فلم يذكر الحوالة في العقود التي يثبت فيها خيار الشرط، وحكى وجهين في ثبوت خيار المجلس في عقد الحوالة (١).
وجه هذا القول:
تعليل الشافعية:
علل الشافعية عدم ثبوت خيار الشرط في عقد الحوالة بأن الحوالة إن كانت بيعًا، فهي بيع دين بدين، وهو منهي عنه، ولكن جوزت هنا للضرورة، والضرورة تقدر بقدرها، فلا يثبت فيها خيار الشرط.
وإن كانت الحوالة استيفاء فإن استيفاء الحقوق لا خيار فيها، فلا يثبت فيها خيار الشرط.
وأما خيار المجلس: فوجه القول بالجواز: أن الراجح في الحوالة أنها بيع، وخيار المجلس يثبت في البيع، وفي الصلح؛ لأنه بمعنى البيع.
وأما وجه القول بالمنع: أن الحوالة فيها معنى الاستيفاء، واستيفاء الحقوق لا خيار فيها.
وأما تعليل الحنابلة، فقد قال ابن قدامة، وهو يذكر أنواع العقود التي يدخلها الخيار: «الضرب السادس: لازم يستقل به أحد المتعاقدين، كالحوالة، والأخذ بالشفعة، فلا خيار فيهما؛ لأن من لا يعتبر رضاه، لا خيار له، وإذا لم يثبت في أحد طرفيه لم يثبت في الآخر كسائر العقود» (٢).
стр. 4832
الراجح:
أما خيار المجلس فأرى أن الراجح أنه لا يثبت فيها؛ لأنها ليست قائمة على المعاوضة، وإن كان فيها شبه المعاوضة.
وأما خيار الشرط فالراجح القول بجوازه فيها، وهو أولى بالجواز من خيار المجلس، قاله ابن تيمية:
جاء في النكت والفوائد السنية على مشكل المحرر: «الوجه الثاني: يثبت الخيار للمحيل، والشفيع؛ لأن العوض مقصود، فأشبه سائر عقود المعاوضة، وقال الشيخ تقي الدين: خيار الشرط في هذه الأشياء أقوى من خيار المجلس بدليل أن النكاح والصداق، والضمان لنا فيها خلاف في خيار الشرط، دون خيار المجلس، ولأن خيار المجلس ثابت بالشرع، فلا يمكن أن يلحق بالمنصوص ما ليس في معناه بخلاف خيار الشرط، فإنه تابع لرضاهما، والأصل عندنا أن الشرط يتبع رضا المتشارطين، والأصل صحتها في العقود، وإنما يناسب البطلان من يقول: إن خيار الشرط ثابت على خلاف القياس، وليس ذلك قولنا» (١).
стр. 4833
الفصل الثالث
في رجوع المحال على المحيل
المبحث الأول
رجوع المحال لفلس المحال عليه
[م-١١٣٨] إذا أحاله على رجل، فتبين أنه مفلس، فهل يملك المحال الرجوع على المحال عليه؟
وللجواب على ذلك نقول:
إن كان المحال عالمًا بإفلاس المحال عليه، فلا حق له في الرجوع؛ لأنه بمنزلة من يشتري معيبًا عالمًا بعيبه، ويرضى بذلك.
وإن كان لا يعلم بأنه مفلس، أو تجدد له فلس فقد اختلف العلماء في ذلك على أقوال، منها:
القول الأول:
ذهب أبو حنيفة بأن المحال لا يرجع إلا إن مات المحال عليه مفلسًا، ولم يترك مالًا ولا دينًا ولا كفيلًا.
وزاد أبو يوسف ومحمد: أو يحكم الحاكم بإفلاسه في حال حياته (١).
стр. 4834
دليلهم على رجوع المحال بموت المحال عليه مفلسًا:
الدليل الأول:
أن إفلاس المحال عليه، وهو حي لا يكفي للرجوع على المحيل؛ لأنه عجز يتوهم ارتفاعه بحدوث المال؛ لأن مال الله غاد ورائح، فلا يعود إلى المحيل كما قبل التفليس بخلاف إذا مات مفلسًا؛ فإنه عجز لا يتوهم ارتفاعه.
وقال صاحبا أبي حنيفة: إذا حكم عليه الحاكم بالإفلاس بمنزلة من مات مفلسًا؛ لأنه بالحكم بالإفلاس صار المحال عاجزًا عن أخذ حقه، مقطوعًا عن ملازمته. ولأبي حنيفة: أن الدين باق، وبتعذر الاستيفاء لا يوجب الرجوع، ألا ترى أنه لو تعذر بغيبة المحال عليه لا يرجع على المحيل.
الدليل الثاني:
(ث-١١٦) ما رواه البيهقي من طريق أبي الوليد، ثنا شعبة، أخبرني خليد ابن جعفر، قال: سمعت أبا إياس،
عن عثمان بن عفان، قال: ليس على مال امرئ مسلم توى. يعني حوالة (١).
[ضعيف، إياس لم يسمع من عثمان].
وجه الاستدلال:
أن معنى توى هلك، فإذا مات المحال عليه مفلسًا كما هو رأي أبي حنيفة، أو حكم الحاكم بإفلاسه في حال حياته كما هو رأي صاحبيه لم يبق ذمة يتعلق بها الحق، وثبت عجز المحال عن الوصول إلى حقه، وهذا هو التوى المذكور في الأثر، وثبت للمحال الرجوع على المحيل؛ لأن براءة المحيل كانت براءة نقل واستيفاء، لا براءة إسقاط، فلما تعذر الاستيفاء وجب الرجوع.
стр. 4835
وأجيب عن الحديث بعدة أجوبة، منها:
أحدها: أنه رواية خليد، وهو مجهول. ذكره البيهقي في السنن (١).
ورد هذا:
بأن خليدًا وثقه شعبة، وكان يعظمه ويثني عليه، وقال: كان من أصدق الناس، وأشدهم إتقانًا، ووثقه ابن معين، وقال أبو حاتم الرازي: صدوق. ووثقه الذهبي في الكاشف.
الجواب الثاني:
أنه منقطع؛ لأن أبا إياس معاوية بن قرة لم يلق عثمان، والمنقطع ليس بحجة.
الجواب الثالث:
أن لفظ الأثر عن عثمان أنه قال: ليس على مال امرئ مسلم توى. يعني حوالة. لم يقل: يعني حوالة إلا أبو الوليد، وقد رواه غيره عن شعبة مطلقًا، ليس فيه يعني حوالة. قاله البيهقي (٢).
وفي مختصر المزني، قال: واحتج محمد بن الحسن بأن عثمان ﵁ قال في الحوالة أو الكفالة ... » (٣).
والشك يمنع من صحة الاستدلال؛ لأن في الكفالة يرجع، وفي الحوالة لا يرجع، والشك يمنع من تعيينه في الحوالة .... (٤).
стр. 4836
وأجيب عن هذا:
بأن الأثر قد رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا وكيع، عن شعبة، عن خليد بن جعفر، عن أبي إياس، عن عثمان في الحوالة يرجع، ليس على مسلم توى (١).
وقال ابن التركماني في الجوهر النقي: «الذي في كتب الحنفية أن محمدًا ذكره في الأصل عن عثمان في الحوالة من غير شك، كما أخرجه البيهقي أولًا، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه عن وكيع، عن شعبة بسنده، وكيف يقال ذلك في الكفالة، والرجوع فيها على الأصيل لا يتوقف على شرط موت الكفيل مفلسًا» (٢).
الجواب الرابع:
أن قول عثمان على افتراض ثبوته مخالف لما روي عن علي في قصة حزن جد سعيد بن المسيب، أنه كان له دين على علي بن أبي طالب، فسأله أن يحيله على رجل، ويمضي له به عليه، ثم أتاه، فقال له: قد مات، فقال له: اخترت علينا أبعدك الله، ولم يقل له: لك الرجوع علي (٣).
فإن قيل: إن أثر علي لم يوقف على إسناده، فهو ضعيف. قيل: وكذلك أثر عثمان منقطع، والمنقطع ضعيف.
الدليل الثالث للحنفية:
قال الكاساني: «الأصل أن الدين لا يسقط إلا بالقضاء، قال النبي ﷺ :
стр. 4837
الدين مقضي (١).
وألحق الإبراء بالقضاء في السقوط.
والحوالة ليست بقضاء ولا إبراء، فبقي الدين في ذمته على ما كان قبل
стр. 4838
الحوالة، إلا أنه بالحوالة انتقلت المطالبة إلى المحال عليه لكن إلى غاية التوى؛ لأن حياة الدين بالمطالبة، فإذا توى لم تبق وسيلة إلى الأحياء فعادت إلى محلها الأصلي، ولا حجة في الحديث؛ لأنه ﵊ علق الحكم بشريطة الملاءة، وقد ذهبت بالإفلاس» (١).
الدليل الرابع:
الحقوق المستقرة في الذمم قد تنتقل تارة إلى ذمة أخرى بالحوالة، وتارة إلى عين بالمعاوضة، فلما كان تلف العين قبل قبضها يوجب عود الحق إلى الذمة الأولى، وجب أن يكون تلف الذمة قبل قبض الحق منها يوجب عود الحق إلى الذمة الأولى، وتحريره قياسًا أنه حق انتقل من الذمة إلى جهة فات استيفاؤه منها، فوجب أن يعود إلى الذمة التي كان ثابتًا فيها، كالأعيان التالفة قبل قبضها (٢).
الدليل الخامس:
أن خراب الذمم لا يخلو أن يجري مجرى العيب أو الاستحقاق، فإن جرى مجرى الاستحقاق فقد عاد الحق إلى الذمة الأولى، وإن جرى مجرى العيب كان مخيرًا في الرجوع إلى الذمة الأولى (٣).
الدليل السادس:
أنه لما كان خراب الذمة بالفلس يوجب عندكم عود الحق إلى العين المبيعة كان ما يوجب عوده إلى الذمة الأولى أولى (٤).
стр. 4839
القول الثاني:
ذهب المالكية بأن المحال لا يرجع إلا إن غره المحيل بأن كان يعلم بإفلاسه، ولم يبين للمحال. أما إذا كان لا يعلم بإفلاسه وقت الإحالة، أو تجدد له الإفلاس فلا رجوع (١).
قال ابن عبد البر: «والذي عليه مالك وأصحابه في الحوالة ما ذكره في الموطأ ... إذا غره من فلس علمه فإنه يرجع عليه كالحمالة» (٢).
قال الخرشي: «حق المحال يتحول على المحال عليه بمجرد عقد الحوالة، وإن أفلس المحال عليه .... وسواء كان الفلس سابقًا على عقد الحوالة، أو طارئًا عليها إلا أن يعلم المحيل بإفلاسه فقط» (٣).
دليل المالكية على أن المحال لا يرجع على المحيل إلا بالتغرير:
أدلتهم هي نفس أدلة الشافعية والتي سوف نذكرها إن شاء الله تعالى في القول
стр. 4840
التالي في كون الحوالة تنقل الحق إلى ذمة المحال عليه، فلا يرجع المحال على المحيل، إلا أنهم قالوا: إن كان المحيل يعلم إفلاس المحال عليه، ولم يخبر المحال فإن له الرجوع؛ لأن هذا خداع وتغرير منه للمحال بمنزلة البائع يدلس عيب المبيع.
القول الثالث:
ذهب الشافعية بأن المحال لا يملك الرجوع على المحيل مطلقًا إذا تمت الحوالة، سواء كان الفلس قبل الحوالة أم بعدها، وسواء غره أم لم يغره، وسواء اشترط عليه ملاءته أم لم يشترط.
دليلهم على عدم الرجوع:
الدليل الأول:
أن الحوالة إما أن يتحول بها الحق عن المحيل، أو لا يتحول. فإن تحول فقد برئت ذمته، فوجب ألا يعود إليه، كما لو أبرأه، وإن لم يتحول فلتدم المطالبة كما في الضمان. والحوالة اسم مشتق من معناه، وهو تحول الحق به كما أن الضمان مشتق من انضمام ذمة إلى أخرى فلم يجز أن يعود الحق بعد تحوله إلا بمثل ما انتقل به.
الدليل الثاني:
أن قوله ﷺ : (إذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع) فلو كان له الرجوع لما كان لاشتراط الملاءة فائدة؛ لأنه إن لم يصل إلى حقه رجع، فلما شرط الملاءة علم أن الحق قد انتقل بها انتقالًا لا رجوع له فيه، فاشتراط الملاءة حراسة لحقه.
الدليل الثالث:
قال ابن الجوزي: «لنا حديث حزن جد سعيد بن المسيب أنه كان له دين على
стр. 4841
علي بن أبي طالب، فسأله أن يحيله على رجل، ويمضي له به عليه، ثم أتاه، فقال له: قد مات، فقال له: اخترت علينا أبعدك الله، ولم يقل له: لك الرجوع علي (١).
وجه الاستدلال:
قال الماوردي: «لو كان له الرجوع لما استجاز علي أن يمنعه منه، وهو فعل انتشر في الصحابة لا نعرف له مخالفًا» (٢).
وأجيب عن هذا:
سبق الجواب عن هذه القصة في المسألة التي قبل هذه، وبينت أنه لا يعلم لها إسناد، فلا حجة فيها، وقول علي ﵁ على ضعفه قد خالفه عثمان في أثر ضعيف أيضًا عنه.
الدليل الرابع:
تعذر استيفاء الحق من المحال عليه لا يوجب فسخ الحوالة، كما لو أفلس حيًا.
الدليل الخامس:
من لزمه حق في ذمته فموته لا يوجب فسخ العقد الذي ثبت الحق لأجله كالمشتري بثمن مؤجل إذا مات لم يوجب موته فسخ الشراء.
القول الرابع:
ذهب الحنابلة بأن المحال إن ظن أن المحال عليه مليء أو جهل ملاءته، فبان مفلسًا، فإما أن يكون المحال قد رضي بالحوالة أو لا.
стр. 4842
فإن كان لم يرض بالحوالة رجع عليه.
وإن كان المحال قد رضي بالحوالة مع الجهل بحاله، ففيه روايتان:
أحدهما: لا يرجع إلا إن كان شرط عليه ملاءة المحال عليه، وهذا هو المشهور من المذهب.
والثانية: يرجع؛ لأن الفلس عيب في المحال عليه، فكان له الرجوع كما لو اشترى معيبًا، ثم علم بعيبه (١).
وجه قول الحنابلة:
أن المحيل لا يملك إلزام المحال عليه بالحوالة إلا إذا كان المحال عليه مليئًا لقوله ﷺ في الحديث: (ومن أحيل على مليء فليتبع).
فإذا كان المحال لم يرض بالحوالة، وألزمه المحيل بها، وكان المحال عليه مفلسًا فإنه يرجع؛ لأن حقه باق على المحيل؛ لأن المحيل لا يملك إلزام المحال بالحوالة والمحال عليه مفلس. وهذا التفصيل مبني على أن المحال لا يشترط رضاه بالحوالة إذا أحيل على مليء.
وإن كان قد رضي بالحوالة فإنه لا يملك الرجوع؛ لأنه كان بإمكانه أن يشترط ملاءة المحال عليه، فلما لم يشترط ذلك لم يملك الرجوع.
فإن اشترط ملاءة المحال عليه، عمل بشرطه، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]؛ ولأن الأصل في الشروط الصحة والجواز، وهو قول في مذهب الشافعية.
стр. 4843
قال السيوطي: «ولو خرج المحال عليه مفلسًا، وقد شرط يساره فالأصح لا رجوع له بناء على أنها استيفاء. والثاني: نعم، بناء على أنها بيع» (١).
الراجح من الخلاف:
الذي أميل إليه أن الحوالة تنقل الحق من ذمة المحال إلى ذمة المحال عليه ولا يرجع المحال إلى المحيل إلا في حالتين:
الأولى: أن يكون المحيل قد علم إفلاس المحال عليه، وكتمه، فإن هذا تدليس يعطي المحال حق الرجوع إن شاء.
الثانية: أن يشترط ملاءة المحال عليه، فإنه شرط صحيح فإذا فات كان له حق الرجوع، والله أعلم.
* * *
стр. 4844
المبحث الثاني
رجوع المحال لجحود المحال عليه
[م-١١٣٩] إذا جحد المحال عليه الحوالة، ولم يكن هناك بينة للمحال ولا للمحيل، فهل يرجع المحال على المحيل؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
إذا جحد المحال عليه الحوالة، وحلف، ولم يكن بينة، فإن المحال يرجع إلى المحيل، وهذا مذهب الحنفية (١).
دليلهم على رجوع المحال:
(ث-١١٧) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن شعبة، عن خليد ابن جعفر، عن أبي إياس، عن عثمان في الحوالة: يرجع، ليس على مسلم توى (٢).
وجه الاستدلال:
أن معنى توى هلك، فإذا جحد المحال عليه الدين، وحلف، ولم يكن هناك بينة ثبت عجز المحال عن الوصول إلى حقه عن طريق المحال عليه، وهذا هو التوى المذكور في الأثر، فإنه يثبت للمحال الرجوع على المحيل؛ لأن الحق
стр. 4845
لابد له من ذمة يتعلق بها، ولأن براءة المحيل كانت براءة نقل واستيفاء، لا براءة إسقاط، فلما تعذر الاستيفاء وجب الرجوع.
القول الثاني:
لا يرجع إلا إذا كان المحيل يعلم جحود المحال عليه، ولم يخبر المحال. وهذا مذهب المالكية، وهو نفس قولهم في الحوالة على المفلس وقد تقدم؛ لأن الجحد مقيس على الإفلاس.
قال الخرشي: «وعلم الجحود كعلم الفلس ... » (١).
وقال العدوي: «وعلم الجحود كعلم العدم، والظن القوي كالعلم فيما يظهر، كما لبعض الشراح، وكذا علمه بلدده، أو أنه سيء القضاء» (٢).
وهناك من المالكية من فرق بين العلم بالجحود والعلم باللدد.
جاء في البهجة شرح التحفة: «العلم بالإفلاس كالعلم باللدد، فيفصل فيه: بين أن يعلم به المحيل فقط، فيرجع عليه، وإلا فلا. وأما علمه بأنه سيء القضاء، ففيه قولان: أحدهما: أنه كاللدد. والآخر أنه لايضر.
وأما علمه بأنه يجحد فإن كان معناه: أنه علم من حاله أنه بعد تمام الحوالة، يجحد إقراره الحاصل حين الحوالة، فهذا لا يوجب رجوعه على المحيل فيما يظهر، قاله (ز).
وإن كان معناه: أنه لم يوجد الدين في ذمته ولا بينة ولا بتصديق المحال، فإنه لا حوالة حينئذ لاختلال شرطها» (٣).
стр. 4846
وهذا الكلام هو المتفق مع مذهب المالكية؛ لأنه يشترطون حضور المحال عليه وإقراره بالدين، وهذا يعني أنه إذا جحد يكون التقصير من المحال حيث لم يشهد عليه حين إقراره بالحوالة ما يحفظ حقه، والله أعلم.
وجه قول المالكية بأنه يرجع إذا كان المحيل يعلم باللدد ولم يبين:
الأصل في الحوالة أنها تنقل الدين من ذمة إلى أخرى فلا يملك المحال الرجوع إلى المحيل إذا تمت الحوالة برضاهما، لكن إن كان المحيل يعلم أن المحال عليه لدود في الخصومة، ولم يخبر المحال فإن له الرجوع؛ لأن هذا خداع وتغرير منه بمنزلة البائع يدلس عيب المبيع، والله أعلم.
القول الثالث:
إذا جحد المحال عليه الحوالة وحلف لم يكن للمحال الرجوع على المحيل، وهو مذهب الشافعية (١).
وجه قولهم:
أن الحوالة إذا تمت فإن ذلك يعني انتقال الدين وبراءة المحيل، فلا يرجع إليه بحال حتى لو أفلس، أو جحد لم يكن له الرجوع كما لو أخذ عوضًا عن الدين، ثم تلف العوض في يده (٢).
القول الرابع:
لا يرجع المحال إذا جحد المحال عليه الحوالة إن كان المحال يعلم الدين،
стр. 4847
أو صدق المحال المحيل، أو ثبت الدين ببينة ثم ماتت، أو أقر المحال عليه أولًا، ثم أنكر، وإلا فلا يقبل قول محيل بمجرده فلا يبرأ بها. وهذا مذهب الحنابلة (١).
قال في الإنصاف: «يبرأ المحيل بمجرد الحوالة، ولو أفلس المحال عليه، أو جحد، أو مات على الصحيح من المذهب، ونقله جماعة عن الإمام أحمد ﵀، وصححه القاضي يعقوب. قال الناظم وصاحب الفائق: هذا المشهور عن الإمام أحمد .... » (٢).
الراجح من الخلاف:
أن الحوالة لا تتم إلا إذا توفرت شروطها وانتفت موانعها، وإذا كان المحال عليه لم يعترف بالدين، ولا وجود لبينة، وحلف بأنه ليس مدينًا للمحيل لم تصح الحوالة أصلًا، فيملك الرجوع، باعتبار أن الحوالة لم تنعقد، وإذا ثبت حق المحيل على المحال عليه بإقراره، أو ببينة عدل، فهي حوالة صحيحة، فلا رجوع للمحال على المحيل إذا جحد بعد ذلك إلا أن يكون المحال يجهل حال المحال عليه، وكان المحيل يعلم بأنه لا يؤدي الحقوق، ويجحدها، ولم يبين ذلك فهذا نوع من التدليس والخداع فيعطي المحال حق الرجوع عليه، والله أعلم.
* * *
стр. 4848
الفصل الرابع
سقوط حق حبس المبيع بالحوالة
[م-١١٤٠] إذا أحال المشتري البائع على شخص لأخذ ثمن المبيع، فهل يسقط حق البائع في حبس المبيع؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول:
يسقط حق البائع في حبس المبيع، وهو مذهب أبي حنيفة، وأبي يوسف (١)، ومذهب الشافعية (٢).
وجه هذا القول:
بأن البائع لما قبل الحوالة، فقد برئت ذمة المشتري من دين البائع، فالحوالة بمنزلة القبض، فكأن البائع قد قبض الثمن، لأن الحوالة بمنزلة القبض حكمًا، فكان من حق المشتري إستلام المبيع.
القول الثاني:
إذا أحال المشتري البائع بالثمن لم يبطل حقه بالحبس، وهذا رأي محمد
стр. 4849
ابن الحسن من الحنفية (١).
قال في بدائع الصنائع: «أبو يوسف أراد بقاء الحبس على بقاء الدين في ذمة المشتري، وذمته برئت من دين المحال بالحوالة، فيبطل حق الحبس، ومحمد اعتبر بقاء حق المطالبة لبقاء حق الحبس، وحق المطالبة لم يبطل بحوالة المشتري» (٢).
[م-١١٤١] إذا علمنا الخلاف فيما لو أحال المشتري البائع على شخص، لأخذ الثمن، فهل يختلف الحكم فيما لو أحال البائع رجلًا على المشتري بالثمن، فهل يسقط حق البائع في حبس المبيع؟
قال في الجوهرة النيرة: «ولو أحال البائع رجلًا على المشتري بالثمن سقط الحبس إجماعًا .... لأن مطالبته سقطت كما لو استوفى» (٣).
وقال في البحر الرائق: «ويسقط بحوالة البائع على المشتري بالثمن اتفاقًا» (٤).
والخلاف في حبس المبيع يجري في حق الزوجة في حبس نفسها إذا أحالها الزوج بصداقها، والله أعلم.
* * *
стр. 4850
الفصل الخامس
في سقوط الضمان والرهن بالحوالة
الحوالة تعني النقل والتحويل، فإذا تمت الحوالة فإن ذلك يعني انتقال الحق من ذمة المحال إلى ذمة المحال عليه.
[م-١١٤٢] فإذا كان المحيل قد أعطى رهنًا أو كفيلًا في دينه، فإذا أحاله بدينه على آخر، فهل يسقط الرهن والكفالة بالحوالة؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول:
إذا أحال الرجل غريمه، وكان في الدين كفيل أو رهن، فإن الكفيل يبرأ، وللراهن أن يسترد الرهن، وهذا قول أبي يوسف من الحنفية، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة (١).
وجه ذلك:
أن الرهن والكفالة عقدان تابعان، فإذا برئ المحيل من الدين سقط الرهن والضمان؛ ولأن الحوالة تعني فراغ ذمة المحيل من الدين، ولا قيام للرهن والضمان مع براءته من الدين، هذا مقتضى عقد الحوالة.
قال ابن عابدين: «لو أحال الراهن المرتهن بالدين لا يحبس الرهن، ولو أحالها بصداقها لم تحبس نفسها» (٢).
стр. 4851
وجاء في البحر الرائق: «الراهن إذا أحال المرتهن بالدين، فله أن يسترد الرهن عند أبي يوسف، وكذا لو أبرأه عنه» (١).
وقال الكاساني: «إذا أحال الراهن المرتهن بدينه على رجل، أو أحال المرتهن غريمًا له بدينه على الراهن، حوالة مطلقة، أو مقيدة، أنه يبطل حق المرتهن في حق حبس الرهن عند أبي يوسف. وعند محمد: لا يبطل في حوالة الراهن وكذا في حوالة المرتهن إذا كانت مطلقة وإن كانت مقيدة تبطل» (٢).
وقال في أسنى المطالب: «لو أحاله بدين، أو على دين به رهن أو ضامن انفك الرهن، وبرئ الضامن؛ لأن الحوالة كالقبض بدليل سقوط حبس المبيع، والزوجة فيما إذا أحال المشتري بالثمن، والزوج بالصداق» (٣).
القول الثاني:
إذا أحال الراهن المرتهن بدينه على رجل لم يبطل حق المرتهن في حبس الرهن. وكذا في حوالة المرتهن إذا كانت مطلقة، فإن كانت مقيدة بطل حقه في الحبس. وهذا قول محمد بن الحسن من الحنفية» (٤).
وفي تبيين الحقائق: «الراهن إذا أحال المرتهن بالدين على إنسان، كان للراهن أن يسترد الرهن عند أبي يوسف، كما لو أبرأه من الدين. وعند محمد ليس له ذلك، كما لو أجل الدين» (٥).
стр. 4852
والخلاف بين أبي يوسف ومحمد راجع إلى توصيف الحوالة، هل هي نقل للدين، أو نقل للمطالبة مع بقاء الدين، فأبو يوسف يرى أن الحوالة نقل الدين من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، وهذا هو رأي الجمهور، فيبطل حقه في الحبس وقد انتقل دينه إلى ذمة أخرى.
ومحمد يرى أن الحوالة هي نقل المطالبة فقط، والدين باق في ذمة المحيل، ولهذا التوصيف رأى محمد أن الراهن لا يسترد الرهن إلا إذا قبض المحال دينه من المحال عليه.
والقول الراجح: هو قول الجمهور، وأن الحوالة نقل للدين، وليس للمطالبة.
وما يقال في الرهن يقال في الكفالة.
فإذا أحال الرجل الدائن بدينه على غريمه برئ المحيل، وإذا برئ المحيل برئ الكفيل؛ لأنه تبع للأصيل (١).
جاء في الموسوعة الكويتية: «المحال إذا قبل الحوالة، ورضي المحال عليه بها برئ المحيل وكفيله ـ إن كان له كفيل ـ من الدين ومن المطالبة معًا؛ لانقضاء الدين بالحوالة، ويثبت للمحال حق مطالبة المحال عليه غير أن براءة المحيل وكفيله المشار إليها مقيدة بسلامة حق المحال لدى المحال عليه عند الحنفية» (٢).
* * *
стр. 4853
الفصل السادس
إذا أحيل بثمن سلعة ثم تبين بطلان البيع
[م-١١٤٣] إذا أحال المشتري البائع بثمن مبيع، أو أحال البائع رجلًا يأخذ الثمن من المشتري، ثم استحقت السلعة، بطل البيع، وهل تبطل الحوالة؟
تحرير محل الخلاف:
هذا الخلاف إنما يتنزل على حال ما إذا باع البائع السلعة، وهو يظن أنها ملكه، فأحال على ثمنها، ثم تبين أنه لم يكن يملك السلعة، أما لو كان يعلم من البداية أنه لا يملك السلعة، فباعها، ثم أحال على ثمنها، فلا خلاف في أن الحوالة باطلة، ويرجع المحال على المحيل (١).
فإن كان البائع يعتقد أن السلعة ملكه، فإما أن يكون ثمن السلعة المستحقة محالًا به، أو محالًا عليه.
فإن كان ثمن السلعة محالًا به، كما لو أحال المشتري البائع بالثمن على ثالث، ثم تبين أن المبيع مستحق، ففي هذه الحالة تبطل الحوالة بلا خلاف؛ لأنه ثبت أن المحيل (وهو المشتري) غير مدين للمحال، وهو البائع.
ومن شروط صحة الحوالة أن يكون المحيل مدينًا للمحال (٢).
стр. 4854
[م-١١٤٤] أما إذا كان ثمن السلعة محالًا عليه، وليس محالًا به، كما لو أحال البائع ثالثًا على المشتري بقيمة السلعة، ثم تبين أن المبيع مستحق، فقد اختلف الفقهاء في حكم الحوالة على قولين:
القول الأول:
تبطل الحوالة بفوات المال المحال عليه، وهو قول الحنفية في الحوالة المقيدة دون المطلقة، ومذهب الشافعية، والحنابلة، واختيار أشهب وابن المواز من المالكية، قال الدردير: وعليه الأكثر (١).
قال ابن نجيم: «لو ظهرت براءة المحال عليه من الدين الذي قيدت به الحوالة به، بأن كان الدين ثمن مبيع، فاستحق المبيع تبطل الحوالة» (٢).
وفي المبسوط: «وإذا باع الرجل رجلًا عبدًا بألف درهم ثم أحال البائع غريمه على المشتري بالمال الذي باع به العبد، ثم استحق العبد، أو وجد حرًا فإن القاضي يبطل الكفالة والحوالة؛ لأنه ظهر أنه أحال عليه بمال، ولا مال» (٣).
وفي البحر الرائق: «ولو استحق المبيع، أو استحق الدين الذي قيد به الحوالة من جهة الغرماء، أو ظهر أن العبد المبيع كان حرًا بطلت الحوالة إجماعًا» (٤).
стр. 4855
لعله يقصد بالإجماع أئمة الحنفية، وإلا فالخلاف محفوظ في مذهب المالكية كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وجه القول ببطلان الحوالة:
لما بطل البيع تبين أنه لم يكن هناك ثمن يمكن الإحالة عليه هذا تعليل الجمهور الذين يشترطون أن يكون المحال عليه مدينًا للمحيل، وأما تعليل الحنفية بالبطلان فإن الحوالة على الثمن تعتبر حوالة مقيدة، وليست مطلقة، فإذا تبين أنه لا يوجد ثمن في ذمته بطلت الحوالة.
أما الحوالة المطلقة فهي لم تكن حوالة على الثمن، وإنما تعلقت بذمة المحال عليه، فلا تبطل الحوالة.
القول الثاني:
لا تنفسخ الحوالة، وهو اختيار ابن القاسم من المالكية (١).
جاء في مختصر خليل: «فلو أحال بائع على مشتر بالثمن، ثم رد بعيب، أو استحق لم ينفسخ، واختير خلافه» (٢).
قال الحطاب في شرحه: «يعني إذا أحاله بثمن ما باعه، ثم رد المبيع بعيب، أو استحق، فإن الحوالة لا تنفسخ عند ابن القاسم، وتنفسخ عند أشهب، واختاره الأئمة ابن المواز وغيره ... » (٣).
جاء في المدونة: «أرأيت إن بعت عبدًا لي بمائة دينار، ولرجل علي مائة
стр. 4856
دينار، فأحلت الذي له علي الدين على هذا الذي اشترى العبد مني، فاستحق العبد، أيكون على المشتري أن يغرم المائة للذي أحلته عليه بها؟
قال: نعم، ويرجع بها عليك؛ لأن العبد قد استحق من يديه.
قلت: ولم جلعته يغرمها، وقد استحق العبد من يديه؟ قال: لأنها صارت دينًا للطالب حين أحاله على المطلوب.
قلت: وهذا قول مالك؟ قال: كذلك بلغني عن مالك» (١).
وجه هذا القول:
الوجه الأول:
أن الحوالة من قبيل المعروف، فلا تنتقض باستحقاق المحال عليه.
الوجه الثاني:
أن الحوالة عقد لازم، وقد صارت دينًا للمحال حين أحاله على المحال عليه، فلا ينقض حق المحال باستحقاق سلعة لم يعاوض عليها بدين الحوالة.
والراجح: القول الأول، لقوة أدلته، والله أعلم.
* * *
стр. 4857
الفصل السابع
إذا أحيل بثمن سلعة ثم فسخ البيع
إذا بنيت الحوالة على باطل فهي باطلة، وإن بنيت على صحيح، ثم فسخ لم تبطل (١).
[م-١١٤٥] في المسألة السابقة تكلمنا على ما إذا أحال بائع على ثمن سلعة، ثم تبين بطلان البيع، وفي هذا المبحث نتكلم على مسألة مشابهة، وهي ما إذا أحال على ثمن سلعة، ثم فسخ البيع، والفسخ لا يكون إلا لما هو منعقد، بخلاف البطلان، فإن البطلان يرد على العقد الذي لم ينعقد أصلًا.
مثاله: أحال على ثمن سلعة، ثم ردت السلعة بسبب عيب فيها، فهل تبطل الحوالة؟
اختلف العلماء فيها على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
من الفقهاء من فرق بين البطلان والفسخ في حكم الحوالة، فقال: تبطل الحوالة إن بطل البيع، ولا تبطل إن فسخ البيع بسبب عيب ونحوه، وهذا مذهب الحنفية، والحنابلة (٢).
قال ابن نجيم: «إذا باع عبدًا من رجل بألف درهم ثم إن البائع أحال غريمًا بالثمن على المشتري، فمات العبد قبل القبض، أو رد بخيار من
стр. 4858
الخيارات الثلاث قبل القبض أو بعده لم تبطل ولو استحق المبيع، أو استحق الدين الذي قيد به الحوالة من جهة الغرماء أو ظهر أن العبد المبيع كان حرًا بطلت الحوالة إجماعًا. والفرق أن في الأول سقط الدين بعد الوجوب مقصودًا فلم تبطل الحوالة وفي الثاني ظهر عدم الوجوب وقت الحوالة فبطلت» (١).
وجاء في شرح منتهى الإرادات: «وإذا بطل بيع كأَنْ بَانَ مبيعُ مستحقًا، أو حرًا، وقد أحيل بائع بالثمن، أي أحاله مشتر به على من له عنده دين مماثل له بطلت، أو أحال بائع مدينًا له على المشتري بالثمن بطلت الحوالة؛ لأنا تبينا أن لا ثمن على المشتري لبطلان البيع ..... ولا تبطل الحوالة إن فسخ البيع بعد أن أحيل بائع، أو أحال بالثمن على أي وجه كان الفسخ بعيب، أو تقايل، أو غيرهما .... لأن البيع لم يرتفع من أصله، فلم يسقط الثمن» (٢).
القول الثاني:
لا تبطل الحوالة في الحالين، سواء بطل البيع، أو فسخ، وهذا مذهب ابن القاسم من المالكية.
جاء في مختصر خليل: «فلو أحال بائع على مشتر بالثمن، ثم رد بعيب، أو استحق لم ينفسخ، واختير خلافه» (٣).
فسوى بين استحقاق المبيع الموجب لبطلان البيع، وبين فسخ البيع بسبب عيب ظهر فيه، ولم يفسخ الحوالة في الحالين.
стр. 4859
وجه قوله:
أن الحوالة لما تمت صارت دينًا للمحال على المحال عليه، ويرجع المحال عليه إلى المحيل فيما دفعه.
القول الثالث:
تبطل الحوالة في الحالين: سواء بطل البيع أو فسخ. وهذا مذهب الشافعية، واختيار أشهب وابن المواز وغيرهما من المالكية (١).
قال الحطاب في شرحه: «يعني إذا أحاله بثمن ما باعه، ثم رد المبيع بعيب، أو استحق، فإن الحوالة لا تنفسخ عند ابن القاسم، وتنفسخ عند أشهب، واختاره الأئمة ابن المواز وغيره ... » (٢).
جاء في مغني المحتاج: «ولو أحال المشتري بالثمن، فرد المبيع بعيب بطلت .... ولو باع عبدًا، وأحال بثمنه، ثم اتفق المتبايعان والمحتال على حريته، أو ثبتت ببينة بطلت الحوالة» (٣).
فسوى بين فسخ المبيع بالعيب، وبين بطلان المبيع بأن باع عبدًا فبان حرًا.
لأن الثمن في الحالين لا يستحقه المحيل على المحال عليه سواء كان ذلك بسبب فسخ، أو بطلان.
الراجح:
أن الحوالة إذا كانت مبنية على باطل فهي باطلة، وإن كانت مبنية على صحيح، ولكن فسخ، فالحوالة لا تنفسخ، وتكون صحيحة.
* * *
стр. 4860
الفصل الثامن
في هلاك العين المحال عليها في يد المحال عليه
تكلم الحنفية في الحوالة على العين، وجعلوها من الحوالة المقيدة (١).
وقال الجمهور: لا تكون الحوالة إلا على دين، فإن كانت على عين كانت وكالة بقبض العين ممن هي عليه، وليست حوالة (٢).
[م-١١٤٦] فإذا أحاله على عين في يد المحال عليه، فهلكت تلك العين، نظر:
فإن كانت العين الموجودة في يد المحال عليه أمانة في يده، كما لو أودعه دراهم فضاعت بلا تعد، ولا تفريط، بطلت الحوالة، ويرجع الدين إلى ذمة المحيل.
وإن كان المبلغ المعين مضمونًا كالمغصوب، فإن الحوالة لا تنفسخ بفواتها؛ لأنها تفوت إلى خلف من مثل أو قيمة، فتتعلق الحوالة بهذا الخلف.
جاء في مجمع الضمانات: «وتصح الحوالة في الدين لا في العين، وتصح بدراهم الوديعة، فلو أودع رجلًا ألفًا، وأحال بها عليه، فهلكت قبل التسليم، برئ المحتال عليه، وهو المودَع للحوالة؛ لتقيدها بها، فإنه ما التزم الأداء إلا منها، بخلاف ما إذا كانت مقيدة بالمغصوب; لأن الفوات إلى خلف كلا فوات» (٣).
стр. 4861
وقال في تبيين الحقائق: «ولو أحال بما عند زيد وديعة صحت، فإن هلكت برئ .... بخلاف ما إذا كانت مقيدة بالمغصوب حيث لا يبرأ به؛ لأنه يخلف القيمة، والفوات إلى خلف كلا فوات» (١).
* * *
стр. 4862
الباب السادس
في انتهاء الحوالة
الفصل الأول
انتهاء الحوالة بالوفاء
المبحث الأول
انتهاء الحوالة بدفع ما أحيل به عليه
[م-١١٤٧] تنتهي الحوالة بقيام المحال عليه بالوفاء، وذلك بدفع ما أحيل به عليه، وهذا بالاتفاق، لأن الحوالة لم تعقد إلا من أجل هذا.
وسواء قام المحال عليه بنفسه، أو قام عنه فضولي بذلك، وسواء كان الفضولي متبرعًا، أو قام بذلك بنية الرجوع إلى المحال عليه.
قال في بدائع الصنائع في بيان ما يخرج به المحال عليه من الحوالة: «ومنها أداء المحال عليه المال إلى المحال، فإذا أدى المال خرج عن الحوالة؛ إذ لا فائدة في بقائها بعد انتهاء حكمها» (١).
стр. 4863
المبحث الثاني
انتهاء الحوالة بدفع قيمتها
إذا ا تفق المحال عليه والمحال على أن يؤدي المحال عليه شيئًا آخر عوضًا عن المال المحال به، كما لو كان المحال به نقودًا: دنانير، أو ريالات، فاعتاض عنها دولارات، أو سلعة.
أو كان المحال به عرضًا من بر، أو شعير، فأراد أن يدفع بدلًا من ذلك نقودًا، ونحو ذلك، فما حكم هذه المسألة؟
[م-١١٤٨] هذه المسألة تدخل في بيع الدين على من هو عليه، وقد اختلف الفقهاء فيه على قولين، وجمهورهم على صحته، والأصل في ذلك:
(ح-٦٦٤) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن سعيد بن جبير،
عن ابن عمر، قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، فأتيت رسول الله ﷺ ، وهو يريد أن يدخل بيت حفصة، فقلت: يا رسول الله إني أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، فقال رسول الله ﷺ : لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرقا، وبينكما شيء (١).
[اختلف في رفعه ووقفه، ورجح شعبة والدارقطني وقفه] (٢).
وقد ذهب إلى جواز بيع الدين على من هو عليه جماهير الفقهاء من
стр. 4864
الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)،
والحنابلة (٤).
وهو الصواب، ويشترط لصحته شروط منها:
الشرط الأول:
اشترط المالكية، والإمام أحمد في قول له، وإسحاق بن راهويه (٥)، وبه قال عثمان البتي (٦) وابن تيمية، وابن القيم، أن يبيعه بمثل ثمنه، أو أقل، لا أكثر؛ وعلل المالكية المنع: لأن بيع الدين على من هو عليه بزيادة يؤدي إلى سلف جر نفعًا، وهذا ممنوع.
وعلل ابن تيمية المنع حتى لا يربح فيما لم يضمن (٧)، لأن المال في ذمة المحال عليه ضمانه على المحال عليه، فإذا ربح فيه المحال فقد ربح فيما لم
стр. 4865
يدخل ضمانه، والدليل على هذا الشرط من أثر ابن عمر السابق، قوله: (لا بأس أن تأخذها بسعر يومها).
الشرط الثاني:
اشترط المالكية أن يعجل البدل، ويقبض في مجلس الاستبدال ليسلم من فسخ الدين بالدين.
واشترط ابن تيمية التقابض إن كان العوض مما يجري فيه ربا النسيئة.
القول الثاني:
ذهب الإمام أحمد في رواية (١)، وهو قول ابن حزم (٢)، إلى أنه لا يجوز بيع الدين ولو كان على من هو عليه، وحكي هذا القول عن ابن عباس، وابن مسعود، وابن شبرمة (٣).
وقد ذكرنا أدلة هذه المسألة في موضعين من هذه الموسوعة، الأولى في عقد البيع في المجلد الثالث، والموضع الثاني: في عقد السلم، فأغنى عن إعادتها هنا، والحمد لله.
* * *
стр. 4866
الفصل الثاني
انتهاء الحوالة بتملك المحال عليه دين الحوالة
[م-١١٤٩] تنتهي الحوالة بتمليك المحال عليه دين الحوالة، سواء كان ملك المحال عليه اختياريًا كما في الإسقاط، والهبة، والصدقة؛ لأن الحق هنا للمحال، وقد أسقطه باختياره فسقط.
أو كان تملك المحال عليه لدين الحوالة إجباريًا، كما في الإرث، فلو ورث المحال عليه مال الحوالة من المحيل انتهت الحوالة.
قال الكاساني في بيان ما يخرج به المحال عليه من الحوالة: «ومنها: أن يهب المحال المال للمحال عليه ويقبله. ومنها: أن يتصدق به عليه، ويقبله؛ لأن الهبة والصدقة في معنى الإبراء. ومنها: أن يموت المحال، فيرثه المحال عليه. ومنها: أن يبرئه من المال» (١).
* * *
стр. 4867
الفصل الثالث
انتهاء الحوالة بالإقالة
[م-١١٥٠] اختلف العلماء في انتهاء عقد الحوالة بالإقالة على قولين.
القول الأول:
إذا اتفق المحال والمحيل على إنهاء الحوالة بالإقالة صح ذلك، وهذا مذهب الحنفية، وبه قال من الشافعية البلقيني والخوارزمي (١).
وأما المحال عليه فإنه لا اعتبار لقبوله أو رفضه إذا تراضى المحال والمحيل؛ لأن الحق لهما فيها دونه.
قال ابن نجيم: «والمحيل والمحتال يملكان النقض: أي نقض الحوالة» (٢).
وقال علي حيدر: «تنفسخ الحوالة بفسخ المحيل، والمحال له، وإقالتهما إياها، ويعود الدين إلى المحيل» (٣).
قال السيوطي: «باب الإقالة، تجوز في .... الحوالة فيما صححه البلقيني تبعًا للخوارزمي» (٤).
стр. 4868
وجه القول بدخول الإقالة عقد الحوالة:
علل الكساني من الحنفية دخول الإقالة عقد الحوالة؛ لأن العقد فيه معنى معاوضة المال بالمال، فكانت محتملة للفسخ.
وعلل بعض الشافعية بأن الراجح في توصيف الإقالة بأنها من قبيل البيع، والبيع تدخله الإقالة، فكذلك الحوالة.
وأجيب عن هذا:
قال ابن حجر الهيتمي: «التحقيق كما في الروضة، أنه لا يطلق القول فيها بأنها بيع، ولا بأنها استيفاء; لأن بعض فروعها يقتضي الأول، وبعضها يقتضي الثاني، لكن فروع الأول أكثر، فمن ثم اشتهر أنها بيع، لا استيفاء، ونظير ذلك الخلاف في الإبراء، هل هو إسقاط، أو تمليك. وفي الرجعة، هل هي ابتداء نكاح، أو استدامته. وفي النذر، هل يسلك به مسلك واجب الشرع، أو جائزه» (١).
القول الثاني:
لا تنتهي الحوالة بالإقالة، ولا تنفسخ بها، وهو المعتمد في مذهب الشافعية (٢).
وجه هذا القول:
أن الإقالة لا تدخل الحوالة بناء على أنها استيفاء، وليست بيعًا.
стр. 4869
الراجح:
أرى أن عقد الحوالة تدخله الإقالة سواء رجحنا في توصيف العقد بأنه بيع، أو رجحنا بأنه استيفاء، أو قلنا: إنه عقد إرفاق منفرد بنفسه؛ لأن عقد الحوالة عقد لازم، ينعقد باتفاق الطرفين، وينحل باتفاقهما، الله أعلم.
* * *
стр. 4870
الفصل الرابع
انتهاء الحوالة بالموت
المبحث الأول
انتهاء الحوالة بموت المحيل
[م-١١٥١] اختلف الفقهاء في أثر موت المحيل على عقد الحوالة على قولين:
القول الأول:
يرى الحنفية أن الحوالة قسمان: مطلقة ومقيدة.
فالحوالة المطلقة، هي التي لم تقيد بدين على المحال عليه، بأن قال: أحلتك بدينك الذي لك عليَّ على هذا الرجل، ولم يقل: على أن يؤديها من المال الذي لي عليه، فلو كان عنده وديعة، أو دين، كان للمحيل أن يطالبه بالحوالة؛ لأنه لا تعلق للمحال بذلك الدين، أو العين؛ لوقوع الحوالة مطلقة، فإذا مات المحيل قبل أن يستوفي الحوالة، فإن هذه الحوالة المطلقة لا تنفسخ بموت المحيل؛ لأن حق المحال في الحوالة المطلقة لم يتعلق بالدين الذي على المحال عليه، وإنما تعلق بذمة المحال عليه، فلا يعود إلى المحيل.
وأما في الحوالة المقيدة فتنفسخ بموت المحيل؛ لأن المال الذي قيدت به الحوالة قد استحق قبل أن يستوفي المحال، فأصبح من جملة تركة المحيل المتوفى، فصار مملوكًا للورثة، وبالتالي يعود المحال بدينه على تركة المحيل مشاركًا سائر غرمائه الدائنين (١).