وهذا غير سديد؛ لأن هذا توكيل بقبض الدين، فإن المحال له يصير بمنزلة الوكيل للمحيل بقبض دينه من المحتال له» (١).
وفي مذهب الشافعية، قال الماوردي: «وإن كان مما لا تجوز المعاوضة عليه قبل قبضه كالسلم، فقد خرج أبو العباس بن سريج في جواز الحوالة به وجهين، من اختلاف الوجهين في الحوالة، هل هي بيع، أو عقد إرفاق؟ فجوز الحوالة به إن قيل إنها عقد إرفاق. وأبطلها إن قيل إنها بيع» (٢).
وجاء في الإنصاف: «وفي طريقة بعض الأصحاب: أن المسلم فيه منزل منزلة الموجود لصحة الإبراء منه، والحوالة عليه وبه، وقال الزركشي: لا يظهر لي منع الحوالة بالمسلم فيه» (٣).
وجه القول بالجواز:
هذا القول مبني على أن الراجح في توصيف عقد الحوالة أنه من عقود الإرفاق، وليس بيعًا، وقد بحثت هذه المسألة في فصل خاص، وذكرت الأدلة على أن عقد الحوالة لا يمكن أن تنزل عليه أحكام البيع، وليس مقصودًا به الربح والتكسب والمغابنه، وإذا كان كذلك لم يمنع من صحة الحوالة بدين السلم وعليه، وهذا هو القول الراجح، والله أعلم.
* * *
стр. 4797
الشرط الثالث عشر
في اشتراط تماثل الدين المحال به بالمحال عليه
[م-١١٢٧] الذين ذهبوا إلى اشتراط أن يكون المحال عليه مدينًا للمحيل اشترطوا تماثل الدينين في الجنس. فيحيل المدين بالذهب على ذهب مثله، والمدين بالفضة على فضة مثلها.
وهذا مذهب المالكية والشافعية والحنابلة؛ لأن الحوالة عقد إرفاق لا يراد للمعاوضة، فاعتبر فيها الاتفاق في الجنس كالقرض.
[م-١١٢٨] واختلفوا في اشتراط تساويهما في الصفة على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
يشترط تساويهما في الصفة فيحيل بالجيد على جيد مثله، وبالرديء على رديء مثله. وهذا أحد القولين في مذهب المالكية اختاره ابن رشد الجد والحفيد (١)، وهو الأصح في مذهب الشافعية (٢)، وقول واحد في مذهب الحنابلة (٣).
قال ابن رشد الحفيد: «أن يكون الدين الذي يحيله به مثل الذي يحيله عليه في القدر والصفة؛ لأنه إذا اختلفا في أحدهما كان بيعًا، ولم يكن حوالة، فخرج من باب الرخصة إلى باب البيع، وإذا خرج إلى باب البيع دخله الدين بالدين» (٤).
стр. 4798
وقال ابن رشد الجد: «لجواز الحوالة ثلاثة شروط: .... الثاني: أن يكون الدين الذي يحيل به مثل الدين الذي يحيله عليه في القدر والصفة، لا أقل، ولا أكثر ولا أدنى ولا أفضل؛ لأنه إن كان أقل أو أكثر، أو مخالفًا له في الجنس والصفة لم تكن حوالة، وكان بيعًا على وجه المكايسة، فدخلها ما نهي عنه من الدين بالدين أيضًا» (١).
وقال النووي في الروضة: «الشرط الثالث: اتفاق الدينين، فيشترط اتفاقهما جنسًا وقدرًا ... وصحة وتكسرًا، وجودة ورداءة» (٢).
وفي حاشية قليوبي وعميرة: «ويشترط تساويهما أي المحال به وعليه جنسًا وقدرًا» (٣).
وقال ابن قدامة: «من شروط صحة الحوالة .... أحدها: تماثل الحقين؛ لأنها تحويل للحق، ونقل له، فينقل على صفته، ويعتبر تماثلها في أمور ثلاثة: الجنس، فيحيل من عليه ذهب بذهب، ومن عليه فضة بفضة، ولو أحال من عليه ذهب بفضة، أو من عليه فضة بذهب لم يصح.
الثاني: الصفة فلو أحال من عليه صحاح بمكسرة، أو من عليه مصرية بأميرية لم يصح» (٤).
وقال في الإنصاف: «الثاني: اتفاق الدينين في الجنس والصفة والحلول، والتأجيل بلا نزاع في الجملة» (٥).
стр. 4799
القول الثاني:
يجوز التحول بالأعلى على الأدنى، وهو قول اللخمي والمازري، وابن شاس والمتيطي من المالكية (١).
ومقتضى هذا القول أنهم يشترطون تماثل الدينين في الجنس والمقدار، ويجيزون التفاوت في الصفة بشرط أن يكون المحال عليه أدنى من المحال به وليس العكس.
جاء في مواهب الجليل: «نص اللخمي مع المازري والمتيطي، وقال: شروطها ـ يعني الحوالة ـ ستة، كونها على دين، واتحاد جنس الدينين، واتحاد قدرهما، وصفتهما، أو كون المحال عليه أقل أو أدنى» (٢).
وجهه: أنه موافق لمقتضى عقد الحوالة بكونها عقد إرفاق وإحسان، فإذا أحاله بالأعلى على الأدنى والأقل جودة، كان هذا زيادة في المعروف.
القول الثالث:
تجوز الحوالة بالقليل على الكثير، وبالرديء على الجيد، وبالمكسر على الصحيح، وهو وجه في مذهب الشافعية (٣). قال الرافعي في الشرح الكبير: وكأن المحيل تبرع بالزيادة (٤).
ومقتضى هذا القول: أنهم يشترطون تماثل الدينين في الجنس، ويجيزون تفاوتهما في المقدار والصفة بشرط أن يكون المحال به أقل قدرًا أو صفة من المحال عليه. على عكس مذهب المالكية في التفاوت في الصفة.
стр. 4800
الراجح:
أما اتفاق الجنس فإن اعتباره صحيح؛ لأن العقد ينقلب إلى معاوضة، والحوالة لا تقوم على استبدال الدين وإنما على تحويله وانتقاله، فإذا انتقلت إلى المعاوضة فيجب أن يطبق عليها أحكام بيع الدين (١).
وأما الحوالة بالجيد على الرديء وبالصحيح على المكسر إذا كانا من جنس واحد فهذا جائز؛ لأنه موافق لمقتضى عقد الحوالة القائم على المعروف والإحسان، وهذا منه، حتى على القول بأن الحوالة بيع فإن الإسلام قد ألغى الجودة في استبدال الربوي بمثله.
وأما الحوالة بالقليل على الكثير إذا كانا من جنس واحد، فهنا اختلاف في مقدار الدين، فالذين يرون أن الحوالة بيع يمنعونه، ولا أرى مانعًا شرعيًا من صحته ونقول: إن المحيل (المدين) قد تبرع بالزيادة، وهو داخل في حسن القضاء المأمور به المدين، خاصة إذا لم يكن هناك شرط واتفاق، وقلنا: إن عقد الحوالة قائم على المعروف والإحسان.
وأما الحوالة بالكثير على القليل إذا كانا من جنس واحد فكذلك الصحيح جوازه، وكأن المحال أبرأ المحيل وأسقط عنه مقدارًا من دينه، ولا محذور في ذلك. والله أعلم.
* * *
стр. 4801
الشرط الرابع عشر
في اشتراط اتحاد الدينين حلولًا وأجلًا
[م-١١٢٩] من لا يشترط مديونية المحال عليه كالحنفية لا يتأتى مثل هذا الشرط في مذهبهم؛ لأن اشتراط اتحاد الدينين يلزم منه اشتراط وجود دينين محال به، ومحال عليه، وهذا ليس بشرط عند الحنفية، فتصح الحوالة على المحال عليه عندهم، ولو لم يكن مدينًا.
وأما من يشترط وجود دين على المحال عليه فاختلفوا في اشتراط اتحاد الدينين على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
يشترط حلول الدين المحال به، وأما الدين المحال عليه فيصح مؤجلًا ومعجلًا. فإن كان الدين المحال به غير حال فلا تجوز إلا أن يكون الدين الذي ينتقل إليه حالًا، ويقبض ذلك مكانه قبل أن يفترقا مثل الصرف فيجوز، وهذا مذهب المالكية (١).
وجه هذا القول:
أما وجه اشتراط حلول الدين المحال به؛ فلأنه إذا كان الدين المحال به مؤجلًا، وكان الدين المحال عليه مؤجلًا، كان هذا يعني الوقوع في بيع الدين بالدين، وهذا لا يجوز.
стр. 4802
وإن كان الدين المحال به مؤجلًا، والدين المحال عليه حالًا، كان هذا من قبيل ضع وتعجل، وهي لا تجوز على أصول المالكية (١).
بخلاف ما إذا كان الدين المحال به حالًا، فإن الدين المحال عليه إن كان حالًا كان حالًا بحال، وهذا جائز.
وإن كان الدين المحال عليه مؤجلًا، وقبل المحال كان هذا من تأجيل الحال، وهو معروف منه محض، فيجوز (٢).
القول الثاني:
يشترط اتفاق الدينين حلولًا وأجلًا، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة، وبه قال ابن حزم (٣).
جاء في أسنى المطالب: «الشرط الثالث: اتفاق الدينين جنسًا وقدرًا، وحلولًا وتأجيلًا ... ولو في غير الربوي؛ لأن الحوالة ليست على حقيقة المعاوضات، وإنما هي معاوضة إرفاق جوزت للحاجة، فاعتبر فيها الارتفاق كما في القرض» (٤).
وقال ابن حزم: «وتجوز الحوالة بالدين المؤجل على الدين المؤجل إلى مثل أجله، لا إلى أبعد ولا إلى أقرب، وتجوز الحوالة بالحال على الحال ولا
стр. 4803
تجوز بحال على مؤجل، ولا بمؤجل على حال ولا بمؤجل على مؤجل إلى غير أجله؛ لأن في كل ذلك إيجاب تأجيل حال، أو إيجاب حلول مؤجل. ولا يجوز ذلك؛ إذ لم يوجبه نص ولا إجماع. وأما المؤجل بالمؤجل إلى أجله فلم يمنع منه نص، ولا إجماع فهو داخل في أمره ﵇: من اتبع على مليء أن يتبعه» (١).
وجه اشتراط اتحاد الدينين بالأجل:
أنه إذا أحاله بحال على مؤجل فإن هذا يعني تأجيل الحال، والحال لا يتأجل.
ولأن عقد الحوالة عقد إرفاق، لا مجال فيه للتكسب والربح، وإذا أحاله بحال على مؤجل يكون المحال قد انتقص حقه، لأن المعجل خير من المؤجل، وما نقص في حق المحال كان زيادة في حق صاحبه، فيخرج عقد الإرفاق عن موضوعه.
القول الثالث:
تجوز الحوالة بالمؤجل على الحال دون العكس، وتجوز بالأبعد أجلًا على الأقرب، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعية (٢).
وجهه:
لا تجوز بالحال على المؤجل؛ لأنه تأجيل للحال، والحال لا يتأجل عند الشافعية.
وأما الحوالة بالمؤجل على الحال، فجاز على أحد الوجهين عند الشافعية؛ لأنه يمكن تعجيل المؤجل.
والوجه الثاني: لا تصح، وهو قول البغداديين من الشافعية؛ لأن المحيل قد زاد المحال في حقه كما لو كان له ألف حالة فزاده فيها ليجعله مؤجلًا.
стр. 4804
الراجح في هذه المسألة:
أن تأجيل المعجل أو تعجيل المؤجل كل ذلك لا محذور فيه شرعًا، وهو متفق مع مقتضى عقد الحوالة القائم على الإرفاق والمعروف فلا منافاة بينهما، والله أعلم.
* * *
стр. 4805
الشرط الخامس عشر
في اشتراط كون الدين المحال به أو عليه مثليًا
جاء في الموسوعة الكويتية: كل ما لا يصح السلم فيه لا تصح الحوالة به.
مر معنا عند الكلام على أقسام المال في عقد البيع أن المال ينقسم إلى مثلي وقيمي.
فالمثلي هو: «كل ما يوجد له مثل في الأسواق بلا تفاوت يعتد به» (١).
والقيمي: «ما لا يوجد له مثل في السوق، أو يوجد لكن مع التفاوت المعتد به» (٢).
واعتمد هذا التعريف صاحب مجلة الأحكام الشرعية الحنبلية (٣).
[م-١١٣٠] ولم يختلف الفقهاء في الدين المثلي على صحة الحوالة به وعليه.
[م-١١٣١] واختلفوا في غير المثلي من المتقومات، وهذه المسألة ترجع إلى مسألة أخرى: هل يثبت المال القيمي دينًا في الذمة؟
فمن رأى أن الدين يثبت في كل مال يمكن ضبط صفاته مما يصح السلم فيه، سواء كان مثليًا أو متقومًا؛ لأن الأصل في المعاملات الحل والصحة، ولا يوجد دليل يمنع من ثبوت المال القيمي في الذمة من رأى هذا لم يمنع من الحوالة بالدين القيمي إذا كان مما يمكن ضبط صفاته.
стр. 4806
وهذا مذهب جماهير أهل العلم (١).
ومن قال: إن الدين لا يثبت إلا في المال المثلي؛ لأن ما في الذمة يجب رد مثله، والمتقوم لا مثل له، لم ير الحوالة في المال القيمي.
إذا علم هذا نأتي إلى مسألتنا، فنقول: اختلف العلماء في الحوالة بالمال القيمي:
القول الأول: مذهب الحنفية .
يشترط الحنفية أن يكون المحيل مدينًا للمحال، وقد مر معنا، وعليه فالحوالة عندهم لا تكون إلا في الديون، والدين هو ما ثبت في الذمة إلا أنهم يقسمون ما يثبت في الذمة إلى قسمين:
القسم الأول:
ما يثبت في الذمة مطلقًا سواء كان ذلك عن طريق المعاوضة، أو عن طريق القرض. وهذا خاص بالمثليات كالمكيلات، والموزونات، والعدديات المتقاربة، فهذه الديون تصح الحوالة بها وعليها مطلقًا، سواء كانت ناشئة عن دين، أو قرض، أو إتلاف أو غير ذلك (٢).
قال ابن نجيم: «ويجوز القرض فيما هو من ذوات الأمثال كالمكيل والموزون والعددي المتقارب كالبيض والجوز؛ لأن القرض مضمون بالمثل ولا يجوز في غير المثلي؛ لأنه لا يجب دينا في الذمة» (٣).
فقوله عن القرض بأنه لا يجوز في غير المثلي؛ لأنه لا يجب دينًا في الذمة،
стр. 4807
والحوالة إنما هي في دين ثابت في الذمة، فهذا يعني أن الدين الناشئ عن قرض لا يكون في المتقوم، فلا تصح الحوالة به ولا عليه.
وقال ابن عابدين في حاشيته: «لا يصح القرض في غير المثلي؛ لأن القرض إعارة ابتداء حتى صح بلفظها، معاوضة انتهاء؛ لأنه لا يمكن الانتفاع به إلا باستهلاك عينه فيستلزم إيجاب المثلي في الذمة وهذا لا يتأتى في غير المثلي» (١).
القسم الثاني:
ما يثبت دينًا في الذمة عن طريق المعاوضة، ولا يثبت دينًا من جهة القرض كالثياب، والعروض التي يمكن ضبط صفاتها. كما لو باع عبده بثوب موصوف في الذمة إلى أجل، أو أجر داره بثوب موصوف في الذمة إلى أجل صح البيع، فهذه لا تثبت دينًا في الذمة إلا من جهة البيع والسلم، ولا تثبت دينًا في الذمة من جهة القرض (٢).
فإن كان الدين فيها ناشئًا عن معاوضة صحت الحوالة بها وعليها، وإن كان الدين فيها ناشئًا عن قرض، كان القرض فاسدًا، وبالتالي لا تصح الحوالة بها ولا عليها. هذا ملخص ما فهمته من مذهب الحنفية عند مراجعة أحكام الدين والمسلم فيه.
القول الثاني:
تصح الحوالة بالدين القيمي كالثياب والحيوان إذا كان مما يمكن ضبطه بالصفات. وهذا هو الراجح في مذهب الشافعية، والحنابلة.
стр. 4808
جاء في فتح العزيز بشرح الوجيز: «وإن كان متقومًا ـ يعني دين الحوالة ـ كالثياب والعبيد فوجهان:
أصحهما، وبه قال ابن سريج: أنه كالمثلي لثبوته في الذمة، ولزومه (١).
وجاء في الإنصاف: «قال القاضي في المجرد: تجوز الحوالة بكل ما صح السلم فيه، وهو ما يضبط بالصفات، سواء كان له مثل، كالحبوب والأدهان، أو لا مثل له كالحيوان والثياب، وقد أومأ إليه الإمام أحمد في رواية الأثرم.
والوجه الثاني: لا تصح. قال الشارح: ويحتمل أن يخرج هذان الوجهان على الخلاف فيما يقضى به قرض هذه الأموال» (٢).
وجه القول بالصحة:
أن المدار على إمكانية ضبط صفاته، فالمال المتقوم إذا كانت صفاته يمكن ضبطها أصبح كالمال المثلي في صحة الحوالة به وعليه؛ لأنه دين لازم يثبت في الذمة فتصح الحوالة به وعليه.
ولأن الحوالة عقد إرفاق وإحسان، فاغتفر التفاوت اليسير بين المتقومات.
وهذا المذهب ليس بعيدًا عن أصول المالكية؛ لأن المالكية من أوسع المذاهب في جواز أن يكون المسلم فيه مالًا قيميًا فصححوا السلم في الرؤوس
стр. 4809
والأكارع، والجواهر والأواني كما مر معنا في باب السلم (١)، فإذا صح المال القيمي أن يكون دينًا في الذمة، صحت الحوالة به وعليه.
القول الثالث:
يشترط كونه مثليًا، وهو وجه في مذهب الشافعية، ووجه في مذهب الحنابلة.
قال ابن قدامة: «فأما ما يثبت في الذمة سلمًا غير المثليات، كالمذروع، والمعدود، ففي صحة الحوالة به وجهان:
أحدهما: لا تصح؛ لأن المثل فيه لا يتحرر، ولهذا لا يضمنه بمثله في الإتلاف. وهذا ظاهر مذهب الشافعي.
والثاني: تصح، ذكره القاضي؛ لأنه حق ثابت في الذمة، فأشبه ما له مثل» (٢).
القول الرابع:
لا تصح الحوالة إلا بالأثمان خاصة. وهذا أضعف الأقوال (٣).
الراجح:
معلوم أن الحوالة تحويل للحق على مثله، وإنما يكون ذلك بين مالين يمكن المقاصة بينهما، فما ثبت دينًا في الذمة صحت الحوالة به وعليه، وكل ما صح السلم فيه من مال مثلي أو قيمي فهو يقبل أن يكون دينًا في الذمة، وبالتالي فإن الحوالة به وعليه حوالة صحيحة، والله أعلم.
стр. 4810
الباب الرابع
في الشروط الجعلية في الحوالة
الفصل الأول
في اشتراط دوام يسار المحال عليه
تقدم البحث في شروط الحوالة، هل ملاءة المحال عليه شرط لصحة الحوالة؟ وتبين لنا أن الملاءة ليست شرطًا لصحة الحوالة على الصحيح.
[م-١١٣٢] ونبحث هنا في صحة اشتراط الملاءة من المحيل كشرط جعلي في صلب عقد الحوالة، وقد اختلف العلماء في صحة هذا الشرط على قولين.
القول الأول:
يصح اشتراط ملاءة المحال عليه، اختاره الباجي، وابن رشد من المالكية، وقال به بعض الشافعية، وهو المذهب عند الحنابلة (١).
стр. 4811
دليل هذا القول:
الدليل الأول:
الأصل في الشروط الصحة والجواز، واشتراط المحال ملاءة المحال عليه شرط فيه مصلحة، ولا محذور في اشتراطه، ولا يخالف مقتضى العقد، فكان اشتراطه صحيحًا، وفواته موجبًا لفسخ العقد، كما لو اشترط المشتري صفة في المبيع، فإنه يثبت له الفسخ بفواتها، وقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُود﴾ [المائدة:١].
الدليل الثاني:
فوات الشرط من باب التغرير بالمحال، والتغرير يوجب الخيار.
القول الثاني:
لا يصح اشتراط ملاءة المحال عليه، ولا يلزم، اختاره بعض المالكية كابن عرفة، وهو المذهب عند الشافعية (١).
دليل هذا القول:
الدليل الأول:
أنه شرط مناقض لعقد الحوالة، فعقد الحوالة يقتضي براءة المحيل من دين المحال، وانتقاله إلى ذمة المحال عليه.
ويجاب:
القول بأن شرط الرجوع يناقض عقد الحوالة إن كان المقصود به يناقض عقد
стр. 4812
الحوالة المطلق فهذا صحيح، وهكذا كل الشروط لا تجب بمقتضى العقد، ولولا أن العاقد اشترطها لم يستحقها بدون اشتراط، وهذا لا يوجب بطلان الشرط، وإن كان المقصود أنه يناقض عقد الحوالة مطلقًا فغير مسلم، والله أعلم.
الدليل الثاني:
لا يعتبر الإعسار عيبًا يوجب الرجوع؛ لأن هناك فرقًا بين الإعسار وبين العيب في المبيع:
فالعيب في البيع يوجب الرجوع على البائع سواء غر البائع المشتري أو كان ذلك بدون تغرير.
وأما الإعسار فلا يوجب الرجوع مطلقًا عند الشافعية حصل تغرير من المحيل أو لا، وكذا لا يوجب الرجوع عند المالكية إذا لم يكن هناك تغرير، بأن علم المحيل بإعسار المحال عليه، وكتمه عن المحال.
قال الشيرازي: «وإن أحاله على رجل بشرط أنه مليء، فبان معسرًا، فقد ذكر المزني أنه لا خيار له، وأنكر أبو العباس هذا .... وقال عامة أصحابنا لا خيار له؛ لأن الإعسار نقص، فلو ثبت به الخيار لثبت من غير شرط كالعيب في المبيع» (١).
قال الماوردي: «إذا أحاله بالحق على رجل، فكان وقت الحوالة معسرًا لم يرجع المحتال، كما لو حدث الإعسار، سواء غره بذكر يساره، أو لم يغره. وقال مالك: إن غره بذكر يساره يرجع عليه، وإن لم يغره لم يرجع عليه، وبه
стр. 4813
قال أبو العباس بن سريج وحده من بين أصحابنا كلهم، قال: لأنه لما رجع المشتري في المبيع بالغرور، وجب أن يرجع المحتال بالغرور في اليسار. وهذا خطأ؛ لأنا قد دللنا على أن الإعسار لا يستحق به الرجوع إذا لم يكن غرورًا، وكذا لا يستحق الرجوع مع الغرور، والعيوب لما رجع بها مع عدم الغرور بها رجع بها مع الغرور بها.
والفرق بينهما: أن إعسار المحتال عليه قد يصل إليه من غير المحيل، فلم يكن له الرجوع بها مع الغرور، والعيوب قد لا يصل إليها من غير جهة البائع، فلذلك رجع بها مع الغرور، فصح أن لا رجوع للمحتال بإعسار المحال عليه، سواء كان إعسارًا حادثًا، أو سالفًا مغرورًا به، أو غير مغرور» (١).
الراجح:
أن للمحال أن يشترط ملاءة المحال عليه، فإذا فاته ذلك وجب له الخيار، فإن شاء فسخ العقد، وإن شاء صبر على المحال عليه، والله أعلم.
* * *
стр. 4814
الفصل الثاني
في اشتراط الضمان على المحيل
إذا اشترط المحال الضمان، فإما أن يشترط الضمان من المحال عليه أو من المحيل.
[م-١١٣٣] فإن اشترط الضمان على المحال عليه، فاختلف العلماء فيه على قولين:
القول الأول:
إذا اشترط المحال الضمان من المحال عليه ووافق المحال عليه صح ذلك (١).
وجه القول بالصحة:
أن المحال عليه مدين، وذمته مشغولة بالدين، وقد شرع الإسلام الرهن والضمان توثقة للدين، قال تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
قال الماوردي: «إذا كان على رجل ألف، فأحال بها على رجل، انتقلت الألف بالحوالة من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، وجاز أن يأخذ رهنًا من المحال عليه؛ لأنها دين مستقر عليه» (٢).
القول الثاني:
لا تصح الحوالة بشرط أن يعطيه المحال عليه رهنًا أو ضامنًا.
стр. 4815
جاء في نهاية المحتاج: «لو أحال غيره بشرط أنه ضامن للحوالة، أو أن يعطيه المحال عليه رهنًا، أو كفيلا لم تصح الحوالة» (١).
وجاء في الأشباه والنظائر: «لو احتال بشرط أن يعطيه المحال عليه رهنًا، أو ضامنًا فوجهان: إن قلنا: إنها بيع جاز، أو استيفاء فلا. والأصح الثاني» (٢).
هذا في حكم اشتراط الضمان من المحال عليه.
[م-١١٣٤] وأما اشتراط الضمان على المحيل فاختلف الفقهاء فيه على قولين:
القول الأول:
ذهب الحنفية إلى أن الحوالة إذا اشترط فيها ضمان المحيل تحولت إلى كفالة، لا حوالة؛ لأن المعتبر في العقود المقاصد والمعاني، وليس الألفاظ والمباني.
فالكفالة بشرط براءة الأصيل حوالة، والحوالة بشرط ضمان الأصيل كفالة.
«قال قاضي خان ﵀: رجل له على رجل مال، فقال الطالب للمطلوب: أحلني بما لي عليك على فلان، على أنك ضامن لذلك، فهو جائز، وله أن يأخذ المال من أيهما شاء؛ لأنه لما شرط الضمان على المحيل، فقد جعل الحوالة كفالة؛ لأن الحوالة بشرط عدم براءة المحيل كفالة» (٣).
стр. 4816
وجاء في درر الحكام شرح مجلة الأحكام: «الحوالة بشرط عدم براءة المحيل كفالة، فلو قال أحد للمدين: أحل بمالي عليك من الدين على فلان، بشرط أن تكون أنت ضامنًا أيضًا، فأحاله المدين على هذا الوجه، فللطالب أن يأخذ طلبه ممن شاء. وهذا العقد عقد كفالة مجازًا، والمحال عليه هو الكفيل» (١).
وجاء في الفتاوى الهندية: «الكفالة بشرط براءة الأصيل حوالة، والحوالة بشرط مطالبة الأصيل كفالة، كذا في السراجية» (٢).
القول الثاني:
إذا شرط الضمان على المحيل لم تصح الحوالة، وهو الراجح في مذهب الشافعية.
جاء في نهاية المحتاج: «لو أحال غيره بشرط أنه ضامن للحوالة، أو أن يعطيه المحال عليه رهنًا، أو كفيلا لم تصح الحوالة» (٣).
دليل الشافعية على بطلان الحوالة:
أن اشتراط الضمان في الحوالة ينافي مقتضى العقد؛ لأن الحوالة تقتضي براءة المحيل من الدين، واشتراط ما ينافي مقتضى العقد يجعله باطلًا
وهذا التعليل يقتضي صحة اشتراط الرهن والكفيل على المحال عليه؛ لانشغال ذمته بالدين.
стр. 4817
القول الثالث:
يجوز اشتراط الضمان والرهن في الحوالة، وهو وجه مرجوح في مذهب الشافعية.
جاء في الأشباه والنظائر: «لو احتال بشرط أن يعطيه المحال عليه رهنًا، أو يقيم له ضامنًا، فوجهان إن قلنا: بأنها بيع جاز أو استيفاء فلا، والأصح الثاني» (١).
وجه من قال: يجوز اشتراط الضمان على المحيل:
الوجه الأول:
الأصل في الشروط ا لصحة والجواز، واشتراط الضمان في الحوالة، لا يخالف نصًا، ولا يترتب على القول به محذور شرعي.
الوجه الثاني:
القول بأن اشتراط الضمان في الحوالة ينافي مقتضى عقد الحوالة غير مسلم، فهناك فرق بين أن يشترط عدم براءة المحيل، وبين أن يشترط ضمانه، فالأول هو الذي ينافي مقصود العقد وحقيقته، لأن المقصود من الحوالة براءة المحيل، وإذا شرط عدم براءته كان ذلك منافيًا لمقصود العقد، وأما شرط الضمان فلا ينافي مقصود العقد؛ لأنه لا يمنع براءة المحيل من الدين، وانتقاله إلى ذمة المحال عليه بناء على عقد الحوالة، غاية ما في الأمر، أنه يقتضي اشتغال ذمته بالدين مرة أخرى بعد براءته منه وانتقاله إلى ذمة المحال عليه،، صحيح أن المحيل بقي مطالبًا بالدين، لكن نوع المطالبة اختلف، فقبل الحوالة: كان
стр. 4818
مطالبًا بالدين باعتباره أصيلًا، وبعد الحوالة التي اشترط فيه ضمانه، أصبح مطالبًا بالدين باعتباره ضامنًا، لا باعتباره أصيلًا، إذ أصبح المدين الأصيل هو المحال عليه، يوضح ذلك: أن المحال - في هذه المسألة - لو أبرأ المحال عليه من الدين برئ المحيل؛ لأنه أصبح ضامنًا، وبراءة الأصيل توجب براءة الضامن، بخلاف ما لو أبرأ المحيل، حيث لا يبرأ المحال عليه؛ لأنه أصبح المدين الأصيل، وبراءة الضامن لا توجب براءة الأصيل. والله أعلم.
* * *
стр. 4819
الفصل الثالث
في اشتراط الرجوع على المحيل عند التواء
[م-١١٣٥] من الشروط الفاسدة عند الحنفية ما لو قال: أحلتك على فلان بشرط ألا ترجع علي عند التواء.
قال ابن نجيم في البحر الرائق: «تصح الحوالة، ويبطل الشرط، فيرجع عليه عند التواء» (١).
وسيأتي معنى التوى إن شاء الله تعالى عند الكلام على رجوع المحال على المحيل بفلس أو جحود.
والراجح:
أنه إذا شرط المحيل ألا يرجع عليه المحال عند التوى أنه شرط صحيح موافق لمقتضى العقد بعدم رجوع المحال على المحيل.
* * *
стр. 4820
الباب الخامس
في أحكام الحوالة
اختلف العلماء في عقد الحوالة هل عقد لازم أو جائز؟
وثمرة الخلاف أن من قال: إن الحوالة عقد لازم فإن ذلك يعني إبراء ذمة المحيل من دين المحال، ولا يحق له الرجوع، ومن قال جائز فإن ذمة المحيل لا تبرأ بالحوالة، ويحق للمحال الرجوع على المحيل.
قال البخاري في صحيحه: «باب في الحوالة، وهل يرجع في الحوالة؟».
قال العيني: وإنما لم يجزم بالحكم؛ لأن فيه خلافًا، وهو أن الحوالة عقد لازم عند البعض وجائز عند أخرين، فمن قال: عقد لازم، فلا يرجع فيها، ومن قال: عقد جائز فله الرجوع» (١).
وسوف ندرس إن شاء الله في المباحث القادمة المسائل التالية:
المسألة الأولى: في لزوم عقد الحوالة.
المسألة الثانية: في اشتراط الخيار في عقد الحوالة.
المسألة الثالثة: في رجوع المحيل على المحال، ويشمل:
ــ رجوع المحال لفلس المحال عليه.
ــ رجوع المحال لجحود المحال عليه.
ــ في رجوع المحال إذا أحيل بثمن مبيع ثم بطل البيع.
стр. 4821
ــ في رجوع المحال إذا أحيل بثمن مبيع، ثم فسخ البيع.
ــ إذا أحيل على عين في يد المحال عليه ثم تلفت قبل القبض.
نسأل الله وحده عونه وتوفيقه.
* * *
стр. 4822
الفصل الأول
في لزوم عقد الحوالة
[م-١١٣٦] هل الحوالة عقد لازم، فإذا تم لم يرجع المحال على المحال عليه، أو أنها عقد جائز يرجع فيه المحال على المحيل ولو تمت بشروطها، وانتفت موانعها؟
اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
عقد الحوالة يقتضي إبراء ذمة المحيل من دين المحال، وإبراء المحال عليه من دين المحيل. وهذا مذهب الأئمة الأربعة (١).
قال الكاساني في بدائع الصنائع: «الحوالة لها أحكام منها: براءة المحيل، وهذا عند أصحابنا الثلاثة» (٢).
وجاء في شرح ميارة: «وأما حكمها فهو براءة المحيل من دين المحال، وتحول الحق إلى المحال عليه، وبراءة المحال عليه من طلب المحيل» (٣).
стр. 4823
وجاء في فتح العزيز بشرح الوجيز: «أما حكمها فبراءة المحيل عن دين المحال، وتحول الحق إلى المحال عليه، وبراءة المحال عليه من دين المحيل» (١).
وجاء في المغني: «ومن أحيل بحقه على من عليه مثل ذلك الحق، فرضي، فقد برئ المحيل أبدًا» (٢).
وجه هذا القول:
الوجه الأول:
قال ابن الجوزي: «لنا حديث حزن جد سعيد بن المسيب أنه كان له دين على علي بن أبي طالب، فسأله أن يحيله على رجل، ويمضي له به عليه، ثم أتاه، فقال له: قد مات، فقال له: اخترت علينا أبعدك الله، ولم يقل له: لك الرجوع علي (٣).
وجه الاستدلال:
قال الماوردي: «لو كان له الرجوع لما استجاز علي أن يمنعه منه، وهو فعل انتشر في الصحابة لا نعرف له مخالفًا» (٤).
وأجيب على هذا:
هذه القصة لا يعلم لها إسناد، فلا حجة فيها.
«قال ابن عبد الهادي في التنقيح: هذه القصة ذكرها غير واحد من أصحاب أحمد بغير إسناد. قال شيخنا: ولم أجد لها إلى الآن سندًا، والله أعلم» (٥).
стр. 4824
الوجه الثاني:
الإجماع على أن المحال لو أبرأ المحال عليه من الدين أو وهبه منه صح، ولو أبرأ المحيل أو وهب منه لم يصح، ولولا أن الدين انتقل إلى ذمة المحال عليه، لصح الإبراء والهبة؛ لأنه دين ثابت (١).
الوجه الثالث:
من المعقول: فإن الحوالة تعني نقل الدين وتحويله؛ لأنها مشتقة من التحويل، وهو النقل، فيقتضي نقل ما أضيف إليه، وقد أضيف إلى الدين، لا إلى المطالبة؛ لأنه إذا قال: أحلت بالدين، أو أحلت فلانًا بدينه، فيوجب انتقال الدين إلى المحال عليه، إلا أنه إذا انتقل أصل الدين إليه تنتقل المطالبة؛ لأنها تابعة (٢).
القول الثاني:
ذهب محمد بن الحسن من الحنفية بأن المحيل لا يبرأ إلا من المطالبة فقط، ولا يبرأ من الدين (٣).
ثمرة الخلاف بين هذا القول وبين الذي قبله:
أن المحال لو أبرأ المحيل من الدين أو وهبه لم يصح؛ لأن الحق قد انتقل من ذمته إلى ذمة المحال عليه. وعلى قول محمد بن الحسن يصح الإبراء والهبة (٤).
стр. 4825
وجه هذا القول:
أن المحيل إذا قضى دين الدائن بعد الحوالة وقَبْلَ أن يؤدي المحال عليه لا يكون متطوعًا، ويجبر على القبول، ولو كانت ذمته قد فرغت من الدين لكان متطوعًا، والمتطوع لا يجبر على القبول، كما إذا تطوع أجنبي بقضاء دين إنسان على غيره (١).
القول الثالث:
أن عقد الحوالة لا يبرئ المحيل، وإنما هو ضم ذمة إلى أخرى، وإلى هذا ذهب زفر من الحنفية.
قال الكاساني: «وقال زفر: الحوالة لا توجب براءة المحيل، والحق في ذمته بعد الحوالة على ما كان عليه قبلها كالكفالة سواء» (٢).
وجه قول زفر:
أن الحوالة شرعت وثيقة للدين كالكفالة، وليس من الوثيقة براءة الأول، بل الوثيقة في مطالبة الثاني مع بقاء الدين على حاله في ذمة الأول من غير تغيير، كما في الكفالة سواء.
ونوقش هذا:
بأن الحوالة مشتقة من التحويل، وهو النقل فكان معنى الانتقال لازمًا فيها، والشيء إذا انتقل إلى موضع لا يبقى في المحل الأول ضرورة، بخلاف الكفالة (الضمان) فهي مشتقة من الضم، أي ضم ذمة إلى أخرى. والله أعلم.
стр. 4826
الراجح:
بعد الاطلاع على الأقوال والأدلة أرى أن قول جماهير أهل العلم أقوى، وهو أن الحوالة تعني نقل الحق إلى ذمة المحال عليه، والله أعلم.
* * *
стр. 4827
الفصل الثاني
في دخول الخيار في عقد الحوالة
[م-١١٣٧] انتهينا في المبحث السابق إلى أن عقد الحوالة عقد لازم، والبحث الآن هل يكون جائزًا عن طريق الخيار؟
اختلف العلماء في قبول الحوالة للخيارات، على قولين:
القول الأول: مذهب الحنفية .
لا يثبت الحنفية خيار المجلس مطلقًا، لا في البيع، ولا في غيره.
وأما خيار الشرط فقالوا بثبوته في عقد الحوالة لمن يشترط رضاه، وهو المحال والمحال عليه على الصحيح في مذهبهم، ومدته ثلاثة أيام عند أبي حنيفة، وأي مدة معلومة عند صاحبيه.
والقول بثبوت خيار الشرط في عقد الحوالة هو مذهب الحنابلة، واختيار ابن تيمية (١).
قال في البحر الرائق: «ويصح اشتراطه ـ يعني الخيار ـ في الحوالة» (٢).
وقال ابن تيمية: «يجوز خيار الشرط في كل العقود» (٣).
وجه هذا القول:
الضابط في خيار الشرط أنه يجري في كل العقود اللازمة التي تقبل الفسخ، ومنها عقد الحوالة.
стр. 4828
جاء في درر الحكام شرح مجلة الأحكام: «وخيار الشرط ليس خاصًا بالبيع ...... أي يجري في كل العقود اللازمة التي تقبل الفسخ، وكذلك يجوز شرط الخيار في الرهن للراهن .... وفي الحوالة للمحال له، وللمحال عليه» (١).
القول الثاني: مذهب المالكية:
يتفق المالكية مع الحنفية بأنهم لا يثبتون خيار المجلس مطلقًا في سائر العقود، ومنه عقد الحوالة.
وأما خيار الشرط، وهو ما يسمى (خيار التروي) فلم أقف على نص عنهم في عقد الحوالة، ومن خلال دراسة مذهب المالكية في خيار الشرط نرى أنهم نصوا على دخول خيار الشرط في عقد البيع بأنواعه.
جاء في الشرح الصغير: «(الخيار قسمان: ترو ونقيصة). أي خيار ترو: أي نظر وتأمل في إبرام البيع وعدمه.
وخيار نقيصة: وهو ما كان موجبه وجود نقص في المبيع من عيب أو استحقاق.
(فالأول) أي خيار التروي (بيع وقف بته): أي لزومه (على إمضاء) ممن له الخيار من مشتر أو بائع أو غيرهما (يتوقع) في المستقبل. (وإنما يكون) أي يوجد ويحصل (بشرط) من المتبايعين ولا يكون بالمجلس .. » (٢).
وجاء في مواهب الجليل: «خيار التروي: وهو الذي ينصرف إليه بيع الخيار عند الإطلاق في عرف الفقهاء» (٣).
стр. 4829
وأثبت المالكية خيار الشرط في بيع التولية (١)، وفي قسمة التراضي (٢)، وفي الإجارة (٣).
وسبق لنا أن المالكية يرون عقد الحوالة كعقد التولية أنهما من قبيل البيع المقصود بهما الإرفاق والمعروف، وإذا كانت التولية يدخلها خيار الشرط عندهم لم يمنع دخول خيار الشرط عقد الحوالة، وبناء عليه يمكن القول بأن المالكية يثبتون خيار الشرط في عقد الحوالة، والله أعلم.
стр. 4830
القول الثالث:
ذهب الشافعية، والحنابلة في المشهور إلى أن الحوالة لا تقبل خيار الشرط، وفي خيار المجلس وجهان، أصحهما أنه لا يثبت فيها (١).
جاء في المهذب: «ولا يجوز شرط الخيار فيه ـ يعني عقد الحوالة ـ لأنه لم يبن على المغابنة، فلا يثبت فيه خيار الشرط» (٢).
وقال الماوردي: «القسم الثاني: ما لا يدخله خيار الشرط، واختلف أصحابنا في دخول خيار المجلس فيه على وجهين، وذلك ثلاثة عقود: الإجارة، والمساقاة، والحوالة. وهل تبطل باشتراط خيار المجلس؟ على وجهين» (٣).
قال النووي: «لا يثبت خيار المجلس في صلح الحطيطة ..... ولا يثبت في الحوالة إن قلنا: إنها ليست معاوضة، وإن قلنا: معاوضة لم يثبت أيضًا على أصح الوجهين؛ لأنها ليست على قاعدة المعاوضات» (٤).
وجاء في كشاف القناع: «ولا يثبت خيار المجلس في بقية العقود والفسوخ كالمساقاة، والمزارعة، والحوالة .... » (٥).
وقال في المقنع عن العقود التي يدخلها خيار الشرط: «ولا يثبت إلا في البيع والصلح بمعناه والإجارة في الذمة أو على مدة لا تلي العقد» (٦).
стр. 4831
فلم يذكر الحوالة في العقود التي يثبت فيها خيار الشرط، وحكى وجهين في ثبوت خيار المجلس في عقد الحوالة (١).
وجه هذا القول:
تعليل الشافعية:
علل الشافعية عدم ثبوت خيار الشرط في عقد الحوالة بأن الحوالة إن كانت بيعًا، فهي بيع دين بدين، وهو منهي عنه، ولكن جوزت هنا للضرورة، والضرورة تقدر بقدرها، فلا يثبت فيها خيار الشرط.
وإن كانت الحوالة استيفاء فإن استيفاء الحقوق لا خيار فيها، فلا يثبت فيها خيار الشرط.
وأما خيار المجلس: فوجه القول بالجواز: أن الراجح في الحوالة أنها بيع، وخيار المجلس يثبت في البيع، وفي الصلح؛ لأنه بمعنى البيع.
وأما وجه القول بالمنع: أن الحوالة فيها معنى الاستيفاء، واستيفاء الحقوق لا خيار فيها.
وأما تعليل الحنابلة، فقد قال ابن قدامة، وهو يذكر أنواع العقود التي يدخلها الخيار: «الضرب السادس: لازم يستقل به أحد المتعاقدين، كالحوالة، والأخذ بالشفعة، فلا خيار فيهما؛ لأن من لا يعتبر رضاه، لا خيار له، وإذا لم يثبت في أحد طرفيه لم يثبت في الآخر كسائر العقود» (٢).
стр. 4832
الراجح:
أما خيار المجلس فأرى أن الراجح أنه لا يثبت فيها؛ لأنها ليست قائمة على المعاوضة، وإن كان فيها شبه المعاوضة.
وأما خيار الشرط فالراجح القول بجوازه فيها، وهو أولى بالجواز من خيار المجلس، قاله ابن تيمية:
جاء في النكت والفوائد السنية على مشكل المحرر: «الوجه الثاني: يثبت الخيار للمحيل، والشفيع؛ لأن العوض مقصود، فأشبه سائر عقود المعاوضة، وقال الشيخ تقي الدين: خيار الشرط في هذه الأشياء أقوى من خيار المجلس بدليل أن النكاح والصداق، والضمان لنا فيها خلاف في خيار الشرط، دون خيار المجلس، ولأن خيار المجلس ثابت بالشرع، فلا يمكن أن يلحق بالمنصوص ما ليس في معناه بخلاف خيار الشرط، فإنه تابع لرضاهما، والأصل عندنا أن الشرط يتبع رضا المتشارطين، والأصل صحتها في العقود، وإنما يناسب البطلان من يقول: إن خيار الشرط ثابت على خلاف القياس، وليس ذلك قولنا» (١).
стр. 4833
الفصل الثالث
في رجوع المحال على المحيل
المبحث الأول
رجوع المحال لفلس المحال عليه
[م-١١٣٨] إذا أحاله على رجل، فتبين أنه مفلس، فهل يملك المحال الرجوع على المحال عليه؟
وللجواب على ذلك نقول:
إن كان المحال عالمًا بإفلاس المحال عليه، فلا حق له في الرجوع؛ لأنه بمنزلة من يشتري معيبًا عالمًا بعيبه، ويرضى بذلك.
وإن كان لا يعلم بأنه مفلس، أو تجدد له فلس فقد اختلف العلماء في ذلك على أقوال، منها:
القول الأول:
ذهب أبو حنيفة بأن المحال لا يرجع إلا إن مات المحال عليه مفلسًا، ولم يترك مالًا ولا دينًا ولا كفيلًا.
وزاد أبو يوسف ومحمد: أو يحكم الحاكم بإفلاسه في حال حياته (١).
стр. 4834
دليلهم على رجوع المحال بموت المحال عليه مفلسًا:
الدليل الأول:
أن إفلاس المحال عليه، وهو حي لا يكفي للرجوع على المحيل؛ لأنه عجز يتوهم ارتفاعه بحدوث المال؛ لأن مال الله غاد ورائح، فلا يعود إلى المحيل كما قبل التفليس بخلاف إذا مات مفلسًا؛ فإنه عجز لا يتوهم ارتفاعه.
وقال صاحبا أبي حنيفة: إذا حكم عليه الحاكم بالإفلاس بمنزلة من مات مفلسًا؛ لأنه بالحكم بالإفلاس صار المحال عاجزًا عن أخذ حقه، مقطوعًا عن ملازمته. ولأبي حنيفة: أن الدين باق، وبتعذر الاستيفاء لا يوجب الرجوع، ألا ترى أنه لو تعذر بغيبة المحال عليه لا يرجع على المحيل.
الدليل الثاني:
(ث-١١٦) ما رواه البيهقي من طريق أبي الوليد، ثنا شعبة، أخبرني خليد ابن جعفر، قال: سمعت أبا إياس،
عن عثمان بن عفان، قال: ليس على مال امرئ مسلم توى. يعني حوالة (١).
[ضعيف، إياس لم يسمع من عثمان].
وجه الاستدلال:
أن معنى توى هلك، فإذا مات المحال عليه مفلسًا كما هو رأي أبي حنيفة، أو حكم الحاكم بإفلاسه في حال حياته كما هو رأي صاحبيه لم يبق ذمة يتعلق بها الحق، وثبت عجز المحال عن الوصول إلى حقه، وهذا هو التوى المذكور في الأثر، وثبت للمحال الرجوع على المحيل؛ لأن براءة المحيل كانت براءة نقل واستيفاء، لا براءة إسقاط، فلما تعذر الاستيفاء وجب الرجوع.
стр. 4835
وأجيب عن الحديث بعدة أجوبة، منها:
أحدها: أنه رواية خليد، وهو مجهول. ذكره البيهقي في السنن (١).
ورد هذا:
بأن خليدًا وثقه شعبة، وكان يعظمه ويثني عليه، وقال: كان من أصدق الناس، وأشدهم إتقانًا، ووثقه ابن معين، وقال أبو حاتم الرازي: صدوق. ووثقه الذهبي في الكاشف.
الجواب الثاني:
أنه منقطع؛ لأن أبا إياس معاوية بن قرة لم يلق عثمان، والمنقطع ليس بحجة.
الجواب الثالث:
أن لفظ الأثر عن عثمان أنه قال: ليس على مال امرئ مسلم توى. يعني حوالة. لم يقل: يعني حوالة إلا أبو الوليد، وقد رواه غيره عن شعبة مطلقًا، ليس فيه يعني حوالة. قاله البيهقي (٢).
وفي مختصر المزني، قال: واحتج محمد بن الحسن بأن عثمان ﵁ قال في الحوالة أو الكفالة ... » (٣).
والشك يمنع من صحة الاستدلال؛ لأن في الكفالة يرجع، وفي الحوالة لا يرجع، والشك يمنع من تعيينه في الحوالة .... (٤).