← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

الله تعالى، فلا يسقط عنه صلاة، ولا صيام، ولا زكاة، ولا حج، وذمته صالحة لأن تكون مشغولة بالتكاليف، مع أن حق الله مبني على المسامحة، قال القرافي في الذخيرة: «السفيه البالغ يلزمه جميع حقوق الله تعالى التي أوجبها على عباده في بدنه وماله .. » (١)، فإذا وجب عليه حقوق الله تعالى فالتصرف في ماله أخف، أرأيت الصبي الذي لم يبلغ لا يجب عليه شيء من حقوق الله، وإذا تصرف بإذن وليه جاز، فلما كان السفيه مكلفًا في حقوق الله دل على أن أهليته كاملة لأن يتصرف في ماله بيعًا وشراء ونحوهما. الدليل السادس: بأن الحجر على الحر البالغ العاقل إهدار لآدميته، وإلحاق له بالبهائم، وهو أشد ضررًا من التبذير، أو من الضرر اللاحق بالغرماء، ولا يجوز تحمل الضرر الأعلى لدفع الضرر الأدنى (٢). ويجاب: بأن الحجر عليه مراعاة لمصلحته، فإنه لو ترك له التصرف أهلك ماله، فدفعه إلى الحاجة، فإذا حفظ ماله، وأنفق عليه منه على قدر حاجته لم يحتج لأحد، واستغنى عن الناس بماله. دليل أبي حنيفة على دفع المال إليه إذا بلغ خمسًا وعشرين سنة ولو كان سفيهًا: أن الحجر عليه إن كان من قبيل التعزيز على تبذيره المال، فإنه إذا بلغ خمسًا

стр. 527

وعشرين سنة فقد انقطع رجاء التأديب؛ لأنه يتوهم أن يصير جَدًا في هذه المدة (١). وإن كان المنع مراعاة لمصلحته، فإن الإنسان في أول أحوال البلوغ قد لا يفارقه السفه لقربه بزمان الصبا، وبعد تطاول الزمان به لا بد من أن يستفيد رشدًا ما، بطريق التجربة والامتحان؛ إذ التجارب لقاح العقول، والشرط قوله تعالى ﴿فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:٦] وكلمة: (رشد) نكرة في سياق الشرط، فتعم أي رشد، ويتحقق بأدنى ما ينطلق عليه الاسم كما في سائر الشروط المنكرة فسقط المنع أي منع المال بوجود هذا النوع من الرشد (٢). دليل الجمهور على الحجر على السفيه مطلقًا، اتصل بالبلوغ أو طرأ بعده الدليل الأول: استدل الجمهور بقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء:٦] فدفع المال للصبي موقوف على تحقق شرطين: الأول: البلوغ، فلا يدفع إليه ماله قبله. الثاني: إيناس الرشد منه. (ث - ٦) وقد روى مسلم في صحيحه من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه. «عن يزيد بن هرمز أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله، عن خمس خلال، وفيه: وكتبت تسألني متى ينقضي يتم اليتيم، فلعمري إن الرجل لتنبت لحيته، وإنه

стр. 528

لضعيف الأخذ لنفسه، ضعيف العطاء منها، فإذا أخذ لنفسه من صالح ما يأخذ الناس، فقد ذهب عنه اليتم ... » (١). الدليل الثاني: قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء:٥] فنهينا أن نعطي السفيه المال، وهو مطلق يشمل السفه المتصل بالبلوغ، والسفه الذي عاد إليه بعد أن كان رشيدًا. الدليل الثالث: قال تعالى: ﴿فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة:٢٨٢]. وجه الاستدلال: قال الشافعي: أثبت الولاية على السفيه والضعيف والذي لا يستطيع أن يمل هو، وأمر وليه بالإملاء عليه؛ لأنه أقامه فيما لا غناء به عنه من ماله مقامه (٢). ونوقش هذا الاستدلال: بأن شيخ المفسرين الطبري ﵀ قد رجح أن السفيه هنا هو الجاهل، وبين في تفسيره أن السفه في لغة العرب يأتي بمعنى الجهل، واستدل على ذلك، بأن الله ابتدأ الآية بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢]. والصبي والسفيه لا يجوز مداينته، وقد استثنى الله ثلاثة أشياء من الإملال، وهم السفيه والضعيف والذي لا يستطيع أن يمل هو، وهؤلاء الثلاثة أشخاص

стр. 529

مختلفون وليسوا صنفًا واحدًا، وكلهم تجوز مداينتهم، ولكنهم لا يستطيعون توثيق هذا الدين بالكتابة، فصار السفيه: هو الجاهل بالإملال، فوضع عنه فرض الإملال بجهله موضع صواب ذلك من خطئه. والموصوف بالضعف: هو العاجز عن إملاله، إما لعي لسانه أو خرس به، وإن كان شديدًا رشيدًا. وأن الموصوف بأنه لا يستطيع أن يمل هو: الممنوع عن إملاله إما لغيابه أو لحبسه ونحوهما. والولي هنا ليس ولي السفيه ومن ذكر معه، وإنما المقصود ولي الحق. قال الطبري: ولا وجه لقول من زعم أن السفيه في هذا الموضع: هو الصغير، وأن الضعيف: هو الأكبر الأحمق؛ لأن ذلك إن كان كما قال: يوجب أن يكون قوله أو لا يستطيع أن يمل هو: هو العاجز من الرجال العقلاء الجائزي الأمر في أموالهم وأنفسهم عن الإملال، إما لعلة بلسانه من خرس أو غيره من العلل وإما لغيبته عن موضع الكتاب، وإذا كان ذلك كذلك بطل معنى قوله: فليملل وليه بالعدل؛ لأن العاقل الرشيد لا يولى عليه في ماله، وإن كان أخرس أو غائبًا، ولا يجوز حكم أحد في ماله إلا بأمره (١). الدليل الرابع: (ث -٧) ما رواه الدارقطني، قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن الحسن الصواف، أخبرنا حامد بن شعيب نا سريج بن يونس، أخبرنا يعقوب ابن إبراهيم - هو أبو يوسف القاضي - نا هشام بن عروة عن أبيه. أن عبد الله بن جعفر أتى الزبير، فقال: إني اشتريت بيع كذا وكذا، وأن عليا يريد أن يأتي أمير المؤمنين

стр. 530

فيسأله أن يحجر على فيه، فقال الزبير: فأنا شريكك في البيع، فأتى على عثمان فقال: إن ابن جعفر اشترى بيع كذا وكذا، فأحجر عليه فقال الزبير: فأنا شريكه في البيع، فقال عثمان: كيف أحجر على رجل في بيع شريكه فيه الزبير (١). [أعله أحمد بتفرد أبي يوسف فيه] (٢).

стр. 531

وجه الاستدلال: قال الشافعي: «علي ﵁ لا يطلب الحجر إلا وهو يراه، والزبير لو كان الحجر باطلًا قال: لا يحجر على حر بالغ، وكذلك عثمان بل كلهم يعرف الحجر» (١). الدليل الخامس: (ث -٨) ما رواه البخاري من طريق شعيب، عن الزهري، قال: حدثني عوف ابن مالك بن الطفيل، هو ابن الحارث، وهو ابن أخي عائشة زوج النبي ﷺ لأمها. أن عائشة حدثت أن عبد الله بن الزبير قال في بيع أو عطاء أعطته عائشة: والله لتنتهين عائشة أو لأحجرن عليها ... الحديث وفيه قصة (٢). ففيه أن عبد الله بن الزبير ﵁ يرى الحجر على الكبير ولو لم يكن متصلًا بالبلوغ. الراجح: بعد استعراض أقوال العلماء أجد أن قول الجمهور هو القول الصواب المتمشي مع القواعد، وأن الحجر ينبغي أن يدور مع علته، فإذا وجد ما يقتضي الحجر من تبذير للمال وجب الحجر عليه، سواء كان السفه متصلًا بالبلوغ، أو طرأ عليه بعد أن كان رشيدًا، فإذا زال عنه السفه، وكان بالغًا وجب دفع المال إليه، وأن بيع السفيه وشراءه موقوف على إذن وليه، والله أعلم. * * *

стр. 532

الشرط الثاني أن يكون العاقد مختارًا المبحث الأول الفرق بين الرضا والاختيار [م - ٩٣] يشترط في كل من العاقدين أن يكون مختارًا للعقد، اختيارًا يدل على الرضا المنافي للإكراه. وإنما قلت: (اختيارًا يدل على الرضا المنافي للإكراه) لأنه قد جرى خلاف بين الحنفية والجمهور في التفريق بين الرضا والاختيار كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. والدليل على اشتراط الرضا (الاختيار) في العقود . من القرآن قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء:٢٩]. فقوله: ﴿عَن تَرَاضٍ مِّنكُم﴾ بصفة لتجارة، أي تجارة صادرة عن تراض بالعقد (١). (ح -٤٣) ومن السنة ما رواه ابن ماجه، قال: ثنا مروان بن محمد، ثنا عبد العزيز ابن محمد، عن داود بن صالح المدني، عن أبيه، قال: سمعت أبا سعيد الخدري ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : إنما البيع عن تراض (٢).

стр. 533

[إسناده حسن] (١).

стр. 534

وإذا كان الرضا شرطًا في صحة العقد، فلا بد أن يكون الرضا خاليًا من كل ما ينافيه، كالإكراه، والغلط، والتدليس، والغبن. كالإكراه، بحيث لو خلي المكره وسبيله لم يرض بالعقد. والغلط بحيث لو علم من وقع في الغلط ما أقدم على التعاقد. والتدليس على المتعاقد بحيث لو تكشفت الحقيقة للمتعاقد المدلس عليه (المخدوع) ما أقدم على التعاقد. أو وقع في غبن فاحش، فهذه العيوب كلها تنافي الرضا، وقد سماها بعض القانونيين عيوب الإرادة، وبعضهم يسميها العيوب التي تلحق الرضا، وسوف نعرض لها بالتفصيل إن شاء الله في الفصول التالية. * * *

стр. 535

المبحث الثاني في بيع المكره الفرع الأول في تعريف الإكراه تعريف الإكراه (١). الإكراه في الاصطلاح: عرفه الحنفية بقولهم: «حمل الغير على فعل بما يعدم رضاه به، لا اختياره» (٢). فقوله (بما يعدم رضاه به لا اختياره) هذا بناء على تفريق الحنفية بين الرضا والاختيار، وأن الإكراه غير الملجئ ينافي الرضا، ولا ينافي الاختيار؛ لأن الإنسان قد يختار الشيء وهو مكره عليه لدفع ما هو أسوأ منه، وهذه المسألة فيها خلاف بين الحنفية والجمهور، وسوف نكشف عنه فيما يأتي من الكلام إن شاء الله تعالى.

стр. 536

تعريف الجمهور للإكراه: تعريف الإكراه عند المالكية: قال في التاج والإكليل: «حد الإكراه: ما فعل بالإنسان مما يضره أو يؤلمه من ضرب وغيره» (١). فالضرب المؤلم يعتبر إكراهًا، بل يعتبر الصفع لذي المروءة من الإكراه. تعريف الشافعية: قال الشافعي: الإكراه: أن يصير الرجل في يدي من لا يقدر على الامتناع منه من سلطان، أو لص، أو متغلب على واحد من هؤلاء، ويكون المكره يخاف خوفًا عليه دلالة أنه إن امتنع من قول ما أمر به يبلغ به الضرب المؤلم، أو أكثر منه، أو إتلاف نفسه (٢). تعريف الإكراه عن الحنابلة: أن يكره إنسان غيره على فعل شيء، أو تركه، عن طريق التهديد بالضرب، أو منع الطعام، أو الشراب مع اضطرار إليه، أو منع الدفء في الشتاء ولياليه الباردة (٣). إذا عرفنا ذلك، عرفنا أن الحنفية يختلفون مع الجمهور في تعريف الإكراه في مسألتين: المسألة الأولى: ينفرد الحنفية بتقسيم الإكراه إلى نوعين:

стр. 537

(أ) إكراه ملجئ. وهو الإكراه الكامل: وهو أن يكرهه بما يخاف على نفسه، أو على تلف عضو من أعضائه. وهذا الإكراه ينافي الرضا، كما ينافي الاختيار، وبالتالي لا ينعقد البيع؛ لأن الاختيار الذي هو شرط لانعقاد البيع لم يوجد، فضلًا أن يوجد الرضا الذي هو شرط الصحة. (ب) إكراه غير ملجئ، وهو الإكراه القاصر، وهو أن يكرهه بما لا يخاف على نفسه، ولا على تلف عضو من أعضائه، كالإكراه بالضرب الشديد، أو القيد، أو الحبس، فإنه يعدم الرضا، ولا يفسد الاختيار (١). وبالتالي ينعقد البيع فاسدًا، وليس باطلًا. بينما الجمهور لم يقسموا الإكراه إلى ملجئ وغير ملجئ، ولكنهم تكلموا بما يتحقق به الإكراه، وما لا يتحقق. فما سماه الحنفية إكراهًا ملجئًا هو إكراه عندهم بالاتفاق. وما سماه الحنفية إكراهًا غير ملجئ، مختلفون في تَحَقِّق الإكراه فيه على قولين، قيل: يعتبر إكراهًا، وقيل لا يعتبر إكراها، وهما قولان في مذهب المالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).

стр. 538

المسألة الثانية: التفريق بين الرضا والاختيار . فالحنفية يفرقون بين الرضا والاختيار. فالاختيار: القصد إلى الشيء وإرادته. والرضا: إيثاره واستحسانه. فالمكره على الشيء يختاره، ولا يرضاه، ومن هنا قالوا: المعاصي والقبائح بإرادة الله تعالى، لا برضاه؛ لأن الله لا يرضى لعباده الكفر (١). فإذا وجد الرضا وجد الاختيار، فقد يجتمعان، وقد ينتفيان، وقد يوجد أحدهما ولا يوجد الآخر. فإذا اختار العاقد العقد من غير إكراه، وكان مكلفًا راشدًا غير محجور عليه فإنه في هذه الحالة يتحقق اجتماع الرضا والاختيار في حق العاقد. وقد ينعدم الاختيار والرضا، كما لو كان البائع مجنونًا، أو صبيًا دون التمييز، ففي هذه الحالة ينتفي في العقد الرضا والاختيار. وقد يوجد الاختيار ولا يوجد الرضا عند الحنفية، كما لو كان البائع مكرهًا إكراهًا غير ملجئ، فالمكره مختار لما فعله، قاصد إياه؛ فهو قد اختار أهون الشرين عليه، إلا أنه قصده لا عن رضا به، بل لدفع الشر عن نفسه (٢).

стр. 539

وعمدتهم في التفريق بين الاختيار والرضا بأن معانيهما اللغوية تدل على وجود فرق بينهما: فالاختيار: هو ترجيح شيء على آخر (١). والرضا: هو الرغبة بالفعل والارتياح إليه، والانشراح النفسي به (٢)، ولا تلازم بينهما، فقد يختار المرء أمرًا لا يرضاه، ولا يحبه، ولكنه لا يرضى شيئًا إلا وهو يحبه، قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]. ذهب الجمهور إلى أن الرضا والاختيار لفظان مترادفان في الاصطلاح، فإذا قلنا: أن يكون العاقد مختارًا، بمنزلة أن أقول: أن يكون العاقد راضيًا بالعقد، وأن الاختيار لا يجتمع مع الإكراه. فمن أكره على فعل شيء لم يكن مختارًا البتة. قال السيوطي: «فالمراد بالاختيار قصده ذلك الفعل وميله ورضاه، وأنه لم يفعله على وجه الإكراه» (٣).

стр. 540

جاء في المطلع في تعريف المختار، قال: «وهو غير المكره، وهو اسم فاعل من اختار، ويقع على المفعول أيضًا، فيقال: اخترت الشيء فهو مختار» (١). وقال ابن القيم: «المكره محمول على ما أكره عليه، غير مختار له .. » (٢). والسؤال، ما هي ثمرة الخلاف؟ [م -٩٤] يتضح الخلاف بين الحنفية والجمهور في بيع المكره، فالإكراه إذا كان غير ملجئ كالضرب المحتمل، والقيد ونحوهما، فإن البيع ينعقد فاسدًا عند الحنفية، وليس باطلًا. ولماذا قالوا بانعقاد البيع؟ لأن الاختيار عندهم شرط لانعقاد البيع، وقد وجد. ولماذا كان العقد فاسدًا؟ لأن الرضا الذي هو شرط للصحة لم يوجد مع وجود الإكراه. ويفرق الحنفية بين الفساد والبطلان: فالباطل: هو البيع الذي في ركنه خلل، كبيع المجنون، وبيع الميتة، وغير المميز. والفاسد: ما كان مشروعًا بأصله دون وصفه (٣)، كما لو باع شيئًا بثمن مؤجل

стр. 541

إلى مدة غير معلومة، أو كان البيع في حال الإكراه (١). وحكم البيع الباطل أنه لا يفيد الملك، ويجب فسخه مطلقًا، ولا ينقلب إلى عقد صحيح (٢). لأن الشارع لم يأذن به، فوجوده كعدمه. وأما البيع الفاسد ينفذ بمجرد زوال صفة الفساد، ولا ينتج أثرًا قبل القبض، وإذا تم القبض بإذن البائع، فإنه يفيد الملك، ويضمن بالقيمة لا بالمسمى (٣). وقد تكلمنا عن هذا بشيء من التفصيل في الكلام على تقسيم العقود باعتبار الوصف الشرعي، فأغنى عن إعادته هنا. بينما الجمهور يرون أن المكره عقده باطل، لعدم تفريقهم بين الفاسد والباطل،، ولعدم التفريق بين الإكراه الملجئ وغيره، لأن الإكراه يتفاوت من شخص لآخر، فألم الخوف من التهديد عند بعض الناس يعتبر إكراهًا شديدًا، والحبس اليسير يعتبر في حق بعض الناس إكراهًا، وبعض الناس قد يكون شجاعًا، فلا يؤثر فيه الضرب الشديد، فضلًا عن الضرب اليسير، فمن لحقه أذى، أو خوف على نفسه، أو ماله، أو ولده بما يؤلمه، ويقيد من حريته، فهذا من الإكراه، والله أعلم. وسوف نفصل إن شاء الله تعالى في الفصل التالي حكم بيع المكره، أعاننا الله على ذلك بمنه وكرمه. * * *

стр. 542

الفرع الثاني في حكم بيع المكره المسألة الأولى في الإكراه بحق قال ابن عابدين: الإكراه بحق لا يعدم الاختيار شرعًا (١). وقال البجيرمي: «الفعل مع الإكراه بحق كالفعل مع الاختيار» (٢). وقال الماوردي: الإجبار على بيع الأملاك لا يجوز إلا في رهن أو غريم مفلس (٣). [م - ٩٥] الإكراه على البيع قسمان: إكراه بحق، وإكراه بغير حق. فالإكراه بحق له أمثلة كثيرة، منها: إكراه الحاكم المدين على بيع ماله لوفاء دينه. فهذا الإكراه لا يؤثر في صحة العقد، ولا يفسد الرضا، لإقامة رضا الشرع مقام رضا المالك، ويصح البيع عند أهل العلم، وحكي فيه الإجماع. قال ابن تيمية: «من كان قادرا على وفاء دينه وامتنع، أجبر على وفائه بالضرب والحبس ونص على ذلك الأئمة من أصحاب مالك، والشافعي، وأحمد، وغيرهم.

стр. 543

قال أبو العباس: ولا أعلم فيه نزاعًا .... وللحاكم أن يبيع عليه ماله ويقضي دينه» (١). وقال ابن عابدين: «الإكراه بحق لا يعدم الاختيار شرعًا» (٢). وقال النووي: «القاضي بالخيار إن شاء باع ماله بغير إذنه لوفاء الدين، وإن شاء أكرهه على بيعه، وعزره بالحبس وغيره حتى يبيعه» (٣). وقال ابن رجب في القواعد: «لو امتنع من وفاء دينه، وله مال، فباع الحاكم ماله، ووفاه عنه صح، وبرئ من الضمان» (٤). ومنها بيع الرهن إذا امتنع من عليه دين من الوفاء، فإن الحاكم يجبره على الوفاء، فإن امتنع كان الحاكم مخيرًا إن شاء أجبره على البيع، وإن شاء باعه الحاكم عليه (٥). «ومن الإكراه بحق: إكراه الحاكم من عنده طعام على بيعه عند حاجة الناس إليه .. » (٦). قال الحطاب في مواهب الجليل: «أجمع العلماء على أنه لو كان عند إنسان طعام، واضطر الناس إليه، ولم يجدوا غيره أجبر على بيعه، دفعًا للضرر عن الناس» (٧).

стр. 544

ومن الإكراه بحق الجبر على بيع الأرض للطريق أو لتوسيع المسجد، ولم أقف على من خالف في جواز نزع الملكية الخاصة للصالح العام بشرط العوض بالقيمة ويدفع ما يلحقه من ضرر (١). جاء في الدر المختار «تؤخذ أرض ودار وحانوت بجنب مسجد ضاق على الناس بالقيمة كرهًا» (٢). قال ابن عابدين تعليقًا: «وذلك لما روي عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم لما ضاق المسجد الحرام أخذوا أرضين بكره من أصحابها بالقيمة، وزادوا في المسجد الحرام ... ولعل الأخذ كرها ليس في كل مسجد ضاق بل الظاهر أن يختص بما لم يكن في البلد مسجد آخر؛ إذ لو كان فيه مسجد آخر يمكن دفع الضرورة بالذهاب إليه، نعم فيه حرج، لكن الأخذ كرها أشد حرجًا منه، ويؤيد ما ذكرنا فعل الصحابة إذ لا مسجد في مكة سوى الحرام» (٣). والذي عليه مجلة الأحكام العدلية أن الحكم معلق بالحاجة، وليس بالضرورة، فوجود المشقة على الناس كاف في نزع ملكية أرض صاحبها. وهذا نص المجلة «يؤخذ لدى الحاجة ملك أي أحد بقيمته بأمر السلطان ويلحق بالطريق ولكن لا يؤخذ ملكه من يده ما لم يؤد له الثمن» (٤)

стр. 545

قال في الشرح: «يستملك ملك أي أحد بقيمته الحقيقية للمنافع العمومية كالطريق والمسجد ومسيل الماء ولو لم يرض صاحبه ببيعه. فلذلك يؤخذ لدى الحاجة - أي إذا كان الطريق ضيقا ومست الحاجة إلى توسيعه - ملك أي أحد بقيمته بأمر السلطان ولو لم يرض صاحبه ويلحق بالطريق. فلذلك لو كان مسجد ضيق وغير كاف لاستيعاب المصلين، وكان لأحد ملك متصل بذلك المسجد، ووجدت حاجة لإلحاق قسم من تلك الدار للجامع، وتعنت صاحب الدار عن بيع ذلك المقدار من ملكه، فلا ينظر لرضائه، ويؤخذ المقدار اللازم للجامع، وحريم الجامع بقيمته جبرًا وكرهًا، ويوسع الجامع، وقد وسع الإمام عمر والصحابة - رضوان الله عليهم - المسجد النبوي على هذا الوجه .... وكذلك يؤخذ محل مرور المياه بقيمته ولو لم يرض صاحبه» (١). وأشار الونشريسي: بأن مالكًا وأصحابه المتقدمين والمتأخرين لم يختلفوا فيه (٢). «وقال ابن هبيرة: رأيت بخط ابن عقيل حكى عن كسرى أن بعض عماله أراد أن يجري نهرًا فكتب إليه أنه لا يجري إلا في بيت لعجوز فأمر أن يشتري منها فضوعف لها الثمن فلم تقبل فكتب كسرى أن خذوا بيتها؛ فإن المصالح الكليات تغفر فيها المفاسد الجزئيات. قال ابن عقيل: وجدت هذا صحيحًا فإن الله، وهو الغاية في العدل يبعث المطر والشمس فإن كان الحكيم القادر لم يراع نوادر المضار لعموم المنافع فغيره أولى» (٣).

стр. 546

وقال الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي الديار السعودية في عصره: «نزع الملكية ليس من باب البيع الحقيقي المتوفرة فيه شروط البيع، وإنما هو اقتضاء إلزامي اقتضته المصلحة العامة لتوسعة شارع وخلافه، وتعويض المالك بهذا العوض» (١). وإذا جوزنا ذلك فلا بد من مراعاة أمور لا بد من توفرها حتى تكون المعاملة سائغة شرعًا، من ذلك: (١) ـ أن يكون في نزع الملكية مصلحة عامة للناس، وليست مصلحة خاصة لأفراد منهم. (٢) ـ أن يكون تقدير المصلحة تلك إلى محكمة شرعية، وليست الجهة الحكومية المطالبة بنزع الملكية، فإذا قدرت المحكمة الشرعية بأن هناك حاجة عامة إلى هذه الأرض وقضت بذلك كانت الجهة الحكومية المعنية جهة منفذة لا أكثر. (٣) ـ أن يكون التعويض فيه غبطة للمالك، بحيث يكون مقدار التعويض زائدًا عن ثمن المثل مراعاة للأضرار التي تلحق المالك، فإن المالك إذا خرج من أرضه قد يأخذ وقتًا طويلًا حتى يبني سكنًا آخر يؤويه وعائلته، مع ما يتطلبه البناء من مشقة ووقت، وإذا استأجر سكنًا آخر لحقه في ذلك خسائر مادية (٢).

стр. 547

(٤) ـ أن يكون الثمن حالًا، وليس مؤجلًا، فإن الرجل لو طلب أن يشتري بديلًا قد لا يجد من يقرضه إلا أن يكون ذلك برضا المالك. وبعد أن وضعت هذه الشروط باجتهاد مني، رأيت قرارًا للمجمع الفقهي قد راعى أكثر هذه الشروط، وإن كان المجمع قد اختلف مع بعضها، وزاد عليها، لذا رأيت أن أنقل قرارهم بنصه، ليقارن مع ما تقدم ذكره. ففي قرار مجمع الفقه الإسلامي رقم (٤) د ٤/ ٠٨/٨٨. إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي في دورة مؤتمره الرابع بجدة في المملكة العربية السعودية، من ١٨ - ٢٣ جمادى الآخرة ١٤٠٨ هـ ... بعد الاطلاع على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع انتزاع الملك للمصلحة العامة. وفي ضوء ما هو مسلم في أصول الشريعة، من احترام الملكية الفردية، حتى أصبح ذلك من قواطع الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة، وأن حفظ المال أحد الضروريات الخمس التي عرف من مقاصد الشريعة رعايتها، وتواردت النصوص الشرعية من الكتاب والسنة على صونها، مع استحضار ما ثبت بدلالة السنة النبوية وعمل الصحابة ﵃ فمن بعدهم من نزع ملكية العقار للمصلحة

стр. 548

العامة تطبيقًا لقواعد الشريعة العامة في رعاية المصالح، وتنزيل الحاجة العامة منزلة الضرورة، وتحمل الضرر الخاص لتفادي الضرر العام. قرر ما يلي: أولًا: يجب رعاية الملكية الفردية وصيانتها من أي اعتداء عليها، ولا يجوز تضييق نطاقها، أو الحد منها، والمالك مسلط على ملكه، وله في حدود المشروع التصرف فيه بجميع وجوهه، وجميع الانتفاعات الشرعية. ثانيًا: لا يجوز نزع ملكية العقار للمصلحة العامة إلا بمراعاة الضوابط والشروط الشرعية التالية: ١ - أن يكون نزع العقار مقابل تعويض فوري عادل، يقدره أهل الخبرة، بما لا يقل عن ثمن المثل. ٢ - أن يكون نازعه ولي الأمر أو نائبه في ذلك المجال. ٣ - أن يكون النزع للمصلحة العامة التي تدعو إليها ضرورة عامة، أو حاجة عامة تنزل منزلتها كالمساجد والطرق والجسور. ٤ - أن لا يؤول العقار المنزوع من مالكه إلى توظيفه في الاستثمار العام، أو الخاص، وألا يعجل نزع ملكيته قبل الأوان. فإن اختلت هذه الشروط أو بعضها كان نزع ملكية العقار من الظلم في الأرض، والغصوب التي نهى الله تعالى عنها، ورسوله. على أنه إذا صرف النظر عن استخدام العقار المنزوعة ملكيته في المصلحة المشار إليها تكون أولوية استرداده لمالكه الأصلي، أو لورثته بالتعويض العادل. * * *

стр. 549

المسألة الثانية في الإكراه بغير حق قال الونشريسي: المكره لا يلزمه شيء من العقود (١). وجاء في درر الحكام شرح مجلة الأحكام: الإكراه معدم لرضا المكره (٢). [م - ٩٦] تقدم لنا أن الإكراه بحق ينعقد معه البيع صحيحًا، وأن فوات الرضا في هذه الحالة لا يؤثر في صحة العقد، وسوف نبحث إن شاء الله تعالى في هذا المبحث الإكراه بغير حق، كما لو أكره إنسان غيره على بيع ماله، وهدده بالضرب المؤلم أو الحبس إن لم يفعل، فهل ينعقد البيع؟ اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول: ينعقد البيع فاسدًا، وهذا مذهب الحنفية (٣).

стр. 550

القول الثاني: ينعقد البيع صحيحًا غير لازم، فللمكرَه الخيار بين إمضائه ورده، وهذا مذهب المالكية (١)، واختيار زفر من الحنفية (٢). القول الثالث: لا ينعقد مطلقًا، وهذا مذهب الشافعية (٣)، والحنابلة (٤).

стр. 551

وجه من قال: ينعقد البيع فاسدًا وليس باطلًا . وجهه: أن البيع حكمنا عليه بالانعقاد لسببين: السبب الأول: أن ركن البيع (الإيجاب والقبول) صدر من أهله، مضافًا إلى محله، ومعلوم في المذهب أن البيع لا يكون باطلًا إلا إذا تطرق الخلل إلى ركن البيع، وأما إذا كان البيع مشروعًا بأصله دون وصفه كان البيع فاسدًا، فالركن الذي هو الإيجاب والقبول قد تحقق، فينعقد البيع، وما دام أن الخلل قد تطرق إلى الشرط أو الوصف وهو عدم الرضا حكمنا عليه بالفساد. السبب الثاني: أن الاختيار لم ينتف وإنما انتفى الرضا، فالمكره قد اختار البيع وقصده ليرتكب أخف الضررين، خاصة في الإكراه غير الملجئ، وقد تقدم بيانه. وإنما حكمنا بأن العقد فاسد؛ لفقد شرطه، وهو التراضي، فصار كسائر الشروط المفسدة، يثبت به الملك عند القبض، ويصح بإجازة المالك؛ لأن الحق له، فيرتفع الإكراه مع الإجازة. ويناقش: أولًا: التفريق بين الرضا والاختيار تفريق خاص في مذهب الحنفية، وسبق مناقشته، وبينا أن الرضا له معان كثيرة منها الاختيار، وما قيمة الاختيار إذا كان الإنسان مكرهًا عليه، وكيف يكون مختارًا للبيع، وهو مكره عليه، ولو خلي بينه وبين إرادته لم يختره، ولم يرضه. ثانيًا: أن التفريق بين الفاسد والباطل هو أيضًا اصطلاح خاص بالحنفية، وقد ناقشناه في فصل سابق.

стр. 552

ثالثًا: القول بأن ركن البيع لم يتطرق إليه خلل فيه نظر، فإن الرضا في الحقيقة هو ركن البيع، وإنما عدل عنه إلى الصيغة (الإيجاب والقبول) لخفائه، فأقيمت الصيغة مقام الرضا للدلالة عليه. رابعًا: لو كان العقد فاسدًا لما صح بالإجازة، فإن العقد الفاسد عندكم لا يصح بالإجازة، كما لو باع درهمًا بدرهمين، فإن الخلل تطرق إلى الوصف، وقد تحقق ركن البيع (الإيجاب والقبول) فينعقد فاسدًا، ولا يصح بالإجازة، فما باله هنا صح بالإجازة، وقد فرقتم بين هذا العقد وبين سائر العقود الفاسدة بأربعة أحكام، ذكرناها سابقًا في أول البحث، فدل على أنه لا يصح الحكم عليه بالفساد حتى على مقتضى قواعد المذهب. دليل من قال: العقد باطل . الدليل الأول: قال تعالى: ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء:٢٩]. وجه الدلالة: منطوق الآية أن من أخذ مال الغير بدون رضاه فقد أكل ماله بالباطل، فدل على أن الرضا شرط في صحة البيع، والشرط إذا عدم، عدم المشروط؛ لأنه يلزم من عدمه العدم. الدليل الثاني: تحريم مال المسلم ثابت بنصوص قطعية، ومن ذلك: (ح - ٤٤) ما رواه البخاري من طريق فضيل بن غزوان، حدثنا عكرمة، عن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ خطب الناس يوم النحر، فقال: أيها الناس، أي يوم هذا؟ قالوا: يوم حرام. قال: فأي بلد هذا. قالوا: بلد حرام. قال:

стр. 553

فأي شهر هذا؟ قالوا: شهر حرام. قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا (١). فإذا كان الإكراه محرمًا، وفيه اعتداء على مال الغير، فإن الحرام لا ينبغي أن يترتب عليه أي أثر شرعي. الدليل الثالث: (ح -٤٥) ما رواه ابن ماجه، قال: ثنا مروان بن محمد، ثنا عبد العزيز ابن محمد، عن داود بن صالح المدني، عن أبيه، قال: سمعت أبا سعيد الخدري ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : إنما البيع عن تراض (٢). [إسناده حسن] (٣). فحصر قيام البيع بقيام الرضا، ومفومه أنه لا يقوم البيع بانعدام الرضا. الدليل الرابع: الإجماع، قال النووي: «المكره على البيع إن كان إكراهه بغير حق لم يصح بيعه بلا خلاف .. » (٤). ومع خلاف الحنفية لا يصح القول بالإجماع، وقد يوجه كلام النووي ﵀ بأن عدم الصحة لا ينافي عدم الانعقاد، فالحنفية يقولون ينعقد فاسدًا، وليس صحيحًا، وبينهما فرق، فالرضا شرط للصحة، والاختيار مع الإكراه شرط للانعقاد، وبهذا التوجيه ممكن أن تكون عبارة النووي صحيحة، والله أعلم.

стр. 554

دليل من قال: العقد موقوف على إجازة المالك . قالوا: إن النهي عن بيع المكره ليس لحق الله، وإنما هو لحق الآدمي، فإذا أجازه صاحبه بعد رفع الإكراه ارتفع المفسد، فصح العقد، مثله بيع الفضولي، فإنه لما كان الفضولي قد باع ملك غيره بغير إذنه، كان ذلك موقوفًا على إجازة صاحبه. الراجح: القول بأن البيع موقوف على إجازة المالك، فإن الحق له، إن شاء أمضاه، وإن شاء رده، لكن بشرط أن يرتفع الإكراه قبل الإجازة، أما لو أخذ ماله، وقال: لا أرده عليك إلا أن تبيعني إياه فهذا البيع غير صحيح؛ لأن الإجازة هنا مكره عليها.

стр. 555

المسألة الثالثة في الإكراه على سبب البيع [م - ٩٧] إذا طلب شخص ظالم من آخر مالًا، فاضطره إلى بيع ما يملك ليدفع له؛ لئلا يناله أذى من ذلك الظالم، فهل يصح البيع. اختلف العلماء في ذلك على أربعة أقوال: القول الأول: البيع لازم، وهو المعتمد في مذهب المالكية (١)، ومذهب الشافعية (٢)، واختيار ابن تيمية من الحنابلة (٣). لأنه لا إكراه فيه على البيع، إذ قصد الظالم تحصيل المال منه بأي وجه كان، سواء كان ببيع داره، أو رهنها، أو إيجارها، أو بغير ذلك. ولأنه لو امتنع الناس من الشراء منه كان ذلك أشد ضررًا عليه. القول الثاني: البيع غير لازم، وهو قول في مذهب المالكية. فقوله: غير لازم، يعني أنه صحيح، وللمكره الخيار إن شاء أمضاه، وإن شاء رده (٤).

стр. 556

وهذا بناء على النهي فيه لحق العبد، وليس النهي فيه لحق الخالق، فإذا أجازه من له الحق جاز. القول الثالث: لا يصح، وهو وجه في مذهب الشافعية (١)، وقول في مذهب الحنابلة (٢). بناء على أن الرضا بالبيع شرط في صحة البيع، وهو لولا الإكراه لم يرض بالبيع. القول الرابع: يصح البيع، ويكره الشراء منه، وهو مذهب الحنابلة (٣). ووجه الكراهة عند الحنابلة: أن البائع قد يتعرض للاستغلال؛ لأن المضطر غالبًا ما يحمله ذلك على البيع بأقل من ثمنه عادة. ولأن فيه خلافًا في صحة بيعه، فكره الشراء خروجًا من الخلاف. ويناقش: بأننا نحرم أن يستغل أحد ظرفه ليشتري منه بأقل من سعر المثل، أو بغبن فاحش مما لا يتغابن فيه الناس عادة، هذا من جهة دعوى أنه قد يتعرض للاستغلال، وأما دعوى كراهية البيع لوجود الخلاف في صحته، فهذا قول ضعيف؛ لأن الخلاف ليس من أدلة الشرع لا المتفق عليها، ولا المختلف فيها

стр. 557

حتى نعلل به الأحكام، ونكره بسببه ما نعتقد إباحته لوجود الخلاف، وإنما الخلاف القوي قد يحمل على سلوك الاحتياط، وهذا غير الحكم بالكراهة، وإنما هو من باب دع ما يريبك إلى ما لا يريبك. الراجح فيه: إن كان عدم الشراء منه يحمل المكره بالكسر على عذره، وعلى ترك مطالبته بالمال كان ترك الشراء منه واجبًا؛ لأن ترك الشراء طريق إلى رفع الظلم، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وإن كان ترك الشراء منه تحمل المكره بالكسر على أذية المالك في نفسه أو ماله كان الشراء منه في هذه الحالة مباحًا أو مستحبًا لأن فيه إعانة له على دفع ظلم الظالم، والله أعلم. * * *

стр. 558

المبحث الثالث في الغلط في العقد تمهيد: تكلمت في المبحث السابق عن اشتراط الرضا بين المتعاقدين، وتكلمنا عن الإكراه باعتباره منافيًا لشرط الرضا في العقد، ونتكلم في هذا الفصل عن الغلط باعتباره قادحًا آخر، فإذا وقع العاقد في غلط في العقد، بحيث لو علم من وقع فيه ما أقدم على التعاقد، فلا شك أن مثل هذا يخدش في رضا العاقد بالعقد، والذي هو شرط أساسي لانعقاده. «ولم يجمع فقهاء المسلمين مسائل الغلط في بحث خاص، وإنما انتشرت مسائله في مباحث شتى ذات صلة به، فخيار الوصف، وخيار العيب، وخيار الرؤية بحوث يستقل بعضها عن بعض، ولكنها تتصل بنظرية الغلط» (١). والغلط قد يقع في المعقود عليه (المحل)، وهو أهم أنواع الغلط، وأكثره شيوعًا، وقد يقع الغلط في قيمة المتعاقد عليه، وقد عالجه الفقه في مبحث الغبن. وقد يقع الغلط في شخصية العاقد، كما لو كانت شخصية العاقد نفسها محل اعتبار كما في عقد التبرع، والمضاربة، وكالخطاط والرسام للتفاوت بينهما. وقد يقع الغلط في الصيغة، وسوف نناقش في هذه الفصول التالية بعض أحكام الغلط، على أن نرجي بعض الصور إلى مظانها من البحث، وإنما الهدف هنا

стр. 559

بيان أن الرضا الصحيح يشترط ألا يشوبه شيء من الغلط فيقدح فيه، والذي هو شرط في صحة البيع، والله أعلم. * * *

стр. 560

الفرع الأول الغلط في المعقود عليه المسألة الأولى الغلط في جنس المعقود عليه تعريف الغلط في المحل: أن يظهر المعقود عليه بعد تمام العقد مخالفًا لما وقع عليه العقد في عينه، أو في وصف يؤدي إلى تفاوت فاحش في القيمة والمنفعة. مثال للاختلاف في العين: أن يبيعه فصًا على أنه ياقوت، فإذا هو زجاج (١). مثال للاختلاف في وصف يؤدي إلى تفاوت فاحش في المنفعة: أن يبيعه دارًا على أن بناءها من الآجر، فإذا هو من اللبن (٢). فالغلط لم يحصل هنا في الجنس، لأنه اشتراها على أنها دار، وهي كذلك، ولكن الغلط حصل في صفة الدار، إلا أن بين وصف الآجر واللبن تفاوت فاحش في المنفعة (٣).

стр. 561

[م - ٩٨] وقد اختلف الفقهاء في حكم هذا العقد على ثلاثة أقوال: القول الأول: البيع باطل، وهو مذهب الحنفية (١)، والراجح في مذهب الشافعية (٢)، وهو مذهب الحنابلة (٣)، وبه قال ابن حزم (٤). القول الثاني: يصح البيع، ويثبت الخيار لمن وقع عليه الغلط، وهو مذهب المالكية (٥)،

стр. 562

ووجه مرجوح في مذهب الشافعية (١)، وقول في مذهب الحنابلة (٢). القول الثالث: البيع فاسد، وليس باطلًا، وهو قول الكرخي من الحنفية (٣). دليل من قال: البيع باطل . الدليل الأول: قال تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء:٢٩]. وجه الاستدلال: لا يتحقق الرضا إلا إذا كان المعقود عليه هو عين ما رضيه المتعاقدان، وطابت أنفسهما ببذله مقابل العوض المدفوع، فإذا كان المعقود عليه عينًا أخرى غير معلومة للمشتري، أو اختلف الثمن على البائع، فمن المعلوم أنه لم يتوجه الإيجاب والقبول إليه، وبالتالي لم يتحقق الرضا والذي هو شرط في صحة البيع.

стр. 563

الدليل الثاني: أنه قد ثبت النهي عن بيع الغرر في حديث صحيح، وهو مجمع على النهي عنه في الجملة كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى في مباحث الغرر، وهذا قد تحقق الغرر فيه للجهل في المبيع؛ لأن عقد المشتري إنما توجه لجنس معين كالفرس مثلًا، فبان أن البيع وقع على جنس آخر مختلف تمامًا كالحمار مثلًا، ولم يعلم بذلك المشتري، ولم يقصده في الشراء، وهذا من أعظم الغرر. دليل من قال: ينعقد ولمن وقع عليه الغلط الخيار . الدليل الأول: أن البيع قد تعلق بطرفين بائع ومشتر، فالذي لم يقع عليه الغلط ينعقد في حقه لازمًا، وليس له خيار؛ لأن الغلط لم يقع عليه، وأما الذي وقع عليه الغلط فالحق له، وما دام أن الحق لآدمي، وليس النهي عنه لحق الله، فإن له الخيار، إن شاء أمضى البيع، وإن شاء رده، فالحكم ببطلان البيع يسقط حقه فيما لو طابت نفسه، ورضي بالبيع. الدليل الثاني: القياس على العين المعيبة، فإذا كان المشتري إذا اشترى عينًا، ووجد فيها عيبًا، كان له الخيار، إن شاء رد العين، وإن شاء أمضى البيع، فكذلك هنا، فاختلاف عين المبيع يعد كالعيب في المبيع، وفوات العين كفوات الصفة المرغوب فيها لمن فاته الخيار. الدليل الثالث: أن المبيع وإن وقع فيه غلط، إلا أنه قد عين في الإشارة، فقال: بعتك هذا الفرس، فبان حمارًا، فوجود التعيين بالإشارة يجعل البيع منعقدًا تقديمًا للإشارة

стр. 564

على العبارة، وفوات العين أو الوصف المذكور في العبارة يثبت الخيار فقط، ولا يبطل البيع. دليل من قال: ينعقد فاسدًا . حجة هذا القول يرى بأن الخلل إذا لم يتطرق إلى ركن البيع، وهو الإيجاب والقبول، فإن البيع ينعقد فاسدًا، ومعنى ذلك أن الملك يثبت بالقبض، وإذا فات المبيع وجب دفع القيمة، وليس الثمن؛ لأن الثمن قد تطرق إليه الفساد. ويمكن أن يناقش هذا من وجهين: الوجه الأول: لا نسلم أن الخلل لم يتطرق إلى ركن البيع، فإن الإيجاب والقبول كان متجهًا إلى جنس، ثم تبين أن المعقود عليه جنس آخر، فصار الإيجاب القبول قد توجه إلى جنس معدوم لا وجود له، فبطل الإيجاب والقبول.، فوجود الإيجاب والقبول كعدمه هنا. الوجه الثاني: لا نسلم قاعدة الحنفية بأن الخلل إذا تطرق إلى ركن البيع بطل البيع، وإذا تطرق إلى وصفه كان فاسدًا، وقد بينا أن الجمهور لا يفرقون بين العقد الفاسد والباطل في بحث خاص، فأغنى عن إعادته هنا (١). * * *

стр. 565

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →