شارك هذه الأصناف في العلة بنظيره مع زيادة أحد المبيعين على الآخر، أو مع جهل التماثل فيهما فهو من ربا الفضل.
تعريف ربا النسيئة في الاصطلاح (١):
يختلف تعريف ربا النسيئة بين المذاهب الفقهية لاختلافهم في علة ربا الفضل، لذا سأعرف ربا النسيئة بحسب ما أراه، وما يختلف فيه أهل المذاهب سيأتي تفصيله عند الكلام على فروع تلك المسائل.
فربا النسيئة: هو تأخير قبض العوضين أو أحدهما في تبادل الأموال الربوية المتفقة في علة ربا الفضل، ومنه الزيادة في مقدار الدين مقابل الزيادة في الأجل.
فقولنا: (تأخير قبض العوضين أو أحدهما) يشمل ما إذا كان الجنس متفقًا، أو كان الجنس مختلفًا إذا كانت علتهما واحدة.
فمبادلة صاع بر بمثله مع التأجيل لا يجوز، ومثله مبادلة صاع بر بصاع شعير مع التأجيل لاتفاقهما في علة ربا الفضل.
واشتراط الاتفاق في العلة يخرج مبادلة البر بالذهب، فيجوز التأخير؛ لأن علة الربا في البر مختلفة عن علة الربا في الذهب على الصحيح، وسيأتي تحرير الخلاف في علة الربا في جنس الذهب.
стр. 4972
ومن ربا النسيئة الزيادة في الدين مقابل التأجيل، فإذا وجب على المدين مقدار معين من المال، عرضًا كان أو نقودًا، من بيع أو قرض، فإذا حل الدين فلا يجوز الزيادة على مقدار هذا الدين في مقابل الزيادة في الإمهال، وهذا قسم آخر من أقسام ربا النسيئة سبق الكلام عليه عند الكلام على ربا الجاهلية
أقسام ربا النسيئة:
ينقسم ربا النسيئة إلى قسمين:
الأول: ربا النسيئة الواقع في الديون:
وهو الزيادة المشروطة في الدين مقابل الأجل. ومنه قلب الدين على المعسر، وصورته: أن الرجل يكون له على الرجل دين مؤجل من بيع أو قرض، فإذا حل الأجل قال له: أتقضي أم تربي؟ فإن وفاه وإلا زاد هذا في الأجل، وزاد هذا في المال، وقد سبق لنا الكلام في هذا النوع من الربا.
الثاني: ربا النسيئة الواقع في البيوع:
وهو تأخير القبض عند مبادلة الربوي بالربوي سواء كان من جنسه أو من غير جنسه إذا اتحدا في العلة. وهذا هو المراد هنا.
وقد ذهب بعض أهل العلم أن حقيقة ربا النسيئة الواقع في الديون هي عين ربا النسيئة الواقع في البيوع، لا فرق بينهما.
وجه ذلك:
أنه إذا أقرض رجل رجلًا مائة ريال على أن يسددها مائة وعشرة. فهذا في الحقيقة معاوضة بصورة قرض، والعبرة بالعقود بالمعاني لا بالألفاظ والمباني، ولذلك لو قال له: وهبتك هذه السلعة بعشرة كان بيعًا، وليس هبة؛ لأن الهبة لا عوض فيها، وإذا كان الشأن كذلك فهو في الحقيقة بيع بلفظ القرض: باع مائة
стр. 4973
بمائة وعشرة مع التأجيل، فكان بيع نقد بنقد مع التفاضل والنساء، وأصبحت حقيقة هذا القرض أنه من ربا البيوع، وليس من ربا الديون، لأن الأصل: أن الدراهم بالدراهم يشترط فيها التماثل والتقابض، اغتفر التأجيل في عقد القرض؛ لأنه عقد إرفاق وإحسان لم يقصد فيه المعاوضة، فإذا قصد صاحبه الربح والتكسب خرج عن كونه قرضًا، وإنما هو بيع في صورة قرض، والله أعلم.
وأرى أن بينهما فرقًا واحدًا، وهو:
أن الزيادة في البيع لا تحرم إلا في أموال مخصوصة فقط.
وأما في الزيادة المشروطة في القرض فتحرم مطلقًا، سواء كانت الزيادة عينًا أو منفعة، وبصرف النظر عن طبيعة جنس المال المقترض، والله أعلم. وقد سبق التنبيه على هذا، والله أعلم.
الأصل في تحريم ربا البيوع (فضلًا كان أو نسيئة) أحاديث كثيرة، منها
(ح-٦٨٩) ما رواه مسلم من طريق أبي المتوكل الناجي،
عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، يدًا بيد، من زاد أو استزاد، فقد أربى، الآخذ والمعطي سواء (١).
(ح-٦٩٠) ومنها أيضًا: ما رواه مسلم من طريق أبي الأشعث،
عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله ﷺ : الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر
стр. 4974
بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد (١).
فالأصناف الستة التي وردت في الحديث هي أموال ربوية.
والعلماء يقسمون الأموال الربوية الستة إلى فئتين:
الفئة الأولى: الذهب والفضة.
الفئة الثانية: البر والشعير والتمر والملح.
وسبب التقسيم: أن الفئة الأولى علتها متحدة، تختلف عن علة الفئة الثانية، فصار مرد التقسيم إلى اختلاف العلة.
فإذا وقع البيع بين الفئة الأولى والفئة الثانية فإن المبادلة لم تعد ربوية؛ لأن العلة مختلفة، فليس هناك أي شرط أو قيد، مع أن كلا البدلين ربويان، فإذا بيع الذهب بالقمح أو بيع التمر بالفضة، فقد اختلف الجنس واختلفت العلة، فجاز التفاضل وجاز النساء، فيجوز أن يعجل القمح ويؤجل الذهب، ليكون الثمن مؤجلًا. ويجوز أن يعجل الذهب ويؤجل القمح ليكون البيع من قبيل السلم. وهذا إجماع لا خلاف فيه.
قال السبكي: «الأمة أجمعت على أن الستة المذكورة في الحديث جملتان منفصلتان: هما النقدان، والأشياء الأربعة، تنفرد كل جملة بعلتها، والمراد بالحديث اختلاف الجنسين من جملة واحدة، كالذهب بالفضة، والحنطة بالشعير» (٢).
стр. 4975
وإذا وقع البيع بين أموال الفئة الواحدة، فإن كانا من جنس واحد، كذهب بذهب، أو فضة بفضة، أو تمر بتمر، أو حنطة بمثلها.
فيجب أن يتحقق شرطان:
الأول: التماثل.
والثاني: التقابض.
وقيل: يكفي التعيين في الأصناف الربوية الأربعة إلا في الذهب والفضة فيجب التقابض. وسيأتي في باب الصرف تحرير الخلاف.
فالجنس واحد، والعلة واحدة، فيجري بينهما ربا الفضل وربا النسيئة، فلا يجوز أن يزاد أحدهما على الآخر.
ولا يجوز أن يعجل أحدهما ويؤجل الآخر، بل يجب التقابض في مجلس العقد، امتثالًا لقوله ﷺ في الحديث السابق: (مثلًا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد).
وإن كانت الأموال ذات الفئة الواحدة من جنسين مختلفين: كذهب بفضة، أو بر بشعير، فالجنس مختلف، والعلة واحدة، فلا يجري بينهما ربا الفضل، فلا يشترط التماثل لاختلاف الجنس.
ويجري بينهما ربا النسيئة؛ لاتفاقهما في العلة، فلا يجوز تأجيل أحدهما، فلا بد من التقابض في مجلس العقد، امتثالًا لقوله ﵊: (فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد).
هذا ملخص ما يجري فيه ربا الفضل وربا النسيئة في الجملة على الصحيح، وسيأتي مزيد بحث في حكم كل نوع، وما وقع فيه من اختلاف، وبيان العلة في كل فئة، أسأل الله وحده عونه وتوفيقه.
* * *
стр. 4976
الفرع الثاني
حكم ربا الفضل
أحاديث الربا في الصحيح تجمع ربا الفضل وربا النسيئة في النهي، قال ﷺ : مثلًا بمثل يدًا بيد، وقال: من زاد أو استزاد فقد أربى.
وقال ابن قدامة: كل ما حرم فيه التفاضل حرم فيه النساء بغير خلاف نعلمه (١).
[م-١١٦٥] بعد أن عرفنا ما هو ربا الفضل، وما هو ربا النسيئة، كان من المناسب أن نعرف حكم ربا الفضل، فأقول: اختلف العلماء في ربا الفضل:
فذهب الأئمة الأربعة، وأهل الحديث إلى تحريم ربا الفضل (٢).
وقال ابن عباس: لا ربا إلا في النسيئة (٣)، وأخذه عنه طلابه في مكة (٤).
وهو مروي عن ابن مسعود ﵁ (٥).
стр. 4977
ونسب هذا القول إلى البراء بن عازب وزيد بن أرقم، ولم يثبت عنهما (١).
كما نسب هذا القول إلى معاوية ﵁، وليس صريحًا (٢).
دليل الجمهور على القول بتحريم ربا الفضل:
الدليل الأول:
(ح-٦٩١) روى مسلم من طريق أبي المتوكل الناجي.
عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، يدًا بيد، من زاد أو استزاد، فقد أربى، الآخذ والمعطي سواء (٣).
стр. 4978
الدليل الثاني:
(ح-٦٩٢) ما رواه مسلم من طريق أبي الأشعث.
عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله ﷺ : الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد (١).
الدليل الثالث:
(ح-٦٩٣) روى مسلم من طريق أبي زرعة.
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والملح بالملح، مثلًا بمثل، يدًا بيد، فمن زاد، أو استزاد فقد أربى، إلا ما اختلفت ألوانه (٢).
الدليل الرابع:
(ح-٦٩٤) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن نافع.
عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلًا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبا بناجز. ورواه مسلم (٣).
(ح-٦٩٥) ولمسلم من طريق أبي نضرة، قال:
سألت ابن عمر وابن عباس عن الصرف فلم يريا به بأسًا فإني لقاعد عند أبي سعيد الخدري، فسألته عن
стр. 4979
الصرف، فقال: ما زاد فهو ربا، فأنكرت ذلك لقولهما، فقال: لا أحدثك إلا ما سمعت من رسول الله ﷺ ، جاءه صاحب نخلة بصاع من تمر طيب، وكان تمر النبي ﷺ هذا اللون، فقال له النبي ﷺ : أنى لك هذا؟ قال: انطلقت بصاعين، فاشتريت به هذا الصاع، فإن سعر هذا في السوق كذا، وسعر هذا كذا، فقال رسول الله ﷺ : ويلك أربيت، إذا أردت هذا فبع تمرك بسلعة، ثم اشتر بسلعتك أي تمر شئت.
قال أبو سعيد: فالتمر بالتمر أحق أن يكون ربا، أم الفضة بالفضة؟ قال: فأتيت ابن عمر بعد، فنهاني، ولم آت ابن عباس، قال: فحدثني أبو الصهباء: أنه سأل ابن عباس عنه بمكة، فكرهه (١).
الدليل الخامس:
(ح-٦٩٦) ما رواه مسلم من طريق ابن أبي نعم.
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : الذهب بالذهب وزنًا بوزن، مثلًا بمثل، والفضة بالفضة وزنًا بوزن، مثلًا بمثل، فمن زاد أو استزاد فهو ربا (٢).
الدليل السادس:
(ح-٦٩٧) ما رواه البخاري من طريق عبد الرحمن بن أبي بكرة قال:
قال أبو بكرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا سواء بسواء، والفضة بالفضة إلا سواء بسواء، وبيعوا الذهب بالفضة والفضة بالذهب كيف شئتم (٣).
стр. 4980
الدليل السابع:
(ح-٦٩٨) ما رواه مسلم من طريق مالك بن أبي عامر يحدث،
عن عثمان بن عفان، أن رسول الله ﷺ قال: لا تبيعوا الدينار بالدينارين، ولا الدرهم بالدرهمين (١).
الدليل الثامن:
(ح-٦٩٩) ما رواه مسلم من طريق أبي النضر، أن بسر بن سعيد حدثه.
عن معمر بن عبد الله أنه أرسل غلامه بصاع قمح، فقال: بعه، ثم اشتر به شعيرًا، فذهب الغلام، فأخذ صاعًا وزيادة بعض صاع، فلما جاء معمرا أخبره بذلك، فقال له معمر: لم فعلت ذلك؟ انطلق فرده ولا تأخذن إلا مثلًا بمثل، فإني كنت أسمع رسول الله ﷺ يقول: الطعام بالطعام مثلًا بمثل، قال: وكان طعامنا يومئذ الشعير. قيل له: فإنه ليس بمثله. قال: إني أخاف أن يضارع (٢).
الدليل التاسع:
(ح-٧٠٠) ما رواه البخاري من طريق ابن شهاب، عن مالك بن أوس أخبره.
أنه التمس صرفا بمائة دينار، فدعاني طلحة بن عبيد الله فتراوضنا حتى اصطرف مني، فأخذ الذهب يقلبها في يده، ثم قال: حتى يأتي خازني من الغابة، وعمر يسمع ذلك، فقال: والله لا تفارقه حتى تأخذ منه، قال رسول الله ﷺ : الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء. ورواه مسلم (٣).
стр. 4981
الدليل العاشر:
(ح-٧٠١) ما رواه البخاري من طريق عقبة بن عبد الغافر.
أنه سمع أبا سعيد الخدري ﵁ قال: جاء بلال إلى النبي ﷺ بتمر برني، فقال له النبي ﷺ من أين هذا؟ قال بلال: كان عندنا تمر ردي، فبعت منه صاعين بصاع، لنطعم النبي ﷺ فقال النبي ﷺ عند ذلك: أوَّه أوَّه، عين الربا، عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيع آخر ثم اشتره. ورواه مسلم (١).
الدليل الحادي عشر:
(ح-٧٠٢) ما رواه مسلم من طريق علي بن رباح اللخمي، يقول:
سمعت فضالة بن عبيد الأنصاري يقول: أتي رسول الله ﷺ ، وهو بخيبر بقلادة فيها خرز وذهب، وهي من المغانم تباع، فأمر رسول الله ﷺ بالذهب الذي في القلادة فنزع وحده، ثم قال لهم رسول الله ﷺ : الذهب بالذهب وزنًا بوزن.
ورواه مسلم من طريق حنش الصنعاني.
عن فضالة بن عبيد، قال: اشتريت يوم خيبر قلادة باثني عشر دينارًا، فيها ذهب وخرز، ففصلتها، فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارًا، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: لا تباع حتى تفصل (٢).
هذه بعض الأدلة في ربا البيوع، ومنها ربا الفضل، وقد اكتفيت بأحاديث الصحيحين ففيها غنية لطالب الحق، وهي متكاثرة، وصريحة، وفي أعلى درجات الصحة.
стр. 4982
دليل ابن عباس على أنه لا ربا إلا في النسيئة:
الدليل الأول:
(ح-٧٠٣) بما رواه البخاري ومسلم، عن ابن عباس أنه قال:
حدثني أسامة بن زيد أن النبي ﷺ قال: لا ربا إلا في النسيئة (١).
(ح-٧٠٤) ورواه مسلم من طريق طاووس، عن ابن عباس،
عن أسامة بن زيد أن رسول الله ﷺ قال: لا ربا فيما كان يدًا بيد.
جواب الجمهور عن حديث أسامة بن زيد:
الجواب الأول:
أن معنى قوله: (لا ربا إلا في النسيئة) أن هذا التعبير هو من باب التوكيد، وليس من باب الحصر، أي لا ربا أعظم، ولا أشد من ربا النسيئة، وهو أسلوب عربي متبع.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨].
وإنما: أداة حصر، فكأنه قال: ما يخشى الله من عباده إلا العلماء. والمقصود تمام الخشية وكمالها.
(ث-١٢٦) وقد روى البخاري عن عمران بن الحصين موقوفًا عليه
ورواه مسلم من قول بريدة، أنهما قالا: لا رقية إلا من عين أو حمة (٢).
يريد والله أعلم لا رقية أنفع من رقية العين والحمة، وإلا فإن فالرقية تنفع من غير العين والحمة، ولكن أنفع ما يشفى بالرقية هذان المرضان: العين والحمة.
стр. 4983
قال النووي: «قال العلماء: لم يرد حصر الرقية الجائزة فيهما، ومنعها فيما عداهما، وإنما المراد: لا رقية أحق وأولى من رقية العين والحمة لشدة الضرر فيهما» (١).
وقال ابن حجر: «وقيل: المعنى في قوله: (لا ربا ... ) الربا الأغلظ الشديد التحريم، المتوعد عليه بالعقاب الشديد، كما تقول العرب: لا عالم في البلد إلا زيد مع أن فيها علماء غيره، وإنما القصد نفي الأكمل، لا نفي الأصل» (٢).
وهذا القول اختاره ابن تيمية ﵀ (٣)، ورجحه شيخنا ابن عثيمين ﵀ (٤).
стр. 4984
يقول ابن دقيق العيد: «كلمة إنما للحصر على ما تقرر في الأصول فإن ابن عباس ﵄ فهم الحصر من قوله ﷺ (إنما الربا في النسيئة) وعورض بدليل آخر يقتضي تحريم ربا الفضل ولم يعارض في فهمه للحصر، وفي ذلك اتفاق على أنها للحصر. ومعنى الحصر فيها: إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما عداه. وهل نفيه عما عداه: بمقتضى موضوع اللفظ أو هو من طريق المفهوم؟ فيه بحث .... إذا ثبت أنها للحصر: فتارة تقتضي الحصر المطلق وتارة تقتضي حصرًا مخصوصًا. ويفهم ذلك بالقرائن والسياق. كقوله تعالى ﴿أَنتَ مُنذِرٌ﴾ [النازعات: ٤٥] وظاهر ذلك: الحصر للرسول ﷺ في النذارة. والرسول لا ينحصر في النذارة بل له أوصاف جميلة كثيرة كالبشارة وغيرها ..... وكذلك قوله ﷺ (إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي) معناه: حصره في البشرية بالنسبة إلى الاطلاع على بواطن الخصوم لا بالنسبة إلى كل شيء. فإن للرسول ﷺ أوصافًا أخر كثيرة. وكذلك قوله تعالى ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ﴾ [محمد:٣٦] يقتضي - والله أعلم - الحصر باعتبار مَنْ آثرها. وأما بالنسبة إلى ما هو في نفس الأمر: فقد تكون سبيلا إلى الخيرات أو يكون ذلك من باب التغليب للأكثر في الحكم على الأقل» (١).
وعليه فالحصر في الحديث (لا ربا إلا في النسيئة) الحصر في شيء مخصوص، وهو لا ربا أعظم، ولا أشد من ربا النسيئة، وليس الحصر على الإطلاق، والله أعلم.
стр. 4985
الجواب الثاني:
أن حديث أسامة بن زيد له منطوق ومفهوم:
أما منطوقه فإنه يثبت الربا في النسيئة، وهذا المنطوق موافق لمنطوق أحاديث تحريم ربا الفضل، ولا تعارض بينها، فإنها أيضًا تثبت ربا النسيئة.
وأما مفهوم حديث أسامة بن زيد فإنه ينفي تحريم ربا الفضل، فيعارض مفهومه منطوق أحاديث الصحيحين الكثيرة، والتي تنص على تحريم ربا الفضل، والمنطوق إذا تعارض مع المفهوم قدم المنطوق، لأن المفهوم أضعف من المنطوق.
فالمفهوم لا عموم له، قال تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور:٣٣].
مفهومه: وإذا لم يردن تحصنًا فلا بأس.
وقال تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة:٦١].
والمفهوم غير مراد؛ لأنه لا يوجد قتل للنبيين بحق.
وإذا كان حديث أسامة بن زيد محتملًا من جهة المفهوم هل هو مراد أو لا يراد، فإن أحاديث ربا الفضل منطوقها نص في تحريم ربا الفضل، فيجب تأويل حديث أسامة على وجه يجمع بينه وبين أحاديث ربا الفضل. (١).
الجواب الثالث:
حمل حديث أسامة بن زيد على جنسين مختلفين كالذهب بالورق، بدليل الروايات الصحيحة المصرحة بأن ذلك هو محل جواز التفاضل، وأما في
стр. 4986
الجنس الواحد فإنه ممنوع. وسيأتي مزيد بحث لهذه المسألة في الدليل الثاني إن شاء الله تعالى (١).
الجواب الرابع:
أن حديث إباحة ربا الفضل منسوخة، ومما يدل على النسخ:
(ح-٧٠٥) ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي المنهال، قال: باع شريك لي ورقًا بنسيئة إلى الموسم، أو الحج، فجاء إلي فأخبرني، فقلت: هذا أمر لا يصح، قال: قد بعته بالسوق، فلم ينكر ذلك علي أحد، فأتيت البراء بن عازب، فسألته، فقال: قدم النبي ﷺ المدينة، ونحن نبيع هذا البيع، فقال: ما كان يدًا بيد فلا بأس به، وما كان نسيئة فهو ربا، وائت زيد بن أرقم فإنه أعظم تجارة مني، فأتيته، فسألته، فقال مثل ذلك (٢).
وفيه التصريح بأن إباحة ربا الفضل المذكورة في حديث البراء بن عازب، وزيد بن أرقم كانت مقارنة لقدومه ﷺ المدينة مهاجرًا، وفي بعض الروايات الصحيحة المصرحة بتحريم ربا الفضل أنه صرح بتحريمه يوم خيبر.
(ح-٧٠٦) كما في حديث فضالة بن عبيد، قال: اشتريت يوم خيبر قلادة باثني عشر دينارًا، فيها ذهب وخرز، ففصلتها، فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارًا، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: لا تباع حتى تفصل (٣).
(ح-٧٠٧) ومثله حديث أبي هريرة وأبي سعيد أن رسول الله ﷺ بعث أخا بني عدي الأنصاري، فاستعمله على خيبر، فقدم بتمر جنيب، فقال له
стр. 4987
رسول الله ﷺ : أَكُلُّ تمر خيبر هكذا؟ قال: لا والله يا رسول الله، إنا لنشتري الصاع بالصاعين من الجمع، فقال له رسول الله ﷺ : لا تفعلوا، ولكن مثلًا بمثل، أو بيعوا هذا واشتروا بثمنه من هذا (١).
قال الشنقيطي ﵀: «فقد اتضح لك من هذه الروايات الثابتة في الصحيح أن إباحة ربا الفضل كانت زمن قدومه ﷺ المدينة مهاجرًا، وأن الروايات المصرحة بالمنع صرحت به في يوم خيبر بعده، فتصريح النبي ﷺ بتحريم ربا الفضل بعد قدومه المدينة بنحو ست سنين، وأكثر منها، يدل دلالة لا لبس فيها على النسخ، وعلى كل حال فالعبرة بالمتأخر، وقد كانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث» (٢).
الجواب الخامس:
قال ابن عبد البر: «لم يتابع ابن عباس على تأويله في قوله في حديث أسامة هذا أحد من الصحابة، ولا من التابعين، ولا من بعدهم من فقهاء المسلمين إلا طائفة من المكيين أخذوا ذلك عنه، وعن أصحابه، وهم محجوجون بالسنة الثابتة التي هي الحجة على من خالفها وجهلها، وليس أحد بحجة عليها، وقد روي عن ابن عباس أنه رجع عن ذلك، وقال: لا علم لي بذلك، إنما أسامة ابن زيد أخبرني أن رسول الله ﷺ قال: (إنما الربا في النسيئة) (٣).
الدليل الثاني لابن عباس ﵄ ومن قال بقوله:
(ح-٧٠٨) ما رواه البخاري من طريق أبي المنهال، قال:
سألت البراء بن عازب وزيد بن أرقم عن الصرف، فقالا: كنا تاجرين على عهد رسول الله ﷺ ، فسألنا رسول الله ﷺ عن الصرف؟ فقال: إن كان يدًا بيد، فلا بأس، وإن كان نساء فلا يصلح. ورواه مسلم (١).
стр. 4992
ويجاب عن ذلك من وجهين:
الوجه الأول:
مسلك الجمع: أن مراد النبي ﷺ بجواز الفضل ومنع النسيئة فيما رواه عنه أسامة والبراء وزيد بن أرقم إنما هو في جنسين مختلفين لا يجري بينهما ربا الفضل، وليس ذلك في الجنس الواحد، وممن ذهب إلى هذا الطبري (١)، والبيهقي (٢)، وابن عبد البر في الاستذكار (٣)، وسليمان بن حرب (٤)، والسبكي في تكملة المجموع (٥)، والشنقيطي في أضواء البيان (٦)، وغيرهم.
واستدلوا لذلك باللفظ الآخر للحديث.
(ح-٧٠٩) فقد رواه البخاري ومسلم من طريق أبي المنهال، قال: سألت البراء بن عازب وزيد بن أرقم ﵄ عن الصرف، فكل واحد منهما يقول: هذا خير مني، فكلاهما يقول: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الذهب بالورق دينًا (٧).
стр. 4993
وعلى هذا يكون الجمع بين الأحاديث الصحيحة، فحديث أسامة وزيد ابن أرقم والبراء بن عازب مما ظاهرها يفيد جواز ربا الفضل، ويمنع ربا النسيئة إنما هي في أجناس ربوية مختلفة يجوز فيها التفاضل ويحرم فيها النسأ.
وحديث عبادة، وأبي سعيد الخدري، وعمر بن الخطاب وأبي هريرة، وأبي ذر وغيرها من الأحاديث المجمع على صحتها مما تحرِّم التفاضل إنما هي في الجنس الواحد، ولا بد من الجمع أو الترجيح، لأن الأحاديث جميعها أحاديث صحيحة ثابتة عن المعصوم، والجمع مقدم على الترجيح، فكيف إذا
стр. 4994
كان الجمع قد استند إلى ألفاظ أخرى للأحاديث التي توهم أنها لا تحرم إلا ربا النسيئة، والجمع شأن الراسخين في العلم، ولأن ترجيح حديث لا ربا إلا في النسيئة ورد الأحاديث الكثيرة المتكاثرة الثابتة في الصحيحين وفي غيرها يؤدي إلى إبطال قسم من السنة بلا مرجح، بخلاف الجمع، فإنه إعمال لكل الأدلة، فضلًا عن أن القول في ربا الفضل هو قول السواد الأعظم من الأمة، من لدن الصحابة إلى يومنا هذا.
قال ابن عبد البر: «حديثه - يعني ابن عباس - عن أسامة صحيح، ولكنه وضعه غير موضعه، وحمله على غير المعنى الذي له أتى، ومعنى الحديث عند العلماء أنه خرج على جواب سائل سأل عن الذهب بالورق، أو البر بالتمر، أو نحو ذلك مما هو جنسان فقال رسول الله ﷺ : (لا ربا إلا في النسيئة)،فسمع أسامة كلام رسول الله ﷺ ولم يسمع سؤال السائل، فنقل ما سمع والله أعلم،
والدليل على صحة هذا التأويل: إجماع الناس ما عدا ابن عباس عليه وما صح عن النبي ﷺ أنه قال: (الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما)، وقوله ﵇: (لا تبيعوا الذهب بالذهب، والفضة بالفضة إلا مثلا بمثل، يدًا بيد، ولا تبيعوا بعضها على بعض) (١).
ومن الناحية العلمية أرى لو اكتفي بهذا الوجه للجواب عن حديث البراء وزيد بن أرقم؛ لأنه مبني على رد الروايات المجملة إلى الروايات المبينة المفسرة، وأما محاولة الترجيح فإني أذكرها على سبيل الرصد العلمي لما قيل في المسألة وإن كنت لست على قناعة منها، لأن الترجيح سوف يلغي بعض الأدلة على حساب بعض، والله أعلم.
стр. 4995
الجواب الثاني مسلك الترجيح:
للترجيح وجوه كثيرة، ذكرت بعضها في الجواب عن حديث أسامة ابن زيد، وأذكر هنا ما لم أذكره هناك، من ذلك:
الوجه الأول:
اعتبار الكثرة، فحديث الصحابة التي تحرم ربا الفضل كثيرة، منها في الصحيح فقط حديث أبي سعيد الخدري، وعبادة بن الصامت، وعمر بن الخطاب، وأبي هريرة، وعثمان بن عفان، وأبي بكرة، ومعمر بن عبد الله، وفضالة بن عبيد وغيرهم، فلا يعارضها حديث أسامة بن زيد، وهو حديث، وإن كان صحيحًا إلا أنه فرد.
الوجه الثاني: من وجوه الترجيح:
أن البراء وزيدًا ﵄ كانا غير بالغين في وقت تحملهما الحديث المذكور عن رسول الله ﷺ بخلاف الجماعة من الصحابة، الذين رووا عنه تحريم ربا الفضل، فإنهم بالغون وقت التحمل، ورواية البالغ وقت التحمل أرجح من رواية من تحمل، وهو صبي، للخلاف فيها دون رواية المتحمل بالغًا.
وإن كان هذا الوجه فيه ما فيه.
الدليل الثالث للقائلين بقول ابن عباس:
أن الأحاديث الواردة في تحريم ربا الفضل وفي نفي التحريم متعارضة، وكلها أحاديث صحيحة، ولا نعلم التاريخ بينها لنعمل بالمتأخر، ولا سبيل إلى القول بالنسخ على سبيل الظن. قال ابن حجر: «اتفق العلماء على صحة حديث أسامة، واختلفوا في الجمع
стр. 4996
بينه وبين حديث أبي سعيد الخدري. فقيل: منسوخ، ولكن النسخ لا يثبت بالاحتمال» (١).
فانتقلنا إلى العمل بالترجيح، فرأينا أن حديث أسامة أرجح.
فإن أحاديث ربا الفضل قد دخلها التخصيص، بينما حديث أسامة لم يدخله التخصيص، وهذا من أسباب الترجيح لدى الفقهاء.
ومعنى ذلك:
أن أحاديث ربا الفضل جاء فيها: (فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد).
ومقتضاه: أنه لا يجوز بيع البر بالذهب أو الفضة إلا يدًا بيد، ومثله الشعير والتمر والملح لا يجوز أن تباع بالذهب أو بالفضة إلا إذا كان ذلك يدًا بيد، مع أن العلماء قد أجمعوا على أنه يجوز بيعها مع النساء.
قال النووي: «أجمع العلماء على جواز بيع الربوي بربوي لا يشاركه في العلة متفاضلًا ومؤجلًا، كبيع الذهب بالحنطة، وبيع الفضة بالشعير وغيره من المكيل» (٢).
ومقتضى هذا الدليل أن النص قد دخله التخصيص، ودخول التخصيص على النص يضعف دلالته على العموم، بخلاف النص الذي لم يجر فيه التخصيص (٣).
ويجاب:
بـ «أن الأمة أجمعت على أن الستة المذكورة في الحديث جملتان منفصلتان:
стр. 4997
هما النقدان والأشياء الأربعة، تنفرد كل جملة بعلتها، والمراد بالحديث اختلاف الجنسين من جملة واحدة، كالذهب بالفضة، والحنطة بالشعير» (١).
الراجح:
الحق الذي لا أشك فيه القول بتحريم ربا الفضل، ومن المتعين أن أقول: إن الخلاف في ربا الفضل أصبح مهجورًا، وأن الأمة تكاد تجمع على تحريمه.
قال ابن عبد الهادي في التنقيح: «قال شيخنا ابن تيمية ﵀: ومعلوم أن أهل الحديث مجمعون على تحريم أنواع الربا، وفي ذلك من الأحاديث الصحاح الثابتة عن النبي ﷺ ، وكذلك أهل المدينة النبوية الذين هم أعلم بسنة رسول الله في تحريم الربا، ومنع التحيل على استحلاله، وسد الذريعة المفضية إليه. فأما ربا الفضل فقد ثبتت الأحاديث الصحيحة، واتفاق الصحابة والتابعين، والأئمة الأربعة: على أنه لا يباع الذهب بالذهب، والحنطة بالحنطة والشعير بالشعير، والتمر بالتمر بجنسه إلا مثلًا بمثل، إذ الزيادة على المثل أكل مال بالباطل» (٢).
ويقول ابن عبد البر: «ولا أعلم خلافًا بين أئمة الأمصار بالحجاز، والعراق، وسائر الآفاق في أن الدينار لا يجوز بيعه بالدينارين، ولا بأكثر منه وزنًا، ولا الدرهم بالدرهمين، ولا بشيء من الزيادة عليه إلا ما كان عليه أهل مكة قديمًا وحديثًا من إجازتهم التفاضل في ذلك إذا كان يدًا بيد، أخذوا ذلك عن ابن عباس ... » (٣).
ويقول السبكي في تكملة المجموع: «قال ابن المنذر أجمع عوام الأمصار
стр. 4998
مالك بن أنس، ومن تبعه من أهل المدينة، وسفيان الثوري ومن وافقه من أهل العراق، والأوزاعي ومن قال بقوله من أهل الشام، والليث بن سعد ومن وافقه من أهل مصر، والشافعي وأصحابه، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، والنعمان، ويعقوب، ومحمد بن علي أنه لا يجوز بيع ذهب بذهب، ولا فضة بفضة، ولا بر ببر، ولا شعير بشعير، ولا تمر بتمر، ولا ملح بملح متفاضلًا يدًا بيد ولا نسيئة، وأن من فعل ذلك فقد أربى والبيع مفسوخ. قال: وقد روينا هذا القول عن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ ، وجماعة يكثر عددهم من التابعين. قلت (القائل السبكي): وممن قال بذلك من الصحابة أربعة عشر ذكر منهم أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعلىًا، وسعدًا، وطلحة، والزبير .... وذكر أيضًا منهم عبد الله ابن عمر، وأبا الدرداء، وفضالة بن عبيد وأبا سعيد الخدري، وأبا أسيد وعبادة ابن الصامت والله أعلم (١).
ويقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: «وكذلك حكى غير واحد الإجماع على تحريم ربا الفضل ... » (٢).
* * *
стр. 4999
الفرع الثالث
حكم ربا النسيئة
بعد أن عرفنا ربا النسيئة، وأن منه ما يقع في الدين، ومنه ما يقع في البيع، وعلمنا حكم ربا الفضل، وما وقع فيه من الخلاف، ناسب أن نعرف حكم ربا النسيئة:
واعلم أن ربا النسيئة مجمع على تحريمه، لا خلاف فيه بين الفقهاء المتقدمين، ولا عبرة بخلاف المتأخر ممن قال برأيه، مخالفًا بذلك النصوص، وإجماع الأمة.
جاء في حاشية العدوي: «اتفق المسلمون على تحريم ربا النسيئة، والجمهور على تحريم ربا الفضل» (١).
وقد نقل الإجماع على تحريم ربا النسيئة ابن عبد البر (٢)، وابن القطان الفاسي (٣).
وقال ابن المنذر: «وأجمعوا على أن الستة الأصناف متفاضلًا يدًا بيد، ونسيئة لا يجوز ... وهو حرام» (٤).
وقال في الإشراف: «وقد أجمع عوام الأمصار، منهم مالك بن أنس ومن تبعه من أهل المدينة، وسفيان الثوري، ومن وافقه من أهل العراق، والأوزاعي، ومن قال لقوله من أهل الشام، والليث بن سعد ومن وافقه من أهل العلم، والشافعي وأصحابه، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، والنعمان،
стр. 5000
ويعقوب، ومحمد، على أنه لا يجوز بيع ذهب بذهب، ولا فضة بفضة، ولا بر ببر، ولا شعير بشعير، ولا تمر بتمر، ولا ملح بملح متفاضلًا يدًا بيد، ولا نسيئة، وأن من فعل ذلك فقد أربى، والبيع مفسوخ» (١).
وقال ابن قدامة: «والربا على ضربين: ربا الفضل وربا النسيئة، وأجمع العلماء على تحريمهما، وقد كان في ربا الفضل اختلاف بين الصحابة ... » (٢).
واعلم أن ربا النسيئة يختلف حكمه عن ربا الفضل من حيث:
الأول: أن ربا النسيئة مجمع على تحريمه، لا خلاف فيه بين الفقهاء، وأما ربا الفضل فقد علمت ما فيه من الخلاف.
الثاني: ذكر ابن القيم: أن ربا الفضل قد أستثني منه العرايا بشروطها، بينما ربا النسيئة: لم يبح شيء منه (٣).
قلت: ينبغي أن يعلم أن إباحة العرايا لا تعني إباحة يقين التفاضل، فإنه هذا لا يجوز حتى في العرايا، وإنما قبل الشارع معيار الخرص من أهل الخبرة للعلم بالتماثل في بيع الرطب بالتمر. والخرص طريق شرعي في معرفة الواجب في كثير من الأحكام كمعرفة مقدار الواجب في الزكاة، والقسمة.
ولهذا لا أرى أن يؤخذ من إباحة العرايا دليل على إباحة ربا الفضل بإطلاق، فإن جواز العرية قد لا يعني الوقوع في يقين التفاضل، وإنما فيه تسامح في قبول الخرص كمعيار للتماثل الواجب، بينما لو أخذنا بظاهر كلام ابن القيم لقلنا: إنه يجوز التفاضل مطلقًا في العرايا، وهذا لا يقول به ابن القيم.
стр. 5001
الثالث: أن الزيادة شرط في ربا الفضل، وليست شرطًا في ربا النسيئة، فبيع الذهب بالذهب مثلًا بمثل مع التأجيل من ربا النسيئة فقط، وليس فيه من ربا الفضل، وقد يجتمعان كما لو باع الذهب بالذهب مع التفاضل والتأجيل.
الرابع: ذكر بعض أهل العلم أن ربا النسيئة محرم تحريم مقاصد، ولذلك قال ﷺ في الحديث المتفق عليه من حديث أسامة: (لا ربا إلا في النسيئة) (١).
وأما تحريم ربا الفضل فإنه حرم حتى لا يكون ذريعة إلى ربا النسيئة.
وجه كونه ذريعة إلى ربا النسيئة:
يقول ابن القيم: «منعهم من ربا الفضل؛ لما يخاف عليهم من ربا النسيئة، وذلك أنهم إذا باعوا درهمًا بدرهمين، ولا يفعل هذا إلا للتفاوت الذي بين النوعين إما في الجودة، وإما في السكة، وإما في الثقل والخفة، وغير ذلك تدرجوا بالربح المعجل فيها إلى الربح المؤخر، وهو عين ربا النسيئة، وهي ذريعة قريبة جدًا، فمن حكمة الشارع أن سد عليهم هذه الذريعة، ومنعهم من بيع درهم بدرهمين نقدًا ونسيئة، فهذه حكمة معقولة مطابقة للمعقول، وهي تسد عليهم باب المفسدة» (٢).
ويقول شيخنا ابن عثيمين: وجه ذلك أنه إذا جاز الزيادة من أجل الوصف، انتقل الذهن إلى جواز الزيادة من أجل التأجيل فوقع في ربا النسيئة (٣). اهـ
стр. 5002
وعندي أن ربا الفضل تحريمه من تحريم المقاصد، وليس من تحريم الوسائل، وأرى أن هذا القول لبعض الفضلاء قد استغله بعض الباحثين المعاصرين ليدخل منه إلى أن المحرم هو ربا الجاهلية فقط، والعلماء لا يقولون بذلك، والدليل على أن تحريم ربا الفضل من تحريم المقاصد أدلة كثيرة، منها:
(ح- ٧١٠) ما رواه البخاري الشيخان من طريق معاوية بن سلام، عن يحيى بن أبي كثير، قال: سمعت عقبة بن عبد الغافر.
أنه سمع أبا سعيد الخدري ﵁، قال: جاء بلال بتمر برني، فقال له النبي ﷺ : من أين هذا؟ قال بلال: كان عندنا تمر ردي، فبعت منه صاعين بصاع لمطعم النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ عند ذلك: أوه أوه عين الربا عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيع آخر، ثم اشتره به (١).
فقوله ﷺ : (عين الربا) وتكرار ذلك، والنهي عن الفعل كل ذلك يدل صراحة على أن ربا الفضل تحريمه تحريم مقاصد، وليس تحريمه من باب الوسائل، كما قال بعض أهل العلم والفضل.
وقال القاضي عياض: «قوله (عين الربا) أي هو الربا المحرم نفسه من الزيادة، لا ما يشبهه ويغامر عليه» (٢).
وقال الحافظ في الفتح: «مراده بعين الربا: نفسه» (٣).
وقال العيني: «أي هذا البيع نفس الربا حقيقة» (٤).
стр. 5003
وقال النووي: «أوه عين الربا. قال أهل اللغة: هي كلمة توجع وتحزن، ومعنى عين الربا: أنه حقيقة الربا المحرم» (١).
وفي حاشية السندي: «أي هذا العقد نفس الربا الممنوعة، لا نظيرها وما فيه شبهتها» (٢).
وقال ﷺ عمن وقع في ربا الفضل: (ويلك أربيت)، وهو في صحيح مسلم (٣)، وقال أيضًا (من زاد أو استزاد فقد أربى)، وهذا أيضًا في صحيح مسلم (٤). فقوله (أربيت) (أربى) هذه الألفاظ لها حقائق شرعية، تدل على أن من وقع في ربا الفضل وقع في جنس الربا، وشمله أحاديث الوعيد الواردة في المرابي، وأن ربا الفضل من كبائر الذنوب.
ولقد بينت ورجحت أن تحريم ربا الفضل تحريم مقاصد، وليس تحريم وسائل عند الكلام على بيع الذهب بالحلي، فانظره هناك، وفقك الله.
* * *
стр. 5004
الباب الثالث
في بيان الأموال الربوية
جاء في موسوعة القواعد الفقهية: الأصل التعليل حتى يتعذر (١).
قال جمع من الفقهاء: الشارع لا يفرق بين متماثلين؛ لأن حكمته وعدله تأبى هذا، كما أنه لا يسوي بين مختلفين، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَاا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَاا﴾ [البقرة:٢٧٥].
وقال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾، [القلم:٣٥] وقال سبحانه ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ [ص:٢٨] (٢).
[م -١١٦٦] نص الشارع في حديثي عبادة وأبي سعيد على أعيان بعينها، فأجرى فيها ربا الفضل وربا النسيئة.
(ح-٧١١) فقد روى مسلم من طريق أبي المتوكل الناجي،
عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، يدًا بيد، من زاد أو استزاد، فقد أربى، الآخذ والمعطي سواء (٣).
(ح-٧١٢) وروى مسلم أيضًا من طريق أبي الأشعث،
عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله ﷺ : الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر
стр. 5005
بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد (١).
فالأصناف الستة التي وردت في الحديث هي أموال ربوية، لا شك فيها، وقد اختلف القائلون بربا الفضل، هل يقاس عليها غيرها، أو يقتصر عليها.
فقيل: يلحق بهذه الأصناف الستة غيرها مما وافقها في العلة، وهذا مذهب عامة أهل العلم، ومنهم الأئمة الأربعة (٢).
وقيل: الربا مقصور على هذه الأصناف الستة المنصوص عليها، وهو قول طاووس، و قتادة، ومسروق، والشعبي، وعثمان البتي من السلف (٣)، وهو مذهب الظاهرية (٤)، واختاره من الحنابلة ابن عقيل (٥)، ومن المتأخرين الصنعاني (٦)، و الشوكاني وصديق حسن خان (٧).
стр. 5006
دليل الجمهور على تحريم الربا في غير الأصناف الستة:
الدليل الأول:
التحريم في المعاملات المالية معلل، وتحريم الربا منه معلل أيضًا حيث يبعد أن يكون تعبدًا خاليًا من العلة، وإذا كان التحريم إنما ثبت في الأصناف الستة لمعنى، فإذا عرف ذلك المعنى ألحق بها ما يشاركها فيه، فالحكم إذا ثبت بعلة ثبت بنظيرها؛ لأن القياس دليل شرعي، ولأن الشريعة لا تفرق بين متماثلين، بل تعطي النظير حكم نظيره؛ وعليه يجب استخراج علة هذا الحكم وإثباته في كل موضع وجدت العلة فيه.
الدليل الثاني:
(ح-٧١٣) ما رواه مسلم من طريق أبي النضر، أن بسر بن سعيد حدثه،
عن معمر بن عبد الله أنه أرسل غلامه بصاع قمح، فقال: بعه، ثم اشتر به شعيرًا، فذهب الغلام، فأخذ صاعًا وزيادة بعض صاع، فلما جاء معمرا أخبره بذلك، فقال له معمر: لم فعلت ذلك؟ انطلق فرده ولا تأخذن إلا مثلًا بمثل، فإني كنت أسمع رسول الله ﷺ يقول: الطعام بالطعام مثلًا بمثل، قال: وكان طعامنا يومئذ الشعير. قيل له: فإنه ليس بمثله. قال: إني أخاف أن يضارع (١).
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ : (الطعام بالطعام مثلًا بمثل)، فإن هذا اللفظ أعم من الأصناف الأربعة المذكورة في حديث عبادة وأبي سعيد الخدري، فإذا جرى الربا في بلد طعامه الشعير جرى الربا في بلد طعامه الأرز، ولا فرق.
стр. 5007
الدليل الثالث:
(ح-٧١٤) ما رواه البخاري من طريق الليث، عن نافع.
عن ابن عمر ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة: أن يبيع ثمر حائطه إن كان نخلًا بتمر كيلًا، وإن كان كرمًا أن يبيعه بزبيب كيلًا، وإن كان زرعًا أن يبيعه بكيل طعام، نهى عن ذلك كله. ورواه مسلم (١).
وجه الاستدلال:
أن الرسول ﷺ نهى عن بيع العنب بالزبيب، وهذا ليس من الأصناف الستة، فدل على أن الربا ليس محصورًا في الأصناف الستة.
الدليل الرابع:
(ح-٧١٥) ولمسلم من طريق أبي نضرة، قال:
سألت ابن عمر وابن عباس عن الصرف فلم يريا به بأسًا فإني لقاعد عند أبي سعيد الخدري، فسألته عن الصرف، فقال: ما زاد فهو ربا، فأنكرت ذلك لقولهما، فقال: لا أحدثك إلا ما سمعت من رسول الله ﷺ ، جاءه صاحب نخلة بصاع من تمر طيب، وكان تمر النبي ﷺ هذا اللون، فقال له النبي ﷺ : أنى لك هذا؟ قال: انطلقت بصاعين، فاشتريت به هذا الصاع، فإن سعر هذا في السوق كذا، وسعر هذا كذا، فقال رسول الله ﷺ : ويلك أربيت، إذا أردت هذا فبع تمرك بسلعة، ثم اشتر بسلعتك أي تمر شئت.
قال أبو سعيد: فالتمر بالتمر أحق أن يكون ربا، أم الفضة بالفضة؟ قال: فأتيت ابن عمر بعد، فنهاني، ولم آت ابن عباس، قال: فحدثني أبو الصهباء: أنه سأل ابن عباس عنه بمكة، فكرهه (٢).
стр. 5008
وجه الاستدلال:
قول أبي سعيد الخدري ﵁: (فالتمر بالتمر أحق أن يكون ربا، أم الفضة بالفضة؟) ففي هذا ما يدل على أن أبا سعيد ﵁ استعمل القياس في إشارته إلى أن الفضة بالفضة أحق بالربا من التمر بالتمر، وهذا يدل على أنه معلل.
الدليل الخامس:
(ح-٧١٦) ما رواه البخاري ومسلم من طريق عبد المجيد بن سهيل ابن عبد الرحمن بن عوف، أنه سمع سعيد بن المسيب يحدث.
أن أبا سعيد الخدري وأبا هريرة حدثاه أن رسول الله ﷺ بعث أخا بني عدي الأنصاري واستعمله على خيبر فقدم بتمر جنيب فقال له رسول الله ﷺ : أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا والله يا رسول الله إنا لنشتري الصاع بالصاعين من الجمع فقال رسول الله ﷺ : لا تفعلوا ولكن مثلًا بمثل، أو بيعوا هذا واشتروا بثمنه من هذا، وكذلك الميزان (١).
وجه الاستدلال:
قوله ﷺ : (وكذلك الميزان) إشارة إلى أن الحكم يتعدى الأصناف الستة إلى كل ما يوزن. وهذا دليل على عدم الاقتصار على الأصناف الستة، ولفظ (وكذلك الميزان) اختلف فيها وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى.
دليل من قال: الربا مقصور على الأصناف الستة:
أدلة أصحاب هذا القول منهم من لا يحتج بالقياس كالظاهرية، ومنهم من يحتج بالقياس وهم بقية من قال بهذا القول من السلف كقتادة، ومسروق،
стр. 5009
والشعبي، وابن عقيل، والشوكاني وغيرهم، لذا لن يتفقوا على كل هذه الأدلة وإن كانوا متفقين على أصل القول.
الدليل الأول:
استدل نفاة القياس بأن الأصناف الستة يجري فيها الربا بالاتفاق، وما عداها فمختلف فيه، أيقع فيه الربا أم لا؟ والربا من الكبائر، فإذ أحل الله لنا البيع وحرم الربا، فواجب طلب معرفته ليجتنب، وقد قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام:١١٩].
فصح أن ما فصل لنا بيانه على لسان رسول ﷺ فهو من الربا، وما لم يفصل لنا تحريمه فهو حلال، لأنه لا يجوز أن يكون في الشريعة حرام لم يفصل لنا، ولم يبينه رسوله ﷺ ، وما عدا الأصناف الستة لا نجد في الشريعة ما يدل على أنها من الربا، فوجب الاقتصار على ما بينه لنا رسول الله ﷺ .
ويناقش:
بأن الشارع إذا نص على تحريم شيء، فإنه يحرم نظيره؛ لأن تحريمه كان لداع اقتضى التحريم، وحكمة بالغة اقتضت منع الناس منه، فإذا وجد ذلك المعنى في عين أخرى لم ينص عليها الشارع وجب يعطى النظير حكم نظيره، وقد ذكرنا أن النبي ﷺ ثبت عنه النهي عن بيع العنب بالزبيب، وهو خارج الأصناف الستة، فبطل دعوى حصر الربا في الأصناف الستة.
الدليل الثاني:
استدل مثبت القياس بأن الرسول ﷺ أعطي جوامع الكلم، وأختصر له الكلام اختصارًا، فلما ذكر أربعة أصناف يدعى أن علتها واحدة: وهي البر والشعير والتمر والملح فإما أن يكون هذا من قبيل التكرار الذي ينافي كمال البلاغة، أو يكون ذلك دليلًا على أنها مقصودة لذاتها، لا يتعداها الحكم إلى
стр. 5010
غيرها، ولو كان الربا يجري في غيرها من المكيلات والموزونات لقال: لا تبيعوا المكيل بالمكيل، ولا الموزون بالموزون إلا مثلًا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد؛ لأن ذلك أجمع للكلام، وأدل على المراد، فلما كرر الأصناف المكيلة علم أن المراد أعيان هذه الأصناف الستة.
ويناقش من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول:
أن النصوص لم تقتصر على الأصناف الستة، فقد ذكرنا ضمن أدلة القول الأول: النهي عن بيع الطعام بالطعام، وهو أعم، وكذلك ذكرنا النهي عن بيع العنب بالزبيب، وهو خارج الأصناف الستة.
الوجه الثاني:
أن طعام الصحابة كان محصورًا على أصناف محدودة، فكان عدها أيسر عليهم في الفهم مما لو جرى نص عام، ولأن التعامل كان مقصورًا عليها.
ويشهد لذلك:
(ح-٧١٧) ما رواه البخاري في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، قال: كنا نخرج في عهد رسول الله ﷺ يوم الفطر صاعًا من طعام، قال أبو سعيد: وكان طعامنا الشعير والزبيب، والأقط والتمر.
فطعام الصحابة ﵃ لم يتجاوز هذه الأصناف الأربعة وقت التشريع، ومعلوم أن الملح كان من مطعومهم أيضًا.
الوجه الثالث:
أن هناك فرقًا بين أن تذكر الأصناف الستة على سبيل العد كما هو الحال في حديث عبادة وأبي سعيد، وبين أن تذكر على سبيل الحصر، فالأول لا يدل على