحوالة مبنية على دين على المحال عليه، وكانت الحوالة تنقل الحق نقلًا مطلقًا بحيث لا يحق للمحال أن يرجع على المحيل فقد يكون القول بلزوم دين المحال عليه متجهًا حفظًا لحق المحال. وإن قلنا: إنْ تعرض دين المحال عليه للسقوط فللمحال الرجوع بدينه على المحيل كما لو كانت الإحالة بزمن الخيار، أو كانت الإحالة على أجرة قد انفسخت لم يكن اشتراط لزوم الدين واستقراره ضرورة، والله أعلم. * * *

стр. 4789

الشرط الحادي عشر أن يكون الدين المحال به والمحال عليه معلومًا [م-١١٢٥] نص الحنفية والشافعية والحنابلة على اشتراط أن يكون المحال به معلومًا، ونص المالكية على اشتراط تساوي الدينين قدرًا وصفة، والعلم بذلك ينافي الجهالة. جاء في مجلة الأحكام العدلية: «يلزم أن يكون المحال به معلومًا، فلا تصح حوالة الدين المجهول» (١). وقال الشيرازي: «ولا تجوز إلا بمال معلوم؛ لأنا بينا أنه بيع، فلا تجوز في مجهول» (٢). وقال ابن قدامة: «أن تكون بمال معلوم؛ لأنها إن كانت بيعًا فلا تصح في مجهول، وإن كانت تحول الحق، فيعتبر بها التسليم، والجهالة تمنع منه» (٣). وقال في الكافي: «أن يكون بمال معلوم على مال معلوم؛ لأنه يعتبر فيها التسليم والتماثل، والجهالة تمنعها» (٤). وقد نص المالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧) على اشتراط تساوي

стр. 4790

الدينين قدرًا وصفة. قال ابن رشد في بداية المجتهد: وللحوالة عند مالك ثلاثة شروط: ... الثاني: أن يكون الدين الذي يحيله به مثل الذي يحيله عليه في القدر، والصفة» (١). ويلزم من اشتراط تماثل الدينين في الصفة والمقدار إحاطة العلم بهما، لهذا أجد أن هذا الشرط معتبر عند الأئمة الأربعة. واعتبار هذا الشرط مما تختلف فيه الحوالة عن الكفالة، فيستثنى من قاعدة: كل ما تصح الكفالة به تصح الحوالة به، وكل ما لا تصح الكفالة به لا تصح به الحوالة، يستثنى من هذه القاعدة: أن الكفالة بالمال المجهول تصح على الصحيح، وإن كانت لا تصح الحوالة به، فلو قال: أنا كفيل بما يثبت لك على فلان، صحت الكفالة، ولكن لو قال: قبلت الحوالة بما يثبت لك من فلان لم تصح الحوالة (٢). * * *

стр. 4791

الشرط الثاني عشر كون المال المحال به أو عليه يصح الاعتياض عنه [م-١١٢٦] اختلف الفقهاء في اشتراط أن يكون المال المحال به أو عليه مما يصح الاعتياض عنه على قولين. القول الأول: يشترط أن يكون المال المحال به أو عليه مما يصح الاعتياض عنه وهذا مذهب الجمهور إلا أنهم اختلفوا في تحديد المال الذي يصح الاعتياض عنه قبل قبضه (١)، ولذلك اخترت دين السلم مثالًا لاتفاقهم عليه. فلا تصح الحوالة بدين السلم وهذا هو الأصح في مذهب الشافعية والمذهب عند الحنابلة؛ لأن دين السلم لا يصح بيعه عندهم قبل قبضه. وصورته: أن يكون لرجل طعام من سلم، وعليه مثله من قرض، أو سلم آخر، أو بيع، فيحيل بما عليه من الطعام على الذي له عنده السلم. جاء في حاشية قليوبي وعميرة: «ويستثنى دين السلم فإنه لازم، ولا تصح الحوالة به، ولا عليه على الصحيح» (٢).

стр. 4792

وجاء في تصحيح الفروع: «فلا تصح الحوالة بدين السلم، ولا عليه» (١). وقال ابن قدامة: «فلا تجوز الحوالة بدين السلم، ولا عليه؛ لأنه لا تجوز المعاوضة عنه به، ولا عنه» (٢). ويوافقهم المالكية على اعتبار هذا الشرط، وهو أن يكون المال المحال به أو عليه مما يصح الاعتياض عنه، إلا أنهم يخصون المنع فيما إذا كان دين السلم طعامًا؛ فقد نص المالكية خلافًا لأشهب على امتناع أن يكون الدينان المحال به، والمحال عليه طعامين من بيع سلم؛ لأنه هو الذي لا يصح بيعه عندهم قبل قبضه. جاء في الشرح الكبير: «وألا يكون الدينان المحال به، وعليه طعامًا من بيع سلم؛ لئلا يدخله بيع الطعام قبل قبضه» (٣). وأما إذا كان المسلم فيه ليس طعامًا، وكان المأخوذ مما يباع بالمسلم فيه يدًا بيد فإنه يجوز بيعه قبل قبضه، وبالتالي تصح الحوالة به (٤).

стр. 4793

وسبق بحث هذه المسألة في باب السلم، وبيان الراجح. وجه اعتبار هذا الشرط: هذا القول مبني على أن الحوالة من قبيل بيع الدين، ودين السلم لا يجوز التصرف فيه قبل قبضه مطلقًا عند الشافعية والحنابلة، وعند المالكية بشرط أن يكون المسلم فيه طعامًا، لأنه من بيع الطعام قبل قبضه، وقد نهي عن ذلك. وحجتهم: (ح-٦٦٣) ما رواه أبو داود من طريق عطية بن سعد. عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره (١). [ضعيف] (٢). ويناقش: سبق أن بينا أن الراجح في الحوالة أنها عقد إرفاق ومعروف، وليس من قبيل بيع الدين بالدين، فهي قائمة على تحويل الدين، وليس تبديله، ولو كانت الحوالة بيعًا لمنعت؛ لأنها من قبيل بيع الدين بالدين المجمع على منعه، والله أعلم. والغريب أن الحنابلة لا يرون أن الحوالة من قبيل بيع الدين، ثم يمنعون من الحوالة بدين السلم أو عليه؛ بناء على أنه من قبيل أخذ العوض عنه قبل قبضه. قال ابن قدامة: «السلم لا تصح الحوالة به ولا عليه» (٣).

стр. 4794

ثم علل ذلك كونه لا تصح الحوالة به بقوله: «لأنها لم تصح إلا فيما يجوز أخذ العوض عنه، والسلم لا يجوز أخذ العوض عنه، لقول النبي ﷺ : من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره» (١). وعلل كونه لا تصح الحوالة عليه بقوله: «لأن دين السلم ليس بمستقر؛ لكونه بعَرَض الفسخ؛ لانقطاع المسلم فيه» (٢). وهذا لا يتفق مع ما قاله ابن قدامه في توصيفه عقد الحوالة، قال: «والصحيح أنها عقد إرفاق منفرد بنفسه، ليس بمحمول على غيره؛ لأنها لو كانت بيعًا لما جازت، لكونها بيع دين بدين، ولما جاز التفرق قبل القبض؛ لأنه بيع مال الربا بجنسه، ولجازت بلفظ البيع ولجازت بين جنسين كالبيع كله» (٣). وجاء في شرح منتهى الإرادات: «وهي عقد إرفاق منفرد بنفسه، ليس محمولًا على غيره» (٤). القول الثاني: تصح الحوالة بدين السلم وعليه، وهو مذهب الحنفية، وقول في مذهب الشافعية، واختاره بعض الحنابلة. جاء في العناية شرح الهداية: «البيع معاوضة من كل وجه، والوصي يملكها إذا لم يكن فيها غبن فاحش، فأما الحوالة فليست كذلك لجوازها بالمسلم فيه،

стр. 4795

وبرأس مال السلم، ولو كانت معاوضة من كل وجه كان استبدالًا بالمسلم فيه، وبرأس المال، وهو لا يصح» (١). وجاء في الفتاوى الهندية: «وتصح الحوالة والكفالة والارتهان برأس المال ..... وتجوز الحوالة بالمسلم فيه وكذلك الكفالة» (٢). وفي بدائع الصنائع: «وتجوز الحوالة بالمسلم فيه لوجود ركن الحوالة مع شرائطه» (٣). وفي حاشية الشلبي على تبيين الحقائق: «وتجوز الحوالة والكفالة بالمسلم فيه؛ لأنه دين مضمون كسائر الديون، وقبضه من المسلم إليه بعينه ليس بشرط ... وتصح الحوالة والكفالة والارتهان برأس المال، ثم إن وجد قبض رأس المال .... في مجلس المتعاقدين جاز، وإلا بطل» (٤). وجاء في حاشية البحر الرائق: «خمسة أشياء تجوز في السلم: الوكالة، والحوالة، والكفالة، والإقالة، والرهن» (٥). وقال في بدائع الصنائع: «ولو اشترى شيئًا بثمن دين، ولم يضف العقد إلى الدين حتى جاز، ثم أحال البائع على غريمه بدينه الذي له عليه جازت الحوالة، سواء كان الدين الذي أحيل به دينًا يجوز بيعه قبل القبض، أو لا يجوز كالسلم ونحوه. وذكر الطحاوي ﵀ أنه لا تجوز الحوالة بدين لا يجوز بيعه قبل القبض،

стр. 4796

وهذا غير سديد؛ لأن هذا توكيل بقبض الدين، فإن المحال له يصير بمنزلة الوكيل للمحيل بقبض دينه من المحتال له» (١). وفي مذهب الشافعية، قال الماوردي: «وإن كان مما لا تجوز المعاوضة عليه قبل قبضه كالسلم، فقد خرج أبو العباس بن سريج في جواز الحوالة به وجهين، من اختلاف الوجهين في الحوالة، هل هي بيع، أو عقد إرفاق؟ فجوز الحوالة به إن قيل إنها عقد إرفاق. وأبطلها إن قيل إنها بيع» (٢). وجاء في الإنصاف: «وفي طريقة بعض الأصحاب: أن المسلم فيه منزل منزلة الموجود لصحة الإبراء منه، والحوالة عليه وبه، وقال الزركشي: لا يظهر لي منع الحوالة بالمسلم فيه» (٣). وجه القول بالجواز: هذا القول مبني على أن الراجح في توصيف عقد الحوالة أنه من عقود الإرفاق، وليس بيعًا، وقد بحثت هذه المسألة في فصل خاص، وذكرت الأدلة على أن عقد الحوالة لا يمكن أن تنزل عليه أحكام البيع، وليس مقصودًا به الربح والتكسب والمغابنه، وإذا كان كذلك لم يمنع من صحة الحوالة بدين السلم وعليه، وهذا هو القول الراجح، والله أعلم. * * *

стр. 4797

الشرط الثالث عشر في اشتراط تماثل الدين المحال به بالمحال عليه [م-١١٢٧] الذين ذهبوا إلى اشتراط أن يكون المحال عليه مدينًا للمحيل اشترطوا تماثل الدينين في الجنس. فيحيل المدين بالذهب على ذهب مثله، والمدين بالفضة على فضة مثلها. وهذا مذهب المالكية والشافعية والحنابلة؛ لأن الحوالة عقد إرفاق لا يراد للمعاوضة، فاعتبر فيها الاتفاق في الجنس كالقرض. [م-١١٢٨] واختلفوا في اشتراط تساويهما في الصفة على ثلاثة أقوال: القول الأول: يشترط تساويهما في الصفة فيحيل بالجيد على جيد مثله، وبالرديء على رديء مثله. وهذا أحد القولين في مذهب المالكية اختاره ابن رشد الجد والحفيد (١)، وهو الأصح في مذهب الشافعية (٢)، وقول واحد في مذهب الحنابلة (٣). قال ابن رشد الحفيد: «أن يكون الدين الذي يحيله به مثل الذي يحيله عليه في القدر والصفة؛ لأنه إذا اختلفا في أحدهما كان بيعًا، ولم يكن حوالة، فخرج من باب الرخصة إلى باب البيع، وإذا خرج إلى باب البيع دخله الدين بالدين» (٤).

стр. 4798

وقال ابن رشد الجد: «لجواز الحوالة ثلاثة شروط: .... الثاني: أن يكون الدين الذي يحيل به مثل الدين الذي يحيله عليه في القدر والصفة، لا أقل، ولا أكثر ولا أدنى ولا أفضل؛ لأنه إن كان أقل أو أكثر، أو مخالفًا له في الجنس والصفة لم تكن حوالة، وكان بيعًا على وجه المكايسة، فدخلها ما نهي عنه من الدين بالدين أيضًا» (١). وقال النووي في الروضة: «الشرط الثالث: اتفاق الدينين، فيشترط اتفاقهما جنسًا وقدرًا ... وصحة وتكسرًا، وجودة ورداءة» (٢). وفي حاشية قليوبي وعميرة: «ويشترط تساويهما أي المحال به وعليه جنسًا وقدرًا» (٣). وقال ابن قدامة: «من شروط صحة الحوالة .... أحدها: تماثل الحقين؛ لأنها تحويل للحق، ونقل له، فينقل على صفته، ويعتبر تماثلها في أمور ثلاثة: الجنس، فيحيل من عليه ذهب بذهب، ومن عليه فضة بفضة، ولو أحال من عليه ذهب بفضة، أو من عليه فضة بذهب لم يصح. الثاني: الصفة فلو أحال من عليه صحاح بمكسرة، أو من عليه مصرية بأميرية لم يصح» (٤). وقال في الإنصاف: «الثاني: اتفاق الدينين في الجنس والصفة والحلول، والتأجيل بلا نزاع في الجملة» (٥).

стр. 4799

القول الثاني: يجوز التحول بالأعلى على الأدنى، وهو قول اللخمي والمازري، وابن شاس والمتيطي من المالكية (١). ومقتضى هذا القول أنهم يشترطون تماثل الدينين في الجنس والمقدار، ويجيزون التفاوت في الصفة بشرط أن يكون المحال عليه أدنى من المحال به وليس العكس. جاء في مواهب الجليل: «نص اللخمي مع المازري والمتيطي، وقال: شروطها ـ يعني الحوالة ـ ستة، كونها على دين، واتحاد جنس الدينين، واتحاد قدرهما، وصفتهما، أو كون المحال عليه أقل أو أدنى» (٢). وجهه: أنه موافق لمقتضى عقد الحوالة بكونها عقد إرفاق وإحسان، فإذا أحاله بالأعلى على الأدنى والأقل جودة، كان هذا زيادة في المعروف. القول الثالث: تجوز الحوالة بالقليل على الكثير، وبالرديء على الجيد، وبالمكسر على الصحيح، وهو وجه في مذهب الشافعية (٣). قال الرافعي في الشرح الكبير: وكأن المحيل تبرع بالزيادة (٤). ومقتضى هذا القول: أنهم يشترطون تماثل الدينين في الجنس، ويجيزون تفاوتهما في المقدار والصفة بشرط أن يكون المحال به أقل قدرًا أو صفة من المحال عليه. على عكس مذهب المالكية في التفاوت في الصفة.

стр. 4800

الراجح: أما اتفاق الجنس فإن اعتباره صحيح؛ لأن العقد ينقلب إلى معاوضة، والحوالة لا تقوم على استبدال الدين وإنما على تحويله وانتقاله، فإذا انتقلت إلى المعاوضة فيجب أن يطبق عليها أحكام بيع الدين (١). وأما الحوالة بالجيد على الرديء وبالصحيح على المكسر إذا كانا من جنس واحد فهذا جائز؛ لأنه موافق لمقتضى عقد الحوالة القائم على المعروف والإحسان، وهذا منه، حتى على القول بأن الحوالة بيع فإن الإسلام قد ألغى الجودة في استبدال الربوي بمثله. وأما الحوالة بالقليل على الكثير إذا كانا من جنس واحد، فهنا اختلاف في مقدار الدين، فالذين يرون أن الحوالة بيع يمنعونه، ولا أرى مانعًا شرعيًا من صحته ونقول: إن المحيل (المدين) قد تبرع بالزيادة، وهو داخل في حسن القضاء المأمور به المدين، خاصة إذا لم يكن هناك شرط واتفاق، وقلنا: إن عقد الحوالة قائم على المعروف والإحسان. وأما الحوالة بالكثير على القليل إذا كانا من جنس واحد فكذلك الصحيح جوازه، وكأن المحال أبرأ المحيل وأسقط عنه مقدارًا من دينه، ولا محذور في ذلك. والله أعلم. * * *
следующие страницы →