← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 5041–5080 · переход к 5046.

стр. 5041

وجه الاستدلال: أنه لما نهى عن الصاع بالصاعين دل بإطلاقه على النهي عن كل مكيل، سواء كان مطعومًا أو غير مطعوم، مما يدل على أن الكيل علة في التحريم.

стр. 5042

وأجيب: بأن ذكر معيار التساوي لا يلزم أن يكون هو العلة في الحكم، وسوف نناقش هذا في موضع الترجيح إن شاء الله تعالى. الدليل الثالث: (ح-٧٢٥) ما رواه البخاري، حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف، عن سعيد بن المسيب. عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄، أن رسول الله ﷺ استعمل رجلًا على خيبر، فجاءهم بتمر جنيب، فقال: أكل تمر خيبر هكذا؟ فقال: إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة فقال: لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبًا، وقال في الميزان مثل ذلك (١). وجه الاستدلال: قوله (وكذلك الميزان) الكذلكة هنا إشارة إلى ما تقدم من وجوب بيع الصاع بالصاع في بيع التمر، فكأنه قال: قال في الميزان مثل ما قال في المكيل، فالحديث تضمن الإشارة إلى علة تحريم التفاضل في بيع التمر؛ لأنه مكيل، ثم أخبر أن مثله في الحكم كل موزون. ويجاب: بأن عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف قد تفرد، في هذا الطريق بقوله (وكذلك الميزان) على اختلاف عليه في ذكرها، فتارة يذكرها، وتارة يهملها. كما تفرد في جعل الحديث من مسند أبي سعيد وأبي هريرة، والمحفوظ

стр. 5043

أن الحديث من مسند أبي سعيد، ولا يروى عن أبي هريرة إلا من هذا الطريق (١). الدليل الرابع: (ح-٧٢٦) ما رواه الحاكم من طريق حيان بن عبيد الله العدوي، عن أبي مجلز. عن أبي سعيد أنه لقي ابن عباس فقال له: يا ابن عباس ألا تتقي الله إلى متى تؤكل الناس الربا، أما بلغك أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم، وهو عند زوجته أم سلمة: إني لأشتهي تمر عجوة، فبعثت صاعين من تمر إلى رجل من الأنصار فجاء بدل صاعين صاع من تمر عجوة، فقامت فقدمته إلى رسول الله ﷺ فلما رآه أعجبه، فتناول تمرة، ثم أمسك، فقال: من أين لكم هذا؟ .... فأخبرته أم سلمة، فقال: فألقى التمرة بين يديه، فقال: ردوه، لا حاجة لي فيه، التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والذهب بالذهب، والفضة بالفضة يدًا بيد، عينًا بعين، مثلًا بمثل، من زاد فهو ربا، ثم قال: كذلك ما يكال ويوزن ... الحديث (٢). وجه الاستدلال: قوله (وكذلك ما يكال ويوزن). [والحديث انفرد فيه حيان بن عبيد الله، عن أبي مجلز، وفي حيان ضعف من قبل حفظه] (٣).

стр. 5044

الدليل الخامس: (ح-٧٢٧) ما رواه الدارقطني من طريق أبي بكر بن عياش، عن الربيع ابن صبيح، عن الحسن. عن عبادة وأنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: ما وزن مثل بمثل إذا كان نوعًا واحدًا، وما كيل فمثل ذلك، فإذا أختلف النوعان فلا بأس به. قال الدارقطني: لم يروه غير أبي بكر، عن الربيع هكذا، وخالفه جماعة، فرووه عن الربيع، عن ابن سيرين، عن عبادة وأنس، عن النبي ﷺ بلفظ غير هذا اللفظ، وليس فيه موضع الشاهد (١). [الربيع بن صبيح ضعيف، المعروف أن الحديث يروى بغير هذا اللفظ] (٢). الدليل السادس: (ح-٧٢٨) ما رواه مسلم من طريق أبي الأشعث. عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله ﷺ : الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد .... (٣). وجه الاستدلال: قوله ﷺ (مثلًا بمثل، سواء بسواء) يدل على وجوب التماثل، وذلك إنما يعلم بالقدر، والقدر في الأصناف الأربعة إنما يعتبر فيه الكيل فإذا كان العقد مما يراعى فيه التساوي، وجب أن يعتبر الكيل الذي هو أصل اعتباره. فكان هو

стр. 5045

الوصف المتحقق في هذه الأصناف، والمؤثر في الحكم فيها، لأن المقصود من تحريم الربا هو منع الغبن الذي يقع في المعاملات، وتحقيق العدل في المعاملات إنما يكون بوجود التساوي، فإذا لم يتحقق هذا المعيار فإن ذلك يعني وجود فضل مال في أحدهما على الآخر، وإذا وجد فإنما يوجد، وهو خال عن العوض مع إمكان التحرز عنه، فيقع في الربا، فكان الكيل في الحقيقة هو العلة (١). وسوف نناقش إن شاء الله تعالى عند الترجيح وجه اعتبار الكيل علة في التحريم، فانظره في آخر البحث. الدليل السابع: (ث-١٢٧) ما رواه الطحاوي في مشكل الآثار، قال: حدثنا يحيى بن عثمان، قال: ثنا موسى بن هارون البردي، قال: ثنا يحيى بن سعيد القطان، عن صدقة ابن المثنى، عن جده رياح بن الحارث، قال: قال عمار بن ياسر ﵁: العبد خير من العبدين، والأمة خير من الأمتين، والبعير خير من البعيرين، والثور خير من الثورين، فما كان يدًا بيد فلا بأس، إنما الربا في النسأ لا ما كيل أو وزن (٢). [انفرد به شيخ الطحاوي، وفيه كلام] (٣).

стр. 5046

وجه الاستدلال: قال الطحاوي: «فلما كان أوكد الأشياء في دخول الربا عليها: الذهب والفضة، وليسا بمأكولين، ولا مشروبين، عقلنا بذلك أن العلة التي لها دخول الربا إلى الوزن فيما يوزن، والكيل فيما يكال، مأكولًا كان ذلك، أو مشروبًا، أو غير مأكول، أو مشروب، والله نسأل التوفيق» (١). دليل من قال: العلة الاقتيات والادخار: الأصناف الأربعة يجمعها وصفان: الوصف الأول: أن كلًا منها مقتات، والاقتيات: هو ما تقوم به بنية الآدمي، وتتغذى به الأجسام على سبيل الدوام. وفي معنى الاقتيات ما يصلح القوت، ووصف الاقتيات وصف شريف إذ به يتم حفظ الأجساد التي هي سبب مصالح الدنيا والآخرة. ولذلك أجمع الفقهاء على وجوب الزكاة في الزروع والثمار إذا كانت مما يقتات، واتفق الفقهاء على منع احتكار الأقوات دون غيرها، مما يجعل وصف القوت من أ خص أوصاف الأصناف الأربعة المذكورة.

стр. 5047

الوصف الثاني: الادخار: هو عدم فساده بالتأخير المعروف فيه، وأن يكون الادخار معتادًا، وإنما كان الاقتيات والادخار علة حرمة الربا في الطعام لخزن الناس له حرصًا على طلب وفور الربح فيه لشدة الحاجة إليه. ونوقش: بأن التعليل بالادخار منتقض بالرطب، فإنه يجري فيه الربا، وليس مدخرًا. فإن قيل: إنه يؤول إلى الادخار. فالجواب: أن الربا جار في الرطب الذي لا يصير تمرًا، وفي العنب الذي لا يصير زبيبًا (١). فيقال: الاعتبار بالغالب. كما أن الملح ذكر من الأصناف الأربعة، وليس قوتًا، فإن قيل: إنه مما يصلح به القوت، فالجواب: أنه لو جاز الربا فيما يصلح به القوت لجاز الربا في الماء، والحطب، وغيرهما مما يصلح به القوت (٢). ويجاب: قال القرافي: «جوابه أنا لا نقتصر على مطلق الإصلاح، بل نقول: هي قوت مصلح، وهذه ليست قوتًا» (٣). دليل من قال: العلة: هي الطعم: (ح-٧٢٩) ما رواه مسلم من طريق أبي النضر، أن بسر بن سعيد حدثه. عن

стр. 5048

معمر بن عبد الله، قال: كنت أسمع رسول الله ﷺ يقول: الطعام بالطعام مثلًا بمثل، قال: وكان طعامنا يومئذ الشعير. الحديث وفيه قصة (١). وجه الاستدلال: فكان عموم هذا الخبر إشارة إلى أن علة الربا الطعم: لأن الحكم إذا علق على اسم مشتق دل على أن ذلك المعنى الذي اشتق منه الاسم هو علة الحكم كالجلد في الزنا في قوله تعالى ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة﴾ [النور:٢] فعلم أن الزنا هو علة الجلد، وقطع يد السارق لأن اسمه مشتق من السرقة، فالحكم بالربا على الطعام يدل على أن كونه طعامًا هو العلة لذلك؛ لأن اسم الطعام يتناول كل مطعوم في اللغة والشرع، سواء كان مكيلًا أو غير مكيل قال تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِي إِسْرَاءِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَاءِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران:٩٣] وقال تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ [المائدة:٥] يريد به ذبائحهم. (ح-٧٣٠) وروى الإمام أحمد من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن عائشة، قالت: لقد كان يأتي على آل محمد الشهر ما يرى في بيت من بيوته الدخان، قلت: يا أمه، وما كان طعامهم؟ قالت: الأسودان، التمر والماء (٢). [إسناده حسن، وهو في الصحيحين بنحوه] (٣).

стр. 5049

الدليل الثاني: (ح-٧٣١) استدل البيهقي بما رواه مسلم من طريق إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال لعن رسول الله ﷺ آكل الربا ومؤكله ... الحديث (١). الدليل الثالث: (ث-١٢٨) ما رواه إسحاق بن راهوية كما في إتحاف الخيرة المهرة، قال: أنبأ أبو عامر العقدي، عن موسى بن علي بن رباح اللخمي، عن أبيه، عن أبي قيس. أن أبا بكر الصديق كتب إلى أمراء الأجناد بالشام: إنكم هبطتم أرض الربا، فلا تبتاعوا الذهب بالذهب إلا وزنًا بوزن، ولا الورق بالورق إلا وزنًا بوزن، ولا الطعام بالطعام إلا مكيالا بمكيال. قال البوصيري في إتحاف المهرة: هذا إسناد صحيح (٢). وهو كما قال. وجه الاستدلال: قول أبي بكر ﵁ (ولا الطعام بالطعام) إشارة إلى أن علة الربا الطعم. الدليل الرابع: (ث-١٢٩) ما رواه عبد الرزاق في المصنف، قال: أخبرنا معمر، عن

стр. 5050

الزهري، عن سالم. عن ابن عمر قال: ما اختلفت ألوانه من الطعام فلا بأس به يدًا بيد، البر بالتمر، والزبيب بالشعير، وكرهه نسيئة (١). [صحيح، وهو شاهد للأثر الذي قبله]. ووجه الاستدلال به كالاستدلال بالأثر الذي قبله. الدليل الخامس: أن علة الشيء في ثبوت حكمه ما كان مقصودًا من أوصافه، ومقصود البر هو الأكل فاقتضى أن يكون علة الحكم. مناقشة تعليل الشافعية: بأن العلة لو كانت هي الطعم وحده لاكتفى بالتنبيه على ذلك بالنص على واحد من تلك الأصناف الأربعة المذكورة، فلما ذكر منها عددًا علم أنه قصد بكل واحد منها التنبيه على ما في معناه، وهي كلها يجمعها الاقتيات والادخار، أما البر والشعير فنبه بهما على أصناف الحبوب المدخرة، ونبه بالتمر على جميع أنواع الحلاوات المدخرة كالسكر والعسل والزبيب، ونبه بالملح على جميع التوابل المدخرة لإصلاح الطعام، وأيضا فإنهم قالوا: لما كان معقول المعنى في الربا: إنما هو أن لا يغبن بعض الناس بعضًا وأن تحفظ أموالهم، فواجب أن يكون ذلك في أصول المعايش وهي ا لأقوات (٢). ورد على هذه المناقشة: بأنه لو كان المقصود ما ذكر لاستغني بذكر الذهب عن ذكر الفضة أو

стр. 5051

العكس؛ إذ علتهما واحدة بالاتفاق، ولاستغني بذكر البر عن الشعير أو العكس؛ لأنهما من أصناف الحبوب المدخرة. ويرد الباجي بقوله: «لا خلاف أنه قصد بذكر هذه الأربع المسميات إلى التنبيه على علة الربا فيها، فأتى بألفاظ مختلفة الجنس والمعنى، وهذا يقتضي أن العلة أخص صفة توجد فيها، ووجدنا التمر يؤكل قوتا ويؤكل حلاوة وتفكهًا، فلولا اقتران الحنطة والشعير به للحقت به الحلاوات والفواكه خاصة، ووجدنا الشعير يؤكل من أدنى الأقوات، ويكون علفًا، فلولا اقتران الحنطة والتمر به لجاز أن يلحق به أدنى الأقوات خاصة دون أعلاها، ولجاز أن يلحق به العلف من القضب، والقرط، ووجدنا الملح مما يصلح الأقوات ويطيبها، فلولا اقتران القمح والشعير به لجاز أن يلحق به الأقوات المصلحة، ولجاز أن يلحق به الماء والبقول، التي يصلح بها الطبيخ، ووجدنا البر أرفع الأقوات وما يقتات عامًا فلولا اقتران التمر والشعير به لقصرنا حكمه على رفيع الأقوات، ومنعنا الربا أن يجري في أدونها، أو يجري في الأرز وغيره مما لا يعم اقتياته، ولو أراد عموم العلة لاكتفى باسم واحد منها؛ لأنه لا خلاف في أنه كلما كثرت أوصاف العلة كانت أخص وكلما قلت كانت أعم» (١). دليل من قال: العلة الطعم مع الكيل: الدليل الأول: هذا القول جمع بين أدلة الحنفية وأدلة الشافعية، ورأى أن لكل واحد من هذه الأوصاف أثرًا، والحكم مقرون بجميعها في المنصوص عليه، فلا يجوز حذفه، بل يجب الجمع بين هذه الأحاديث الواردة في الباب، وتقييد أحدها بالآخر.

стр. 5052

فنهى النبي ﷺ عن بيع الطعام بالطعام. (ح-٧٣٢) كما في الحديث الذي رواه مسلم من طريق أبي النضر، أن بسر ابن سعيد حدثه. عن معمر بن عبد الله، قال: كنت أسمع رسول الله ﷺ يقول: الطعام بالطعام مثلًا بمثل، قال: وكان طعامنا يومئذ الشعير. الحديث وفيه قصة (١). فهذا الحديث نص على اعتبار الطعم، إلا أنه يجب تقييده بما فيه معيار شرعي، من كيل أو وزن. (ح-٧٣٣) لما رواه البخاري من حديث أبي سعيد ﵁ قال: كنا نرزق تمر الجمع، وهو الحائط من التمر، وكنا نبيع صاعين بصاع، فقال النبي ﷺ : لا صاعين بصاع، ولا درهمين بدرهم (٢). وقوله ﷺ في حديث أبي سعيد المتفق عليه: (وقال في الميزان مثل ذلك) (٣)، أي قال النبي ﷺ في الميزان مثل ما قال في المكيل. فتبين بذلك أن الطعم بمجرده لا تتحقق المماثلة به؛ لعدم المعيار الشرعي فيه، وإنما تجب المماثلة في المعيار الشرعي وهو الكيل والوزن؛ ولهذا وجبت المساواة في المكيل كيلًا، وفي الموزون وزنًا، فوجب أن يكون الطعم معتبرًا في المكيل والموزون دون غيرهما وبهذا نكون قد جمعنا بين الأحاديث الواردة في هذا الباب، وقيدنا كل واحد منها بالآخر، فنهي النبي ﷺ عن بيع الطعام إلا مثلًا بمثل، يتقيد بما فيه معيار شرعي، وهو الكيل والوزن ونهيه عن بيع الصاع بالصاعين، يتقيد بالمطعوم المنهي عن التفاضل فيه.

стр. 5053

الدليل الثاني: (ح-٧٣٤) ما رواه مسلم من طريق أبي الأشعث. عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله ﷺ : الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد .... (١). فإن الأصناف الأربعة مطعومة مكيلة. الدليل الثالث: (ح-٧٣٥) ما رواه الدارقطني في سننه من طريق المبارك بن مجاهد، عن مالك بن أنس، عن أبي الزناد. عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ قال: لا ربا إلا في ذهب، أو فضة، أو مما يكال، أو يوزن، ويؤكل ويشرب. قال الدارقطني: [هذا مرسل، ووهم المبارك على مالك برفعه إلى النبي ﷺ وإنما هو من قول سعيد بن المسيب مرسل] (٢). الترجيح: من خلال تحرير الخلاف السابق نجد أن الفقهاء - فيما عدا الظاهرية وعدد

стр. 5054

قليل من أهل القياس - يقولون: بأن جزء العلة الاتفاق في الجنس، ويختلفون في تعيين الجزء الآخر: هل هو الكيل أو الوزن وحده كالحنفية. أو الطعم، وحده كالشافعية. أو الاقتيات والادخار وحده كالمالكية. أو الطعم مع كونه مكيلًا أو موزونًا كما هو قديم قول الشافعية، ورواية عن أحمد. فاستبعدنا مذهب الحنفية للحديث الصحيح (الطعام بالطعام مثلا بمثل)، وإن قيل: إن هذا فرد من أفراد لا يقتضي تخصيصًا، إلا أننا إذا نظرنا في الأصناف الأربعة وجدناها كلها مطعومة، لذلك أبعدنا غير المطعوم من جريان الربا فيه. وبقي الخلاف: هل العلة الطعم، أو الاقتيات والادخار وحدهما، أو أن العلة مركبة: بين الطعم والكيل. والذي أميل إليه أن الكيل غير معتبر في كونه علة في جريان الربا، وإن كان ا لكيل أو الوزن معيارًا يتوصل فيه إلى ضبط التساوي مما يحرم فيه التفاضل للأسباب التالية. الأول: أن العلة في الذهب والفضة مطلق الثمنية، وألحقنا بها الأوراق النقدية، وكذلك الفلوس مع أن الحديث يقول: لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا وزنًا بوزن، ولا الفضة بالفضة إلا وزنًا بوزن. فالذهب بالذهب، والفضة بالفضة يحرم فيه التفاضل، والمعيار الشرعي فيه هو الوزن، ومع ذلك لم يكن الوزن هو العلة في جريان الربا فيهما، فليكن الكيل معيارًا يتوصل فيه إلى ضبط التساوي بين بيع البر بالبر والشعير بالشعير،

стр. 5055

والتمر بالتمر، والملح بالملح وليس علة في جريان الربا في هذه الأصناف الأربعة. قال النووي: «لا يلزم من كون الكيل معيارًا كونه علة، والله سبحانه أعلم» (١). (ح-٧٣٦) الثاني: أن النبي ﷺ قال فيما رواه البخاري من حديث أبي سعيد ﵁: لا صاعين بصاع، ولا درهمين بدرهم (٢). فقوله (ولا درهمين بدرهم) إشارة إلى طلب التساوي، ومع ذلك لم يعتبر أحد من العلماء أن العدد جزء من العلة مع اعتبار الشارع له كما في رواية أبي سعيد هذه، وحديث عثمان عند مسلم: (لا تبيعوا الدينار بالدينارين). الثالث: أن الأكل أو الاقتيات والادخار صفة لازمة لذات المعلول والكيل صفة زائدة عن المعلول، والصفة اللازمة أولى أن تكون علة من الصفة الزائدة. الرابع: القبض والكيل كلاهما شرط في صحة البيع، فإذا كان القبض ليس علة في الربا فليكن الكيل كذلك. (ح-٧٣٧) الخامس: روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث ابن عباس ﵁، قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة، وهم يسلفون في التمر السنتين والثلاث، فقال: من أسلف في شيء ففي كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم (٣). ولم يقل جمهور الفقهاء: إن الوزن والكيل علة في جواز ما يسلم فيه، فلا

стр. 5056

يجوز في غيرهما، وإنما قالوا: يجوز السلم في كل ما يضبط وصفه، سواء أكان ذلك بالكيل، أم الوزن، أم الذرع، أم العد. السادس: «علة التحريم لا تؤخذ من أداة التقدير للشيء، إنما علة التحريم تكون في ذات الشيء، فإذا كان النبي ﷺ قد خص بعض الأشياء بمنع التفاضل فيها عند اتحاد جنسها، وضرورة قبضها عند بيع بعضها ببعض، فلا بد أن يكون ذلك التحريم لأوصاف أو منافع خاصة في هذه الأموال، لا لكونها تكال أو توزن. السابع: أن الوزن والكيل ليسا وصفين ملازمين للأموال، بل هما أمران عارضان، ومن الأشياء ما تعين مقاديرها في بلد بالكيل، وفي آخر بالوزن، وإن ذلك قد يؤدي إلى أن يكون قد تتحقق فيه علة الربا في بلد، ولا تتحقق فيه علة الربا في بلد آخر، ويكون للشارع في أمر واحد حكمان متناقضان» (١). قال الماوردي: «التمر يكال بالحجاز، ويوزن بالبصرة والعراق، والبر يكال تارة في زمان، ويوزن أخرى، والفواكه قد تعد في زمان، وتوزن في زمان، فلم يجز أن يكون الكيل علة؛ لأنها تقتضي أن يكون الجنس الواحد فيه الربا في بعض البلدان، ولا ربا فيه في بعضها، وفي بعض الأزمان، ولا ربا فيه في غيرها، وعلة الحكم يجب أن تكون لازمة في البلدان، وسائر الأزمان، وهذا موجود في الأكل» (٢). فإن قيل: إن العبرة بالمعيار في وقت الرسول ﷺ ، فالجواب: أن المكيال والميزان أمران عرفيان لم يحدث فيها الرسول ﷺ تغييرًا عما كان يعمل في الجاهلية.

стр. 5057

الثامن: أن الربا يجري بين التمرتين والثلاث، مع العلم أنها لا تكال. ذكر القرافي في معرض استدلاله على عدم التعليل بالكيل، بقوله: «لا يخفاك أن الكيل ليس بصفة ثابتة، بل عارض، وليس بصفة مختصة، بل غير مختص، وليس بصفة مقصودة عادة من هذه الأعيان، وليس بصفة جامعة للأوصاف المناسبة كلها، بل ليس هو بصفة سابقة على الحكم، وإنما هو لاحق مخلص من الربا كالقبض، فلا يصلح أن يكون علته على أنه يمتنع في القليل كالتمرة والتمرتين ونحوهما بخلاف علة مالك» (١). وذكر الماوردي: أن الأكل علة يوجد الحكم بوجودها ويعدم بعدمها، والكيل علة يوجد الحكم مع عدمها، ويعدم الحكم مع وجودها، وهو أن الزرع إذا كان حشيشا أو قصيلًا لا ربا فيه؛ لعدم الأكل عندنا، وعدم الكيل عندهم، فإذا صار سنبلًا ثبت فيه الربا عندنا؛ لأنه مأكول، وثبت فيه الربا عندهم، وهو غير مكيل. فإن قيل يصير مكيلًا. قيل: وكذلك إذا كان حشيشًا. فإذا صار السنبل خبزًا ثبت فيه الربا عندنا: لأنه مأكول، وثبت فيه الربا عندهم، وهو غير مكيل، فإن قيل: يحصل فيه الربا لأنه موزون. قيل: ما ثبت فيه الربا لا تختلف علته باختلاف أوصافه، فإذا صار الخبز رمادًا فلا ربا فيه عندنا: لأنه غير مأكول، ولا ربا فيه عندهم وهو مكيل، فثبت أن علتنا يوجد الحكم بوجودها، ويعدم بعدمها، وعلتهم يوجد الحكم مع عدمها في السنبل، ويعدم الحكم مع وجودها في الرماد، فثبت أن التعليل بالأكل أصح لهذه الدلائل الأربعة» (٢).

стр. 5058

لهذه الأسباب المذكورة أبعدت اعتبار الكيل أو الوزن علة في جريان الربا في هذه الأموال، وبقي النظر: هل العلة: الطعم، أو العلة الاقتيات والادخار، فالترجيح لدي بين هذين القولين: فمن نظر إلى أن القوت أشرف من مطلق الطعم، وأن الشارع أوجب الزكاة في الأقوات خاصة، ولم يوجبها في كل مطعوم، وأن الفقهاء أجمعوا على تحريم الاحتكار في الأقوات خاصة، وأن الأصل في البيع الحل، فيبقى المتيقن: هو اعتبار القوت والادخار، وأما غيره فمحتمل، والاحتياط في جانب المعاملات ليس في التحريم، بل الاحتياط عكسه تمامًا، لهذا أجدني ميالًا إلى قول المالكية، وإن كان في قول الشافعية قوة، والله أعلم.

стр. 5059

المبحث الثالث ثمرة اختلاف الفقهاء في علة الربا قال ابن قدامة: كل ما حرم فيه التفاضل حرم فيه النساء بغير خلاف نعلمه (١). وقال البهوتي في كشاف القناع: التماثل في الجنسين غير معتبر (٢). وقال الباجي: «كل شيئين جمعتهما علة واحدة في الربا فإنه لا يجوز بيع أحدهما بالآخر نسأ كالذهب والورق» (٣). [م-١١٦٩] بعد أن استعرضنا علة ربا الفضل والنسيئة في الأصناف الأربعة، وعلة ربا النسيئة في الأموال غير الربوية نريد أن نعقد مقارنة بين المذاهب من خلال الأمثلة حتى يتبين الفروق بين المذاهب المختلفة في تحديد العلة. أولًا: أن ما عدا الأصناف الستة المذكورة في حديث عبادة بن الصامت، وحديث أبي سعيد الخدري كالفول والأرز، والعدس، والحمص لا يجري فيها الربا مطلقًا على قول الظاهرية، وبعض السلف، فيجوز بيع الأرز بعضه ببعض متفاضلًا، حالًا ونسيئة. ويجري فيها الربا مطلقًا ربا الفضل والنسيئة على اختيار الأئمة الأربعة. ثانيًا: في المطعوم، فإن كان يكال أو يوزن وكان قوتًا مدخرًا جرى فيه الربا مطلقًا ربا الفضل وربا النسيئة عند جميع الأئمة الأربعة.

стр. 5060

وإن كان مطعومًا مكيلًا أو موزونًا جرى فيه الربا مطلقًا ربا الفضل والنسيئة عند الحنفية والشافعية. ولم يجر فيه ربا الفضل عند المالكية، وجرى فيه ربا النسيئة عند المالكية، ولو اختلف الجنس. وإن كان مطعومًا فقط ولم يكن مكيلًا ولا موزونًا، كالجوز الهندي، والتين الشوكي فإنه يدخله الربا مطلقًا (ربا الفضل وربا النسيئة) عند الشافعية، وقول لأحمد. ولا يدخله ربا الفضل عند مالك وأبي حنيفة. ويدخله ربا النسيئة عند أبي حنيفة بشرط اتحاد الجنس. ويدخله ربا النسيئة عند مالك، ولو اختلف الجنس. ثالثًا: ما ليس بمطعوم. فإما أن يكون مما يكال أو يوزن، أو لا: فإن كان مما يكال أو يوزن كالحديد والرصاص والمعادن فإنه يدخله الربا مطلقًا (ربا الفضل وربا النسيئة) عند أبي حنيفة بشرط اتحاد الجنس. ويدخله ربا النسيئة عند اختلاف الجنس. ويدخله ربا النسيئة فقط دون ربا الفضل عند مالك بشرط التفاضل، واتحاد الجنس والمنفعة. ولا يدخله الربا مطلقًا عند الشافعي ورواية عن أحمد. وإن كان مما لا يكال ولا يوزن، مثل الأقمشة. فإنه يدخله ربا النسيئة عند أبي حنيفة دون ربا الفضل بشرط اتحاد الجنس.

стр. 5061

ويدخله ربا النسيئة عند مالك بشرط اتحاد الجنس والتفاضل، واتحاد المنفعة. ولا يدخله الربا مطلقًا عند الشافعية والحنابلة. هذا ملخص أقوال الأئمة فيما يجري فيه ربا الفضل وربا النسيئة. * * *

стр. 5062

الفصل الثاني في جريان ربا النسيئة في غير الأموال الربوية عرفنا حكم التفاضل في الأموال الربوية من خلال حديث عبادة، ومن خلال كلام أهل العلم في تلمس علة الربا في الأصناف الستة، ونريد أن نعرف هل ربا النسيئة يجري فقط بين تلك الأموال، أو يجري حتى في غير الأموال الربوية، في ذلك خلاف بين أهل العلم. [م-١١٧٠] فذهب الحنفية إلى تحريم النسيئة في كل ما اتحد جنسه، وإن لم يكن مكيلًا، أو موزونًا فذهبوا إلى تحريم النسيئة في بيع الثوب بالثوب، وفي بيع الحيوان بالحيوان إذا كانا من جنس واحد (١). ومنع المالكية التأجيل في الجنس الواحد في العروض والحيوان وسائر التمليكات، وإن لم يكن من الأموال الربوية، إذا جمع بين ثلاثة أوصاف: وهي التفاضل، والنسيئة، واتفاق الأغراض والمنافع: فيحرم بيع ثوب بثوبين إلى أجل، وبيع فرس للركوب بفرسين للركوب إلى أجل. فإن كان أحدهما للركوب دون الآخر جاز؛ لاختلاف المنافع. فخلاصة مذهب المالكية: أنه لا يجوز الجمع بين التفاضل والنساء في

стр. 5063

الجنس الواحد، والجنس عند المالكية: ما اتفقت منافعه وأغراضه، فإن اتحدت حقيقته، واختلفت أغراضه ومنافعه اعتبر جنسين (١). كما أن ربا النسيئة عندهم يجري في كل مطعوم، ولو لم يكن قوتًا، كالفواكه والخضروات، فلا يجوز بيع شيء منه بآخر إلى أجل، ولو كان من غير جنسه، فلا يجوز بيع تفاح برمان، وخيار بباذنجان إلى أجل، ولا يدخله ربا الفضل، فيجوز بيع شيء منه بصنفه متفاضلًا، فيجوز بيع تفاحة بتفاحتين. وهذا لا يسمى في الاصطلاح عندهم طعامًا ربويًا؛ لأنه لا يدخله ربا الفضل (٢). وأجاز الشافعية والحنابلة التفاضل والنساء في غير الأموال الربوية (٣). استدل الحنفية بأدلة منها: الدليل الأول: (ح-٧٣٨) ما رواه أحمد من طريق سعيد، عن قتادة، عن الحسن. عن سمرة، قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة (٤). [إسناده ضعيف] (٥).

стр. 5064

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5065

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5066

الدليل الثاني: (ح-٧٣٩) ما رواه عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة. عن ابن عباس قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة (١). [اختلف في وصله وإرساله ورجح البخاري وأبو حاتم والبيهقي الإرسال على الوصل] (٢).

стр. 5067

وجه الاستدلال من الحديثين: دل الحديثان السابقان على منع بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، فدل على أن الجنس إذا اتحد فقد حرم النسأ. وأجيب بجوابين: الجواب الأول: أن ما ورد من أحاديث ضعيفة لا يمكن الاحتجاج بمجموعها مع معارضتها لما هو أصح منها كما سيأتي في أدلة الجمهور. الجواب الثاني: أننا لو أخذنا بالأحاديث لكان مقتضاها النهي عن بيع الحيوان بالحيوان مطلقًا، اتحد الجنس أو اختلف؛ لأن الأحاديث مطلقة، فتقييدها بالجنس الواحد تقييد بلا دليل. دليل الجمهور: الدليل الأول: (ح-٧٤٠) ما رواه عبد الرزاق، قال أخبرنا ابن جريج، عن عمرو ابن شعيب، [عن أبيه]، قال: أمر النبي ﷺ عبد الله بن عمرو أن يجهز جيشًا،

стр. 5068

فقال: ليس عندنا ظهر. فقال له النبي ﷺ : ابتاع لي ظهرًا إلى خروج المصدق، فابتاع عبد الله البعير بالبعيرين والأبعرة إلى خروج المصدق (١). [حسن] (٢). الدليل الثاني: (ح-٧٤١) ما رواه أحمد، قال: حدثنا حسين - يعني ابن محمد - حدثنا جرير - يعني ابن حازم - عن محمد - يعني ابن إسحاق - عن أبي سفيان، عن مسلم بن جبير. عن عمرو بن الحريش، قال سألت: عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت: إنا بأرض ليس بها دينار ولا درهم، وإنما نبايع بالإبل والغنم إلى أجل، فما ترى في ذلك؟ قال على الخبير سقطت، جهز رسول الله ﷺ جيشًا على إبل من إبل الصدقة حتى نفدت، وبقي ناس، فقال رسول الله ﷺ : اشتر لنا إبلًا من قلائص من إبل الصدقة إذا جاءت حتى نؤديها إليهم، فاشتريت البعير بالاثنين والثلاث قلائص حتى فرغت، فأدى ذلك رسول الله ﷺ من إبل الصدقة (٣). [حسن لغيره بالحديث السابق] (٤).

стр. 5069

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5070

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5071

الدليل الثالث: (ث-١٣٠) روى مالك في الموطأ، عن نافع. أن عبد الله بن عمر اشترى راحلة بأربعة أبعرة، مضمونة عليه، يوفيها صاحبها بالربذة (١). [إسناده في غاية الصحة، وهو موقوف على ابن عمر] (٢). الدليل الرابع: (ث-١٣١) روى عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن بديل العقيلي، عن

стр. 5072

مطرف بن عبد الله بن الشخير. أن رافع بن خديج اشترى منه بعيرًا ببعيرين، فأعطاه أحدهما، وقال: آتيك غدًا بالآخر رهوًا (١). [إسناده صحيح]. الدليل الخامس: (ث-١٣٢) روى مالك، عن صالح بن كيسان، عن حسن بن محمد ابن علي بن أبي طالب. أن علي بن أبي طالب باع جملًا له يدعى عصيفيرًا بعشرين بعيرًا إلى أجل (٢). [رجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعًا] (٣). فرجح الحنفية الأحاديث التي تنهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة مع التأويل لظاهرها؛ لأن ظاهرها يقتضي أنه لا يجوز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة اتفق الجنس، أو اختلف. وممن رجح ذلك الشوكاني ﵀، حيث يقول: «لا شك أن أحاديث النهي، وإن كان كل واحد منها لا يخلو من مقال، لكنها ثبتت من طريق ثلاثة من الصحابة: سمرة، وجابر بن سمرة، وابن عباس، وبعضها يقوي بعضًا، فهي أرجح من حديث واحد غير خال من المقال، وهو

стр. 5073

حديث عبد الله بن عمرو .... وقد تقرر في الأصول أن دليل التحريم أرجح من دليل الإباحة، وأما الآثار عن الصحابة فلا حجة فيها، وعلى فرض ذلك فهي مختلفة» (١). ورجح الشافعية والحنابلة: حديث عبد الله بن عمرو، خاصة أنه مؤيد بعمل بعض الصحابة كابن عمر وابن عباس ورافع بن خديج، وعلي بن أبي طالب. يقول ابن القيم: «وأما الإمام أحمد فإنه كان يعلل أحاديث المنع كلها، قال: ليس فيها حديث يعتمد عليه، ويعجبني أن يتوقاه - يعني أحاديث المنع من بيع الحيوان بالحيوان نسيئة - وذكر له حديثا ابن عباس وابن عمر، فقال: هما مرسلان، وحديث سمرة، عن الحسن، قال الأثرم: قال أبو عبد الله: لا يصح سماع الحسن من سمرة ..... وقد قال أبو داود: إذا اختلفت الأحاديث عن النبي ﷺ نظرنا إلى ما عمل به أصحابه من بعده، وقد ذكرنا الآثار عن الصحابة بجواز ذلك متفاضلًا، ونسيئة، وهذا كله مع اتحاد الجنس .. » (٢). وجمع المالكية بين هذه الأحاديث، فحملوا حديث سمرة على اتفاق الأغراض والمنافع، وحديث عبد الله بن عمرو على اختلافهما. فمنع المالكية التأجيل في الجنس الواحد في العروض والحيوان وسائر التمليكات، وإن لم يكن من الأموال الربوية، إذا جمع بين ثلاثة أوصاف: وهي التفاضل، والنسيئة، واتفاق الأغراض والمنافع: فيحرم بيع ثوب بثوبين

стр. 5074

إلى أجل، وبيع فرس للركوب بفرسين للركوب إلى أجل. فإن كان أحدهما للركوب دون الآخر جاز؛ لاختلاف المنافع. فخلاصة مذهب المالكية: أنه لا يجوز الجمع بين التفاضل والنساء في الجنس الواحد، والجنس عند المالكية: ما اتفقت منافعه وأغراضه، فإن اتحدت حقيقته، واختلفت أغراضه ومنافعه اعتبر جنسين. وكأنهما بهذا أرادوا الجمع بين الأحاديث التي تنهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، وبين حديث عبد الله بن عمرو، فحملوا الأولى على الجنس الواحد إذا اتفقت أغراضها ومنافعها وكان متفاضلًا، وحديث عبد الله بن عمرو على اختلاف الأغراض والمنافع، والله أعلم. الراجح: المسألة كما وصفها ابن القيم من المسائل المعضلة، وإذا كان لا بد من الترجيح فسيكون ميلًا إلى أحد الأقوال، لا حسمًا في موضع النزاع. والسؤال الذي يطرح نفسه، لو أخذنا بأحاديث النهي عن بيع الحيوان بالحيوان، فهل يعني هذا أن النهي خاص بالحيوان، أو أنه عام في كل ما يتحد جنسه كما يقول الحنفية، فالحديث ليس فيه العموم الذي يقول به الحنفية. ولو أخذنا بظاهر الحديث لكان معنى ذلك أن النهي عن بيع الحيوان بالحيوان، وإن اختلف الجنس، هذا ما يقتضيه إطلاق النهي، وليس خاصًا بما يتحد جنسه كما يقول الحنفية. هذا ما يضعف عندي مذهب الحنفية، وأما مذهب المالكية فإن أحاديث النهي عن بيع الحيوان بالحيوان ليس فيها ما قيده به المالكية من اشتراط التفاضل، بحيث يجوزون بيع الحيوان بالحيوان نسيئة إذا لم يوجد فيها تفاضل، ويمنعونه مع التفاضل.

стр. 5075

كما أن اشتراط اتفاق الأغراض والمنافع ليس منصوصًا عليه في الأحاديث، فالبعير حقيقته واحدة، وجنسه واحد، سواء كان للركوب، أو للسقي، أو للزينة، أو للجهاد، كما أن البر حقيقته واحدة، وإن اختلفت أغراضه ومنافعه، لهذا كله أجدني ميالًا إلى مذهب الشافعية، والحنابلة، والله أعلم. * * *

стр. 5076

الفصل الثالث في تحديد الجنس قال الشيرازي: «كل شيئين اتفقا في الاسم فهما جنس، وإذا اختلفا في الاسم فهما جنسان» (١). وقال السيوطي: «كل شيئين اتفقا في الاسم الخاص من أصل الخلقة فهما جنس واحد، وكل شيئين اختلفا فهما جنسان» (٢). [م-١١٧١] ذهب جمهور الفقهاء من الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة، وبعض المالكية إلى أنّ كلّ شيئين اتّفقا في الاسم الخاصّ من أصل الخلقة كالتّمر البرنيّ والتّمر المعقليّ فهما جنس واحد، وكلّ شيئين اختلفا في الاسم من أصل الخلقة كالحنطة والتّمر فهما جنسان. واحترز بالخاص عن العام كالحب، فإنه يتناول سائر الحبوب. واستدلوا بحديث عبادة وحديث أبي سعيد حيث اعتبر الذهب جنسًا، والفضة جنسًا، والبر جنسًا، والشعير جنسًا، والتمر جنسًا، والملح جنسًا. فقال ﷺ : فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد (٣).

стр. 5077

وذهب مالك في المنصوص عنه، وهو قول معظم علماء المدينة والشام أن ما اتحدت منافعه من الأشياء والسلع كأصناف الحنطة، أو تقاربت كالقمح والشعير يعد جنسًا واحدًا، وما اختلفت منافعه وتباينت يعد جنسين كالقمح مع التمر (١). والمشهور في مذهبه أيضًا: أن الدخن، والذرة، والأرز أجناس متباينة، يجوز التفاضل فيما بينها، وأنها لا تلحق بالقمح. وهو قول اللّيث والأوزاعيّ ومعظم علماء المدينة والشّام حيث اعتبروا القمح والشعير جنسًا واحدًا (٢)، وهو رواية عن أحمد (٣). وقال الليث: السلت والدخن والذرة صنف واحد (٤). وأنكر القرطبي قول مالك ومن وافقه، وقال في الجامع لأحكام القرآن: «إذا ثبتت السنة فلا قول معها، قال ﵇: (فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد)

стр. 5078

وقوله: (البر بالبر والشعير بالشعير ... ) دليل على أنهما نوعان مختلفان كمخالفة البر للتمر؛ ولأن صفاتهما مختلفة، وأسماءهما مختلفة .... » (١). والراجح قول الجمهور. * * *

стр. 5079

المبحث الأول اللحم هل هو جنس واحد أو أجناس قال البابرتي: «اختلاف الأصل يوجب اختلاف الفرع ضرورة» (١). وقال ابن عبد البر: «كل ما اختلفت أسماؤه وألوانه اختلافًا بينًا فهي أصناف مختلفة .... » (٢). [م-١١٧٢] اختلف العلماء، هل اللحم كله جنس واحد، أو أنه يختلف باختلاف أصوله. فقيل: اللحم أجناس باختلاف أصوله، فلحم الإبل جنس، ولحم البقر جنس، لا فرق فيه بين الجواميس والعراب، ولحم الغنم جنس، لا فرق فيه بين الضأن منه والماعز، فيجوز بيع لحم الإبل بلحم البقر متفاضلًا إذا كان ذلك يدًا بيد، وهذا مذهب الحنفية (٣)، والقول الجديد للشافعي (٤)، ومذهب الحنابلة (٥)، ورجحه ابن قدامة (٦). وقيل: اللحم ثلاثة أجناس: لحم ذوات الأربع صنف، ومنه لحم الوحوش،

стр. 5080

ولحم الطيور صنف، ولحم الحيتان صنف، وهذا مذهب مالك (١)، ورواية عن أحمد إلا أنه جعل الأنعام جنس، والوحوش جنس (٢). وقيل: اللحم كله جنس واحد. وهو القول القديم للشافعي (٣)، ورواية عن أحمد (٤)، وهو قول أبي ثور (٥). وجه قول الجمهور: أن اللحم فرع أصول هي أجناس فكان أجناسًا، كالأدقة، والأخباز، فإذا كنا نعتبر الغنم جنسًا، والبقر جنسًا، فكذلك ما يتفرع عنهما، والله أعلم.
следующие страницы →