قال ابن عبد البر: «وأما سكوت من سكت من المحدثين في الحديث عن ذكر فسخ البيع الذي باعه العامل على خيبر، فلأنه معروف في الأصول: أن ما ورد التحريم به لم يجز العقد عليه، ولا بد من فسخه، وقد جاء الفسخ فيه منصوصًا في هذا الحديث ثم ساق حديث مسلم بإسناد مسلم، ثم قال: ولو لم يأت هذا
стр. 4902
منصوصًا احتمل ما ذكرنا، واحتمل أن يكون عامِلُ خيبر فَعَلَ هذا على أصل الإباحة التي كانوا عليها، ثم نزل عليه ﷺ تحريم الربا بعد عقد صفقته على أصل ما كان عليه، كما قال سعيد بن جبير: كان الناس على أمر جاهليتهم حتى يؤمروا أو ينهوا. يريد فما لم يؤمروا ولم ينهوا نفذ فعلهم وبالله التوفيق» (١).
الدليل الثاني:
(ح-٦٦٨) ما رواه البخاري من طريق سليمان بن أبي مسلم، قال:
سألت أبا المنهال عن الصرف يدًا بيد، فقال: اشتريت أنا وشريك لي شيئا يدًا بيد، ونسيئة، فجاءنا البراء بن عازب فسألناه، فقال: فعلت أنا وشريكي زيد ابن أرقم وسألنا النبي ﷺ عن ذلك فقال: ما كان يدًا بيد فخذوه، وما كان نسيئة فردوه (٢).
وفي بعض النسخ (فذروه).
ويناقش:
بأن الشيء إذا لم يقع فيه تقابض، فإنه بالإجماع يجب رده، وإنما الخلاف بين الحنفية والجمهور فيما قبض من البيوع الفاسدة التي وقع فيها ربا.
ويدل لهذا الرواية الأخرى للبخاري فقد رواه البخاري من طريق عمرو،
سمع أبا المنهال عبد الرحمن بن مطعم، قال: باع شريك لي دراهم في السوق نسيئة ..... وفيه: فسألت البراء بن عازب فقال قدم النبي ﷺ ونحن نتبايع هذا البيع فقال ما كان يدًا بيد فليس به بأس وما كان نسيئة فلا يصلح ... (٣).
стр. 4903
قال الحافظ في الفتح: «فعلى هذا فمعنى قوله: (ما كان يدًا بيد فخذوه) أي ما وقع لكم فيه التقابض في المجلس فهو صحيح، فأمضوه، وما لم يقع لكم فيه التقابض، فليس بصحيح فاتركوه» (١).
الدليل الثالث:
(ح-٦٦٩) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يعلى، حدثنا فضيل - يعني ابن غزوان - عن أبي دهقانة،
عن ابن عمر، قال: كان عند النبي ﷺ أناس فدعا بلالا بتمر عنده، فجاء بتمر أنكره رسول الله ﷺ فقال: ما هذا التمر؟ فقال: التمر الذي كان عندنا أبدلنا صاعين بصاع، فقال: رد علينا تمرنا (٢).
[ضعيف من مسند ابن عمر، حسن لغيره من مسند بلال] (٣).
الدليل الرابع:
(ح-٦٧٠) ما رواه البزار في مسنده من طريق روح بن عبادة، عن كثير ابن يسار، عن ثابت.
عن أنس، قال: أتي رسول الله ﷺ بتمر الريان، فقال: أنى لكم هذا التمر؟ قالوا: كان عندنا تمر بعلًا، فبعناه، صاعين بصاع، فقال رسول الله ﷺ : ردوه على صاحبه.
قال البزار: ردوه على صاحبه، هذا الحديث لا نعلم رواه عن ثابت إلا كثير ابن يسار (١).
[انفرد به كثير بن يسار عن ثابت البناني] (٢).
الدليل الخامس:
(ح-٦٧١) ما رواه الحاكم من طريق حيان بن عبيد الله العدوي، عن أبي مجلز
عن أبي سعيد أنه لقي ابن عباس فقال له: يا ابن عباس ألا تتقي الله إلى متى تؤكل الناس الربا، أما بلغك أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم، وهو عند زوجته أم سلمة: إني لأشتهي تمر عجوة، فبعثت صاعين من تمر إلى رجل من الأنصار فجاء بدل صاعين صاع من تمر عجوة، فقامت فقدمته إلى رسول الله ﷺ فلما رآه أعجبه، فتناول تمرة، ثم أمسك، فقال: من أين لكم
стр. 4907
هذا؟ .... فأخبرته أم سلمة، فقال: فألقى التمرة بين يديه، فقال: ردوه، لا حاجة لي فيه، التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والذهب بالذهب، والفضة بالفضة يدًا بيد، عينًا بعين، مثلًا بمثل، من زاد فهو ربا، ثم قال: كذلك ما يكال ويوزن ... الحديث (١).
وجه الاستدلال:
قوله في الحديث: (ردوه، لا حاجة لي فيه).
[الحديث انفرد فيه حيان بن عبيد الله، عن أبي مجلز، وفي حيان ضعف من قبل حفظه] (٢).
الدليل السادس:
(ح-٦٧٢) ما رواه مسلم من طريق ليث، عن سعيد بن يزيد، عن خالد ابن أبي عمران، عن حنش الصنعاني.
عن فضالة بن عبيد قال: اشتريت يوم خيبر قلادة باثني عشر دينارًا، فيها ذهب وخرز، ففصلتها، فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارًا، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: لا تباع حتى تفصل.
ورواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، عن سعيد بن يزيد به، وفيه: (فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له فقال: لا حتى تميز ما بينهما. قال: إنما أردت الحجارة. قال: لا حتى تميز ما بينهما. قال: فرده حتى ميز) (٣).
стр. 4908
[رواية مسلم ليست صريحة في رد البيع، وإنما فيها النهي عن هذا البيع، ورواية ابن أبي شيبة صريحة في الرد، إلا أن هذين اللفظين مدارهما على حنش الصنعاني وقد اضطرب في حديثه] (١).
الدليل السابع:
(ح-٦٧٣) قال ﷺ كما في حديث جابر الطويل في صفة حجة النبي ﷺ ، وفيه:
(ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ..... وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا، ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله) (٢).
قال الشافعي: فلما رد الناس إلى رؤوس أموالهم كان ذلك فسخًا للبيع الذي وقع على الربا (٣).
الراجح:
أن البيع الذي وقع على الربا إن كان المبيع قائمًا لم يتغير، ولم يتصرف فيه المشتري، فإنه يجب رده، فإذا تناقلت الأيدي المبيع، أو تغير في يد المشتري فإن رده ونقض البيع فيه ضرر على أحد العاقدين، والذهاب إلى إمكانية تصحيح العقد بعد أن يصحح ويرفع منه ما يوجب فساده أولى من الحكم ببطلانه، خاصة مع تغير المبيع أو انتقاله، أو ذهاب عينه، وإذا كان العاقدان لم يعلما بالتحريم، وكانا يعتقدان صحته لم يحتج الأمر إلى تصحيح، قال تعالى: ﴿فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة:٢٧٥] والله أعلم.
* * *
стр. 4909
الفصل الثاني
في جريان الربا بين المسلم والحربي في دار الحرب
قال الماوردي: كل ما كان حرامًا في دار الإسلام، كان حرامًا في دار الشرك (١).
[م-١١٥٩] اختلف الحنفية مع الجمهور في حكم الربا بين المسلم والحربي في دار الحرب.
فقيل: لا ربا بين المسلم والحربي في دار الحرب، وهذا مذهب أبي حنفية، وصاحبه محمد بن الحسن (٢)، وهو رواية عن أحمد (٣).
وحكم من أسلم في دار الحرب، ولم يهاجر كالحربي عند أبي حنيفة (٤).
وقيل: يحرم الربا مطلقًا، وهو مذهب الأئمة الثلاثة، واختيار أبي يوسف من الحنفية (٥).
стр. 4910
دليل الحنفية:
الدليل الأول:
(ح-٦٧٤) قال أبو يوسف: وإنما أحل أبو حنيفة هذا؛ لأن بعض المشيخة حدثنا عن مكحول، عن رسول الله ﷺ أنه قال: لا ربا بين أهل الحرب، أظنه قال: وأهل الإسلام (١).
ونوقش هذا:
أولًا: أنه مرسل، وإسناده غير قائم.
[قال ابن قدامة: خبر مجهول لم يرد في صحيح ولا مسند ولا كتاب موثوق به وهو مع ذلك مرسل] (٢).
ثانيًا: لو صح لهم هذا الدليل لم يكن لهم فيه حجة، لأن معنى قوله ﷺ : (لا ربا) يحتمل أن يكون نفيًا لتحريم الربا، ويحتمل أن يكون نفيا لجواز الربا فيكون معناه (لا ربا) أي مباح بين المسلم وبين الحربي، بل إن حمله على نفي الجواز أولى لموافقته عموم النصوص الدالة على تحريم الربا.
الدليل الثاني:
(ح-٦٧٥) قال ﷺ كما في حديث جابر الطويل في صفة حجة النبي ﷺ ، وفيه:
(ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ..... وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا، ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله) (٣).
стр. 4911
وجه الاستدلال:
هذا الاستدلال مبني على مقدمتين:
الأولى: أن العباس كان مسلمًا إبان إقامته في مكة (١).
الثانية: أن مكة حين كانت دار حرب كان الربا فيها بين العباس وبين أهل مكة قائمًا حتى بعد تحريم الربا، وبعد علم العباس بالتحريم.
النتيجة: لو كان حكم مكة، وهي دار حرب، حكم دار الهجرة لكان الربا فيها موضوعًا قبل أن يضعه النبي ﷺ ، ولم يكن هناك حاجة إلى أن يضع النبي ﷺ الربا، وهو في حقيقة الأمر كان موضوعًا قبل ذلك، فإسقاط الساقط لغو، ولكن حين انتقلت مكة إلى كونها دار إسلام وضعه النبي ﷺ ، وكان ذلك بعد تحريم الربا بين المسلمين بزمن، فدل على قيام الربا بين المسلم وبين الحربي، وأنه لا يوضع حتى تتحول دار الحرب إلى دار إسلام، والله أعلم.
ويناقش:
بأن الرسول ﷺ لم يضع ربا العباس ﵁ وحده، بل وضع كل ربا كان في الجاهلية، عقد بين كافر وكافر، ولم يتم القبض فيه حتى دخلا في الإسلام، وأما العباس ﵁ فربما كان له ربا في الجاهلية قبل أن يسلم، ولم يقبضه إلى زمان إعلان وضعه، وقد يكون جاهلًا بالتحريم، فالأحكام لا تلزمه إلا بعد
стр. 4912
البلاغ، فما وقع من ربا من العباس قبل أن يعلم بالتحريم يعتبر قائمًا، ولذلك وضعه النبي ﷺ ، وليس لأن الربا كان مباحًا في دار الحرب.
الدليل الثالث:
أن أموالهم يجوز استباحتها بغير عقد، ودون رضاهم فكان أولى أن تستباح بعقد، وبرضاهم.
ويجاب:
بأن المسلم إن كان قد دخل إليه دارهم بأمان لم يجز استباحة أموالهم بغير عقد، فكذا لا تستباح بعقد فاسد.
وإن كان قد دخل إليهم مع ارتفاع الأمان فكذلك أيضًا قياسًا على الحربي إذا دخل دار الإسلام دون أمان فإنه يجوز استباحة ماله بغير عقد، ولا يجوز استباحته بعقد فاسد، فكذلك إذا دخل المسلم دار الحرب.
ثم نقول: ليس كل ما استبيح منهم بغير عقد يجوز أن يستباح منهم بالعقد الفاسد، ألا ترى أن الفروج يجوز استباحتها منهم بالفيء من غير عقد، ولا يجوز استباحتها بعقد فاسد، فكذا الأموال (١).
دليل الجمهور على تحريم الربا:
الدليل الأول:
النصوص الدالة على تحريم الربا من القرآن والسنة مطلقة، وإطلاقها يدل على تحريم الربا مطلقًا، سواء كان بين مسلم ومسلم، أو كان بين مسلم وحربي، ولا فرق بين كونه في دار إسلام أو دار حرب، ولا يجوز تقييد النصوص الشرعية إلا بنص شرعي مثله.
стр. 4913
قال تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَاا﴾ [البقرة:٢٧٥].
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَاا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة:٢٧٥].
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَاا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٢٧٨].
(ح-٦٧٦) وروى مسلم من حديث عبادة قوله ﷺ : من زاد أو ازداد فقد أربى (١).
الدليل الثاني:
أن ما كان ربا في دار الإسلام كان ربا محرما في دار الحرب، كما لو تبايعه مسلمان مهاجران، وكما لو تبايعه مسلم وحربي في دار الإسلام.
الدليل الثالث:
كما أنه لا يجوز للمسلم أن يبيع عليه الخمور، وإن كانت مباحة لهم؛ لأنها محرمة عليه، فكيف يجوز له أن يرابي معهم، وهو محرم عليهم وعليه كما لو كان الحربي من أهل الكتاب.
وهذا القول هو الراجح، وإذا كنا نعد ذلك من اليهود عنصرية مقيتة، كونهم يحرمون الربا فيما بينهم، ويستحلونه في التعامل مع الأميين، ويقولون: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران:٧٥] فاعتقاد حل التعامل بالربا مع الحربي فيه نفس النزعة، والله أعلم.
* * *
стр. 4914
الفصل الثالث
في ارتكاب الربا للحاجة
قال الشافعي: «وليس يحل بالحاجة محرم إلا في الضرورات» (١).
وقال ابن تيمية: مفسدة الغرر أقل من الربا فلذلك رخص فيما تدعو إليه الحاجة منه (٢). يعني: ولم يرخص ذلك في الربا.
[م-١١٦٠] ارتكاب الربا في سد الحاجات العامة والخاصة، كشراء بيت، أو سيارة، أو إصدار الدولة سندات في مشروعات حيوية ضرورية للبلد إذا لم تجد الدولة من يقرضها قرضًا حسنًا، فهل يجوز ارتكاب الربا بحجة أن الضرورة تبيح الحرام، وأن هذه المشاريع ضرورية للبلد، وأن الشخص محتاج إلى سكن له ولعائلته.
وإذا قدر أن هذا الأمر ليس من قبيل الضرورة، فإنه لا شك بأنه حاجة، فهل تنزل الحاجة منزلة الضرورة؟
في ذلك خلاف بين أهل العلم:
جاء في البحر الرائق: «يجوز للمحتاج الاستقراض بالربح» (٣).
المقصود بالحاجة هنا الضرورة، والفقهاء يعبرون بالحاجة تارة ويقصدون بها
стр. 4915
الضرورة. وذلك أن مجرد الحاجة لا تبيح المحرم، خاصة إذا كان محرمًا لذاته كربا النسيئة، وإنما الذي تبيح المحرم الضرورة (١).
قال الشافعي ﵀: «وليس يحل بالحاجة محرم إلا في الضرورات» (٢).
ويحتمل أن تكون الحاجة هنا على ظاهرها، وبناء عليه تنزل الحاجة منزلة الضرورة، وهل هذا مطلقًا في كل حاجة، أو في الحاجات العامة دون الخاصة، اتجاهان.
جاء في غمز عيون البصائر: «الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة» (٣).
بينما قال الزركشي: «الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة في حق آحاد الناس» (٤).
وجاء في الموسوعة الكويتية «ومعنى كون الحاجة عامة: أن الناس جميعًا يحتاجون إليها فيما يمس مصالحهم العامة، من تجارة، وزراعة، وصناعة، وسياسة عادلة، وحكم صالح. ومعنى كون الحاجة خاصة: أن يحتاج إليها فرد أو أفراد محصورون أو طائفة خاصة كأرباب حرفة معينة.
стр. 4916
والمراد بتنزيلها منزلة الضرورة: أنها تؤثر في الأحكام فتبيح المحظور وتجيز ترك الواجب وغير ذلك مما يستثنى من القواعد الأصلية» (١).
والربا وإن كان حرامًا فإنه تبيحه الضرورة إذا لم يجد الرجل من يقرضه، أو قامت بالأمة حاجة إلى مشاريع يكون فيها قوامها، وديمومتها، والمشقة تجلب التيسير.
قال أبو بكر بن العربي المالكي عند ذكر القاعدة السابعة من قواعد البيوع في القبس: «اعتبار الحاجة في تجويز الممنوع كاعتبار الضرورة في تحليل المحرم .... ومن ذلك حديث العرايا، وبيع التمر فيها على رؤوس النخل بالتمر الموضوع على الأرض، وفيه من الربا ثلاثة أوجه:
بيع الرطب باليابس.
والعمل بالحزر والتخمين في تقدير المالين الربويين.
وتأخير القبض. إن قلنا: إنه يعطيها له إذا حضر جذاذ التمر» (٢).
ويقول ابن تيمية: «يجوز للحاجة ما لا يجوز بدونها، كما جاز بيع العرايا بالتمر استثناء من المزابنة للحاجة ... » (٣).
ويقول ابن تيمية في معرض كلامه على إباحة الغرر اليسير: «والشريعة جميعها مبنية على أن المفسدة المقتضية للتحريم إذا عارضتها حاجة راجحة أبيح المحرم» (٤).
стр. 4917
ويقول الدكتور محمد يوسف موسى: «إنني أرى وجوب التفرقة بين ضروب الأعمال المختلفة التي يحتاج القائمون بها إلى الاقتراض بفوائد ثابتة، في شكل سندات يصدرونها لأصحاب الأموال. إنني أرى - والعلم لله وحده- أنه لا يجوز شرعًا أن يتوسع تاجر، أو صانع، أو صاحب مؤسسة، أو شركة في أعماله، معتمدًا على الاقتراض بفائدة، ولكن هناك مشاريع عمرانية، لا بد منها للبلد، تقوم بها الدولة، أو بعض الأفراد، وهناك شركات صناعية تقوم بأعمال حيوية للأمة لا تستغني عنها بحال، ويتوقف على هذه الأعمال كثير من المرافق العامة القومية، فهذه المشروعات والشركات والمؤسسات العامة وأمثالها أن يسندها القادرون بالمساهمة فيها على الوجه الذي لا خلاف في جوازه شرعًا، أي بأن يكونوا أصحاب أسهم لا سندات، فإن لم يكن هذا ممكنًا، وكان من الضروري أن تظل قائمة بأعمالها التي لا غنى للأمة عنها، كان لها شرعًا إصدار سندات بفائدة مضمونة تدفع من الأرباح التي لا شك في الحصول عليها من المشروع، ما دام لا وسيلة غير هذه تضمن لها البقاء، وما دام وجودها وبقاؤها ضروريًا للأمة. إن هذا لا يكون من الربا المحرم شرعًا، الربا الذي يكون تجارة لمن يقوم به، ولفائدته وحده، على أنه إن كان ربا، أو فيه شبهة من الربا الذي لا شك في أنه حرام شرعًا، فهو يجوز للضرورة كما قلنا، فالضرورة تبيح المحظورات، وما ضاق أمر إلا واتسع حكمه، رحمة من الله بالناس، والمشقة تجلب التيسير، وكل هذه قواعد كلية عامة، يعرفها الفقه والفقهاء، بل إن الفقه قام عليها في كثير من أحكامه» (١).
стр. 4918
ويناقش ما سبق بما يلي:
الجواب: عن إباحة الربا للضرورة:
نسلم أن الضرورة تبيح الحرام، ومنه الربا، ولكن ما حد الضرورة التي تبيح المحرم:
لقد تكلم الفقهاء في حد الضرورة التي تبيح المحرم وهو أن يبلغ الإنسان «حدًا إن لم يتناول الممنوع هلك أو قارب، كالمضطر للأكل واللبس، بحيث لو بقي جائعًا أو عريانًا لمات أو تلف منه عضو» (١).
ولو ترك المقترض بالربا قرضه لم يهلك ولم يقارب، فالتعامل بالربا من أجل بناء بيت، أو إنشاء مصنع ونحو ذلك بعيد كل البعد عن وقوعه في الضرورة التي تبيح المحرم.
ولا يعتبر إفلاس الشركة ضرورة؛ لأن إفلاس الشركة لا يلزم منه إفلاس الشركاء، وإذا أفلست شركة أمكن أن تقوم شركة أخرى مقامها.
كما أن من شرط الضرورة التي تبيح الحرام أن لا تندفع ضرورته إلا بارتكاب الحرام، أو ترك الواجب، وهذا الشرط لا يتحقق في هذه القروض؛ لأن وسائل الاستثمار المباحة لا تكاد تحصى كثرة، من ذلك الشراء بالتقسيط، أو عن طريق السلم، وإذا لم يجد الإنسان من يقرضه فربما يمكنه العمل بيده حتى يحصل ما يسد حاجته، أو يسافر إلى بلاد أخرى طلبًا للعمل.
فيشترط لجواز تناول المحرم في حال الضرورة أن يعلم يقينًا أن فعل المحرم يرفع الضرورة، ويحصل به المقصود، وربما لو أذن للشخص أنه كل ما احتاج أبيح له الاقتراض بالربا كثرت بذلك ديونه، وأصبح دخله كله يصرف على هؤلاء
стр. 4919
المرابين، وأصبح لديه عجز في القيام بحاجاته الضرورية بسبب الربا، كما أن الشركات التي تقترض بالربا عن طريق إصدار السندات عند تعرضها للإفلاس مثلًا لا يعلم على وجه اليقين أن ذلك يقيها من الإفلاس، بل عساه أن يزيدها إفلاسًا.
يقول ابن تيمية في بيان عدم جواز التداوي بالخمر:
«والذين جوزوا التداوي بالمحرم قاسوا ذلك على إباحة المحرمات، كالميتة والدم للمضطر، وهذا ضعيف لوجوه:
أحدها: أن المضطر يحصل مقصوده يقينًا بتناول المحرمات، فإنه إذا أكلها سدت رمقه، وأزالت ضرورته، أما الخبائث بل وغيرها فلا يتيقن حصول الشفاء بها، فما أكثر من يتداوى بها فلا يشفى، ولهذا أباحوا دفع الغصة بالخمر، لحصول المقصود بها، وتعيينها له، بخلاف شربها للعطش، فقد تنازعوا فيه. فإنهم قالوا: إنها لا تروي.
الثاني: أن المضطر لا طريق له إلى إزالة ضرورته إلا الأكل في هذه الأعيان، وأما التداوي فلا يتعين تناول هذا الخبيث طريقًا لشفائه» (١).
فثبت بذلك أن لا ضرورة أصلًا إلى التعامل بالربا طريقًا لحل المشكلات المالية، والله أعلم.
الجواب عن الاحتجاج بمسألة العرايا:
أما الاحتجاج بمسألة العرايا للتوصل بها إلى إباحة الربا للحاجة، فالجواب عنه:
стр. 4920
أولًا: العرايا مقيدة بما دون خمسة أوسق، وليست مطلقة.
ثانيًا: أن العرايا: هو بيع الر طب بالتمر، ولا يقاس عليه غيره، فلم يبح مثلًا بيع الزبيب بالعنب، وإن كان هناك حاجة؛ لأن التمر كان القوت الأساسي في زمن النبوة.
(ح-٦٧٧) فقد روى الشيخان من طريق عروة.
عن عائشة ﵂، أنها قالت لعروة: ابن أختي إن كنا لننظر إلى الهلال، ثم الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقدت في أبيات رسول الله ﷺ نار. فقلت: يا خالة ما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان التمر والماء .. الحديث.
(ح-٦٧٨) ورواه أحمد من مسند أبي هريرة من طريق داود بن فراهيج، قال: سمعت أبا هريرة قال: ما كان لنا على عهد رسول الله ﷺ طعام إلا الأسودان، التمر والماء (١). وإسناده حسن.
ثالثًا: حتى في العرايا فإن الشارع لم يأذن بالفاضل المتيقن، بل سوغ المساواة بالخرص من أهل الخبرة بالخرص في مقدار قليل تدعو إليه الحاجة، وهو قدر النصاب خمسة أوسق فما دون، والخرص معيار شرعي للتقدير في أمور كثيرة، منها الزكاة بخلاف من يبيح الربا للحاجة.
رابعًا: هو استثناء من ربا الفضل وليس من ربا النسيئة. واعلم أن ربا النسيئة يختلف حكمه عن ربا الفضل من حيث:
-أن ربا النسيئة مجمع على تحريمه، لا خلاف فيه بين الفقهاء، وأما ربا الفضل فقد علمت ما فيه من الخلاف.
стр. 4921
جاء في حاشية العدوي: «اتفق المسلمون على تحريم ربا النسيئة، والجمهور على تحريم ربا الفضل» (١).
وقال ابن قدامة: «والربا على ضربين: ربا الفضل وربا النسيئة، وأجمع العلماء على تحريمهما، وقد كان في ربا الفضل اختلاف بين الصحابة ... » (٢).
ولا يقاس ما أجمع على تحريمه على ما اختلف فيه.
-أن ربا الفضل قد أستثني منه العرايا بشروطها، بينما ربا النسيئة قال ابن القيم: لم يبح شيء من ربا النسيئة (٣). وإذا لم يثبت الاستثناء من ربا النسيئة على مر العصور لا يجوز لأحد أن يستثني منه شيئًا في هذا العصر، لا في بناء بيت، ولا في إنشاء مصنع، ولا في إصدار سندات ونحوها.
-أن الزيادة شرط في ربا الفضل، وليست شرطًا في ربا النسيئة، فبيع الذهب بالذهب مثلًا بمثل مع التأجيل من ربا النسيئة فقط، وليس فيه من ربا الفضل، وقد يجتمعان كما لو باع الذهب بالذهب مع التفاضل والتأجيل.
- ذكر بعض أهل العلم أن ربا النسيئة محرم تحريم مقاصد، ولذلك قال ﷺ في الحديث المتفق عليه من حديث أسامة: لا ربا إلا في النسيئة (٤).
وأما تحريم ربا الفضل فإنه حرم حتى لا يكون ذريعة إلى ربا النسيئة.
وجه كونه ذريعة إلى ربا النسيئة:
يقول ابن القيم: «منعهم من ربا الفضل؛ لما يخاف عليهم من ربا النسيئة،
стр. 4922
وذلك أنهم إذا باعوا درهمًا بدرهمين، ولا يفعل هذا إلا للتفاوت الذي بين النوعين إما في الجودة، وإما في السكة، وإما في الثقل والخفة، وغير ذلك تدرجوا بالربح المعجل فيها إلى الربح المؤخر، وهو عين ربا النسيئة، وهي ذريعة قريبة جدًا، فمن حكمة الشارع أن سد عليهم هذه الذريعة، ومنعهم من بيع درهم بدرهمين نقدًا ونسيئة، فهذه حكمة معقولة مطابقة للمعقول، وهي تسد عليهم باب المفسدة» (١).
ويقول شيخنا ابن عثيمين: وجه ذلك أنه إذا جازت الزيادة من أجل الوصف، انتقل الذهن إلى جواز الزيادة من أجل التأجيل فوقع في ربا النسيئة (٢). اهـ
ولا يعني ذلك أنه ليس من المحرمات، فإن الخمرة حرمت من أجل الإسكار، وحرم القليل منه وإن لم يسكر لكونه ذريعة إليه؛ لأن المرء إذا اعتاد القليل خلص إلى الكثير، فالكل حرام في شريعة الله، بل حرم تصنيعها، وترويجها، والمساعدة فيها.
فلا يجوز قياس ما حرم تحريم مقاصد كالاقتراض من البنوك الربوية، على ما حرم تحريم وسائل، قد تبيحه الحاجة.
وعندي أن الصحيح في تحريم ربا الفضل أنه محرم تحريم مقاصد، وسوف يأتي بسط ذلك في موضعه من هذا البحث.
الجواب عن الاحتجاج بجواز يسير الغرر:
وأما الاحتجاج بجواز يسير الغرر على جواز الربا للحاجة، فهناك فرق كبير بين الغرر والربا من وجوه.
стр. 4923
الأول: أن يسير الغرر مباح بالإجماع، وأما قليل الربا فهو محرم بالإجماع، فكيف يقاس الربا المجمع على تحريمه على الغرر اليسير المجمع على إباحته، فهذا كقول الكفار: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَاا﴾ [البقرة:٢٧٥].
الثاني: أن مفسدة الغرر محتملة، ومفسدة الربا متيقنة، فلذلك رخص في جانب الغرر ما تدعو الحاجة إليه؛ لأن تحريم الغرر اليسير والتابع أشد ضرراَ على الناس من منعهم من هذه المعاملة.
يقول ابن تيمية: «مفسدة الغرر أقل من الربا فلذلك رخص فيما تدعو إليه الحاجة، فإن تحريمه أشد ضررًا من ضرر كونه غررًا، مثل: بيع العقار وإن لم تعلم دواخل الحيطان والأساس، ومثل بيع الحيوان الحامل أو المرضع، وإن لم يعلم مقدار الحمل واللبن، وإن كان قد نهى عن بيع الحمل منفردا .... وجوز ﷺ لمن باع نخلا قد أبرت، أن يشترط المبتاع ثمرتها، فيكون قد اشترى ثمرة قبل بدو صلاحها، لكن على وجه البيع للأصل، فظهر أنه يجوز من الغرر اليسير ضمنًا وتبعًا ما لا يجوز من غيره، ولما احتاج الناس إلى العرايا أرخص في بيعها بالخرص، ولم يجوز الفاضل المتيقن، بل سوغ المساواة بالخرص في القليل الذي تدعو إليه الحاجة، وهو قدر النصاب خمسة أوسق أو ما دونه على اختلاف القولين للشافعي وأحمد، وإن كان المشهور عن أحمد ما دون النصاب ..... والإمام أحمد موافق لمالك في ذلك في الأغلب يحرمان الربا ويشددان فيه حق التشديد لما تقدم من شدة تحريمه، وعظم مفسدته ويمنعان الاحتيال عليه بكل طريق، حتى قد يمنعا الذريعة التي تفضي إليه وإن لم تكن حيلة ... » (١).
стр. 4924
الثالث: أن يسير الغرر لا تخلو منه أكثر معاملات المسلمين، ولا يمكن التحرز منه، والربا يمكن الابتعاد عنه.
الرابع: أن الغرر المحرم أخف من الربا، وذلك أن النصوص الواردة في الربا تدل على أن الربا تحريمه أشد، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَاا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٨،٢٧٩].
وقال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَاا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٦].
وقال ﷺ في الحديث المتفق عليه: اجتنبوا السبع الموبقات، فذكر منها الربا (١).
وإنك تعجب إلى هذا النفس في السعي إلى إباحة الربا في هذه العصور المتأخرة، حتى لو أدى الأمر إلى التناقض أحيانًا، فيستدلون بدليل في موضع، وينقضونه في موضع آخر فتجد الساعين إلى إباحة الربا تارة يبررون ذلك بالضرورة، فيبيحون للمحتاج الفقير إلى أخذ الربا لدفع حاجته كما هو الحال هنا، وتارة ينقضون ذلك، فيحرمونه على الضعيف لأن ذلك من باب استغلال حاجته، وأن هذا لا يجوز بخلاف القوي، كالدولة والشركات الكبيرة، فيجوز لهم الاقتراض بالفائدة، وقد تقدم نقل كلامهم في الكلام على ربا الاستهلاك، وربا الانتاج، وهذا عكس ذلك تماما، وهو من باب تناقض الباطل، ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا﴾ [النساء:٨٢].
* * *
стр. 4925
الفصل الرابع
إطلاق الربا على كل معاملة محرمة
(ح-٦٧٩) روى البخاري في صحيحه من طريق مسروق.
عن عائشة، قالت: لما أنزلت الآيات من سورة البقرة في الربا خرج رسول الله ﷺ إلى المسجد، فقرأهن على الناس، ثم حرم تجارة الخمر (١).
ومن المعلوم أن تحريم الخمر لم يتأخر إلى نزول آيات الربا، فإن آيات الربا من آخر ما نزل من القرآن.
(ث-١٢٠) كما روى البخاري من طريق الشعبي، عن ابن عباس، قال: آخر آية نزلت على رسول الله ﷺ آية الربا (٢).
ومعلوم أن آية الربا ليس فيها ذكر للخمر، فكيف ذكر تحريم التجارة في الخمر مع إعلان تحريم الربا؟
[م-١١٦١] قال ابن رجب في الفتح: «إنما أراد النبي ﷺ والله أعلم - بتحريم التجارة في الخمر مع الربا ليعلم بذلك أن الربا الذي حرمه الله يشمل جميع أكل المال مما حرمه الله من المعاوضات، كما قال سبحانه ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَاا﴾ [البقرة: ٢٧٥] فما كان بيعًا فهو حلال، وما لم يكن بيعًا فهو ربا حرام: أي زيادة على البيع الذي أحله الله، فدخل في تحريم الربا جميع أكل المال بالمعاوضات الباطلة المحرمة، مثل ربا الفضل فيما حرم فيه التفاضل، وربا النسيئة فيما حرم فيه النسأ، ومثل أثمان الأعيان المحرمة، كالخمر،
стр. 4926
والميتة، والخنزير، والأصنام، ومثل قبول الهدية على الشفاعة، ومثل العقود الباطلة، كبيع الملامسة، والمنابذة، وبيع حبل الحبلة، وبيع الغرر، وبيع الثمرة قبل بدو صلاحها، والمخابرة، والسلف فيما لا يجوز السلف فيه، وكلام الصحابة في تسمية ذلك ربا كثير، وقد قالوا: القبالات ربا،، وفي النجش أنه ربا، وفي الصفقتين في صفقة أنه ربا، وفي بيع الثمرة قبل بدو صلاحها أنه ربا، وروي أن غبن المسترسل ربا، وأن كل قرض جر نفعًا فهو ربا ...... وإنما أشرنا هنا إلى ما يبين كثرة أنواع أبواب ا لربا، وأنها تشمل جميع المعاوضات المحرمة، فلذلك لما نزل تحريم الربا نهى النبي ﷺ عن الربا، وعن بيع الخمر، ليبين أن جميع ما نهى عن بيعه داخل في الربا المنهي عنه» (١).
(ح-٦٨٠) من ذلك ما رواه مسلم من طريق سليمان بن يسار.
عن أبي هريرة أنه قال لمروان: أحللت بيع الربا؟ فقال مروان: ما فعلت. فقال أبو هريرة: أحللت بيع الصكاك وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع الطعام حتى يستوفى. قال: فخطب مروان الناس، فنهى عن بيعها.
قال سليمان: فنظرت إلى حرس يأخذونها من أيدي الناس (٢).
(ح-٦٨١) ومنه ما رواه أحمد حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن عبد الله ابن عبد الرحمن بن أبي حسين، قال: حدثنا نوفل بن مساحق.
عن سعيد بن زيد، عن النبي ﷺ أنه قال: من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق ... الحديث.
[صحيح] (٣).
وإن كان تحريم الربا في المعاوضات المالية والذي نص على أنه ربا، والمذكور من السبع الموبقات، والمقرون بالشرك بالله وقتل النفس أشد من غيره من المحرمات كالغرر، والله أعلم.
* * *
стр. 4932
الباب الثاني
في أنواع الربا
الربا نوعان: الأول: ربا الديون، ويشمل نوعين: ربا القرض، وربا الجاهلية.
الثاني: ربا البيوع، ويشمل ربا النسيئة، وربا الفضل.
قال ابن رشد: «واتفق العلماء على أن الربا يوجد في شيئين: في البيع، وفيما تقرر في الذمة من بيع أو سلف ... » (١).
فجعل ابن رشد الربا نوعين: ربا البيوع. والنوع الثاني: ربا الديون، وهو ما عبر عنه بقوله: ما تقرر في الذمة.
وسنتكلم إن شاء الله تعالى على كل نوع في مبحث خاص، نسأل الله وحده عونه وتوفيقه.
* * *
стр. 4933
الفصل الأول
في ربا الديون
المبحث الأول
في ربا القرض
الفرع الأول
في التعريف في ربا القرض
قال ابن عبد البر: كل زيادة من عين أو منفعة يشترطها المسلف على المستسلف فهي ربا، لا خلاف في ذلك (١).
[م-١١٦٢] قلت: ربا الديون من إضافة الشيء إلى سببه، وهو نوعان: ربا الجاهلية، وسيأتي إن شاء الله الكلام عليه.
وربا القرض: وهو كل زيادة مشروطة أو متعارف عليها في بدل القرض.
والفرق بين ربا الديون وبين ربا البيوع: أن ربا البيوع يكون في الأموال الربوية خاصة، وهي الذهب، والفضة، والبر، والتمر، والشعير، والملح، المنصوص عليها في حديث أبي سعيد الخدري وعبادة بن الصامت، وسيأتي تخريجهما عند الكلام على ربا البيوع. وألحق الفقهاء فيها ما شابهها في العلة.
وأما ربا الديون فيجري في الأموال الربوية وفي غيرها باتفاق الفقهاء، وقد
стр. 4934
أخطأ من المعاصرين من جوز القرض بفائدة ظنًا منه أن الأوراق النقدية ليست من الأموال الربوية، فأدخل ربا القرض في ربا البيوع.
يقول ابن حزم رحمه الله تعالى: «والربا لا يجوز - أي لا يقع - في البيع والسلم إلا في ستة أشياء .... وهو في القرض في كل شيء فلا يحل إقراض شيء ليرد إليك أقل ولا أكثر ولا من نوع آخر أصلًا لكن مثل ما أقرضت في نوعه ومقداره .... وهذا إجماع مقطوع به» (١).
ويرى بعض العلماء بأن ربا القرض هو من ربا البيوع، وأن تسميته ربا القرض هي تسمية اصطلاحية من لدن الفقهاء، وهو في حقيقته نوع من ربا البيوع مشتملًا على ربا الفضل والنسيئة، لأن القرض: هو عقد إرفاق وإحسان، فإذا اشترط زيادة على قرضه خرج العقد من كونه عقد إرفاق وإحسان إلى كونه من عقود الربح والمعاوضة، فأصبح حقيقته بيع دراهم بدراهم مع التفاضل والنسأ، فجمع الربا بنوعيه، والعياذ بالله، والعقود العبرة فيها بالمعاني وليست بالألفاظ.
وقد يقال: بأن من أطلق عليه ربا القرض نظر إلى ظاهر العقد، ومن ألحقه بربا البيوع نظر إلى المعنى.
وقد يقال: بأن هناك فرقًا بين ربا القرض وربا البيع.
فربا القرض لا يختص بمال معين، فكل زيادة من عين أو منفعة على القرض فهي حرام بصرف النظر عن جنس المال.
أما ربا البيوع فلا يجري إلا في أموال خاصة تتفق في علة الربا، فإذا اختلف العلة بين العوضين جاز التفاضل وجاز النساء.
стр. 4935
والمراد من كل هذا: أن القرض يجب رد مثله دون اشتراط زيادة، فإذا اشترط المقر ض على المقترض زيادة فإن هذا من الربا بصرف النظر هل هذه الزيادة تخرج القرض من حقيقته إلى حقيقة المعاوضة، أو هو من ربا البيوع، والله أعلم.
* * *
стр. 4936
الفرع الثاني
في حكم ربا القروض
قال ابن عبد البر: «كل زيادة من عين أو منفعة يشترطها المسلف على المستسلف فهي ربا، لا خلاف في ذلك» (١).
فقوله (كل زيادة) من ألفاظ العموم، لا فرق بين زيادة في قرض استهلاكي، أو قرض إنتاجي.
[م-١١٦٣] وقد ذهب عامة العلماء (٢)، والمجامع الفقهية (٣)، إلى تحريم ربا
стр. 4937
القروض من غير فرق بين قرض يقصد به الاستثمار والإنتاج، وبين قرض يقصد به الاستهلاك.
وقد استدلوا على تحريم ربا القروض بأدلة منها:
الدليل الأول:
عموم نصوص الشريعة التي تحرم الربا، فلم تستثن منه شيئًا، وما كان ربك نسيًا، فلو كانت الزيادة على القروض إذا كانت بغرض الإنتاج حلالًا لجاءت النصوص تستثنيه، كما استثنت النصوص العرايا من ربا الفضل، وكما استثنى النص الرباني من جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف.
قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَاا﴾ [البقرة:٢٧٥].
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَاا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٢٧٨].
(ح-٦٨٢) وروى مسلم من حديث جابر قال: لعن رسول الله ﷺ آكل الربا، ومؤكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: هم سواء (١).
(ح-٦٨٣) وروى البخاري في صحيحه من حديث أبي جحيفة لعن الرسول ﷺ آكل الربا (٢).
فمن قيد هذه النصوص المطلقة بأن المقصود بها ربا الاستهلاك دون ربا الإنتاج فقد خصص النصوص الشرعية بفهمه من غير مخصص، والفهم غير معصوم، فلا يخصص النصوص الشرعية إلا نصوص مثلها، وإلا حصل تلاعب بالنصوص الشرعية لا يمكن ضبطه.
стр. 4938
الدليل الثاني:
قال تعالى: ﴿وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٩] فمن أخذ زيادة على رأس ماله فقد ظلم وتعدى، سواء كانت الزيادة في قرض استهلاكي، أو قرض إنتاجي، فمن أراد الخروج من ظلم الربا فليس له إلا مخرج واحد أن يأخذ المرابي رأس ماله، هذا هو طريق النجاة لمن أراد التوبة من الربا.
الدليل الثالث:
حكى الفقهاء من كافة المذاهب على تحريم اشتراط زيادة في بدل القرض للمقرض، وأن ذلك من الربا من غير فرق بين ربا الإنتاج وربا الاستهلاك.
ففي المذهب الحنفي: قال العيني: «أجمع المسلمون بالنقل عن النبي ﷺ أن اشتراط الزيادة في السلف ربا حرام» (١).
وفي مذهب المالكية قال ابن عبد البر: «كل زيادة من عين أو منفعة يشترطها المسلف على المستسلف فهي ربا، لا خلاف في ذلك» (٢).
فقوله ﵀ (كل زيادة) من ألفاظ العموم تشمل كل زيادة، وقوله (من عين أو منفعة) بيان لهذه الزيادة، وأن الزيادة ليست محصورة في أعيان معينة كربا البيوع، بل ولا في جنس الأعيان حتى لو اشترط زيادة منفعة كانت المنفعة محرمة.
وقال أيضًا: «وقد أجمع المسلمون نقلا عن نبيهم ﷺ أن اشتراط الزيادة في
стр. 4939
السلف ربا ولو كان قبضة من علف، أو حبة، كما قال ابن مسعود: أو حبة واحدة» (١).
ونقله عنه القرطبي المالكي في تفسيره (٢).
وفي المذهب الشافعي قال ابن المنذر: «أجمعوا على المسلف إذا شرط على المستسلف هدية أو زيادة، فأسلف على ذلك أن أخذ الزيادة ربا» (٣).
وفي مذهب الحنابلة: قال ابن تيمية: «وقد اتفق العلماء على أن المقرض متى اشترط زيادة على قرضه كان ذلك حرامًا» (٤).
وقال ابن قدامة: «كل قرض شرط فيه أن يزيده فهو حرام بغير خلاف» (٥)، ثم ساق كلام ابن المنذر، والذي نقلنا آنفًا.
وقال ابن مفلح الصغير الحنبلي: «كل قرض شرط فيه زيادة فهو حرام إجماعًا؛ لأنه عقد إرفاق وقربة، فإذا شرط فيه الزيادة أخرجه عن موضوعه، ولا فرق بين الزيادة في القدر أو الصفة، مثل أن يقرضه مكسرة فيعطيه صحاحًا، أو نقدًا ليعطيه خيرا منه .... » (٦).
وفي المذهب الظاهري، قال ابن حزم: «لا يحل إقراض شيء ليرد إليك أقل ولا أكثر ولا من نوع آخر أصلًا لكن مثل ما أقرضت في نوعه ومقداره .... وهذا إجماع مقطوع به» (٧).
стр. 4940
الدليل الرابع:
(ث-١٢١) روى البخاري من طريق شعبة، عن سعيد بن أبي بردة.
عن أبيه، أتيت المدينة فلقيت عبد الله بن سلام ﵁، فقال: ألا تجيء فأطعمك سويقًا وتمرًا ..... ثم قال: إنك بأرض الربا بها فاش، إذا كان لك على رجل حق، فأهدى إليك حمل تبن، أو حمل شعير، أو حمل قت، فلا تأخذه فإنه ربا (١).
الدليل الخامس:
(ح-٦٨٤) ما رواه أبو داود الطيالسي من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه.
عن عبد الله بن عمرو، قال: نهى رسول الله ﷺ عن سلف وبيع، وعن شرطين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك، وعن ربح ما لم يضمن (٢).
[إسناده حسن] (٣).
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ : (لا يحل سلف وبيع) والمراد بالسلف: هو القرض في لغة الحجاز، فنهى عن الجمع بين البيع والقرض، وإنما نهى عن الجمع بين البيع والقرض وإن كان كل واحد منهما صحيحًا بانفراده لأنه ربما حاباه في البيع لأجل القرض، فيؤدي إلى أن يجر القرض نفعًا للمقرض، فلما كانت الفائدة على القرض ربما تستتر بعقد البيع نهى عنها الشارع، وإذا كان هذا حكم الشرع بالفائدة المستترة فكيف بالفائدة الظاهرة المشروطة.