стр. 4936
← Фикх общий следующие страницы →
Фикх общий · id 14474
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة
دبيان الدبيان
Полный текст (10 239 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.
стр. 4937
القروض من غير فرق بين قرض يقصد به الاستثمار والإنتاج، وبين قرض يقصد به الاستهلاك.
وقد استدلوا على تحريم ربا القروض بأدلة منها:
الدليل الأول:
عموم نصوص الشريعة التي تحرم الربا، فلم تستثن منه شيئًا، وما كان ربك نسيًا، فلو كانت الزيادة على القروض إذا كانت بغرض الإنتاج حلالًا لجاءت النصوص تستثنيه، كما استثنت النصوص العرايا من ربا الفضل، وكما استثنى النص الرباني من جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف.
قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَاا﴾ [البقرة:٢٧٥].
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَاا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٢٧٨].
(ح-٦٨٢) وروى مسلم من حديث جابر قال: لعن رسول الله ﷺ آكل الربا، ومؤكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: هم سواء (١).
(ح-٦٨٣) وروى البخاري في صحيحه من حديث أبي جحيفة لعن الرسول ﷺ آكل الربا (٢).
فمن قيد هذه النصوص المطلقة بأن المقصود بها ربا الاستهلاك دون ربا الإنتاج فقد خصص النصوص الشرعية بفهمه من غير مخصص، والفهم غير معصوم، فلا يخصص النصوص الشرعية إلا نصوص مثلها، وإلا حصل تلاعب بالنصوص الشرعية لا يمكن ضبطه.
стр. 4938
الدليل الثاني:
قال تعالى: ﴿وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٩] فمن أخذ زيادة على رأس ماله فقد ظلم وتعدى، سواء كانت الزيادة في قرض استهلاكي، أو قرض إنتاجي، فمن أراد الخروج من ظلم الربا فليس له إلا مخرج واحد أن يأخذ المرابي رأس ماله، هذا هو طريق النجاة لمن أراد التوبة من الربا.
الدليل الثالث:
حكى الفقهاء من كافة المذاهب على تحريم اشتراط زيادة في بدل القرض للمقرض، وأن ذلك من الربا من غير فرق بين ربا الإنتاج وربا الاستهلاك.
ففي المذهب الحنفي: قال العيني: «أجمع المسلمون بالنقل عن النبي ﷺ أن اشتراط الزيادة في السلف ربا حرام» (١).
وفي مذهب المالكية قال ابن عبد البر: «كل زيادة من عين أو منفعة يشترطها المسلف على المستسلف فهي ربا، لا خلاف في ذلك» (٢).
فقوله ﵀ (كل زيادة) من ألفاظ العموم تشمل كل زيادة، وقوله (من عين أو منفعة) بيان لهذه الزيادة، وأن الزيادة ليست محصورة في أعيان معينة كربا البيوع، بل ولا في جنس الأعيان حتى لو اشترط زيادة منفعة كانت المنفعة محرمة.
وقال أيضًا: «وقد أجمع المسلمون نقلا عن نبيهم ﷺ أن اشتراط الزيادة في
стр. 4939
السلف ربا ولو كان قبضة من علف، أو حبة، كما قال ابن مسعود: أو حبة واحدة» (١).
ونقله عنه القرطبي المالكي في تفسيره (٢).
وفي المذهب الشافعي قال ابن المنذر: «أجمعوا على المسلف إذا شرط على المستسلف هدية أو زيادة، فأسلف على ذلك أن أخذ الزيادة ربا» (٣).
وفي مذهب الحنابلة: قال ابن تيمية: «وقد اتفق العلماء على أن المقرض متى اشترط زيادة على قرضه كان ذلك حرامًا» (٤).
وقال ابن قدامة: «كل قرض شرط فيه أن يزيده فهو حرام بغير خلاف» (٥)، ثم ساق كلام ابن المنذر، والذي نقلنا آنفًا.
وقال ابن مفلح الصغير الحنبلي: «كل قرض شرط فيه زيادة فهو حرام إجماعًا؛ لأنه عقد إرفاق وقربة، فإذا شرط فيه الزيادة أخرجه عن موضوعه، ولا فرق بين الزيادة في القدر أو الصفة، مثل أن يقرضه مكسرة فيعطيه صحاحًا، أو نقدًا ليعطيه خيرا منه .... » (٦).
وفي المذهب الظاهري، قال ابن حزم: «لا يحل إقراض شيء ليرد إليك أقل ولا أكثر ولا من نوع آخر أصلًا لكن مثل ما أقرضت في نوعه ومقداره .... وهذا إجماع مقطوع به» (٧).
стр. 4940
الدليل الرابع:
(ث-١٢١) روى البخاري من طريق شعبة، عن سعيد بن أبي بردة.
عن أبيه، أتيت المدينة فلقيت عبد الله بن سلام ﵁، فقال: ألا تجيء فأطعمك سويقًا وتمرًا ..... ثم قال: إنك بأرض الربا بها فاش، إذا كان لك على رجل حق، فأهدى إليك حمل تبن، أو حمل شعير، أو حمل قت، فلا تأخذه فإنه ربا (١).
الدليل الخامس:
(ح-٦٨٤) ما رواه أبو داود الطيالسي من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه.
عن عبد الله بن عمرو، قال: نهى رسول الله ﷺ عن سلف وبيع، وعن شرطين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك، وعن ربح ما لم يضمن (٢).
[إسناده حسن] (٣).
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ : (لا يحل سلف وبيع) والمراد بالسلف: هو القرض في لغة الحجاز، فنهى عن الجمع بين البيع والقرض، وإنما نهى عن الجمع بين البيع والقرض وإن كان كل واحد منهما صحيحًا بانفراده لأنه ربما حاباه في البيع لأجل القرض، فيؤدي إلى أن يجر القرض نفعًا للمقرض، فلما كانت الفائدة على القرض ربما تستتر بعقد البيع نهى عنها الشارع، وإذا كان هذا حكم الشرع بالفائدة المستترة فكيف بالفائدة الظاهرة المشروطة.
стр. 4941
قال ابن تيمية: «نهى - يعني النبي ﷺ أن يجمع الرجل بين سلف وبيع، وهو حديث صحيح ومعلوم أنه لو أفرد أحدهما عن الآخر صح وإنما ذاك ; لأن اقتران أحدهما بالآخر ذريعة إلى أن يقرضه ألفًا، ويبيعه ثمانمائة بألف أخرى، فيكون قد أعطاه ألفًا، وسلعة بثمانمائة، ليأخذ منه ألفين، وهذا هو معنى الربا» (١).
وقد حكى الإجماع غير واحد من أهل العلم على تحريم اشتراط البيع مع عقد القرض.
قال الباجي في المنتقى: «لا يحل بيع وسلف، وأجمع الفقهاء على المنع من ذلك ... » (٢).
قال القرافي: «وبإجماع الأمة على جواز البيع والسلف مفترقين، وتحريمهما مجتمعين لذريعة الربا» (٣).
وقال في مواهب الجليل: «واعلم أنه لا خلاف في المنع من صريح بيع وسلف» (٤).
وقال الزركشي في البحر المحيط: «وبالإجماع على جواز البيع والسلف مفترقين، وتحريمهما مجتمعين للذريعة إليها» (٥).
كما حكى الإجماع على التحريم ابن قدامة في المغني (٦) وغيرهم.
стр. 4942
القول الثاني:
مع وضوح تحريم ربا القروض مطلقًا، واتفاق علماء السلف عليها إلا أن هناك من خالف في هذه المسألة من المحدثين، وخلافهم فيها من قبيل الخلاف الشاذ، المخالف للإجماع، ويلتمس العذر لهم لكونهم متأولين، ولا يعتبر القول عندي خارقًا للإجماع لكون هذا القول في نفسه مخالفًا للإجماع كما سبق، والله أعلم.
وأستطيع أن أرجع الأقوال المخالفة لإجماع السلف إلى مذهبين:
الأول: يرى جواز اشتراط القرض بفائدة عند ابتداء العقد، (وهو ما يسمى بالفائدة البسيطة) ويحرم الفائدة المركبة، وهو أن يقول إذا حل الأجل: إما أن تقضي وإما أن تربي. ويحصر التحريم بهذا النوع من الربا، وبالتالي فإن ما تمارسه البنوك من إقراض بفائدة لا يكون محرمًا بناء على هذا القول، إلا إذا ضاعفوا الربا من أجل التأخير في السداد، وممن قال بذلك الشيخ محمد رشيد رضا، وعبد الرزاق السنهوري وغيرهما، وسيأتي توثيق هذا القول، ومناقشته عند الكلام على ربا الجاهلية.
الثاني: يرى تحريم القرض بفائدة للاستهلاك، ويجوزه للإنتاج، فكما قسم الفريق الأول الربا إلى نوعين: مضاعف وبسيط، وحرم الأول دون الثاني. قسم هذا الفريق الربا أيضًا إلى نوعين:
ربا استهلاكي: هو الزيادة التي تؤخذ على القروض المستعملة في شراء الحاجات الاستهلاكية.
وربا إنتاجي: هو الزيادة التي تؤخذ على القروض المستعملة في عمليات إنتاجية كإقامة مشروع تجاري أو صناعي، أو زراعي، وزعموا أن مقاصد
стр. 4943
الشريعة تقضي بتحريم الربا فيما أخذ للاستهلاك فقط، وأن هذا هو ربا الجاهلية الذي وردت النصوص بتحريمه، دون ربا التنمية والإنتاج.
وبناء على هذا القول يكون أخذ الربا على الودائع البنكية حلالًا، لأن المقترض، وهو البنك إنما اقترض هذه الأموال من المودعين للتنمية والإنتاج، ولم يقترضها للاستهلاك في أكل وشرب ولبس، وسداد للديون ونحوها (١).
стр. 4944
والمجيزون لذلك بعضهم يكيف الودائع على أنها عقد مضاربة، مع ضمان رأس المال وربح معلوم (١)، ومعلوم أن ضمان رأس المال في عقد المضاربة، أو تحديد مقدار الربح لرب المال يجعله باطلًا بالاتفاق، وسيأتي إن شاء الله النقل عن ذلك.
وبعضهم يكيفها على أنها ديون، ولكن جاز أخذ الفائدة عليها؛ لأن آخذها قد أخذها للتنمية والإنتاج، فهو سيربح منها أمولًا طائلة، فلا مانع من أخذ زيادة معينة ما دام أن القرض لم يكن من القروض الاستهلاكية، وإنما هي قروض إنتاجية.
стр. 4945
كما أنه بناء على هذا القول يجوز أن تقترض من البنك بفائدة إذا كان الغرض من ذلك الإنتاج وليس لغرض الاستهلاك.
وقد استدل أصحاب هذا القول بأدلة، منها:
الدليل الأول:
أن الربا الذي حرمه القرآن الكريم هو ما كان سائدًا في الجاهلية قبل بعثة الرسول ﷺ ، وهو مقصور على الربا الاستهلاكي، والذي يستغل فيه المرابون حاجة المعوزين والفقراء، ويرهقونهم بما يفرضون عليه من ربا فاحش، وأن العصر الجاهلي لم يكن أهله على علم بالقروض الإنتاجية، وأثرها في النشاط الاقتصادي، وأما اليوم فقد تطورت النظم الاقتصادية، وانتشرت الشركات، وأصبح المقترض اليوم هو الجانب الأقوى، وأصبح المقرض هو الجانب الأضعف الذي تجب له الحماية، فليس من المعقول أن نعتبر المقرض الضعيف في هذه الحالة هو المرابي الظالم.
ويناقش هذا الدليل من أربعة وجوه:
الوجه الأول:
أن هذا الاستدلال قائم على فرضيتين:
الفرضية الأولى:
أن ما لم يكن موجودًا في عهد نزول القرآن لا يمكن أن يكون حرامًا في الشريعة.
وهذا الكلام دعوى باطلة؛ لأن القرآن حينما يحرم شيئًا إنما يحرم حقيقته، وإن كانت تلك الحقيقة خارجة عن النهي والحرمة، بل تكون الحرمة واقعة على تلك الحقيقة مهما تغيرت صورتها في الأزمنة التالية.
стр. 4946
ومثاله: أن القرآن الكريم لما حرم الخمر فقد حرم حقيقتها دون صورها الموجودة في عهد نزوله بخصوصها، فهل يجوز لعاقل أن يقول: إنما الحرام تلك الصور المخصوصة من الخمر التي كانت موجودة في عهد نزول القرآن؟ والتي كانت تصنع بالأيدي، ولا تحرم هذه الخمور الحديثة التي تصنع بالمكينات والطرق الكيماوية.
وكذلك لما حرم القرآن الربا فقد حرم حقيقته، وهي الزيادة المشروطة، ولم يحرم الصور الموجودة منه في عهد نزوله بخصوصها، فتدخل في الحرمة كل صورة تصدق عليها هذه الحقيقة، سواء كانت تلك الصورة موجودة عند نزول القرآن، أو كانت محدثة فيما بعد من الزمان، فالأساليب والصور قد تتغير من عصر إلى آخر، وهذا لا يغير شيئًا من حقيقة الربا (١).
الفرضية الثانية:
أن قروض الاستثمار لم تكن موجودةً في عهد نزول القرآن.
وهذا الكلام دعوى بلا برهان، فإن القروض الإنتاجية بمختلف أنواعها التجارية والزراعية كانت سائدة في الجاهلية: فالسنة النبوية تنقل لنا حال المزارعين في المدينة حال مقدم رسول الله ﷺ ، وقد كان أهل يثرب أهل زراعة، فيحتاجون الأموال لاستصلاح الزراعة، وربما أخذوا القروض المؤجلة لسنة أو لسنتين، إلى ثلاث سنين وهي ليست قروضًا استهلاكية:
(ح-٦٨٥) فقد روى البخاري من طريق أبي المنهال.
عن ابن عباس ﵄ قال: قدم النبي ﷺ المدينة، وهم يسلفون في الثمار السنتين والثلاث، فقال: أسلفوا في الثمار في كيل معلوم، إلى أجل معلوم (٢).
стр. 4947
فكلمة (وهم يسلفون في الثمار) تعبير عن جميع المزارعين أو غالبهم، وهذا لا يكون إلا في الأمور الإنتاجية، لأن الأمور الاستهلاكية لا يمكن أن يعبر عنها بلفظ الجمع؛ لأنها حاجة خاصة، وكان سبيل المزارعين في ذلك هو اللجوء إلى بيع السلم، زيادة المبيع في مقابل تقديم الثمن.
وأما مكة فمن المعلوم أنها لم تكن أرضًا زراعية، وكان أهلها يعتمدون على التجارة، وكانت لهم رحلتين امتن الله بها عليهم: رحلة الشتاء إلى اليمن، ورحلة الصيف إلى الشام، وكانت القوافل تخرج من مكة لتعود محملة بمختلف البضائع، وكانت قريش كلها تساهم في تمويلها، والتمويل يحتاج إلى رأس مال، ومن لم يكن لديه رأس مال لجأ إلى الاقتراض بالربا.
(ث-١٢٢) ومن ذلك ما رواه البخاري في صحيحه في دين الزبير بن العوام ﵁، يقول ابنه عبد الله: «وإنما كان دينه الذي عليه أن الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه إياه، فيقول الزبير: لا، و لكنه سلف، فإني أخشى عليه الضيعة ... قال عبد الله: فحسبت ما عليه من الدين فوجدته ألفي ألف، ومائتي ألف» (١).
وعمل الزبير يشبه عمل البنوك الإسلامية اليوم، حيث تودع الأموال فيها على شكل قروض مضمونة، فهذا الدين الضخم الذي على الزبير لا يمكن أن يعتبر من قبيل القروض الاستهلاكية.
(ث-١٢٣) وروى مالك في الموطأ، عن زيد بن أسلم،
عن أبيه أنه قال: خرج عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب في جيش إلى العراق، فلما قفلا مرا على أبي موسى الأشعري، وهو أمير البصرة، فرحب بهما وسهل، ثم قال:
стр. 4948
لو أقدر لكما على أمر أنفعكما به لفعلت، ثم قال: بلى ههنا مال من مال الله، أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين، فأسلفكماه فتبتاعان به متاعًا من متاع العراق، ثم تبيعانه بالمدينة فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين، ويكون الربح لكما، فقالا: وددنا ذلك، ففعل، وكتب إلى عمر بن الخطاب أن يأخذ منهما المال، فلما قدما باعا، فأربحا، فلما دفعا ذلك إلى عمر، قال: أكل الجيش أسلفه مثل ما أسلفكما؟ قالا: لا. فقال عمر بن الخطاب: ابنا أمير المؤمنين، فأسلفكما، أديا المال وربحه، فأما عبد الله فسكت، وأما عبيد الله فقال: ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين هذا، لو نقص هذا المال أو هلك لضمناه. فقال عمر: أدياه، فسكت عبد الله، وراجعه عبيد الله. فقال رجل من جلساء عمر يا أمير المؤمنين: لو جعلته قراضًا، فقال عمر قد جعلته قراضا فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحه، وأخذ عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب نصف ربح المال (١).
[إسناده صحيح].
فهنا أسلفهما، ولم يكن هذا القرض عن حاجة، وإنما قرض استثماري، حيث أسلفهما بقصد التجارة، والغرض منه أن يربحا، فهذا دليل على أن القروض الإنتاجية لم تكن معدومة في الصدر الأول.
(ث-١٢٤) وروى الطبري في تفسيره، عن زيد بن أسلم، عن أبيه،
أن هند ابنة عتبة قامت إلى عمر بن الخطاب ﵁، فاستقرضته من بيت المال أربعة آلاف، تتجر فيها، وتضمنها، فأقرضها .... (٢).
стр. 4949
وفي إسناده سيف بن عمر، وهو ضعيف.
فكل هذه النصوص تثبت أن العصر الأول كان يعرف القرض الإنتاجي، بل هو الأصل في القروض في وقتهم.
الوجه الثاني:
«أن هذا القول مبني على مقدمتين ونتيجة:
المقدمة الأولى: أن الحكمة من تحريم الربا منع استغلال الفقير.
والمقدمة الثانية: أن هذه الحكمة منتفية في قروض الإنتاج.
والنتيجة: ينبغي أن ينتفي تحريم الربا في قروض الإنتاج.
والجواب:
أن هذا الافتراض مبني على تصور مخالف للقاعدة الأصولية؛ فأين الدليل على أن ما ذكر هو كل الحكمة من تحريم الربا؟
ولو فرضنا أن هذا هو كل الحكمة من تحريم الربا، فإن القاعدة الأصولية تقول: إن الأحكام تدور مع العلة لا مع الحكمة.
فمثلًا: الحكمة من قصر الصلاة في السفر -كما قيل- منع المشقة عن المصلي، ولكن وجود هذا الأمر في غير حالات السفر لا يبيح القصر، فلا يجوز للمريض قصر الصلاة، ولو كان إتمامها يشق عليه أكثر من المسافر، ويباح قصر الصلاة للمسافر، ولو انتفت المشقة كما في حالة المترفه في سفره.
إن القول بأن الحكمة من تحريم الربا منع استغلال الفقير، فإذا انتفى الاستغلال جاز الربا، هو تماما مثل أن يقول قائل: إن الحكمة من تحريم الزنا
стр. 4950
هو حفظ النسب، فإذا انتفى ضياع النسب بالزنا كما في حالة التعقيم انتفى التحريم (١).
الوجه ا لثالث:
أن هذا السبب المزعوم لتحريم الربا، وهو منع استغلال حاجة الفقير لا يدور وجودًا وعدمًا مع كون القرض الربوي قرض إنتاج أو استهلاك، فاستغلال الحاجة منتف في بعض القروض الاستهلاكية، كما في اقتراض الرجل الغني لشراء يخت للنزهة مثلا، وهو هنا قرض مستهلك.
واستغلال الحاجة موجود في بعض القروض الإنتاجية حالة اقتراض الحرفي الفقير لشراء ورشة يستغلها لكسب عيشه، وهو هنا قرض إنتاج (٢).
الوجه الرابع:
أن الشارع الحكيم حرم ربا الفضل، ومن صوره ما لا يكون ظلمًا، كما باع صاعًا من البر الجيد بصاعين من ا لبر الرديء، وتحريم مثل هذا رغم انتفاء الظلم فيه قادح في التعليل بالظلم نظرًا لوجود الحكم (التحريم) مع تخلف الحكمة (الظلم) (٣).
وقد يكون الظلم الذي عناه الشارع أعم من الظلم الواقع على المقترض، فإن الظلم قد يطال المقرض والمقترض، والمجتمع الذي انتشر فيه الربا، لأن تكدس الأموال في أيدي قليلة من الناس، وتحكمهم في اقتصاد الناس يؤدي إلى مفاسد سياسية واقتصادية، واجتماعية لا تخفى، وليس هذا موضع بحثها.
стр. 4951
الدليل الثاني:
أن المقترض في ديون الاستثمار يكونون رجالًا أثرياء، ويحصلون بها على أرباح كثيرة، فلو طالبهم المقرض بزيادة على رأس المال فلا يكون ذلك ظلمًا ولا استغلالًا (١).
والجواب من وجهين:
الوجه الأول:
أن الربح في هذه القروض مظنون، وليس مقطوعًا به، فقد يربح، وقد يخسر. ودعوى أن المشاريع اليوم مضمونة النتائج؛ لأنها قائمة على دراسات اقتصادية دقيقة، هذه الدعوى يخالفها الواقع، فليس هناك في التجارة شيء مضمون.
«فهذه اليابان تعلن فيها مئات البنوك إفلاسها. وهذه الأزمة الآسيوية التي عصفت بدول جنوب آسيا برمتها، فلم تغن عنهم حساباتهم ولا دراساتهم، بل إن صندوق النقد الدولي، وهو أعلى مؤسسة مالية في العالم توقع في تقريره قبل حلول الأزمة الآسيوية ببضعة أشهر، أن يكون معدل النمو في دول النمور الآسيوية يزيد على ٨%، وهو أعلى معدلات النمو في العالم، وها هو الآن لا يزيد على ٠.٢% فهل يصح بعد هذا أن يقال: إن الدراسات المحاسبية تقدر بدقة نتائج الاستثمار؟ أو لا يعلم هؤلاء أن في أمريكا وحدها مجلات دورية أسبوعية، أو شهرية، متخصصة بالإعلان عن الشركات والبنوك التي تعلن إفلاسها» (٢).
стр. 4952
الوجه الثاني:
على فرض أن الربح في المشاريع الإنتاجية مضمون فإن الربح إنما هو ثمرة الجهد الذي بذله المستدين، وهذا يجعل الربح خالصًا له، والناس يتفاوتون في هذا فقد يأخذ القرض شخص ويخسر، ويأخذه آخر لنفس المشروع ويربح، فالربح بعد توفيق الله هو متعلق بجهد المقترض، بل إن الشرع يذهب أبعد من هذا، فلو أن غاصبًا اغتصب دراهم ثم استثمرها، وربح منها ربحًا عظيمًا لم يكن عليه أن يرد إلا ما اغتصبه، ويكون الربح للغاصب في مقابل ضمانه لما اغتصب، فإذا كان هذا في معاملة المعتدي الغاصب، فكيف في معاملة المقترض المأذون له.
والإنصاف أن ينظر الدائن في دينه، هل يقرض ذلك إعانة للمستقرض، أو يريد أن يشاركه في أرباحه؟
فإن كان المقصود هو الأول فلا حق له إلا في رأس المال، وليتحمل المقترض وحده الخسارة في مقابل أن يتمتع بالربح وحده.
وإن كان المقصود هو الثاني، فالإنصاف أن يشاركه في أخطار التجارة أيضًا، ولا يطالبه بالربح إلا إذا ربحت تجارته، وإنما يكون ذلك في عقد المضاربة بشروطها (١).
الدليل الثالث:
يدعي بعض من يبيح أخذ الربا على الودائع البنكية أن البنك الربوي يأخذ الودائع ليضارب بها نيابة عن أصحابها، فهي ثمرة استثمار أموالهم.
стр. 4953
ويجاب عن ذلك:
أن هذه الدعوى مخالفة للواقع، ومخالفة للأنظمة، فإن البنوك ممنوعة بمقتضى أنظمتها من ممارسة الاستثمار في التجارة، لأنها قائمة على الإقراض والاقتراض بفائدة (١).
ولو فرض أن هذه الأنظمة قابلة للمراجعة والتغيير فإن تحديد نسبة الفائدة يجعل المعاملة محرمة، ويبطل المضاربة. وهناك فرق بين المضاربة وبين الاقتراض بفائدة من ذلك:
-المضاربة شركة بين صاحب المال، وصاحب العمل، تطبق عليها أحكام الشركات، أما أخذ المال من البنوك الربوية فهو اقتراض بفائدة، بمعنى أن البنك يتملك المال، ويتصرف فيه تصرف الملاك، وله مطلق الحرية، إن شاء أقرضه بفائدة، كما هي وظيفة البنك الأساسية، وإن شاء جمده على شكل أرصدة في البنك المركزي، ولا يطالب صاحب المال البنك في العمل فيه، ولا له حق مطالبته في الإشراف على طريقة استثمار البنك للمال.
стр. 4954
- أن البنك يأخذ فائدة ثابتة، بصرف النظر عن الربح والخسارة، ومقدار هذه الفائدة يتناسب مع مقدار القرض، ومدة القرض، وسعر الفائدة السائد في السوق، بينما المضاربة معرضة للربح والخسارة.
- أن صاحب القرض يضمن رجوع رأس المال كاملًا في كل الأحوال، بينما تكون الخسارة في المضاربة على الربح، ولو أتى على جميعه، ثم على رأس المال، والعامل يخسر عمله وجهده.
فاشتراط الضمان في المضاربة على العامل باطل، يفسد عقد المضاربة.
يقول ابن رشد: «وأجمعوا على أن صفته: أن يعطي الرجل الرجل المال، على أن يتجر به، على جزء معلوم يأخذه العامل من الربح ... وأنه لا ضمان على العامل فيما تلف من رأس المال إذا لم يتعد» (١).
وقال ابن قدامة: «متى شرط على المضارب ضمان المال، أو سهمًا من الوضيعة، فالشرط باطل، لا نعلم فيه خلافًا» (٢).
وفي هذا نعلم أن اشتراط الفقهاء في المضاربة، ألا يكون المال والربح مضمونًا على العامل، مرده إلى أن هذا الشرط يخرج العقد من كونه قراضًا إلى كونه قرضا.
هذه تقريبًا شبه القائلين بجواز ربا القرض إذا كان من قبيل الانتاج والاستهلاك والجواب عليها.
* * *
стр. 4955
المبحث الثاني
في ربا الجاهلية
قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَاا﴾ وما ورد في السنة إما تفسير لما أجمل في كتاب الله، أو زيادة عليه، وكلاهما من الربا المحرم ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر:٧].
[م -١١٦٤] من ربا الديون ربا الجاهلية: وهو الزيادة في الدين نظير الأجل.
وهو المعني بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَاا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً﴾ [آل عمران:١٣٠].
يقول ابن جرير في تفسير هذه الآية: «إن الرجل منهم كان يكون له على الرجل مال إلى أجل، فإذا حل الأجل طلبه من صاحبه، فيقول له الذي عليه المال: أخر عني دينك وأزيدك على مالك، فيفعلان، فذلك هو الربا أضعافًا مضاعفة، فنهاهم الله في إسلامهم عنه».
ثم روى هذه التفسير عن مجاهد، وقتادة، وعطاء (١).
ولا شك أن الزيادة في الدين نظير الأجل، أنه من الربا المحرم، وأنه أشد أنواع الربا تحريمًا.
وقد غلط بعض المعاصرين في قصر التحريم على هذا النوع من الربا، وأن ما عداه من الربا لا يحرم، وأول من قال بهذا هو الشيخ محمد رشيد رضا خارقًا بذلك إجماع العلماء، ثم تبعه بعد ذلك جماعة من المثقفين المعاصرين (٢).
стр. 4956
وقد حمل الشيخ محمد رشيد رضا المطلق في قوله تعالى ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَاا﴾ [البقرة:٢٧٥] على المقيد في قوله سبحانه تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَاا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً﴾ [آل عمران:١٣٠]، وأن (أل) في قوله تعالى ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَاا﴾ [البقرة:٢٧٥] للعهد، أي الربا المعهود الذي كان فاشيًا في الجاهلية، وأن المحرم هو ربا الجاهلية الوارد في القرآن، وهو ما يؤخذ من المال لأجل تأخير الدين المستحق في الذمة إلى أجل آخر مهما يكن أصل ذلك الدين من بيع أو قرض، أو غيرهما، هذا هو المحرم تحريم مقاصد.
وهذا يعني: لا يدخل في الربا عنده كل قرض بفائدة مشروطة عند العقد، وهو ما تتعامل به البنوك الربوية في عصرنا إذا لم يترتب على تأخير السداد فوائد أخرى.
ولا يدخل في الربا عنده كل قرض جر نفعًا.
ولا يدخل في الربا عنده بيع أحد الأجناس الستة بمثله متفاضلًا نقدًا أو نسيئة، ولا فيما يلحق بالستة بمقتضى القياس. وإنما يظهر سبب النهي عن هذه البيوع أنه سد لذريعة الربا المحرم القطعي، فيباح للحاجة والمصلحة، إذ تحريمه تحريم وسائل كيلا يؤدي إلى ربا الجاهلية.
فخلاصة مذهبه: أن الربا ثلاثة أنواع:
الأول: ربا الجاهلية الوارد في القرآن، وهذا محرم تحريم مقاصد، ولا يباح إلا في حال الضرورة الملحة التي تبيح الميتة والدم.
стр. 4957
والثاني والثالث: ربا الفضل وربا النسيئة الواردين في الحديث النبوي الشريف، فتبيحهما الحاجة، وأن المنع منهما من قبيل سد الذريعة حتى لا يفضي ذلك إلى الربا المحرم القطعي.
وممن اتجه إلى هذا فضيلة الشيخ محمد رشيد رضا (١)،
стр. 4958
وعبد الرزاق السنهوري (١).
دليل من قال بهذا القول:
الدليل الأول:
أن الربا الوارد في القرآن هو ربا الجاهلية، وقد فسره مجاهد، وعطاء، وقتادة كما نقله ابن جرير عنهم في تفسيره، واقتصروا عليه، وهو أن ربا الجاهلية أن يبيع الرجل البيع إلى أجل مسمى، فإذا حل الأجل طلبه من صاحبه، فيقول له الذي عليه المال: أخر عني دينك وأزيدك على مالك، فيفعلان، فذلك هو الربا أضعافًا مضاعفة، فنهاهم الله في إسلامهم عنه.
ويناقش من وجوه:
الوجه الأول:
بأن ربا الجاهلية المذكور في قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا
стр. 4959
أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً﴾ [آل عمران:١٣٠] والذي نزل القرآن بتحريمه له صورتان في مفهوم العرب.
الصورة الأولى: الزيادة على أصل الدين عند حلول الوفاء مقابل تأجيله مدة أخرى، وهي المشهورة بقوله (إما أن تقضي وإما أن تربي).
الصورة الثانية: الزيادة على دين القرض عند العقد ابتداء. وكون بعض المفسرين اقتصر على الصورة الأولى منهما ربما كان ذلك لشهرتها، وكثرة جريانها عند العرب.
قال أبو بكر الجصاص في أحكام القرآن: «والربا الذي كانت العرب تعرفه، وتفعله، إنما كان قرض الدراهم والدنانير إلى أجل بزيادة على مقدار ما استقرض على ما يتراضون به ولم يكونوا يعرفون البيع بالنقد إذا كان متفاضلًا من جنس واحد. هذا كان المتعارف المشهور بينهم ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُوا عِندَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩] فأخبر أن تلك الزيادة المشروطة إنما كانت ربا في المال العين; لأنه لا عوض لها من جهة المقرض ... ولم يكن تعاملهم بالربا إلا على الوجه الذي ذكرنا من قرض دراهم أو دنانير إلى أجل مع شرط الزيادة» (١).
قال الألوسي «وليس هذه الحال - يعني أضعافًا مضاعفة -لتقييد المنهي عنه، ليكون أصل الربا غير منهي عنه، بل لمراعاة الواقع فقد روى غير واحد أنه
стр. 4960
كان الرجل يربي إلى أجل، فإذا حل الأجل قال للمدين: زدني في المال حتى أزيدك بالأجل، فيفعل، وهكذا عند كل أجل ... » (١).
وقد ذكر مثل ذلك أبو السعود، والبيضاوي في تفسيرهما (٢).
ففهم من ذلك أن ربا الجاهلية كان يأخذ شكل القرض بزيادة كما يأخذ شكل الزيادة في الدين عند حلول الأجل.
وقد نقل علماء المسلمين الإجماع على أن الزيادة على دين القرض من الربا المحرم، ونقلت كلامهم عند الكلام على دين القرض، منهم العيني، وابن عبد البر، وابن المنذر، وابن تيمية، وابن قدامة، وابن مفلح وغيرهم، ولم أقصد الاستيعاب، وإنما قصدت تنوع الفقهاء على اختلاف مذاهبهم، فكلامهم مقدم على كلام الشيخ محمد رشيد رضا، وفهمهم أولى لاتفاقهم، ومخالفة محمد رشيد رضا لهم على كثرتهم.
الوجه الثاني:
على فرض أن يكون ربا الجاهلية محصورًا في الدين إذا حل، ولم يكن المدين قادرًا على السداد، فيقول له: إما أن تقضي وإما أن تربي، فإنه لا يوجد فرق بين الزيادة عند حلول الأجل أو الزيادة المشروطة عند العقد، فالمعنى الذي من أجله حرمت الزيادة موجودة في الصورتين، فلا فرق في المعنى بين رجل أراد أن يقرض رجلًا مبلغًا من المال قدره مائة ألف ريال، فاشترط عليه عند العقد زيادة مائة ريال، وبين أن يشترط عليه الزيادة عند حلول الأجل، فكلا المعاملتين في مال متحد الجنس مع أجل، وربح مقابل الأجل (٣).
стр. 4961
الوجه الثالث:
أن النهي عن أكل الربا أضعافًا مضاعفة لا يعني أنه يجوز أكل الربا إذا لم يكن أضعافًا مضاعفة، ولكن هذا أسلوب قرآني للتنفير عن أكل الربا، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة:٤١] وإن كان الكفر به داخلًا في النهي حتى ولو لم يكن أول الكافرين، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة:٦٠] فالفساد منهي عنه وإن لم يكن المفسد متماديًا أشد الفساد، فكان من أسلوب القرآن إذا نهى عن صورة ذكر أقبح الصور، وإن كان القبيح داخلًا في الأقبح، وإذا أمر بأمر أمر بأحسن صوره، وإن كان الحسن داخلًا في الأحسن.
يقول أبو حيان في تفسير البحر المحيط عن النهي عن أكل الربا أضعافًا مضاعفة: «هذه الحال لا مفهوم لها، وليست قيدًا في النهي، إذ ما لا يقع أضعافًا مضاعفة مساو في التحريم لما كان أضعافًا مضاعفة» (١).
الوجه الرابع:
أننا لو أخذنا بظاهر الآية الكريمة ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَاا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً﴾ [آل عمران:١٣٠] فإن معنى ذلك: أن الزيادة إذا لم تكن أضعافًا مضاعفة لم تكن داخلة في النهي، وهذا يعني تحليل حتى الصورة المتفق عليها أنها من الربا، أرأيت لو أن لرجل على رجل دينًا مقداره ألف ريال مؤجلًا إلى سنة، فلما بلغ الأجل قال له: اجعلها خمسة وألفًا وأزيدك في الأجل لم يكن هذا الرجل قد أكل الربا أضعافًا مضاعفة؛ لأن الزيادة التي أخذها، وهي أصل الربا لم تضاعف فضلًا عن أن تكون أضعافًا مضاعفة، ومع ذلك هذه
стр. 4962
الصورة من الربا المتفق عليه، فعلم أن المفهوم من قوله تعالى ﴿أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً﴾ [آل عمران:١٣٠] ليس معتبرًا في تقييد النهي مثله قوله تعالى ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] فذكر هذا القيد لحاجة المخاطبين إليه، إذ هو الحامل على قتلهم لا لاختصاص الحكم به.
الوجه الخامس:
أن معنى قول الله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَاا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً﴾ [آل عمران:١٣٠] أي لا تضاعفوا أموالكم بالربا.
الوجه السادس:
أن النهي عن أكل الربا أضعافًا مضاعفة لا يعني حصر الربا في هذه الصفة، ونفيه عما عداها، فتخصيص الشيء بالذكر لا يعني قصره عليه، بل الربا فيها وفي غيرها مما ثبت أنه من الربا بدليل منفصل، فإذا ثبت تحريم (إما أن تربي وإما أن تقضي) بدلالة القرآن، فقد ثبت تحريم ربا البيوع بدلالة السنة المتفق عليها، وفهم ذلك عامة الصحابة، والمنازع ممن يؤمن بحجة السنة (١).
«والقرآن الكريم والسنة النبوية مصدران أساسيان للتشريع، وما تحرمه السنة فهو محرم قطعيًا، وتحريمه ليس في الحقيقة قاصرًا على السنة، بل هو محرم في القرآن، وبالقرآن أيضًا، قال تعالى: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠] ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [التغابن:١٢] ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١] ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣،٤] (٢).
стр. 4963
الدليل الثاني:
احتج الشيخ محمد رشيد رضا، والأستاذ السنهوري:
(ح-٦٨٦) بما رواه الشيخان، عن ابن عباس أنه قال: حدثني أسامة بن زيد أن النبي ﷺ قال: لا ربا إلا في النسيئة (١).
وقد أخطأ محمد رشيد رضا والسنهوري رحمهما الله حين فهما أن ابن عباس لا يحرم من الربا إلا ربا الجاهلية في صورته (أتقضي أم تربي) (٢)، ولم ينسب أحد من أهل العلم فيما أعلم إلى ابن عباس ما نسبه إليه الشيخ محمد رشيد رضا، والسنهوري، فهو فهم مدخول، وغلط بين لا شك فيه، وإنما الخلاف المعروف عن ابن عباس إنما هو في ربا الفضل إذا كان يدًا بيد، وأما ربا النسيئة فإنه يحرمه مطلقًا، سواء كان ذلك في صورة ربا الجاهلية، أو كان ذلك في الأصناف الستة، من بيع وصرف، وإليك النصوص التي تؤيد ما ذكرنا.
(ح-٦٨٧) أولًا: روى مسلم من طريق ابن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس.
عن أسامة بن زيد أن رسول الله ﷺ قال: لا ربا فيما كان يدًا بيد (٣).
(ث-١٢٥) وجاء في صحيح مسلم من طريق أبي نضرة أنه قال:
سألت ابن عباس عن الصرف؟ فقال: أيدًا بيد؟ قلت: نعم، قال: فلا بأس به (٤).
стр. 4964
فهذا واضح أن ابن عباس كان يعتقد أنه لا ربا فيما كان يدًا بيد، وأنه يجوز بيع درهم بدرهمين، ودينار بدينارين، وصاع تمر بصاعين، وكذا الحنطة وسائر الربويات، وأن الربا لا يحرم في شيء من الأشياء إلا إذا كان نسيئة، وهذا معنى قوله في الرواية الثانية (لا ربا إلا في النسيئة)، وقد قال النووي نحو هذا في شرحه لهذا الحديث (١).
وقال ابن رشد: «وأما الربا في البيع فإن العلماء أجمعوا على أنه صنفان: نسيئة، وتفاضل إلا ما روي عن ابن عباس من إنكاره الربا في التفاضل لما رواه عن النبي ﷺ أنه قال: لا ربا إلا في النسيئة» (٢).
وقال ابن قدامة: «والربا على ضربين: ربا الفضل، وربا النسيئة، وأجمع أهل العلم على تحريمهما، وقد كان في ربا الفضل اختلاف بين الصحابة، فحكي عن ابن عباس، وأسامة بن زيد، وزيد بن أرقم، وابن الزبير أنهم قالوا: إنما الربا في النسيئة لقوله ﵇: (لا ربا إلا في النسيئة)» (٣).
ثانيًا: من المعلوم أن ربا الجاهلية نص عليه القرآن، ولو كان ابن عباس لا يقول إلا بربا الجاهلية لكان معنى ذلك أنه أخذه من كتاب الله، كيف لا، وهو ترجمان القرآن، وقد نص ابن عباس أن رأيه الذي قاله في الربا لم يأخذه من كتاب الله، وبناء عليه فالقول الذي قاله ابن عباس ليس هو ربا الجاهلية المذكور في كتاب الله.
(ح-٦٨٨) روى مسلم في صحيحه من طريق سفيان، عن عمرو، عن أبي صالح، قال:
سمعت أبا سعيد الخدري يقول: الدينار بالدينار، والدرهم
стр. 4965
بالدرهم مثلًا بمثل، من زاد أو ازداد فقد أربى. فقلت له: إن ابن عباس يقول غير هذا، فقال: لقد لقيت ابن عباس فقلت: أرأيت هذا الذي تقول أشيء سمعته من رسول الله ﷺ ، أو وجدته في كتاب الله ؟ فقال: لم أسمعه من رسول الله ﷺ ولم أجده في كتاب الله، ولكن حدثني أسامة بن زيد أن النبي ﷺ قال: الربا في النسيئة.
وفي رواية لمسلم: قال ابن عباس كلا لا أقول، أما رسول الله ﷺ فأنتم أعلم به، وأما كتاب الله فلا أعلمه، ولكني حدثني أسامة بن زيد ... وذكر الحديث (١).
أيكون رأي ابن عباس هو ربا الجاهلية المنصوص عليه في القرآن، ثم يقول: إن قولي لم أجده في كتاب الله؟! وانظر فقه ابن عباس في جوابه، فحين تكلم عن السنة قال: أنتم أعلم برسول الله ﷺ مني، لأن الرسول ﷺ توفي، وهو لم يبلغ الحلم، وحين تكلم عن القرآن، قال: لا أعلمه يعني في كتاب الله، ولم يقل: أنتم أعلم مني؛ لأنه كان من أفقه الصحابة في كتاب الله.
والنتيجة: أن قول ابن عباس الذي قاله إذًا ليس هو ربا الجاهلية المنصوص عليه في كتاب الله، وإلا لقال: نعم موجود في كتاب الله، فسقطت دعوى أن ابن عباس لا يقول إلا بتحريم ربا الجاهلية المنصوص عليه في كتاب الله، ومعلوم أن ربا الفضل لم يرد في كتاب الله، وإنما ثبت في السنة، وهو الذي خالف فيه ابن عباس ﵁.
وسيأتي إن شاء الله تعالى الجواب عن مذهب ابن عباس في تحرير الخلاف في ربا الفضل، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه.
стр. 4966
ثالثًا: ابتدع الشيخ محمد رشيد رضا قولًا في ربا النسيئة لا توافقه عليه لغة، ولا سنة، ولا قول من عالم متقدم، فهو يذهب إلى أن الزيادة الأولى في الدين المؤجل ليس من ربا النسيئة، ليتوصل بذلك إلى حل الفوائد البنكية البسيطة على القروض، وأن الزيادة بعد حلول الأجل من النسيئة.
بينما الشرع اعتبر بيع النسيئة ربا لمجرد تأجيل التقابض لا تأجيل الأجل
ففي حديث أبي المنهال في الصحيحين، وفيه: (ما كان يدًا بيد فلا بأس، وما كان نسيئة فهو ربا).
وفي القرآن: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة:٣٧] إشارة إلى تأخير العرب الشهر المحرم إلى صفر.
وقال ابن منظور: النسيء التأخير يكون في العمر والدين، و النسأة: التأخير، ونسًا الشيء نسأ باعه بتأخير، والاسم نسيئة.
فتبين لك أن قول الشيخ محمد رشيد رضا لا يعتمد لا على لغة، ولا على نص، ولا على قول معتبر. فهو فهم لم يسبق إليه، وبالتالي فهو رد عليه (١).
الدليل الثالث:
احتج الشيخ محمد رشيد رضا بكلمة رويت عن الإمام أحمد: وقد سئل أحمد بن حنبل عن الربا الذي لا شك فيه، فذكر هذا: وهو أن يكون له دين، فيقول له: أتقضي أم تربي، فإن لم يقضه زاده في المال، وزاده هذا في الأجل (٢).
стр. 4967
ويتفق كلام الشيخ محمد رشيد رضا مع كلام الإمام أحمد بأن ربا الجاهلية محرم لا نزاع فيه، ولا يتفق معه لا من قريب ولا من بعيد أنه لا يحرم من الربا إلا هذه الصورة فقط، إما أن تقضي وإما أن تربي، ومذهب الإمام أحمد معروف في ربا الفضل وفي ربا النسيئة، مع أن الإمام أحمد لم يقل ابتداء: الربا الذي لا أشك فيه: هو كذا وكذا، وإنما وجه له سؤال: ما هو الربا الذي لا تشك فيه، فذكر أغلظ صور الربا، وهو قلب الدين، وأعجب من الإنسان عندما يريد أن يحتج لقوله فهو يذهب إلى آحاد العلماء، ولو لم يكن كلامه حجة على مخالفيه، ويسوقه في معرض الاستدلال، ويترك الأحاديث المتفق على صحتها في تحريم بيع الذهب بالذهب مع التفاضل أو مع النساء، ولو كان يرويه مثل عمر، وعثمان، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وعبادة بن الصامت وغيرهم، ويتهم مخالفيه بأنهم يتعبدون بآراء وأقوال ممن لا تعد آراؤهم وأقوالهم حجة بإجماعهم، وها هو ذا يسوق كلمة الإمام أحمد محتجًا بها مع أن كلمة الإمام أحمد ليس فيها كل ما يريده، وهكذا الإنسان يحتاج إلى أن يكون منصفًا حين الاستدلال، وحين الجواب عن أدلة مخالفيه، وهكذا تجد غالب طلبة العلم إلا من رحم الله حين يتعامل في المسائل الخلافية التي تقع بينه وبين طلبة العلم تجده يَصِم استدلاله بالحجج، والأدلة، والبراهين، واستدلال مخالفيه: بالشبهات، والأوهام، والتقليد ونحوها.
الترجيح:
أعتقد أن الترجيح في هذه المسألة بين ما هو أقوى، وبين ما هو شاذ، وذلك أن ربا القرض لم يختلف فيه كما اختلف في ربا البيوع، فالقرض بشرط الفائدة لم يقع فيه خلاف بين أهل الفقه أنه محرم بينما ربا البيوع وقع خلاف في ربا الفضل، ووقع خلاف في تلمس العلة في ربا البيوع، وهل هو محصور في
стр. 4968
الأصناف الستة التي نص عليها حديث عبادة، وأبي سعيد أو هو يتعداها إلى غيرها مما يشاركها في العلة، وبناء عليه فإن قول الشيخ محمد رشيد رضا قول لم يسبق إليه فيما أعلم، وإن كان قد تبعه من تبعه بعد، ومع ذلك نلتمس العذر للشيخ، وتبقى المسألة من مسائل الإجماع التي لا خلاف فيها أن القرض متى جر فائدة مشروطة إلى المقرض أو متعارفًا عليها فإن ذلك من الربا المجمع على تحريمه، والله أعلم.
وقد أعجبتني كلمة لصاحب المعالي فضيلة الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ في هذه المسألة بخصوصها أحببت أن أنقلها بحروفها لينظر فيها الطالب، ويتعلم منها أدب الخلاف، يقول معاليه:
«حسب علمي فإنَّ أول من أباح الفوائد الربوية يعني فوائد البنوك الربوية والقرض - القرض الصناعي ونحوه- الشيخ محمد رشيد رضا صاحب مجلة المنار المعروف. وهو رَجُلٌ يميل إلى مذهب السلف ونصر التوحيد والعقيدة في مواطن كثيرة، وله إلمام بالحديث والسنة والتخريج، لكنه غلط في المسائل الفقهية، فلم يكن من صناعته الفتوى، فأباح أشياء تبعه عليها عدد.
وله رسالة في هذا الموضوع بخصوصه وهو (الربا والمعاملات المالية) أجاز فيها هذه الفوائد لِشُبَهٍ عنده في ذلك، ثم تبعه عليها عدد من المشايخ في مصر ما بين مُقَصِّرٍ وما بين [ ..... ] في هذه المسائل.
ومعلومٌ أنَّ الخلاف -كما ذكرت لك في هذا - خلاف شاذ وضعيف وليس له حظ من الدليل لكن وجود الخلاف في هذه المسألة يفيد فائدتين:
الأولى: أَنَّ مسألة الفوائد، والقرض الصناعي، ونحو ذلك ليس من مسائل الربا المُجْمَعْ عليها، فاعتقاد إباحتها، والإفتاء بذلك، أو إجازتها، لا يدخل في
стр. 4969
إجازة واستحلال الربا؛ لأنَّ استحلال الربا المُجْمَعْ عليه كفر، والربا المجمع عليه هو ربا الجاهلية، أما ربا الفوائد وربا القرض وما أشبه ذلك فهذه محرمة، ولا تجوز، ويجب إنكارها، لكن لا تدخل في الربا المتفق عليه» (١)، ولم يذكر معاليه الفائدة الثانية.
وعندي أن هناك فرقًا بين التماس العذر لقائله، لأنه ربما قال ذلك بتأويل، أو لم تتضح له الحجة، وبين أن نعتبر أن القرض بفائدة من الربا المختلف فيه، فإن الخلاف الحادث لا يخرق الإجماع المنعقد، وقد نقل الإجماع طوائف من أهل العلم على اختلاف عصورهم ومذاهبهم، ولو كل خلاف حادث سوف نخرق به الإجماع المنعقد لم يبق لنا إجماع، ولم يكن في الإجماع حجة، فربما جاء من يخرقه، فيسقط الاحتجاج به، والله أعلم.
* * *
стр. 4970
الفصل الثاني
في ربا البيوع
المبحث الأول
في ربا الفضل وربا النسيئة
الفرع الأول
التعريف في ربا الفضل وربا النسيئة
تعريف ربا الفضل:
سبق لنا تعريف الربا، ويبقى علينا تعريف الفضل.
تعريف ربا الفضل اصطلاحًا:
عرفه الكاساني من الحنفية: زيادة عين مال شرطت في عقد البيع على المعيار الشرعي، وهو الكيل أو الوزن في الجنس (١).
وعرفه بعض المالكية: بيع الجنس الربوي بجنسه مع زيادة أحدهما (٢).
وعرفه الشافعية بأنه: زيادة أحد العوضين على الآخر (٣).
وعليه فبيع ربا الفضل: يقع في كل بيع اتحد فيه العوضان جنسًا وعلة، فبيع الشيء من الذهب أو الفضة، أو البر، أو الشعير، أو التمر أو الملح، أو ما
стр. 4971
شارك هذه الأصناف في العلة بنظيره مع زيادة أحد المبيعين على الآخر، أو مع جهل التماثل فيهما فهو من ربا الفضل.
تعريف ربا النسيئة في الاصطلاح (١):
يختلف تعريف ربا النسيئة بين المذاهب الفقهية لاختلافهم في علة ربا الفضل، لذا سأعرف ربا النسيئة بحسب ما أراه، وما يختلف فيه أهل المذاهب سيأتي تفصيله عند الكلام على فروع تلك المسائل.
فربا النسيئة: هو تأخير قبض العوضين أو أحدهما في تبادل الأموال الربوية المتفقة في علة ربا الفضل، ومنه الزيادة في مقدار الدين مقابل الزيادة في الأجل.
فقولنا: (تأخير قبض العوضين أو أحدهما) يشمل ما إذا كان الجنس متفقًا، أو كان الجنس مختلفًا إذا كانت علتهما واحدة.
فمبادلة صاع بر بمثله مع التأجيل لا يجوز، ومثله مبادلة صاع بر بصاع شعير مع التأجيل لاتفاقهما في علة ربا الفضل.
واشتراط الاتفاق في العلة يخرج مبادلة البر بالذهب، فيجوز التأخير؛ لأن علة الربا في البر مختلفة عن علة الربا في الذهب على الصحيح، وسيأتي تحرير الخلاف في علة الربا في جنس الذهب.
стр. 4972
ومن ربا النسيئة الزيادة في الدين مقابل التأجيل، فإذا وجب على المدين مقدار معين من المال، عرضًا كان أو نقودًا، من بيع أو قرض، فإذا حل الدين فلا يجوز الزيادة على مقدار هذا الدين في مقابل الزيادة في الإمهال، وهذا قسم آخر من أقسام ربا النسيئة سبق الكلام عليه عند الكلام على ربا الجاهلية
أقسام ربا النسيئة:
ينقسم ربا النسيئة إلى قسمين:
الأول: ربا النسيئة الواقع في الديون:
وهو الزيادة المشروطة في الدين مقابل الأجل. ومنه قلب الدين على المعسر، وصورته: أن الرجل يكون له على الرجل دين مؤجل من بيع أو قرض، فإذا حل الأجل قال له: أتقضي أم تربي؟ فإن وفاه وإلا زاد هذا في الأجل، وزاد هذا في المال، وقد سبق لنا الكلام في هذا النوع من الربا.
الثاني: ربا النسيئة الواقع في البيوع:
وهو تأخير القبض عند مبادلة الربوي بالربوي سواء كان من جنسه أو من غير جنسه إذا اتحدا في العلة. وهذا هو المراد هنا.
وقد ذهب بعض أهل العلم أن حقيقة ربا النسيئة الواقع في الديون هي عين ربا النسيئة الواقع في البيوع، لا فرق بينهما.
وجه ذلك:
أنه إذا أقرض رجل رجلًا مائة ريال على أن يسددها مائة وعشرة. فهذا في الحقيقة معاوضة بصورة قرض، والعبرة بالعقود بالمعاني لا بالألفاظ والمباني، ولذلك لو قال له: وهبتك هذه السلعة بعشرة كان بيعًا، وليس هبة؛ لأن الهبة لا عوض فيها، وإذا كان الشأن كذلك فهو في الحقيقة بيع بلفظ القرض: باع مائة
стр. 4973
بمائة وعشرة مع التأجيل، فكان بيع نقد بنقد مع التفاضل والنساء، وأصبحت حقيقة هذا القرض أنه من ربا البيوع، وليس من ربا الديون، لأن الأصل: أن الدراهم بالدراهم يشترط فيها التماثل والتقابض، اغتفر التأجيل في عقد القرض؛ لأنه عقد إرفاق وإحسان لم يقصد فيه المعاوضة، فإذا قصد صاحبه الربح والتكسب خرج عن كونه قرضًا، وإنما هو بيع في صورة قرض، والله أعلم.
وأرى أن بينهما فرقًا واحدًا، وهو:
أن الزيادة في البيع لا تحرم إلا في أموال مخصوصة فقط.
وأما في الزيادة المشروطة في القرض فتحرم مطلقًا، سواء كانت الزيادة عينًا أو منفعة، وبصرف النظر عن طبيعة جنس المال المقترض، والله أعلم. وقد سبق التنبيه على هذا، والله أعلم.
الأصل في تحريم ربا البيوع (فضلًا كان أو نسيئة) أحاديث كثيرة، منها
(ح-٦٨٩) ما رواه مسلم من طريق أبي المتوكل الناجي،
عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، يدًا بيد، من زاد أو استزاد، فقد أربى، الآخذ والمعطي سواء (١).
(ح-٦٩٠) ومنها أيضًا: ما رواه مسلم من طريق أبي الأشعث،
عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله ﷺ : الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر
стр. 4974
بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد (١).
فالأصناف الستة التي وردت في الحديث هي أموال ربوية.
والعلماء يقسمون الأموال الربوية الستة إلى فئتين:
الفئة الأولى: الذهب والفضة.
الفئة الثانية: البر والشعير والتمر والملح.
وسبب التقسيم: أن الفئة الأولى علتها متحدة، تختلف عن علة الفئة الثانية، فصار مرد التقسيم إلى اختلاف العلة.
فإذا وقع البيع بين الفئة الأولى والفئة الثانية فإن المبادلة لم تعد ربوية؛ لأن العلة مختلفة، فليس هناك أي شرط أو قيد، مع أن كلا البدلين ربويان، فإذا بيع الذهب بالقمح أو بيع التمر بالفضة، فقد اختلف الجنس واختلفت العلة، فجاز التفاضل وجاز النساء، فيجوز أن يعجل القمح ويؤجل الذهب، ليكون الثمن مؤجلًا. ويجوز أن يعجل الذهب ويؤجل القمح ليكون البيع من قبيل السلم. وهذا إجماع لا خلاف فيه.
قال السبكي: «الأمة أجمعت على أن الستة المذكورة في الحديث جملتان منفصلتان: هما النقدان، والأشياء الأربعة، تنفرد كل جملة بعلتها، والمراد بالحديث اختلاف الجنسين من جملة واحدة، كالذهب بالفضة، والحنطة بالشعير» (٢).
стр. 4975
وإذا وقع البيع بين أموال الفئة الواحدة، فإن كانا من جنس واحد، كذهب بذهب، أو فضة بفضة، أو تمر بتمر، أو حنطة بمثلها.
فيجب أن يتحقق شرطان:
الأول: التماثل.
والثاني: التقابض.
وقيل: يكفي التعيين في الأصناف الربوية الأربعة إلا في الذهب والفضة فيجب التقابض. وسيأتي في باب الصرف تحرير الخلاف.
فالجنس واحد، والعلة واحدة، فيجري بينهما ربا الفضل وربا النسيئة، فلا يجوز أن يزاد أحدهما على الآخر.
ولا يجوز أن يعجل أحدهما ويؤجل الآخر، بل يجب التقابض في مجلس العقد، امتثالًا لقوله ﷺ في الحديث السابق: (مثلًا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد).
وإن كانت الأموال ذات الفئة الواحدة من جنسين مختلفين: كذهب بفضة، أو بر بشعير، فالجنس مختلف، والعلة واحدة، فلا يجري بينهما ربا الفضل، فلا يشترط التماثل لاختلاف الجنس.
ويجري بينهما ربا النسيئة؛ لاتفاقهما في العلة، فلا يجوز تأجيل أحدهما، فلا بد من التقابض في مجلس العقد، امتثالًا لقوله ﵊: (فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد).
هذا ملخص ما يجري فيه ربا الفضل وربا النسيئة في الجملة على الصحيح، وسيأتي مزيد بحث في حكم كل نوع، وما وقع فيه من اختلاف، وبيان العلة في كل فئة، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه.
* * *