← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 5006–5045 · переход к 5011.

стр. 5006

دليل الجمهور على تحريم الربا في غير الأصناف الستة: الدليل الأول: التحريم في المعاملات المالية معلل، وتحريم الربا منه معلل أيضًا حيث يبعد أن يكون تعبدًا خاليًا من العلة، وإذا كان التحريم إنما ثبت في الأصناف الستة لمعنى، فإذا عرف ذلك المعنى ألحق بها ما يشاركها فيه، فالحكم إذا ثبت بعلة ثبت بنظيرها؛ لأن القياس دليل شرعي، ولأن الشريعة لا تفرق بين متماثلين، بل تعطي النظير حكم نظيره؛ وعليه يجب استخراج علة هذا الحكم وإثباته في كل موضع وجدت العلة فيه. الدليل الثاني: (ح-٧١٣) ما رواه مسلم من طريق أبي النضر، أن بسر بن سعيد حدثه، عن معمر بن عبد الله أنه أرسل غلامه بصاع قمح، فقال: بعه، ثم اشتر به شعيرًا، فذهب الغلام، فأخذ صاعًا وزيادة بعض صاع، فلما جاء معمرا أخبره بذلك، فقال له معمر: لم فعلت ذلك؟ انطلق فرده ولا تأخذن إلا مثلًا بمثل، فإني كنت أسمع رسول الله ﷺ يقول: الطعام بالطعام مثلًا بمثل، قال: وكان طعامنا يومئذ الشعير. قيل له: فإنه ليس بمثله. قال: إني أخاف أن يضارع (١). وجه الاستدلال: قوله ﷺ : (الطعام بالطعام مثلًا بمثل)، فإن هذا اللفظ أعم من الأصناف الأربعة المذكورة في حديث عبادة وأبي سعيد الخدري، فإذا جرى الربا في بلد طعامه الشعير جرى الربا في بلد طعامه الأرز، ولا فرق.

стр. 5007

الدليل الثالث: (ح-٧١٤) ما رواه البخاري من طريق الليث، عن نافع. عن ابن عمر ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة: أن يبيع ثمر حائطه إن كان نخلًا بتمر كيلًا، وإن كان كرمًا أن يبيعه بزبيب كيلًا، وإن كان زرعًا أن يبيعه بكيل طعام، نهى عن ذلك كله. ورواه مسلم (١). وجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ نهى عن بيع العنب بالزبيب، وهذا ليس من الأصناف الستة، فدل على أن الربا ليس محصورًا في الأصناف الستة. الدليل الرابع: (ح-٧١٥) ولمسلم من طريق أبي نضرة، قال: سألت ابن عمر وابن عباس عن الصرف فلم يريا به بأسًا فإني لقاعد عند أبي سعيد الخدري، فسألته عن الصرف، فقال: ما زاد فهو ربا، فأنكرت ذلك لقولهما، فقال: لا أحدثك إلا ما سمعت من رسول الله ﷺ ، جاءه صاحب نخلة بصاع من تمر طيب، وكان تمر النبي ﷺ هذا اللون، فقال له النبي ﷺ : أنى لك هذا؟ قال: انطلقت بصاعين، فاشتريت به هذا الصاع، فإن سعر هذا في السوق كذا، وسعر هذا كذا، فقال رسول الله ﷺ : ويلك أربيت، إذا أردت هذا فبع تمرك بسلعة، ثم اشتر بسلعتك أي تمر شئت. قال أبو سعيد: فالتمر بالتمر أحق أن يكون ربا، أم الفضة بالفضة؟ قال: فأتيت ابن عمر بعد، فنهاني، ولم آت ابن عباس، قال: فحدثني أبو الصهباء: أنه سأل ابن عباس عنه بمكة، فكرهه (٢).

стр. 5008

وجه الاستدلال: قول أبي سعيد الخدري ﵁: (فالتمر بالتمر أحق أن يكون ربا، أم الفضة بالفضة؟) ففي هذا ما يدل على أن أبا سعيد ﵁ استعمل القياس في إشارته إلى أن الفضة بالفضة أحق بالربا من التمر بالتمر، وهذا يدل على أنه معلل. الدليل الخامس: (ح-٧١٦) ما رواه البخاري ومسلم من طريق عبد المجيد بن سهيل ابن عبد الرحمن بن عوف، أنه سمع سعيد بن المسيب يحدث. أن أبا سعيد الخدري وأبا هريرة حدثاه أن رسول الله ﷺ بعث أخا بني عدي الأنصاري واستعمله على خيبر فقدم بتمر جنيب فقال له رسول الله ﷺ : أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا والله يا رسول الله إنا لنشتري الصاع بالصاعين من الجمع فقال رسول الله ﷺ : لا تفعلوا ولكن مثلًا بمثل، أو بيعوا هذا واشتروا بثمنه من هذا، وكذلك الميزان (١). وجه الاستدلال: قوله ﷺ : (وكذلك الميزان) إشارة إلى أن الحكم يتعدى الأصناف الستة إلى كل ما يوزن. وهذا دليل على عدم الاقتصار على الأصناف الستة، ولفظ (وكذلك الميزان) اختلف فيها وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى. دليل من قال: الربا مقصور على الأصناف الستة: أدلة أصحاب هذا القول منهم من لا يحتج بالقياس كالظاهرية، ومنهم من يحتج بالقياس وهم بقية من قال بهذا القول من السلف كقتادة، ومسروق،

стр. 5009

والشعبي، وابن عقيل، والشوكاني وغيرهم، لذا لن يتفقوا على كل هذه الأدلة وإن كانوا متفقين على أصل القول. الدليل الأول: استدل نفاة القياس بأن الأصناف الستة يجري فيها الربا بالاتفاق، وما عداها فمختلف فيه، أيقع فيه الربا أم لا؟ والربا من الكبائر، فإذ أحل الله لنا البيع وحرم الربا، فواجب طلب معرفته ليجتنب، وقد قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام:١١٩]. فصح أن ما فصل لنا بيانه على لسان رسول ﷺ فهو من الربا، وما لم يفصل لنا تحريمه فهو حلال، لأنه لا يجوز أن يكون في الشريعة حرام لم يفصل لنا، ولم يبينه رسوله ﷺ ، وما عدا الأصناف الستة لا نجد في الشريعة ما يدل على أنها من الربا، فوجب الاقتصار على ما بينه لنا رسول الله ﷺ . ويناقش: بأن الشارع إذا نص على تحريم شيء، فإنه يحرم نظيره؛ لأن تحريمه كان لداع اقتضى التحريم، وحكمة بالغة اقتضت منع الناس منه، فإذا وجد ذلك المعنى في عين أخرى لم ينص عليها الشارع وجب يعطى النظير حكم نظيره، وقد ذكرنا أن النبي ﷺ ثبت عنه النهي عن بيع العنب بالزبيب، وهو خارج الأصناف الستة، فبطل دعوى حصر الربا في الأصناف الستة. الدليل الثاني: استدل مثبت القياس بأن الرسول ﷺ أعطي جوامع الكلم، وأختصر له الكلام اختصارًا، فلما ذكر أربعة أصناف يدعى أن علتها واحدة: وهي البر والشعير والتمر والملح فإما أن يكون هذا من قبيل التكرار الذي ينافي كمال البلاغة، أو يكون ذلك دليلًا على أنها مقصودة لذاتها، لا يتعداها الحكم إلى

стр. 5010

غيرها، ولو كان الربا يجري في غيرها من المكيلات والموزونات لقال: لا تبيعوا المكيل بالمكيل، ولا الموزون بالموزون إلا مثلًا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد؛ لأن ذلك أجمع للكلام، وأدل على المراد، فلما كرر الأصناف المكيلة علم أن المراد أعيان هذه الأصناف الستة. ويناقش من ثلاثة وجوه: الوجه الأول: أن النصوص لم تقتصر على الأصناف الستة، فقد ذكرنا ضمن أدلة القول الأول: النهي عن بيع الطعام بالطعام، وهو أعم، وكذلك ذكرنا النهي عن بيع العنب بالزبيب، وهو خارج الأصناف الستة. الوجه الثاني: أن طعام الصحابة كان محصورًا على أصناف محدودة، فكان عدها أيسر عليهم في الفهم مما لو جرى نص عام، ولأن التعامل كان مقصورًا عليها. ويشهد لذلك: (ح-٧١٧) ما رواه البخاري في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، قال: كنا نخرج في عهد رسول الله ﷺ يوم الفطر صاعًا من طعام، قال أبو سعيد: وكان طعامنا الشعير والزبيب، والأقط والتمر. فطعام الصحابة ﵃ لم يتجاوز هذه الأصناف الأربعة وقت التشريع، ومعلوم أن الملح كان من مطعومهم أيضًا. الوجه الثالث: أن هناك فرقًا بين أن تذكر الأصناف الستة على سبيل العد كما هو الحال في حديث عبادة وأبي سعيد، وبين أن تذكر على سبيل الحصر، فالأول لا يدل على

стр. 5011

حصر الأصناف الربوية في الأصناف المذكورة بخلاف الثاني، ولذلك جاء ما يدل على تعدية الحكم إلى غيرها بقوله ﷺ (وكذلك الميزان). الدليل الثالث: أن الأحاديث نصت على أن الربا يجري في أصناف ستة، فلو اشتغلنا بالتعليل لعاد ذلك على النص بالإبطال للمنصوص، لأن معنى ذلك يؤدي إلى أن العدد لا مفهوم له. كما في قوله ﷺ : (خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم) فلو اشتغلنا بالتعليل كان الفواسق أكثر من خمس، فيكون ذلك إبطالًا للمنصوص، وهو لا يجوز، فكذلك الشأن في الأصناف الستة. ويجاب عن ذلك بعدة أجوبة: الجواب الأول: أن أحاديث الربا ليس فيها الحصر الذي في حديث (خمس فواسق) فأحاديث الربا ذكرت حكم الربا في أموال معينة، ولم يأت أي تعرض للعدد مطلقًا، وإنما يجد العاد أن الأصناف المذكورة عددها ستة، في بعض الأحاديث، كحديث عبادة، وفي بعضها عددها أربعة كحديث أبي هريرة في مسلم (١)، وحديث عمر بن الخطاب في الصحيحين (٢)، وفي بعضها ذكر فقط الذهب والفضة كحديث أبي سعيد الخدري في الصحيحين (٣)، وحديث أبي بكرة فيهما (٤)، فالعدد ليس

стр. 5012

موجودًا في الأحاديث، وبالتالي لا يكون الاشتغال بالتعليل هنا يؤدي إلى إبطال المنصوص عليه، لأن الحصر لم يرد أصلًا في الحديث. الجواب الثاني: قال ابن الهمام: «وأما إبطال العدد فهو بناء على اعتبار مفهوم المخالفة، وهو ممنوع، ولو سلم فالقياس مقدم عليه باتفاق القائلين به» (١). الجواب الثالث: قال ابن الهمام «الإبطال الممنوع هو الإبطال بالنقص - يعني عن العدد المذكور بالنص - أما بالزيادة بالعلة فلا ... » (٢). الدليل الرابع: علة الربا ليست منصوصة، وإنما هي مستنبطة بالاجتهاد، ووجود الاختلاف الكثير عند القائلين بالعلة يدلك على ضعف هذا القول، ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]. وقال ابن عقيل: «علل القياس في مسألة الربا علل ضعيفة، وإذا لم يظهر فيه علة امتنع القياس» (٣). وقال الصنعاني: « ... ولكن لم يجدوا علة منصوصة اختلفوا فيها اختلافًا كثيرًا يقوى للناظر العارف أن الحق ما ذهبت إليه الظاهرية» (٤).

стр. 5013

ويناقش: بأن تخصيص النصوص بالعلة المستنبطة هو الذي فيه نقاش، وأما التماس العلة لتعدية الحكم فهذا شأن الراسخين في العلم؛ لأن النصوص محدودة، والحوادث متجددة، والتحليل والتحريم في باب المعاملات قائم على تحقيق مصالح العباد، وتحريم الظلم ودفع الضرر، فهي أحكام معللة لا تخفى على أهل العلم، ورد التعليل لوجود الاختلاف قول ضعيف جدًا؛ لأن مسائل الإجماع قليلة جدًا، وإنما الاختلاف يجعل الباحث لا يتعجل في ترجيح قول على آخر، ويتأنى في النظر في كافة الأقوال، حتى يتبين له أقربها إلى الصواب وقواعد الشرع، ليأخذ بأحسنها، ويعذر المخالف ممن لم يوفق للصواب، والله أعلم. الراجح: بعد استعراض الأدلة أجد أن قول الجمهور هو الأقرب إلى الصواب، والله أعلم. * * *

стр. 5014

الفصل الأول في الكلام على علة الربا اتفق القائلون بالعلة أن الأصناف الستة تنقسم إلى قسمين: الفئة الأولى: الذهب والفضة. والفئة الثانية: البر والشعير والتمر والملح. قال ابن قدامة: «اتفق المعللون على أن علة الذهب والفضة واحدة، وعلة الأعيان الأربعة واحدة، ثم اختلفوا في علة كل واحد منهما ... » (١). كما اتفقوا أن بيع الفئة الثانية بالفئة الأولى لا يجري فيها الربا مطلقًا، لا ربا الفضل، ولا ربا النسيئة، وإن كانت في أصلها أموالًا ربوية، لعدم تطابق العلة فيهما، ولثبوت الإجماع على جواز السلم، كما لو أسلم قمحًا بدنانير (ذهب) أو أسلم تمرًا بدراهم (فضة)، والسلم يقتضي تقديم الثمن وتأخير المثمن، فلو كان الربا يجري بينهما لما جاز السلم بحال. وسوف نعرض كلام أهل العلم في علة كل فئة على انفراد حتى يسهل الفهم، ولا يتداخلان فيتشعب الكلام. * * *

стр. 5015

المبحث الأول العلة في الذهب والفضة إذا كان العدد لا يعتبر جزءًا من العلة بالاتفاق مع قول النبي ﷺ (لا تبيعوا الدينار بالدينارين)، وقوله ﷺ : (لا درهمين بدرهم) لم يعتبر الوزن جزءًا من العلة كذلك. [م-١١٦٧] اختلف العلماء في علة الربا في الذهب والفضة: فقيل: العلة هي الوزن مع الجنس. فيجري الربا في كل موزون من جنس، كالحديد والرصاص، والزنك، والذهب، والفضة، واللحم. فلا تباع بجنسها إلا بشرطين التماثل والتقابض ولا يباع موزون بموزون من غير جنسه إلا بشرط واحد وهو التقابض في المجلس. وهذا مذهب الحنفية (١)، والحنابلة (٢)، وبه قال النخعي، والزهري، والثوري، وإسحاق (٣). وقيل: العلة هي غلبة الثمنية، أي كونهما جنس الأثمان غالبًا، وبعضهم يعبر

стр. 5016

بجوهرية الأثمان (١)، وهذه علة قاصرة لا تتعداهما. وهذا مذهب مالك (٢)، والشافعي (٣). ومعنى كون العلة قاصرة: أي لا تتعدى العلة جنس الذهب والفضة، فلا يجري الربا في الفلوس، والنقود الورقية ولو كانت أثمانًا. كما أن الربا يجري في أواني الذهب والفضة، وإن لم تكن أثمانًا. وقيل: العلة مطلق الثمنية، فكل ما كان ثمنًا فإنه يجري فيه الربا، وهو رواية عن مالك، وأحمد في غير المشهور عنهما (٤)، واختاره من الحنابلة ابن تيمية، وابن القيم (٥). والفرق بين قولنا (العلة غلبة الثمنية، وبين قولنا: العلة مطلق الثمنية): أن التعليل بغلبة الثمنية يؤدي إلى قصر الربا على الذهب والفضة، فلا يقاس غير الذهب والفضة عليهما، فلا يجري الربا في الفلوس، ولا في الأوراق النقدية حتى ولو اكتسبت القوة نفسها، وراج استعمالها بين الناس.

стр. 5017

وأما التعليل بمطلق الثمنية فإنه لا يجعل العلة قاصرة على النقدين (الذهب والفضة) وإنما تتعدى العلة إلى غيرهما مما اتخذه الناس سكة بينهم، وأصح معيارًا لتقييم السلع وتقديرها. يقول الخرشي: «واختلف على أنه معلل، هل هو علته غلبة الثمنية؟ وهو المشهور، فتخرج فلوس النحاس وغيرها، أو مطلق الثمنية؟ وهو خلاف المشهور، فتدخل فلوس النحاس وغيرها» (١). دليل من قال: العلة الجنس مع الوزن: الدليل الأول: (ح-٧١٨) ما رواه البخاري، حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف، عن سعيد بن المسيب. عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄، أن رسول الله ﷺ استعمل رجلًا على خيبر، فجاءهم بتمر جنيب، فقال: أكل تمر خيبر هكذا؟ فقال: إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة فقال: لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبًا، وقال في الميزان مثل ذلك (٢). وجه الاستدلال: فقوله (وقال في الميزان) يعني: الموزون، لأن نفس الميزان ليس من أموال الربا، فهذا دليل على أن كل موزون يجري فيه الربا.

стр. 5018

وأجيب بجوابين: الجواب الأول: أن قوله (وكذلك الميزان) أي عند بيع الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة فلا بد من التساوي بالمعيار الشرعي وهو الميزان، لا أن الميزان علة في الحكم، فإنه لما ذكر التمر الرديء والجيد، وأنه لا بد في المبادلة من التساوي بينهما بالمعيار الشرعي، وهو الكيل، ناسب أن يذكر أن التساوي في الذهب والفضة هو بالمعيار الشرعي، وهو الوزن، لا أن الربا يجري في كل موزون. كما قال ﷺ : لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا وزنًا بوزن، ولا الفضة بالفضة إلا وزنًا بوزن. وليس الوزن علة في الحكم. الجواب الثاني: قال البيهقي: «قوله (وكذلك الميزان) في الحديث ... أنه من جهة أبي سعيد» (١). أي موقوفًا عليه. قلت: تفرد عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف، في هذا الطريق، وكان تفرده بأمرين. الأول منهما: قوله (وكذلك الميزان) على اختلاف عليه في ذكرها، فتارة يذكرها، وتارة يهملها. وله شاهد من حديث حيان بن عبيد الله، عن أبي مجلز، عن ابن عباس، وفي حيان ضعف من قبل حفظه. الثاني: نسب الحديث إلى مسند أبي سعيد وأبي هريرة، والمحفوظ أن الحديث من مسند أبي سعيد، ولا يروى عن أبي هريرة إلا من هذا الطريق (٢).

стр. 5019

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5020

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5021

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5022

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5023

ولأن القول بأنها غير محفوظة يحل لنا إشكالًا فقهيًا، فإننا لو قلنا: إن العلة في الذهب والفضة هي الوزن لكان ذلك يعني أمرين مشكلين. الإشكال الأول: أنه لا يجوز إسلام الذهب والفضة بالموزونات؛ لأن كل شيئين جمعتهما علة واحدة في الربا لا يجوز إسلام أحدهما في الآخر، كما لا يجوز إسلام الشعير بالبر، فلما جاز إسلام الموزونات بالذهب أو بالفضة علم أن العلة في الذهب والفضة ليست الوزن. قال ابن القيم: «وأما الدراهم والدنانير فقالت طائفة العلة فيهما كونهما موزونين وهذا مذهب أحمد في إحدى الروايتين عنه ومذهب أبي حنيفة وطائفة قالت العلة فيهما الثمنية وهذا قول الشافعي ومالك وأحمد في الرواية الأخرى وهذا هو الصحيح بل الصواب، فإنهم أجمعوا على جواز إسلامهما في الموزونات من النحاس والحديد وغيرهما، فلو كان النحاس والحديد ربويين لم يجز بيعهما إلى أجل بدراهم نقدًا، فإن ما يجري فيه الربا إذا اختلف جنسه جاز التفاضل فيه دون النساء والعلة إذا انتقضت من غير فرق مؤثر دل على بطلانها، وأيضا فالتعليل بالوزن ليس فيه مناسبة فهو طرد محض» (١). الإشكال الثاني: لو قلنا: إن العلة في الذهب والفضة هي الوزن لكان ذلك يعني عدم جريان الربا في النقود الورقية، لأنها لا توزن، فلا حرج في بيع الأوراق النقدية بعضها ببعض مع التماثل والنسأ، وبهذا نكون قد فتحنا بذلك باب الربا على مصراعيه

стр. 5024

للمرابين، فإذا قلنا: إن كلمة (وكذلك الميزان) ليست محفوظة وفقًا للقواعد الحديثية انحل لنا هذا الإشكال، والله أعلم. الدليل الثاني: (ح-٧١٩) ما رواه الحاكم من طريق حيان بن عبيد الله العدوي، قال: سألت أبا مجلز عن الصرف، فقال: كان ابن عباس ﵄ لا يرى به بأسًا زمانًا من عمره، ما كان منه عينًا، يعني يدًا بيد، فكان يقول: إنما الربا في النسيئة، فلقيه أبو سعيد الخدري، فقال له: يا ابن عباس ألا تتقي الله إلى متى تؤكل الناس الربا، أما بلغك أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم، وهو عند زوجته أم سلمة: إني لأشتهي تمر عجوة، فبعثت صاعين من تمر إلى رجل من الأنصار فجاء بدل صاعين صاع من تمر عجوة، فقامت فقدمته إلى رسول الله ﷺ فلما رآه أعجبه، فتناول تمرة، ثم أمسك، فقال: من أين لكم هذا؟ .... فأخبرته أم سلمة، فقال: فألقى التمرة بين يديه، فقال: ردوه، لا حاجة لي فيه، التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والذهب بالذهب، والفضة بالفضة يدًا بيد، عينًا بعين، مثلًا بمثل، من زاد فهو ربا، ثم قال: كذلك ما يكال ويوزن ... الحديث (١). وجه الاستدلال: قوله (وكذلك ما يكال أو يوزن) فدل على أن كل ما يوزن يجري فيه الربا. [الحديث انفرد فيه حيان بن عبيد الله، عن أبي مجلز، وفي حيان ضعف من قبل حفظه] (٢).

стр. 5025

الدليل الثالث: (ح-٧٢٠) ما رواه الدارقطني من طريق أبي بكر بن عياش، عن الربيع ابن صبيح، عن الحسن. عن عبادة وأنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: ما وزن مثل بمثل إذا كان نوعًا واحدًا، وما كيل فمثل ذلك، فإذا أختلف النوعان فلا بأس به.

стр. 5026

قال الدارقطني: لم يروه غير أبي بكر، عن الربيع هكذا، وخالفه جماعة، فرووه عن الربيع، عن ابن سيرين، عن عبادة وأنس، عن النبي ﷺ بلفظ غير هذا اللفظ (١). [الربيع بن صبيح ضعيف، المعروف أن الحديث يروى بغير هذا اللفظ] (٢).

стр. 5027

الدليل الرابع: (ح-٧٢١) ما رواه مسلم من طريق أبي الأشعث، عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله ﷺ : الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد .... (١). وجه الاستدلال: قوله ﷺ : (مثلًا بمثل، سواء بسواء) يدل على وجوب التماثل، وذلك إنما يعلم بالقدر، والقدر في الذهب والفضة إنما يعتبر فيه الوزن فإذا كان العقد مما يراعى فيه التساوي، وجب أن يعتبر الوزن الذي هو أصل اعتباره. فكان هو الوصف المتحقق في هذه الأصناف، والمؤثر في الحكم فيها، لأن المقصود من تحريم الربا هو منع الغبن الذي يقع في المعاملات، وتحقيق العدل في المعاملات إنما يكون بوجود التساوي، فإذا لم يتحقق هذا المعيار فإن ذلك يعني وجود فضل مال في أحدهما على الآخر، وإذا وجد فإنما يوجد، وهو خال عن العوض مع إمكان التحرز عنه، فيقع في الربا، فكان الوزن في الحقيقة هو العلة (٢). ويناقش من وجوه: الوجه الأول: علة التحريم لا تؤخذ من أداة التقدير للشيء، إنما علة التحريم تكون في ذات

стр. 5028

الشيء، فإذا كان النبي ﷺ قد خص بعض الأشياء بمنع التفاضل فيها عند اتحاد جنسها، وضرورة قبضها عند بيع بعضها ببعض، فلا بد أن يكون ذلك التحريم لأوصاف أو منافع خاصة في هذه الأموال، لا لكونها تكال أو توزن. الوجه الثاني: أن الوزن والكيل ليسا وصفين ملازمين للأموال، بل هما أمور عارضة، ومن الأشياء ما تعين مقاديرها في بلد بالكيل، وفي آخر بالوزن، وإن ذلك قد يؤدي إلى أن يكون قد تتحقق فيه علة الربا في بلد، ولا تتحقق فيه علة الربا في بلد آخر، ويكون للشارع في أمر واحد حكمان متناقضان» (١). وقد يخرج من هذا الإشكال بأن يقال: إن العبرة بالميزان ميزان مكة، والمكيال مكيال المدينة، وهي مسألة خلافية سيأتي بحثها في مبحث مستقل إن شاء الله تعالى. الوجه الثالث: الإجماع على جواز إسلام النقدين في الموزونات دليل على أن الوزن ليس هو العلة؛ إذ لو كانت العلة في النقدين الوزن لم يجز إسلامهما في الموزون. قال ابن القيم: «والعلة إذا انتقضت من غير فرق مؤثر دل على بطلانها». وقال أيضًا: «التعليل بالوزن ليس فيه مناسبة، فهو طرد محض» (٢). الوجه الرابع: أن علة تحريم الربا ليست مقصورة على ما يوزن، بل هي متعدية إلى غيره مما

стр. 5029

يعد ثمنًا، ولا يتعامل به وزنًا، كالفلوس، والورق النقدي (١)، فإن الظلم الذي راعى الشارع إبعاده في تحريم الربا في النقدين (الدراهم والدنانير) واقع في التعامل بالورق النقدي. وجه من قال: العلة غلبة الثمنية: أن الذهب والفضة جوهران متعينان لثمنية الأشياء، فالثمنية لا تنفك عنهما، ورائجان عند جميع الناس لخصائص ومزايا اعتبرت فيهما، ولا يشبههما غيرهما وهذا الوصف قاصر عليهما، لا يتعداهما إلى غيرهما، ومعنى كون العلة قاصرة: أن الربا لا يجري في الفلوس والأوراق النقدية ولو كانت رائجة رواج النقدين، لأن الثمنية طارئة عليهما، ولأن المعنى القائم في الذهب والفضة لا يوجد فيهما من كل وجه، ويجري الربا في الأواني والتبر والحلي وإن لم تكن قيمًا للأشياء (٢). ويناقش من وجوه: الوجه الأول: أن العلة القاصرة إذا كانت غير منصوصة، ولا مجمعًا عليها، كما هو الحال

стр. 5030

هنا فإنه لا يصح التعليل بها فإن النص يغني عنها؛ لأن الحكم ثابت بالنص؛ ولأن العلة إنما تستنبط وتستثار لفوائدها، فكما أن البيع يراد للملك، والنكاح يراد للحل، فإذا تخلفت فائدتهما حكم ببطلانهما، فكذلك العلة إذ تخلفت فائدتها عن إثبات الحكم بها في غير محل النص بطلت العلة، فيكون التعليل بالعلة القاصرة عبث لا فائدة فيه (١). الوجه الثاني: أن هذا التعليل بغلبة الثمنية سيؤدي إلى قصر الربا على الذهب والفضة، وهذا يعني عدم جريان الربا في الفلوس والأوراق النقدية مع العلم أن علة تحريم الربا في النقدين ينبغي أن تتعداهما إلى غيرهما في كل ما يعتبر ثمنًا للمبيعات وقيمًا للمتلفات، وهذا القول سيؤدي إلى فتح الباب على مصراعيه للبنوك الربوية أن تمارس الربا باسم البيع بدلًا من اسم القرض بفائدة المجمع على تحريمه مما يؤدي إلى الوقوع في نتائج تتنافى مع مقاصد الشريعة، وتخالف حكمة التشريع الذي من أجله شرع الله تعالى تحريم الربا.

стр. 5031

الوجه الثالث: إذا عللنا بغلبة الثمنية فإن معنى ذلك جريان الربا بالحلي وأواني الذهب والفضة، وهي ليس فيها أي معنى للثمنية (١). وجه من قال: العلة مطلق الثمنية: الوجه الأول: المحافظة على استقرار الأثمان في السوق، حتى لا تضطرب قيم العملات ارتفاعًا وهبوطًا مما يؤدي إلى كساد التجارة، وإفلاس التجار، وفساد المعاملات، وانتشار الظلم. قال ابن تيمية: «التعليل بالثمنية تعليل بوصف مناسب فإن المقصود من الأثمان أن تكون معيارًا للأموال يتوصل بها إلى معرفة مقادير الأموال، ولا يقصد الانتفاع بها بعينها، فمتى بيع بعضها ببعض إلى أجل قصد بها التجارة التي تناقض مقصود الثمنية» (٢). قال ابن القيم: «الثمن هو المعيار الذي به يعرف تقويم الأموال، فيجب أن يكون محدودًا مضبوطًا لا يرتفع ولا ينخفض، إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلع لم يكن لنا ثمن نعتبر به المبيعات، بل الجميع سلع. وحاجة الناس إلى ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة ضرورية عامة، وذلك لا يمكن إلا بسعر تعرف به القيمة، وذلك لا يكون إلا بثمن تُقوَّم به الأشياء، ويستمر على حالة واحدة، ولا يقوَّم هو بغيره؛ إذ يصير سلعة يرتفع وينخفض، فتفسد معاملات الناس، ويقع الخلف، ويشتد الضرر كما رأيت من فساد معاملاتهم والضرر اللاحق بهم

стр. 5032

حين اتخذت الفلوس سلعة تعد للربح فعم الضرر، وحصل الظلم ولو جعلت ثمنًا واحدًا لا يزداد ولا ينقص بل تقوم به الأشياء ولا تقوم هي بغيرها لصلح أمر الناس» (١). الوجه الثاني: أن الأثمان إذا قصد بها التجارة بأعيانها، وصارت سلعة أدى ذلك إلى قلتها في أيدي الناس، فيتضرر بذلك عموم الناس (٢). الوجه الثالث: إذا كانت الأثمان لا ينبغي أن تكون سلعًا تعد للربح يباع بعضها ببعض إلى أجل، فإن هذا الوصف ينطبق على الدراهم والدنانير كما ينطبق على الأوراق النقدية والفلوس إذا راجت، وصارت معيارًا يعرف به قيم الأشياء، لأن حقيقة النقد: هو كل شيء يجري اعتباره في العادة، ويلقى قبولًا عامًا كوسيط للتبادل، كما قال ابن تيمية ﵀: «وأما الدرهم والدينار فما يعرف له حد طبعي، ولا شرعي، بل مرجعه إلى العادة والاصطلاح، وذلك لأنه في الأصل لا يتعلق المقصود به، بل الغرض أن يكون معيارًا لما يتعاملون به، والدراهم والدنانير لا تقصد لنفسها بل هي وسيلة إلى التعامل بها، ولهذا كانت أثمانًا بخلاف سائر الأموال، فإن المقصود بها الانتفاع بها بنفسها، فلهذا كانت مقدرة بالأمور الطبعية أو الشرعية، والوسيلة المحضة التي لا يتعلق بها غرض، لا بمادتها، ولا بصورتها يحصل بها المقصود كيف ما كانت» (٣).

стр. 5033

وجاء في المدونة «قلت: أرأيت إن اشتريت فلوسًا بدرهم، فافترقنا قبل أن يقبض كل واحد منها؟ قال: لا يصلح هذا في قول مالك، وهذا فاسد. قال لي مالك في الفلوس: لا خير فيها نظرة بالذهب ولا بالورق، ولو أن الناس أجازوا بينهم الجلود حتى يكون لها سكة وعين لكرهتها أن تباع بالذهب والورق نظرة» (١). واعترض: بأن الربا يجري في سبائك الذهب والفضة مع أنهما في حال كونهما سبائك ليسا ثمنًا، وكذلك يجري الربا في الحلي، وهو ليس ثمنًا (٢). ويجاب: أما جريان الربا في الحلي فهذه مسألة خلافية سيجري إن شاء الله تعالى تحرير الخلاف فيها، وأسأل الله وحده العون والتوفيق. وأما السبائك من الذهب والفضة فإنه يجري فيها الربا وإن لم تكن أثمانًا؛ لأن الثمنية موغلة في الذهب والفضة بدليل أن السبائك الذهبية كانت تستعمل نقدًا قبل سكها نقودا، وقد كان تقدير ثمنيتها بالوزن. (ح-٧٢٢) فقد روى البخاري ومسلم في قصة شراء النبي ﷺ جمل جابر وفيه، قال جابر: فاشتراه مني بأوقية ... فأمر بلالًا أن يزن لي أوقية، فوزن لي بلال، فأرجح لي في الميزان (٣).

стр. 5034

وفي رواية لمسلم، قال رسول الله ﷺ لبلال: أعطه أوقية من ذهب، وزده، قال: فأعطاني أوقية من ذهب، وزادني قيراطًا. والقيراط: هو جزء من أجزاء الدينار هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن حرمة الربا في الذهب والفضة ثابتة بالنص، وكون العلة في التحريم هي الثمنية أمر مستنبط، وقد نص العلماء على أن العلة المستنبطة لا يمكن أن تعود على الحكم بالإبطال، لأن النص دلالته قطعية وهي دلالتها ظنية، والله أعلم. الراجح: الذي أميل إليه أن العلة فيها هو مطلق الثمنية، لقوة أدلته، ولمراعاة حكمة التشريع الذي من أجله حرم الربا، فلا فرق بين الدراهم والدنانير، وبين النقود الورقية باعتبارها معيارًا للأموال يتوصل بها إلى معرفة مقادير الأموال، ولا يقصد الانتفاع بها بعينها، والله أعلم. * * *

стр. 5035

المبحث الثاني علة الربا في الأصناف الأربعة إذا كان العدد لا يعتبر جزءًا من العلة مع قول النبي ﷺ (لا تبيعوا الدينار بالدينارين)، وقوله ﷺ : (لا درهمين بدرهم) لم يعتبر الكيل جزءًا من العلة كذلك. [م-١١٦٨] اختلف الفقهاء في علة الربا في الأصناف الأربعة: البر والشعير والتمر والملح إلى أقوال كثيرة، نذكر أشهرها، ونشير إلى الباقي: فقيل: العلة هي الكيل أو الوزن مع الجنس، فيجري الربا في كل مكيل أو موزون من جنس واحد، سواء كان مطعومًا كالأرز، أو غير مطعوم كالحناء والأشنان، والنورة، وهذا مذهب الحنفية (١)، والمشهور من مذهب أحمد (٢)، وبه قال إسحاق والنخعي والزهري والثوري (٣).

стр. 5036

وقيل: العلة هي الاقتيات والادخار، وبعضهم يزيد كونه للعيش غالبًا، وهو قول مالك (١). وهذه علة ربا الفضل عندهم. وأما علة ربا النسأ فالطعم على غير جهة التداوي. وقيل: العلة فيها الطعم، سواء كان اقتياتًا، أو تفكهًا، أو تداويًا، فيجري الربا في كل مطعوم سواء كانت مكيلة أو غير مكيلة كالثمار، والفواكه، والبيض، والأدوية، وغيرها من المطعومات. وهذا مذهب الشافعي في الجديد (٢)، ورواية عن الإمام أحمد (٣)، واختاره ابن المنذر (٤). وقيل: العلة هي الطعم مع الكيل أو الوزن. وبه قال سعيد بن المسيب (٥)، وهو قول الشافعي في القديم (٦)، ورواية عن أحمد، رجحها ابن تيمية (٧).

стр. 5037

وهناك أقوال أخرى خارج المذاهب المشهورة والمعتمدة تركت ذكرها لعدم قوتها (١). دليل من قال: العلة: الكيل مع الجنس: الدليل الأول: (ح-٧٢٣) ما رواه البخاري، قال: حدثنا أبو نعيم، حدثنا شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة. عن أبي سعيد ﵁ قال: كنا نرزق تمر الجمع، وهو الحائط من التمر، وكنا نبيع صاعين بصاع، فقال النبي ﷺ : لا صاعين بصاع، ولا درهمين بدرهم (٢).

стр. 5038

وجه الاستدلال: قوله (لا صاعين بصاع) فهذا عام في كل مكيل، مطعومًا كان أو غير مطعوم، فدل هذا على أن الكيل علة في التحريم. وأجيب بثلاثة أجوبة: الجواب الأول: أن في الحديث اختصارًا، وأن الحديث بتمامه (لا صاعي تمر بصاع، ولا صاعي حنطة بصاع) (١).

стр. 5039

الجواب الثاني: على فرض ألا يكون في الحديث اختصار، فإن هذا مفهوم من السياق، فإنه حين أخبر الصحابي ﵁ أنه يبيع الجمع من التمر الصاعين بالصاع، قال: لا تبيعوا الصاعين بالصاع يعني من التمر؛ لأن التمر كله جنس واحد. الجواب الثالث: أنه ﷺ قال في الحديث: (لا درهمين بدرهم) فإذا لم يكن العدد علة في الربا لم يكن ذكر الكيل علة فيه. الدليل الثاني: (ح-٧٢٤) ما رواه أحمد، قال: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا خلف - يعني ابن خليفة - عن أبي جناب عن أبيه. عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : لا تبيعوا الدينار بالدينارين، ولا الدرهم بالدرهمين، ولا الصاع بالصاعين، فإني أخاف عليكم الرماء، والرماء هو الربا، فقام إليه رجل فقال: يا

стр. 5040

رسول الله، أرأيت الرجل يبيع الفرس بالأفراس والنجيبة بالإبل؟ قال: لا بأس إذا كان يدًا بيد (١). [ضعيف، ولفظة (إني أخاف عليكم الرماء) رواها ابن عمر تارة موقوفة عليه، وتارة عن عمر موقوفًا عليه، وليس فيه لفظ ولا الصاع بالصاعين موضع الشاهد] (٢).

стр. 5041

وجه الاستدلال: أنه لما نهى عن الصاع بالصاعين دل بإطلاقه على النهي عن كل مكيل، سواء كان مطعومًا أو غير مطعوم، مما يدل على أن الكيل علة في التحريم.

стр. 5042

وأجيب: بأن ذكر معيار التساوي لا يلزم أن يكون هو العلة في الحكم، وسوف نناقش هذا في موضع الترجيح إن شاء الله تعالى. الدليل الثالث: (ح-٧٢٥) ما رواه البخاري، حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف، عن سعيد بن المسيب. عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄، أن رسول الله ﷺ استعمل رجلًا على خيبر، فجاءهم بتمر جنيب، فقال: أكل تمر خيبر هكذا؟ فقال: إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة فقال: لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبًا، وقال في الميزان مثل ذلك (١). وجه الاستدلال: قوله (وكذلك الميزان) الكذلكة هنا إشارة إلى ما تقدم من وجوب بيع الصاع بالصاع في بيع التمر، فكأنه قال: قال في الميزان مثل ما قال في المكيل، فالحديث تضمن الإشارة إلى علة تحريم التفاضل في بيع التمر؛ لأنه مكيل، ثم أخبر أن مثله في الحكم كل موزون. ويجاب: بأن عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف قد تفرد، في هذا الطريق بقوله (وكذلك الميزان) على اختلاف عليه في ذكرها، فتارة يذكرها، وتارة يهملها. كما تفرد في جعل الحديث من مسند أبي سعيد وأبي هريرة، والمحفوظ

стр. 5043

أن الحديث من مسند أبي سعيد، ولا يروى عن أبي هريرة إلا من هذا الطريق (١). الدليل الرابع: (ح-٧٢٦) ما رواه الحاكم من طريق حيان بن عبيد الله العدوي، عن أبي مجلز. عن أبي سعيد أنه لقي ابن عباس فقال له: يا ابن عباس ألا تتقي الله إلى متى تؤكل الناس الربا، أما بلغك أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم، وهو عند زوجته أم سلمة: إني لأشتهي تمر عجوة، فبعثت صاعين من تمر إلى رجل من الأنصار فجاء بدل صاعين صاع من تمر عجوة، فقامت فقدمته إلى رسول الله ﷺ فلما رآه أعجبه، فتناول تمرة، ثم أمسك، فقال: من أين لكم هذا؟ .... فأخبرته أم سلمة، فقال: فألقى التمرة بين يديه، فقال: ردوه، لا حاجة لي فيه، التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والذهب بالذهب، والفضة بالفضة يدًا بيد، عينًا بعين، مثلًا بمثل، من زاد فهو ربا، ثم قال: كذلك ما يكال ويوزن ... الحديث (٢). وجه الاستدلال: قوله (وكذلك ما يكال ويوزن). [والحديث انفرد فيه حيان بن عبيد الله، عن أبي مجلز، وفي حيان ضعف من قبل حفظه] (٣).

стр. 5044

الدليل الخامس: (ح-٧٢٧) ما رواه الدارقطني من طريق أبي بكر بن عياش، عن الربيع ابن صبيح، عن الحسن. عن عبادة وأنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: ما وزن مثل بمثل إذا كان نوعًا واحدًا، وما كيل فمثل ذلك، فإذا أختلف النوعان فلا بأس به. قال الدارقطني: لم يروه غير أبي بكر، عن الربيع هكذا، وخالفه جماعة، فرووه عن الربيع، عن ابن سيرين، عن عبادة وأنس، عن النبي ﷺ بلفظ غير هذا اللفظ، وليس فيه موضع الشاهد (١). [الربيع بن صبيح ضعيف، المعروف أن الحديث يروى بغير هذا اللفظ] (٢). الدليل السادس: (ح-٧٢٨) ما رواه مسلم من طريق أبي الأشعث. عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله ﷺ : الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد .... (٣). وجه الاستدلال: قوله ﷺ (مثلًا بمثل، سواء بسواء) يدل على وجوب التماثل، وذلك إنما يعلم بالقدر، والقدر في الأصناف الأربعة إنما يعتبر فيه الكيل فإذا كان العقد مما يراعى فيه التساوي، وجب أن يعتبر الكيل الذي هو أصل اعتباره. فكان هو

стр. 5045

الوصف المتحقق في هذه الأصناف، والمؤثر في الحكم فيها، لأن المقصود من تحريم الربا هو منع الغبن الذي يقع في المعاملات، وتحقيق العدل في المعاملات إنما يكون بوجود التساوي، فإذا لم يتحقق هذا المعيار فإن ذلك يعني وجود فضل مال في أحدهما على الآخر، وإذا وجد فإنما يوجد، وهو خال عن العوض مع إمكان التحرز عنه، فيقع في الربا، فكان الكيل في الحقيقة هو العلة (١). وسوف نناقش إن شاء الله تعالى عند الترجيح وجه اعتبار الكيل علة في التحريم، فانظره في آخر البحث. الدليل السابع: (ث-١٢٧) ما رواه الطحاوي في مشكل الآثار، قال: حدثنا يحيى بن عثمان، قال: ثنا موسى بن هارون البردي، قال: ثنا يحيى بن سعيد القطان، عن صدقة ابن المثنى، عن جده رياح بن الحارث، قال: قال عمار بن ياسر ﵁: العبد خير من العبدين، والأمة خير من الأمتين، والبعير خير من البعيرين، والثور خير من الثورين، فما كان يدًا بيد فلا بأس، إنما الربا في النسأ لا ما كيل أو وزن (٢). [انفرد به شيخ الطحاوي، وفيه كلام] (٣).
следующие страницы →