الفصل الثاني
انتهاء الحوالة بتملك المحال عليه دين الحوالة
[م-١١٤٩] تنتهي الحوالة بتمليك المحال عليه دين الحوالة، سواء كان ملك المحال عليه اختياريًا كما في الإسقاط، والهبة، والصدقة؛ لأن الحق هنا للمحال، وقد أسقطه باختياره فسقط.
أو كان تملك المحال عليه لدين الحوالة إجباريًا، كما في الإرث، فلو ورث المحال عليه مال الحوالة من المحيل انتهت الحوالة.
قال الكاساني في بيان ما يخرج به المحال عليه من الحوالة: «ومنها: أن يهب المحال المال للمحال عليه ويقبله. ومنها: أن يتصدق به عليه، ويقبله؛ لأن الهبة والصدقة في معنى الإبراء. ومنها: أن يموت المحال، فيرثه المحال عليه. ومنها: أن يبرئه من المال» (١).
* * *
стр. 4867
الفصل الثالث
انتهاء الحوالة بالإقالة
[م-١١٥٠] اختلف العلماء في انتهاء عقد الحوالة بالإقالة على قولين.
القول الأول:
إذا اتفق المحال والمحيل على إنهاء الحوالة بالإقالة صح ذلك، وهذا مذهب الحنفية، وبه قال من الشافعية البلقيني والخوارزمي (١).
وأما المحال عليه فإنه لا اعتبار لقبوله أو رفضه إذا تراضى المحال والمحيل؛ لأن الحق لهما فيها دونه.
قال ابن نجيم: «والمحيل والمحتال يملكان النقض: أي نقض الحوالة» (٢).
وقال علي حيدر: «تنفسخ الحوالة بفسخ المحيل، والمحال له، وإقالتهما إياها، ويعود الدين إلى المحيل» (٣).
قال السيوطي: «باب الإقالة، تجوز في .... الحوالة فيما صححه البلقيني تبعًا للخوارزمي» (٤).
стр. 4868
وجه القول بدخول الإقالة عقد الحوالة:
علل الكساني من الحنفية دخول الإقالة عقد الحوالة؛ لأن العقد فيه معنى معاوضة المال بالمال، فكانت محتملة للفسخ.
وعلل بعض الشافعية بأن الراجح في توصيف الإقالة بأنها من قبيل البيع، والبيع تدخله الإقالة، فكذلك الحوالة.
وأجيب عن هذا:
قال ابن حجر الهيتمي: «التحقيق كما في الروضة، أنه لا يطلق القول فيها بأنها بيع، ولا بأنها استيفاء; لأن بعض فروعها يقتضي الأول، وبعضها يقتضي الثاني، لكن فروع الأول أكثر، فمن ثم اشتهر أنها بيع، لا استيفاء، ونظير ذلك الخلاف في الإبراء، هل هو إسقاط، أو تمليك. وفي الرجعة، هل هي ابتداء نكاح، أو استدامته. وفي النذر، هل يسلك به مسلك واجب الشرع، أو جائزه» (١).
القول الثاني:
لا تنتهي الحوالة بالإقالة، ولا تنفسخ بها، وهو المعتمد في مذهب الشافعية (٢).
وجه هذا القول:
أن الإقالة لا تدخل الحوالة بناء على أنها استيفاء، وليست بيعًا.
стр. 4869
الراجح:
أرى أن عقد الحوالة تدخله الإقالة سواء رجحنا في توصيف العقد بأنه بيع، أو رجحنا بأنه استيفاء، أو قلنا: إنه عقد إرفاق منفرد بنفسه؛ لأن عقد الحوالة عقد لازم، ينعقد باتفاق الطرفين، وينحل باتفاقهما، الله أعلم.
* * *
стр. 4870
الفصل الرابع
انتهاء الحوالة بالموت
المبحث الأول
انتهاء الحوالة بموت المحيل
[م-١١٥١] اختلف الفقهاء في أثر موت المحيل على عقد الحوالة على قولين:
القول الأول:
يرى الحنفية أن الحوالة قسمان: مطلقة ومقيدة.
فالحوالة المطلقة، هي التي لم تقيد بدين على المحال عليه، بأن قال: أحلتك بدينك الذي لك عليَّ على هذا الرجل، ولم يقل: على أن يؤديها من المال الذي لي عليه، فلو كان عنده وديعة، أو دين، كان للمحيل أن يطالبه بالحوالة؛ لأنه لا تعلق للمحال بذلك الدين، أو العين؛ لوقوع الحوالة مطلقة، فإذا مات المحيل قبل أن يستوفي الحوالة، فإن هذه الحوالة المطلقة لا تنفسخ بموت المحيل؛ لأن حق المحال في الحوالة المطلقة لم يتعلق بالدين الذي على المحال عليه، وإنما تعلق بذمة المحال عليه، فلا يعود إلى المحيل.
وأما في الحوالة المقيدة فتنفسخ بموت المحيل؛ لأن المال الذي قيدت به الحوالة قد استحق قبل أن يستوفي المحال، فأصبح من جملة تركة المحيل المتوفى، فصار مملوكًا للورثة، وبالتالي يعود المحال بدينه على تركة المحيل مشاركًا سائر غرمائه الدائنين (١).
стр. 4871
القول الثاني:
ذهب جمهور الفقهاء وزفر من الحنفية إلى أن الحوالة إذا تمت بشروطها فقد برئ المحيل، فلا تنفسخ بموت المحيل، ولا رجوع عن الحوالة، ويكون المحال أولى من غرماء المحيل، وليس لسائر غرماء المحيل أن يشاركوه بالدين (١).
وجه القول بأنها لا تبطل الحوالة بالموت:
الوجه الأول:
سبق أن ذكرت في مبحث سابق أن الجمهور يرون أن مقتضى عقد الحوالة يعني براءة المحيل من دين المحال، وبراءة المحال عليه من دين المحيل، وإذا كان ذلك كذلك فالموت لا يوجب فسخ العقود اللازمة التي تمت في حال الحياة قياسًا على البيع، كما لا يبطل عقد البيع بموت البائع، فكذلك لا تبطل الحوالة بموت المحيل.
الوجه الثاني:
استدل زفر بالقياس على تعلق حق المرتهن بالمرهون بعد وفاة الراهن، فكما أن المرتهن يصير أحق من سائر الغرماء، فكذلك المحال.
الراجح:
ما ذهب إليه الجمهور، وهو أن الموت لا ينهي الحوالة؛ لأن الحق قد انتقل إلى ذمة المحال عليه، والله أعلم.
* * *
стр. 4872
المبحث الثاني
انتهاء الحوالة بموت المحال عليه
[م-١١٥٢] ذهب عامة العلماء إلى أن الحوالة لا تنتهي بموت المحال عليه، واستثنى الحنفية: ما إذا مات المحال عليه مفلسًا، ولم يترك كفيلًا، فإن الحوالة تنتهي ويرجع المحال على المحيل.
واستثنى المالكية ما إذا كان المحال عليه مفلسًا وقت الحوالة، وكان المحيل يعلم بإفلاسه، وكتم ذلك عن المحال (١).
جاء في كشاف القناع: «ويبرأ المحيل بمجرد الحوالة قبل الأداء .... فلا رجوع له على المحيل لو مات المحال عليه، أو أفلس، أو جحد» (٢).
وجه القول بأن الحوالة لا تنتهي بموت المحال عليه:
أن من لزمه الحق في ذمته فموته لا يوجب فسخ العقد الذي ثبت الحق لأجله، كالمشتري بثمن مؤجل إذا مات لم يوجب موته فسخ الشراء.
* * *
стр. 4873
المبحث الثالث
انتهاء الحوالة بموت المحال
[م-١١٥٣] لا تنتهي الحوالة بموت المحال، وإنما يقوم وارثه مقامه في مطالبة المحال عليه بالدين الذي لمورثهم، ويستثنى من ذلك ما لو كان الوارث الوحيد للمحال هو المحال عليه، فهنا تنتهي الحوالة.
قال علي حيدر: «إذا توفي المحال له، وكان المحال عليه وارثه فقط، فلا يبقى حكم للحوالة، ولا يطالب المحال عليه بشيء من طرف أحد، ويصير المحال عليه بريئًا من الدين ; لأنه لم يبق من يطالب المحال عليه بالمحال به وطلب الإنسان نفسه لا معنى له ..... وعلى هذا التقدير ... حينما يكون للمحال وارث غير المحال عليه، يكون المحال عليه بريئًا من الدين بمقدار حصته الإرثية، ويطالب بحصص الورثة الباقية .... مثلًا لو كان ورثة المحال له ابنه (المحال عليه)، وولدًا آخر. يبرأ المحال عليه من نصف المحال به ويجب على المحال عليه أن يعطي النصف الثاني إلى الوارث الثاني، وهو أخوه الآخر» (١).
стр. 4874
الفصل الخامس
انتهاء الحوالة بالتوى
التوى: الهلاك، وذهاب مال لا يرجى، من توى المال يتوى توى.
واصطلاحًا: عرفه الحنفية: بالعجز عن الوصول إلى المال، والمقصود به في الحوالة: عجز المحال عن الوصول إلى حقه من المحال عليه، وذلك بجحود المحال عليه ولا بينة، أو موته مفلسًا ولم يترك كفيلًا. وزاد صاحبا أبي حنيفة: أن يحكم القاضي بإفلاس المحال عليه في حياته؛ لأنه بالحكم بالإفلاس صار المحال عاجزًا عن أخذ حقه، مقطوعًا عن ملازمته.
والذي حمل الحنفية على هذا التفسير أن الدين لا يتصور هلاكه حقيقة؛ لأنه حق يتعلق بالذمة، فإذا أفلس المدين فقد بقيت ذمته صالحة لالتزام الحقوق، فقد يعود إليه اليسار مرة أخرى، لهذا اشترطوا أن يموت مفلسًا حتى يتحقق التوى، وهو هلاك المال.
وألحقوا به إذا جحد، وحلف، ولم يكن بينة فقد صار المال تاويًا حكمًا (١).
هذه المسألة سبق أن بحثتها في أحكام الحوالة مفرقة على مسألتين: انتهاء الحوالة بالفلس، وانتهاء الحوالة بالجحود.
وأشير إلى الأقوال فيها في مبحث انتهاء الحوالة، وأحيل على الأدلة على البحث السابق.
стр. 4875
فقيل: تنتهي الحوالة بالتوى، ويرجع المحال على المحيل، وهذا مذهب الحنفية.
وقيل: لا تنتهي الحوالة بالتوى، فلا رجوع للمحال على المحيل، لبراءة المحيل من الدين بالحوالة براءة مؤبدة، وهذا مذهب الشافعية، والمالكية، والحنابلة.
واستثنوا في ذلك حالتين:
الحالة الأولى:
استثنى المالكية ما إذا كان المحال عليه مفلسًا وقت الحوالة، وعلم المحيل، وكتم ذلك عن المحال؛ لأن المحيل يكون قد غره بذلك.
الحال الثانية:
استثنى الحنابلة، واختاره ابن رشد من المالكية، وابن سريج من الشافعية: فيما إذا اشترط المحال عليه الرجوع على المحيل في حالة التوى، فإن له شرطه.
وقد ذكرنا العزو إلى كتب المذاهب وأدلتها في مبحث أحكام الحوالة، فانظره مشكورًا، فقد أغنى ذكره هناك عن إعادته هنا.
* * *
стр. 4876
الفصل السادس
انتهاء الحوالة بفوات المحال به أو عليه
إذا أحال المشتري البائع بثمن مبيع، أو أحال البائع رجلًا يأخذ الثمن من المشتري، ثم استحقت السلعة، بطل البيع، ولا يستحق البائع الثمن سواء كان محالًا بالثمن، أو كان محيلًا على الثمن؛ لفوات المحال به في الأولى، وفوات المحال عليه في الثانية.
والسؤال: هل تنتهي الحوالة بفوات المحال به أو عليه؟
فيه تفصيل:
[م-١١٥٤] إن كان ثمن السلعة المستحقة محالًا به بطلت الحوالة قولًا واحدًا؛ لأن من شرط صحة الحوالة كون المحيل مدينًا للمحال (١)، وفي استحقاق السلعة تبين أن المشتري ليس مدينًا.
قال ابن نجيم: «إذا أحال رجلًا وليس للمحتال دين على المحيل، فهذه وكالة، وليست حوالة» (٢).
وقال الدسوقي في حاشيته: «وكذا يشترط ثبوت دين للمحال على المحيل» (٣).
стр. 4877
وجاء في البيان للعمراني: «قال أبو العباس: إذا كان لرجل عند رجل ألف، فقال من له الدين لرجل لا شيء عليه له: أحلتك على فلان بألف، فهذا توكيل منه بالقبض، وليس بحوالة؛ لأن الحوالة إنما تكون لمن له حق، ولا حق للمحتال عليه هاهنا، فثبت أن ذلك توكيل» (١).
وقال ابن قدامة: «وإن أحال من لا دين له عليه رجلا على آخر له عليه دين فليس ذلك بحوالة؛ بل هي وكالة تثبت فيها أحكامها; لأن الحوالة مأخوذة من تحول الحق وانتقاله ولا حق هاهنا ينتقل ويتحول وإنما جازت الوكالة بلفظ الحوالة؛ لاشتراكهما في المعنى; وهو استحقاق الوكيل مطالبة من عليه الدين كاستحقاق المحتال مطالبة المحال عليه وتحول ذلك إلى الوكيل كتحوله إلى المحيل» (٢).
[م-١١٥٥] وإن كان ثمن السلعة محالًا عليه، وليس محالًا به، كما لو أحال البائع رجلًا يأخذ الثمن من المشتري، فاختلف العلماء ببطلان الحوالة باستحقاق المبيع على قولين.
القول الأول:
تبطل الحوالة بفوات المال المحال عليه، وهو قول الحنفية في الحوالة المقيدة دون المطلقة، ومذهب الشافعية، والحنابلة، واختيار أشهب وابن المواز من المالكية، قال الدردير: وعليه الأكثر (٣).
стр. 4878
القول الثاني:
لا تنفسخ الحوالة، وهو اختيار ابن القاسم من المالكية (١).
وقد تكلمت على المسألة في مبحث سابق فأغنى ذلك عن إعادته هنا، وإنما اقتضى الكلام على انتهاء الحوالة التذكير بهذه الصورة لعلاقتها بالباب، والله أعلم.
وبهذا أكون قد فرغت من بحث الحوالة في المسائل المختارة، فلله الحمد من قبل ومن بعد.
* * *
стр. 4879
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة
تقديم أصحاب المعالي
الشيخ. د/ عبد الله بن عبد المحسن التركي
الشيخ. د/ صالح بن عبد الله بن حميد
الشيخ/ محمد بن ناصر العبودي
الشيخ/ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ
تأليف
دبيان بن محمد الدبيان
المجلد الحادي عشر
стр. 4880
دبيان بن محمد الدبيان، ١٤٣٢ هـ
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
الدبيان، دبيان محمد
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة. / دبيان محمد الدبيان- الرياض، ١٤٣٢ هـ
٥٤٨ ص؛ ١٧×٢٤ سم.
ردمك: ٨ - ٧٤٨٠ - ٠٠ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (مجموعة ج ١
١ - المعاملات (فقه إسلامي) أ. العنوان
ديوي ٢٥٣
٤٧٠٦/ ١٤٣٢
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
١٤٣٤ هـ
الطبعة الثانية
للطلب الاتصال
بالاستاذ / فهد بن عبد العزيز الجوعي
ت/ ٠٠٩٦٦٥٠٤٨٨١١٩٤
стр. 4881
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة (١١)
стр. 4882
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وأثني بالصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى صحابة رسول الله ﷺ ، وعلى من اتبعهم بإحسان من الأولين والآخرين، أما بعد
فهذا هو المجلد الحادي عشر، وهو مخصص لعقد الربا، وهو العقد الحادي عشر، وقد سبقه البيع، والسلم، والاستصناع، والمقاولة، والتوريد، والمناقصة، والإجارة، والجعالة، والشفعة، والحوالة، وقد تعمدت تأخير عقد الربا عن عقود المعاوضات؛ لأن الله نفى عنه أنه من البيع، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَاا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَاا﴾ [البقرة:٢٧٥] فقدمت عليه سائر عقود المعاوضات، وجعلته بينها وبين عقود الشركات؛ ذلك أن عقود الشركات ليست من عقود المعاوضات المحضة، وإنما فيها شوب معاوضة كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى عند الكلام على عقود الشركة.
وعقد الربا من أخطر العقود، وهو مقام زلل زل فيه كثير من الكتاب المتأخرين تقصيرًا أو قصورًا. ومن رزق الانضباط في عقد الربا فقد رزق الانضباط في سائر عقود المعاوضات، وأرجو الله أن يجنبني الزلل في هذه البحوث، وأن أكون قد أغلقت فيه أبوابًا قد اقتحمها بعض إخواني تحت ضغط الحاجة وطلب التيسير على الناس، وبسبب سيطرة الهيمنة الغربية على اقتصاد المسلمين غير منتبهين إلى ما ينتجه هذا التساهل وعدم الانضباط على الأمة من شر كبير وخطر جلل، وقد كانت خطة البحث في عقد الربا على النحو التالي:
خطة البحث:
الباب الأول: في حكم الربا
стр. 4883
الفصل الأول: هل عقد الربا عقد باطل أو فاسد يمكن تصحيحه
الفصل الثاني: في جريان الربا بين المسلم والحربي في دار الحرب
الفصل الثالث: في ارتكاب الربا للحاجة
الفصل الرابع: إطلاق الربا على كل معاملة محرمة
الباب الثاني: في أنواع الربا
الفصل الأول: في ربا الديون
المبحث الأول: في ربا القرض
الفرع الأول: في التعريف في ربا القرض
الفرع الثاني: في حكم ربا القروض
المبحث الثاني: في ربا الجاهلية
الفصل الثاني: في ربا البيوع
المبحث الأول: في ربا الفضل وربا النسيئة
الفرع الأول: التعريف في ربا الفضل وربا النسيئة
الفرع الثاني: حكم ربا الفضل
الفرع الثالث: حكم ربا النسيئة
الباب الثالث: في بيان الأموال الربوية
الفصل الأول: في الكلام على علة الربا
المبحث الأول: العلة في الذهب والفضة
المبحث الثاني: علة الربا في الأصناف الأربعة.
стр. 4884
المبحث الثالث: ثمرة اختلاف الفقهاء في علة الربا
الفصل الثاني: في جريان ربا النسيئة في غير الأموال الربوية
الفصل الثالث: في تحديد الجنس
المبحث الأول: اللحم هل هو جنس واحد أو أجناس
الفرع الأول: في بيع اللحم باللحم مع العظام
الفرع الثاني: في الشحم والكبد ونحوهما هل هي جنس أو أجناس
المبحث الثاني: في اللبن هل هو جنس واحد أو أجناس
المبحث الثالث: في أدقة الأصول المختلفة وأدهانها
المبحث الرابع: في بيع البر بالدقيق أو بالسويق
المبحث الخامس: في بيع خبز البر بالبر وخبز الشعير بالشعير
المبحث السادس: في بيع الخبز بالخبز
المبحث السابع: في الربا بالتمرة والتمرتين والحفنة والحفنتين
المبحث الثامن: في بيع المكيل وزنًا أو العكس
المبحث التاسع: في بيع المال الربوي بجنسه مجازفة
المبحث العاشر: بيع الربوي الرطب بيابس من جنسه
المبحث الحادي عشر: في بيع الرطب بالرطب
المبحث الثاني عشر: في بيع مصوغ الذهب بذهب خالص متفاضلًا
الباب الرابع: في اجتماع الربوي مع غيره
الفصل الأول: بيع الربوي بغير جنسه ومعه من جنس ما بيع به
стр. 4885
المبحث الأول: كون الربوي تابعًا غير مقصود
الفرع الأول: كون الربوي التابع غير المقصود لا يباع مفردًا
المسألة الأولى: بيع السيف المموه بالذهب بذهب
المسألة الثانية: بيع شاة ذات لبن أو شاة ذات صوف بصوف
الفرع الثاني: كون الربوي التابع غير المقصود يمكن إفراده بالبيع
الفصل الثاني: بيع ربوي بجنسه ومعهما أو مع أحدهما من غير جنسه
المبحث الأول: إذا كان ما بيع مع الربوي مقصودًا وليس تابعًا
المبحث الثاني: في اجتماع عقد البيع مع عقد القرض
الفرع الأول: أن يكون اجتماع البيع والقرض بالشرط
الفرع الثاني: أن يكون اجتماع البيع والقرض بدون شرط
المبحث الثالث: بيع أسهم الشركات إذا كانت تمثل عروضًا ونقودًا
الفصل الرابع: في بيع حق التقدم العقاري
الباب الخامس: في بعض البيوع المختلف فيها
الفصل الأول: في بيع العينة
المبحث الأول: في تعريف العينة وبيان صورها
المبحث الثاني: في حكم بيع العينة
المبحث الثالث: في حكم العقد الأول من عقدي العينة
المبحث الرابع: في شروط تحريم العينة
الشرط الأول: أن يكون المشتري الثاني هو البائع الأول.
стр. 4886
الفرع الأول: إذا اشترى السلعة من لا تجوز شهادته للبائع الأول
الفرع الثاني: في بيع وارث المشتري على البائع الأول
الشرط الثاني: أن يشتري ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن
الشرط الثالث: أن يشتريها بجنس الثمن الأول
الشرط الرابع: ألا يتغير المبيع بنقص أو عيب
المبحث الخامس: في عكس مسألة العينة
الفصل الثاني: في التورق
المبحث الأول: في تعريف التورق
المبحث الثاني: في حكم التورق
المبحث الثالث: في حكم التورق المصرفي
الفرع الأول: في حكم تعريف التورق المصرفي
الفرع الثاني: في خلاف العلماء في التورق المصرفي
الفصل الثالث: الاعتياض عن ثمن الربوي المؤجل بما لا يباع به نسيئة
الفصل الرابع: الاعتياض عن ثمن المؤجل ببعضه حالًا.
أسأل الله بأسمائه وصفاته أن يجعل العمل خالصًا لوجهه صوابًا على سنة رسوله ﷺ ، وأن يتجاوز به عن سيئاتي، وأن يرزقني به عفوه وعافيته لي ولوالدي ولأهل بيتي، ولمن له فضل علي، وللمسلمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
стр. 4887
تمهيد
في تعريف الربا
تعريف الربا اصطلاحًا (١):
تعريف الحنفية:
عرف الحنفية الربا: بأنه فضل خال عن عوض بمعيار شرعي شُرِط لأحد
стр. 4888
العاقدين في المعاوضة (١).
شرح التعريف:
فقولهم: (فضل) أي زيادة أحد المتجانسين على الآخر.
وقولهم: (خال عن عوض) أي أن تلك الزيادة لا يقابلها عوض.
وقولهم: (بمعيار شرعي) أي أن فضل أحد الجنسين على الآخر بالمعيار الشرعي: أي الكيل أو الوزن.
وقولهم (شرط لأحد العاقدين في المعاوضة) أي في عقد البيع؛ لأن البيع قائم على المعاوضة.
وانتقد التعريف بكونه حصر الربا في عقود المعاوضات، دون ربا القروض، مع أن الزيادة المشروطة في ربا القرض ربا، وهذه الزيادة ليست في مقابلة عوض، إلا أن يقال: إن الزيادة المشروطة في ربا القرض تخرج القرض عن بابه، وهو الإرفاق والإحسان إلى المعاوضة والتكسب، فيكون في حقيقته بيعًا في صورة قرض.
تعريف المالكية:
لم يتوجه كثير من المالكية إلى تعريف الربا بعمومه، وإنما عرفوا الربا بحسب
стр. 4889
نوعه، وما وقفت عليه من تعريفهم للربا على وجه العموم هو قول ابن العربي في تفسيره:
«كل زيادة لم يقابلها عوض» (١).
تعريف الشافعية:
عرفه الروياني كما في المجموع «الربا في الشرع: اسم لمقابلة عوض بعوض مخصوص، غير معلوم التماثل في معيار الشرع حالة العقد أو تأخر في البدلين أو في أحدهما» (٢).
شرح التعريف:
قوله (مقابلة عوض بعوض مخصوص) أخرج عقود التبرعات فإنها ليست بمقابلة عوض.
والمراد بالعوض المخصوص: أنواع الربويات.
وقوله (غير معلوم التماثل) اشتراط هذا القيد خاص بما إذا اتحد الجنس، أما إذا اختلف الجنس فإن التماثل ليس شرطًا، ولذلك اعترض بعض الشافعية بأن هذا الحد غير مانع ولا جامع; أما كونه غير مانع فلأنه يدخل فيه بيع صبرةِ بُرِّ بصبرة شعير جزافًا مع الحلول والتقابض; لأنه يصدق على الصبرتين أنه عوض مخصوص غير معلوم التماثل في معيار الشرع، مع أنه لا ربا في ذلك وليس في الحد ما يدل على تقييد اعتبار التماثل باتحاد الجنس.
وأجاب بعضهم بأن (أل) في التماثل للعهد أي: التماثل المعتبر شرعًا وذلك عند اتحاد الجنس، وليس حمل أل على العهد بأبعد من حمل العوض المخصوص على الأنواع المخصوصة التي هي محل الربا فليتأمل.
стр. 4890
وأما كونه غير جامع; فلأنه يخرج عنه ما لو أجلا العوضين أو أحدهما وتقابضا في المجلس لقصر الأجل، أو للتبرع بالإقباض مع أن فيه الربا.
ويمكن أن يجاب عنه:
بأن المراد بالتأخير في العوضين أو في أحدهما أعم من تأخير استحقاق القبض أو تأخير نفس القبض فليتأمل.
(قوله: أو مع تأخير) يمكن عطفه على غير معلوم التماثل أي: أو واقع مع تأخيره وإن كان معلوم التماثل (١).
تعريف الحنابلة:
عرفه الحنابلة بأنه تفاضل في أشياء، ونساء في أشياء، مختص بأشياء.
فقوله (تفاضل في أشياء) وهي الأموال الربوية من المكيلات بجنسها، والموزونات بجنسها.
وقوله (ونساء في أشياء) هي المكيلات بالمكيلات، ولو من غير جنسها.
(مختص بأشياء) وهي المكيلات والموزونات.
التعريف المختار:
يمكن أن يقال: الربا هو الزيادة المشروطة أو المتعارف عليها في مبادلة كل ربوي بجنسه، وتأخير القبض في الأموال التي يجب فيها التقابض.
الفرق بين المعنى اللغوي والاصطلاحي:
[م-١١٥٦] يرى بعض العلماء أن المعنى الاصطلاحي لم يبعد عن المعنى
стр. 4891
اللغوي، فكلاهما يدور حول الزيادة، وإن كان المعنى الاصطلاحي قيدها بكونها زيادة في أشياء مخصوصة، وهذا شأن كل تعريف اصطلاحي مع المعنى اللغوي.
ويرى آخرون: أن الربا أصبح له حقيقة شرعية تختلف عن المعنى اللغوي،
ودليلهم على هذا:
(ث-١١٨) قول عمر إن آية الربا من آخر ما نزل من القرآن، وإن النبي ﷺ قبض قبل أن يبينه، فدعوا الربا والريبة.
[حسن لغيره] (١).
стр. 4892
(ث-١١٩) ويشهد له ما رواه الشيخان من طريق أبي حيان، عن الشعبي،
عن ابن عمر قال: سمعت عمر بن الخطاب على منبر رسول الله ﷺ يقول: ... وثلاث وددت أن رسول الله ﷺ كان عهد إلينا فيهن عهدًا ننتهي إليه: الجد، والكلالة، وأبواب من أبواب الربا (١).
قال الجصاص: «فثبت بذلك أن الربا قد صار اسمًا شرعيًا; لأنه لو كان باقيًا على حكمه في أصل اللغة لما خفي على عمر; لأنه كان عالمًا بأسماء اللغة; لأنه من أهلها. ويدل عليه أن العرب لم تكن تعرف بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة نساء ربا، وهو ربا في الشرع وإذا كان ذلك على ما وصفنا صار بمنزلة سائر الأسماء المجملة المفتقرة إلى البيان وهي الأسماء المنقولة من اللغة إلى الشرع لمعان لم يكن الاسم موضوعًا لها في اللغة نحو الصلاة والصوم والزكاة; فهو مفتقر إلى البيان ولا يصح الاستدلال بعمومه في تحريم شيء من العقود إلا فيما قامت دلالته أنه مسمى في الشرع بذلك ... » (٢).
وقال أيضًا: «كان عمر من أهل اللسان ولم يكن محتاجًا إلى البيان فيما كان
стр. 4893
طريق معرفة استدراكه اللغة وأخبر مع ذلك أن لفظ الربا كان مفتقرًا إلى البيان؛ إذ كان لفظًا شرعيًا قد أريد به ما لا ينتظمه الاسم من طريق اللغة» (١).
وخالفه آخرون:
قال ابن عاشور في تفسيره: التحرير والتنوير: «ليس مراد عمر أنّ لفظ الربا مجمل؛ لأنّه قابله بالبيان وبالتفسير، بل أراد أنّ تحقيق حكمه في صور البيوع الكثيرة خفي لم يعمه النبي ﷺ بالتنصيص ... » (٢).
وهذا أقرب؛ لأن عمر قال بعد ذلك: فاتقوا الربا واتقوا الريبة. بمعنى: ما فيه شبهة فاتقوه، فربما كان من الربا دون أن تعلموا ذلك لخفائه، وعدم وضوحه.
* * *
стр. 4894
الباب الأول
في حكم الربا
[م-١١٥٧] الربا من كبائر الذنوب، بل هو من أسباب الهلاك، قال ﷺ : (اجتنبوا السبع الموبقات) (١). و من أسباب محق البركات، ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَاا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٦] ومتعاطيه قد أعلن الحرب على الله. ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٩] وأهله من أهل الظلم: ظلموا أنفسهم، وظلموا عباد الله، وظلموا مجتمعاتهم ﴿وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٩]
وقد قرن الربا بأعظم الذنوب جرمًا حيث قرن بالشرك بالله وقتل النفس بغير حق، والسحر والزنا، وقذف المحصنات الغافلات، ومن فعله لم يكن من المتقين قال سبحانه ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَاا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٢٧٨]. فعلق صفة الإيمان على ترك ما بقي من الربا.
والأدلة على تحريمه كثيرة.
فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَاا﴾ [البقرة: ٢٧٥].
قال القرطبي: «والألف واللام - يعني في لفظ (الربا) - للجنس، لا للعهد، إذ لم يتقدم بيع مذكور يرجع إليه، كما قال تعالى ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ * ثم استثنى ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر:١،٢،٣]» (٢).
فالآية دليل على أن الربا حرام مطلقًا، لا فرق بين قليله وكثيره.
стр. 4895
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَاا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٢٧٨] إلى قوله تعالى: ﴿وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٩].
فأمر بترك ما بقي من الربا قليلًا كان أو كثيرًا، وأن أخذه منافيًا للتقوى، وأن أي زيادة يأخذها المرابي على رأس المال فهي من الربا المحرم، كما دل قوله تعالى ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٩] (١)،
فدل على أن كل زيادة على رأس المال فهي داخلة في الظلم، قليلة كانت الزيادة أم كثيرة.
стр. 4896
وأما تحريمه من السنة، فالأحاديث كثيرة، نكتفي منها بما ورد في الصحيح، من ذلك:
(ح-٦٦٤) ما رواه الشيخان من طريق سليمان بن بلال، عن ثور بن زيد المدني، عن أبي الغيث.
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: اجتنبوا السبع الموبقات؟ قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات (١).
(ح-٦٦٥) وما رواه مسلم من طريق هشيم بن بشير، أخبرنا أبو الزبير،
عن
стр. 4897
جابر قال: لعن رسول الله ﷺ آكل الربا، ومؤكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: هم سواء (١).
(ح-٦٦٦) وروى البخاري في صحيحه من طريق شعبة، عن عون بن أبي جحيفة.
عن أبيه، أنه اشترى غلامًا حجامًا، فقال: إن النبي ﷺ نهى عن ثمن الدم، وثمن الكلب، وكسب البغي، ولعن آكل الربا وموكله، والواشمة، والمستوشمة، والمصور (٢).
* * *
стр. 4898
الفصل الأول
في إمكانية تصحيح عقد الربا
قال ابن نجيم: الربا ... من قبيل ما كان مشروعًا بأصله دون وصفه» (١).
[م-١١٥٨] هل عقد الربا عقد باطل، أو فاسد يمكن تصحيحه؟ هذه المسألة ترجع إلى مسألة سابقة، هل لفظ (الباطل) ولفظ (الفاسد) مترادفان، أو أنهما لفظان مختلفان؟
فذهب الجمهور إلى أن لفظ الباطل والفاسد مترادفان (٢).
وخالفهم الحنفية: فقالوا:
الباطل: ما لم يشرع بأصله، ولا بوصفه، وذلك كبيع الميتة، والخمر، والخنزير. أو ما تطرق الخلل فيه إلى ركن البيع، كبيع المجنون، والصبي غير المميز.
والفاسد: ما شرع بأصله دون وصفه، أو ما كان الخلل فيه لم يتطرق إلى ركن البيع، وإنما اقترن بوصف منهي عنه شرعًا (٣).
стр. 4899
وعقد الربا هو عقد مشروع بأصله، وهو البيع، دون وصفه، وهو الزيادة أو التأجيل.
قال ابن نجيم: «الربا وسائر البيوع الفاسدة من قبيل ما كان مشروعًا بأصله دون وصفه» (١).
فإذا وقع البيع، واشتمل على الربا، فما هو الحكم الوضعي للعقد؟
فقيل: يسقط الربا ويصح البيع. وهذا مذهب الحنفية (٢).
وجه ذلك:
أن بيع الربا جائز بأصله من حيث إنه بيع، ممنوع بوصفه من حيث كونه ربا. فعلى هذا يسقط الربا ويصح البيع؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فإذا فسد لوجود هذا المفسد، فينبغي أن يصح إذا زال المفسد، والله أعلم.
القول الثاني:
يجب رده إلا إن فات فيجب فيه القيمة دون الثمن المسمى لفساده، وهذا مذهب المالكية (٣).
стр. 4900
وجه ذلك:
قال ابن رشد في بداية المجتهد: «مالك يرى أن النهي في هذه الأمور إنما هو لمكان عدم العدل فيها - أعني بيوع الربا والغرر - فإذا فاتت السلعة فالعدل فيها هو الرجوع بالقيمة؛ لأنه قد تقبض السلعة وهي تساوي ألفًا، وترد وهي تساوي خمسمائة، أو بالعكس ولذلك يرى مالك حوالة الأسواق فوتا في المبيع الفاسد .. » (١).
القول الثالث:
ذهب الشافعية والحنابلة، ورواية ابن وهب عن مالك إلى إبطال العقد مطلقًا، ولا يفرقون بين الفاسد والباطل في وجوب الرد (٢).
ويستدلون بأدلة منها:
(ح-٦٦٧) ما رواه مسلم من طريق أبي قزعة الباهلي، عن أبي نضرة.
عن أبي سعيد، قال: أتي رسول الله ﷺ بتمر، فقال: ما هذا التمر من تمرنا، فقال الرجل: يا رسول الله، بعنا تمرنا صاعين بصاع من هذا، فقال رسول الله ﷺ هذا الربا فردوه، ثم بيعوا تمرنا، واشتروا لنا من هذا (٣).
[اختلف على أبي نظرة في ذكر رد المبيع، وكل من رواه عن أبي سعيد لم يذكرها] (٤).
стр. 4901
قال ابن عبد البر: «وأما سكوت من سكت من المحدثين في الحديث عن ذكر فسخ البيع الذي باعه العامل على خيبر، فلأنه معروف في الأصول: أن ما ورد التحريم به لم يجز العقد عليه، ولا بد من فسخه، وقد جاء الفسخ فيه منصوصًا في هذا الحديث ثم ساق حديث مسلم بإسناد مسلم، ثم قال: ولو لم يأت هذا
стр. 4902
منصوصًا احتمل ما ذكرنا، واحتمل أن يكون عامِلُ خيبر فَعَلَ هذا على أصل الإباحة التي كانوا عليها، ثم نزل عليه ﷺ تحريم الربا بعد عقد صفقته على أصل ما كان عليه، كما قال سعيد بن جبير: كان الناس على أمر جاهليتهم حتى يؤمروا أو ينهوا. يريد فما لم يؤمروا ولم ينهوا نفذ فعلهم وبالله التوفيق» (١).
الدليل الثاني:
(ح-٦٦٨) ما رواه البخاري من طريق سليمان بن أبي مسلم، قال:
سألت أبا المنهال عن الصرف يدًا بيد، فقال: اشتريت أنا وشريك لي شيئا يدًا بيد، ونسيئة، فجاءنا البراء بن عازب فسألناه، فقال: فعلت أنا وشريكي زيد ابن أرقم وسألنا النبي ﷺ عن ذلك فقال: ما كان يدًا بيد فخذوه، وما كان نسيئة فردوه (٢).
وفي بعض النسخ (فذروه).
ويناقش:
بأن الشيء إذا لم يقع فيه تقابض، فإنه بالإجماع يجب رده، وإنما الخلاف بين الحنفية والجمهور فيما قبض من البيوع الفاسدة التي وقع فيها ربا.
ويدل لهذا الرواية الأخرى للبخاري فقد رواه البخاري من طريق عمرو،
سمع أبا المنهال عبد الرحمن بن مطعم، قال: باع شريك لي دراهم في السوق نسيئة ..... وفيه: فسألت البراء بن عازب فقال قدم النبي ﷺ ونحن نتبايع هذا البيع فقال ما كان يدًا بيد فليس به بأس وما كان نسيئة فلا يصلح ... (٣).
стр. 4903
قال الحافظ في الفتح: «فعلى هذا فمعنى قوله: (ما كان يدًا بيد فخذوه) أي ما وقع لكم فيه التقابض في المجلس فهو صحيح، فأمضوه، وما لم يقع لكم فيه التقابض، فليس بصحيح فاتركوه» (١).
الدليل الثالث:
(ح-٦٦٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يعلى، حدثنا فضيل - يعني ابن غزوان - عن أبي دهقانة،
عن ابن عمر، قال: كان عند النبي ﷺ أناس فدعا بلالا بتمر عنده، فجاء بتمر أنكره رسول الله ﷺ فقال: ما هذا التمر؟ فقال: التمر الذي كان عندنا أبدلنا صاعين بصاع، فقال: رد علينا تمرنا (٢).
[ضعيف من مسند ابن عمر، حسن لغيره من مسند بلال] (٣).