← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 5076–5115 · переход к 5081.

стр. 5076

الفصل الثالث في تحديد الجنس قال الشيرازي: «كل شيئين اتفقا في الاسم فهما جنس، وإذا اختلفا في الاسم فهما جنسان» (١). وقال السيوطي: «كل شيئين اتفقا في الاسم الخاص من أصل الخلقة فهما جنس واحد، وكل شيئين اختلفا فهما جنسان» (٢). [م-١١٧١] ذهب جمهور الفقهاء من الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة، وبعض المالكية إلى أنّ كلّ شيئين اتّفقا في الاسم الخاصّ من أصل الخلقة كالتّمر البرنيّ والتّمر المعقليّ فهما جنس واحد، وكلّ شيئين اختلفا في الاسم من أصل الخلقة كالحنطة والتّمر فهما جنسان. واحترز بالخاص عن العام كالحب، فإنه يتناول سائر الحبوب. واستدلوا بحديث عبادة وحديث أبي سعيد حيث اعتبر الذهب جنسًا، والفضة جنسًا، والبر جنسًا، والشعير جنسًا، والتمر جنسًا، والملح جنسًا. فقال ﷺ : فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد (٣).

стр. 5077

وذهب مالك في المنصوص عنه، وهو قول معظم علماء المدينة والشام أن ما اتحدت منافعه من الأشياء والسلع كأصناف الحنطة، أو تقاربت كالقمح والشعير يعد جنسًا واحدًا، وما اختلفت منافعه وتباينت يعد جنسين كالقمح مع التمر (١). والمشهور في مذهبه أيضًا: أن الدخن، والذرة، والأرز أجناس متباينة، يجوز التفاضل فيما بينها، وأنها لا تلحق بالقمح. وهو قول اللّيث والأوزاعيّ ومعظم علماء المدينة والشّام حيث اعتبروا القمح والشعير جنسًا واحدًا (٢)، وهو رواية عن أحمد (٣). وقال الليث: السلت والدخن والذرة صنف واحد (٤). وأنكر القرطبي قول مالك ومن وافقه، وقال في الجامع لأحكام القرآن: «إذا ثبتت السنة فلا قول معها، قال ﵇: (فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد)

стр. 5078

وقوله: (البر بالبر والشعير بالشعير ... ) دليل على أنهما نوعان مختلفان كمخالفة البر للتمر؛ ولأن صفاتهما مختلفة، وأسماءهما مختلفة .... » (١). والراجح قول الجمهور. * * *

стр. 5079

المبحث الأول اللحم هل هو جنس واحد أو أجناس قال البابرتي: «اختلاف الأصل يوجب اختلاف الفرع ضرورة» (١). وقال ابن عبد البر: «كل ما اختلفت أسماؤه وألوانه اختلافًا بينًا فهي أصناف مختلفة .... » (٢). [م-١١٧٢] اختلف العلماء، هل اللحم كله جنس واحد، أو أنه يختلف باختلاف أصوله. فقيل: اللحم أجناس باختلاف أصوله، فلحم الإبل جنس، ولحم البقر جنس، لا فرق فيه بين الجواميس والعراب، ولحم الغنم جنس، لا فرق فيه بين الضأن منه والماعز، فيجوز بيع لحم الإبل بلحم البقر متفاضلًا إذا كان ذلك يدًا بيد، وهذا مذهب الحنفية (٣)، والقول الجديد للشافعي (٤)، ومذهب الحنابلة (٥)، ورجحه ابن قدامة (٦). وقيل: اللحم ثلاثة أجناس: لحم ذوات الأربع صنف، ومنه لحم الوحوش،

стр. 5080

ولحم الطيور صنف، ولحم الحيتان صنف، وهذا مذهب مالك (١)، ورواية عن أحمد إلا أنه جعل الأنعام جنس، والوحوش جنس (٢). وقيل: اللحم كله جنس واحد. وهو القول القديم للشافعي (٣)، ورواية عن أحمد (٤)، وهو قول أبي ثور (٥). وجه قول الجمهور: أن اللحم فرع أصول هي أجناس فكان أجناسًا، كالأدقة، والأخباز، فإذا كنا نعتبر الغنم جنسًا، والبقر جنسًا، فكذلك ما يتفرع عنهما، والله أعلم.

стр. 5081

حجة من قال: إن اللحوم ثلاثة أجناس: أن لحم هذه الحيوانات تختلف المنفعة بها، والقصد إلى أكلها، فكانت أجناسًا. ولأنه لو حلف لا يأكل لحمًا فأكل لحم السمك لم يحنث. قال ابن قدامة: وهذا ضعيف جدًا؛ لأن كونها أجناسًا لا يوجب حصرها في أربعة أجناس، ولا نظير لهذا فيقاس عليه. قلت: الصحيح أن من حلف ألا يأكل لحمًا فأكل لحم سمك أنه يحنث، إلا أن يكون هناك حقيقة عرفية في بلد ما، لأن الله سماه في كتابه لحمًا، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: ١٤]. وجه من قال: اللحم جنس واحد: بأن اللحم على اختلاف أنواعه يجمعه اسم خاص، فيكون جنسًا واحدًا، وإنما يختلف باختلاف أنواعه، فلحم الطير نوع، ولحم ذوات الأربع نوع، ولحم الحيتان نوع، وهكذا، فالجميع يجمعه اسم اللحم. ويناقش: لو كان اللحم جنسًا للزم من ذلك أن يقال: الحبوب كلها جنس، فالبر والشعير جنس واحد؛ لأنه يجمعها اسم الحبوب، كما يلزم أن يقال: الثمار كلها جنس واحد، فيجعل الزبيب والتمر وغيرهما من الثمار جنسًا واحدًا؛ لأنه يجمعها اسم الثمار. الراجح: الراجح من الخلاف هو قول الجمهور، وأن اللحم أجناس باختلاف أصوله،

стр. 5082

فلحوم الطير أجناس: فلحم الحمام جنس، ولحم الدجاج جنس، ولحم البط جنس. ولحوم الحمر الوحشية جنس، ولحوم الأرانب جنس، ثم إن لحوم السمك أجناس، فدوابه جنس، وحيتانه جنس، وكل ما اختص باسم يخالف غيره فهو جنس، والله أعلم. * * *

стр. 5083

الفرع الأول في بيع اللحم باللحم مع العظام كل شيء تابع لغيره بأصل الخلقة إذا بيع بجنسه لا يشترط نزعه، كالنوى في التمر، والعظم في اللحم (١). [م-١١٧٣] وقد اختلف العلماء، هل يشترط نزع العظم عند بيع اللحم باللحم؟ فقيل: يجوز، ولو لم ينزع، وهو مذهب المالكية (٢)، ووجه في مذهب الشافعية (٣)، وظاهر كلام الإمام أحمد، ورجحه ابن قدامة (٤). وقيل: لا يجوز بيع بعضه ببعض إلا منزوع العظم، وهو أصح الوجهين في مذهب الشافعية (٥)، واختاره القاضي من الحنابلة (٦). وجه من قال بالجواز: أن العظم تابع للحم بأصل الخلقة، فلم يشترط نزعه كالنوى في التمر. قال الباجي: «بيع اللحم باللحم الذي يعتبر فيه التساوي، أو التفاضل، هو اللحم على هيئته التي يستعمل عليها في بيع وطبخ، وغير ذلك مما يشتمل عليه من عظم وغيره، ما لم يكن العظم مضافًا إليه، وذلك كنوى التمر حكمه حكم التمر ما لم يكن مضافًا إليه» (٧).

стр. 5084

وجه من قال: لا يجوز: احتج من قال بعدم الجواز بالقياس على العسل، فكما أن العسل لا يجوز بيع بعضه ببعض إلا بعد التصفية، فكذلك اللحم بالعظم. وأجيب: بأن اختلاط العظم باللحم من أصل الخلقة بخلاف العسل، فإن اختلاط الشمع بالعسل من فعل النحل، لا من أصل الخلقة. والراجح: الراجح القول بالجواز ولو لم ينزع العظم، ولا مانع من كون الجنس الواحد يتكون من شيئين ماداما متصلينً، فإذا انفصلا اعتبرا جنسين، كاللبن يشتمل على المخيض والزبد، وهما جنس واحد في حال اتحادهما، فإذا انفصلا صارا جنسين. * * *

стр. 5085

الفرع الثاني في الشحم والكبد ونحوهما هل هي جنس أو أجناس جاء في مجلة الأحكام العدلية: «يختلف الجنس باختلاف الأصل، أو المقصد، أو الصنعة» (١). [م-١١٧٤] اختلف العلماء في الشحم والكبد هل هما جنس أو أجناس؟ فقيل: الشحم، والكبد، والقلب، والمخ، والكرش، والمصران، كل واحد منها جنس، يجوز بيع بعضه ببعض متفاضلًا، وهذا مذهب الحنفية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤).

стр. 5086

وجه كون كل واحد منها جنسًا: أن هذه الأشياء مختلفة في الاسم، والخلقة (الصورة)، والمعنى، فكانت أجناسًا، كما أن التمر جنس، والنوى جنس. وقيل: الشحم، والكرش والكبد، والقلب، والرئة، والطحال، والخصيتان، والرؤوس، والأكارع كلها جنس واحد، فلا يصلح شيء من ذلك باللحم إلا مثلًا بمثل، وهذا مذهب المالكية (١). وجه كون كل ذلك جنسًا واحدًا: أن ذلك كله داخل في مسمى اللحم، فهي أنواع له، متولدة منه، وليست جنسًا مختلفًا، بدليل قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ﴾ [المائدة: ٣] وقد دخل في لحم الخنزير كل ذلك من شحم، وكبد، وطحال، وكرش، ومصران، فإن اسم اللحم يتناوله، بل أدخل المالكية حتى الجلد المأكول في مسمى اللحم، والعظم إن كان متصلًا باللحم، أو كان منفصلًا وكان مما يؤكل كالقرقوشة، فإن لم يمكن أكله فإنه يصير أجنبيًا بانفصاله كالنوى للتمر. الراجح: أن الكبد واللحم جنس واحد إذا كانت من حيوان واحد، وأجناس إذا كانت من حيوانات مختلفة، فالكبد من الغنم جنس، والكبد من الإبل جنس، وأما الكبد واللحم من الإبل فهما جنس واحد. * * *

стр. 5087

المبحث الثاني في اللبن هل هو جنس واحد أو أجناس [م-١١٧٥] اختلف العلماء في اللبن، هل هو جنس واحد أو أجناس؟ فقيل: اللبن أجناس باختلاف أصوله، فلبن الغنم جنس، ولبن الإبل جنس، ولبن البقر جنس، وهذا مذهب الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). وقيل: اللبن كله جنس واحد، وهو مذهب المالكية (٤)، ورواية عن أحمد (٥). فمن نظر إلى الاسم الخاص الجامع الذي يجمعها، وهو اللبن، قال: اللبن جنس واحد. ومن نظر إلى اختلاف طبيعتها، وكونها من أصول مختلفة جعل كل واحد منها جنسًا تبعًا لأصله، وهذا هو الأقرب.

стр. 5088

المبحث الثالث في أدقة الأصول المختلفة وأدهانها قال ابن الشاص المالكي وجمع من الحنابلة: «فروع الأجناس أجناس» (١). [م-١١٧٦] أدقة الأصول المختلفة الجنس وأدهانها أجناس؛ لأن الفرع يتبع أصله، فلما كانت أصول هذه أجناسًا كانت هذه الفروع أجناسًا، إلحاقًا للفروع بأصولها، فيجوز بيع دقيق البر بدقيق الشعير، وخل التمر بخل العنب، وزيت الزيتون بزيت السمسم متفاضلين، ولا يجوز بيع دقيق البر بمثله إلا مثلًا بمثل، ولا دقيق الشعير بمثله إلا مثلًا بمثل، وهذا مذهب الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والحنابلة (٤). وقيل: لا يباع دقيق البر بمثله، ولا دقيق الشعير بمثله وهذا مذهب الشافعية (٥). ووجهه: أن التساوي إنما معتبر في حالة الكمال، وهي حال كونها حنطة، وقد فات

стр. 5089

ذلك، ولأن أحد الدقيقين قد يكون من حنطة رزينة، والآخر من حنطة خفيفة، فيستويان دقيقًا، ولا يستويان حنطة. والصحيح الأول، وعلى فرض أن يكون هناك مقدار يسير جدًا فلا يؤثر في التساوي، ولأن المساواة بالكيل مساواة بالجملة، ولكن ربما لو وزن هذا بذاك لوجد بينهما تفاوت يسير خفف فيه الشارع، فلم يعتبره، فهذا مثله، والله أ علم. * * *

стр. 5090

المبحث الرابع في بيع البر بالدقيق أو بالسويق قال جمع من الفقهاء: الجهل بالتماثل كالعلم بالتفاضل (١). [م-١١٧٧] اختلف العلماء في بيع البر بالدقيق، وبيع البر بالسويق (٢)، من جنسه. فقيل: لا يجوز، وهذا مذهب الحنفية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، ورواية عن مالك رجحها القرافي في الفروق (٦). وجه القول بالمنع: أن المعيار في البر والدقيق هو الكيل، وهو لا يمكن أن تتحقق المساواة بينهما؛ لأن الحب بالطحن تنتشر أجزاؤه، وإن لم يتحقق التفاضل فقد جهل التماثل، والجهل بالتماثل كالعلم بالتفاضل، فيما يشترط التماثل فيه، ولذلك لم يجز بيع بعضها ببعض جزافًا.

стр. 5091

وقيل: يجوز بيع البر بالدقيق، والمعيار للتساوي هو الوزن، وبهذا قال مالك (١)، وهو رواية عن أحمد (٢)، وحكاه ابن قدامة مذهبًا لربيعة، والنخعي، وقتادة، وابن شبرمة، وإسحاق، وأبي ثور. وجهه: أن المطلوب هو التساوي، وإذا تعذر ذلك في المكيل لم يتعذر ذلك في الوزن، بل إن المساواة في الوزن أدق من المساواة بالكيل، وهذا ظاهر معلوم. وأجاب أصحاب القول الأول: أن الوزن ليس معيارًا للبر والدقيق، وإذا تعذر تحقق المساواة بالمعيار الشرعي، الذي هو الكيل، امتنع البيع. والصحيح اعتبار الوزن معيارًا للتساوي لكن بشرط أن يكون بين جنس واحد، أما الدقيق والبر فهما كالجنسين باعتبار اختلاف صفاتهما، وهما جنس واحد باعتبار الأصل، والله أعلم. * * *

стр. 5092

المبحث الخامس في بيع خبز البر بالبر وخبز الشعير بالشعير [م-١١٧٨] اختلف العلماء في بيع خبز البر بالبر، وخبز الشعير بالشعير. فقيل: يجوز بيع ذلك متفاضلًا، وهذا مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، واختيار ابن تيمية من الحنابلة (٣). وجهه: أن البر معياره الكيل، والخبز معياره الوزن. ولأن الخبز بالصنعة صار جنسًا آخر، فلم يجمعهما القدر (المعيار)، ولا الجنس، فجاز بيع أحدهما بالآخر متفاضلًا، ونسيئة إذا كانت الحنطة هي المتأخر؛ لإمكان ضبطها (٤).

стр. 5093

وقيل: لا يجوز، وهذا مذهب الشافعية (١)، والحنابلة (٢). واستدلوا بعموم قوله ﷺ في حديث عبادة (البر بالبر والشعير بالشعير .... مثلًا بمثل) وهذا يعم البر على أي حال كان. فإذا قال: أنا ما عندي إلا خبز، وأنا أريد برًا، قيل له: بع الخبز، واشتر بثمنه برًا، كما قال النبي ﷺ في حق من أراد تمرًا جيدًا، وليس عنده إلا تمر ردئ، والله أعلم. * * *

стр. 5094

المبحث السادس في بيع الخبز بالخبز [م-١١٧٩] اختلف العلماء في الخبز هل هو جنس واحد، أو أجناس؟ فقيل: الخبز أجناس باعتبار أصوله، فخبز البر جنس، وخبز الشعير جنس، وهكذا. وهذا مذهب الحنابلة (١). وجه اعتبار الخبز أجناس، أنها فروع لأجناس مختلفة، فكانت أجناسًا كأصولها. وقيل: خبز البر والشعير والحمص والفول كلها جنس واحد وهذا مذهب المالكية (٢). وأما جريان الربا فيه. فقيل: يجوز في بيع قرص بقرصين من الخبز يدًا بيد، وهذا مذهب أبي حنيفة (٣). وجهه: أن الخبز خرج بالصنعة من كونه مكيلًا، فلم يحرم التفاضل فيه. وقيل: لا يجوز بيع الخبز بعضه ببعض مطلقًا، وهذا مذهب الشافعية (٤).

стр. 5095

وجه المنع: أن الخبز مكيل يجب التساوي فيه، ولا يمكن كيله فتعذرت المساواة فيه. ولأن في كل واحد منهما من غير جنسه. وقيل: يجوز بيع الخبز بالخبز فإن كانا من جنس واحد فيشترط أن يستويا جفافًا لتحقيق المماثلة. وإذا اختلف جنسهما، جاز التفاضل وحرم النساء، وهذا مذهب الحنابلة (١). وقال النووي: «وحكي قول في جواز بيع الخبز الجاف المدقوق بمثله كيلًا» (٢). وقيل: الخبز جنس واحد، وإن اختلفت أصوله، ويجوز بيع بعضه ببعض بالتحري من غير وزن. والتحري فيهما: إن كان الأصل يجوز فيه التفاضل كخبز قمح وخبز أرز، فإنما يراعى وزن الخبزين، لا تماثل الدقيقين. وإن كان الأصل لا يجوز فيه التفاضل كخبز قمح بخبز قمح أو شعير، فإنما يراعى فيه تماثل الدقيقين. قال ابن رشد: إن كانت أصول الأخباز مما يجوز فيه التفاضل فلا خلاف أن المماثلة تعتبر بالوزن، وإن كان أصول الأخباز مما لا يجوز فيه التفاضل كأخباز القمح والشعير والسلت فإنما تكون المماثلة باعتبار أصولها. وذهب ابن دحون إلى أن الخبز يجوز أن يباع وزنًا بوزن؛ لأنه قد صار صنفًا على حدة، فوجب ألا تراعى أصوله.

стр. 5096

قال المواق في التاج والأكليل: «ولعمري إن لقوله وجهًا، وهو القياس على الإطلاق، والأنبذة إنما تجوز مثلًا بمثل، ولا يراعى ما دخل في كل واحد منها من التمر أو الزبيب، أو العنب. وقال الباجي: ظاهر الموطأ في جواز بيع الخبز بالخبز تحريًا أن يتحرى الوزن، لا الدقيق ولو كثر القول بهذا في المذهب عندي لكان أصح» (١). وجاء في بداية المجتهد: «واختلفوا من هذا الباب فيما تدخله الصنعة مما أصله منع الربا فيه، مثل الخبز بالخبز. فقال أبو حنيفة: لا بأس ببيع ذلك متفاضلًا، ومتماثلا، لأنه قد خرج بالصنعة عن الجنس الذي فيه الربا. وقال الشافعي: لا يجوز متماثلًا، فضلا عن متفاضل؛ لأنه قد غيرته الصنعة تغيرًا جهلت به مقاديره التي تعتبر فيها المماثلة. وأما مالك: فالأشهر في الخبز عنده أنه يجوز متماثلًا، وقد قيل فيه أنه يجوز فيه التفاضل، والتساوي ...... وسبب الخلاف، هل الصنعة تنقله من جنس الربويات، أو ليس تنقله؟ وإن لم تنقله فهل تمكن المماثلة فيه أو لا تمكن؟ فقال أبو حنيفة: تنقله، وقال مالك والشافعي: لا تنقله. واختلفوا في إمكان المماثلة فيهما، فكان مالك يجيز اعتبار المماثلة في الخبز، واللحم بالتقدير، والحزر فضلا عن الوزن ... » (٢). والذي أميل إليه هو مذهب الحنابلة: أن بيع الخبز بالخبز يجوز بشرط النشاف، وأن المماثلة تكون فيه بالوزن لتعذر كيله، والله أعلم. * * *

стр. 5097

المبحث السابع في الربا بالتمرة والتمرتين والحفنة والحفنتين قال الباجي: «كل جنس حرم التفاضل في كثيره فإنه محرم في قليله» (١). وقال ابن عبد البر: «ما جرى فيه الربا في التفاضل دخل قليله وكثيره في ذلك» (٢). [م -١١٨٠] يتفق الحنفية مع الجمهور بأنه لا يجوز النساء في بيع التمرة بالتمرتين، والحفنة بالحفنتين لوجود علة الجنس (٣). وأختلف الحنفية مع الجمهور في حكم التفاضل. فأجاز الحنفية التفاضل في بيع الْحَفْنَة من الطعام المكيل بالحفنتين، والتمرة بالتمرتين، والذَّرَّة من الذهب بالذّرَّتين، وما دون نصف الصاع بمنزلة الحفنة (٤). ومنع من ذلك الجمهور، وهو اختيار محمد بن الحسن من الحنفية (٥).

стр. 5098

دليل الحنفية: (ح-٧٤٢) ما رواه مسلم من طريق أبي الأشعث. عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله ﷺ : الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد (١). فالحديث اشترط المساواة في بيع كل جنس بمثله، والمساواة إنما تكون بالمعيار (التقدير)، والمعيار: هو الوزن في الذهب والفضة. والكيل في الأصناف الأربعة، فما يتأتى فيه الكيل أو الوزن فيجب فيه المساواة، ويحرم التفاضل، وأما الذي لا يتأتى كيله لقلته فلا يجري فيه ربا التفاضل. وكذا الحكم في الذهب والفضة إذا لم يمكن وزنهما لقلتهما كالذَّرَّة منهما. ولأن التمر والبر مال مثلي يجب على متلفه المثل، وإذا أتلف إنسان تمرة أو تمرتين أو حفنة أو حفنتين وجبت عليه القيمة، ولم يجب عليه المثل؛ وهذا دليل على أن مثل ذلك لا يعتبر مكيلًا ولا موزونًا. قالوا: وما دون نصف الصاع في حكم الحفنة؛ فلو باع خمس حفنات من الحنطة بست حفنات منها، وهما لم يبلغا حد نصف الصاع جاز البيع؛ لأنه لا تقدير في الشرع بما دون نصف الصاع. هذا إذا باع ما دون نصف الصاع بما دون نصف الصاع، وإن باع ما دون نصف الصاع بنصف صاع أو أكثر لم يجز إلا مثلًا بمثل، لوجود المعيار من أحد الجانبين.

стр. 5099

وإنما جعل المعيار نصف صاع فأكثر؛ لأن الشارع لم يقدر بعض المقدرات الشرعية في الواجبات المالية كالكفارات، وصدقة الفطر بأقل من نصف الصاع. فلو قدر أن هناك مكاييل أصغر من نصف الصاع فإن المماثلة شرط على الصحيح، اختاره بعض الحنفية، كابن الهمام، والزيلعي. يقول ابن الهمام في فتح القدير: «أما إن كانت مكاييل أصغر منها كما في ديارنا من وضع ربع القدح، وثمن القدح المصري فلا شك، وكون الشرع لم يقدر بعض المقدرات الشرعية في الواجبات المالية كالكفارات وصدقة الفطر بأقل منه لا يستلزم إهدار التفاوت المتيقن، بل لا يحل بعد تيقن التفاضل مع تيقن تحريم إهداره، ولقد أعجب غاية العجب من كلامهم هذا. وروى المعلى عن محمد أنه كره التمرة بالتمرتين، وقال: كل شيء حرم في الكثير فالقليل منه حرام» (١). وسبق لنا مناقشة هل الكيل أو الوزن لهما أثر في علة الربا، أو أنهما وسيلة إلى منع التفاضل بين الأموال الربوية، فإذا لم يتأت معرفة التساوي عن طريق الكيل أمكن ذلك عن طريق الوزن، والكيل والوزن إنما هما لمنع التفاضل، وضبط التساوي، وليسا لهما أي أثر في علة الربا، كما قلنا: إن الذهب بالذهب المعيار الشرعي لمنع التفاضل هو الوزن، والعلة فيهما هي مطلق الثمنية. * * *

стр. 5100

المبحث الثامن في بيع المكيل وزنًا أو العكس قال ابن تيمية: «ما لم يكن له حد في اللغة، ولا في الشرع فالمرجع فيه إلى عرف الناس» (١). والمكاييل والموازين أقرها الإسلام على ما كانت عليه في الجاهلية اعتبارًا لعرفها. [م-١١٨١] اختلف العلماء فيما إذا بيع المكيل وزنًا، أو بيع الموزن كيلًا. القول الأول: أن ما نص على أنه مكيل فلا يجوز أن يباع وزنًا، وكذا ما نص على أنه موزون، فلا يجوز أن يباع كيلًا. وهذا مذهب الأئمة الأربعة (٢).

стр. 5101

قال في الإفصاح: «اتفقوا على أن المنصوص عليها: وهي البر والشعير، والتمر، والملح مكيلة أبدًا. ولا يجوز بيع بعضها ببعض إلا كيلًا والموزونات المنصوص عليها موزونة أبدًا» (١). وحجة هذا القول: أن كل شيء نص رسول الله ﷺ على تحريم التفاضل فيه كيلًا، فهو مكيل أبدًا، وإن ترك الناس الكيل فيه؛ لأن النص أقوى من العرف، والأقوى لا يترك للأدنى. القول الثاني: ذهب أبو يوسف من الحنفية أن المعتبر هو العرف مطلقًا، في المنصوص عليه وفي غيره؛ وأن ذلك يتبدل بتبدل العرف، كما في سائر الأموال الربوية الأخرى التي لم يرد نص خاص بشأن مقيسها (٢). ويرى أن النص إنما ورد بلزوم التساوي فيها كيلًا أو وزنًا؛ لأن هذا مقياسها المتعارف عليه في عهد النبوة، فلو كان العرف فيها على مقياس آخر لورد النص معتبرًا فيها ذلك المقياس الآخر.

стр. 5102

وأرى أن هذا أقوى حجة من الأول، خاصة أن المكاييل والموازين أقرها الإسلام على ما كانت عليه في الجاهلية، اعتبارًا لعرفها، ولم يقدر فيها معيارًا خالف فيه العرف القائم حتى يقال: إن الشرع كان له قصد في تقدير هذا المعيار عن ذاك، والله أعلم. ولأنهم ربما تعاملوا بالعدد مع أن الفضة معيارها الشرعي هو الوزن (ح-٧٤٣) لما رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: الذهب بالذهب والفضة بالفضة وزنًا بوزن مثلًا بمثل فمن زاد أو استزاد فقد أربى. ولم يمنع من التعامل بها عددًا، قال تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف:٢٠]. وقالت عائشة لبريرة: إن شاء أهلك أن أعدها لهم عدة واحدة فعلت. تريد الدراهم. وكانت بريرة قد كاتبت أهلها على تسع أواق، في كل عام أوقية، وكانت قيمة الأوقية أربعين درهمًا، فذكرت عائشة العدد، وإن كان أصل الدين هو الوزن (١). (ح-٧٤٤) وروى البخاري في صحيحه زكاة الفضة، وفيه: (وفي الرقة ربع العشر، فإن لم تكن إلا تسعين ومائة فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها) (٢). إلا أن هذه الأدلة جرى التعامل بها بالعدد؛ لأنها إما في مبادلة فضة بسلعة، وهذا ليس فيه ما يوجب معرفة معيارها الشرعي، أو في معرفة مقدار الزكاة، وهو من هذا الباب أيضًا.

стр. 5103

القول الثالث: أن ما أصله الوزن فلا يجوز بيعه كيلًا، وأما ما أصله الكيل فيجوز بيعه وزنًا. اختاره بعض الشافعية. قال السبكي: «وقد اتفق أكثر العلماء على هذه الجملة، وأن المساواة المعتبرة هي المساواة في المكيل كيلًا، وفي الموزون وزنًا ..... فأما ما أصله الوزن فلا يجوز بيعه كيلًا بكيل، نقل الشيخ أبو حامد الإجماع فيه. وأما ما أصله الكيل، فنقل الفوراني من أصحابنا أنه يجوز بيعه وزنًا، حكاه عنه جماعة منهم: ابن يونس ..... وقال الشيخ أبو حامد: يجوز أن يبيع المكيل كيلًا بكيل، ووزنًا بوزن، قال: لأن الاعتبار فيه بالتساوي، فإذا وجد بالوزن جاز، ولأنه لا خلاف أنه لو أسلم في مكيل بالوزن جاز. ولنا: أنه يؤدي إلى التفاضل في الكيل بأن يكون أحد التمرين، فيؤدي إلى بيع صاع بأكثر من صاع، ولأنه لا خلاف في الموزون لا يجوز بيع بعضه ببعض كيلًا، والمساواة المعتبرة هي المأمور بها، وهو الكيل في المكيل، والوزن في الموزون، وإنما جاز في السلم؛ لأن القصد فيه أن يصير مضبوط القدر، وليس كذلك هنا؛ لأنه تراعى المماثلة على ما أمرنا بها في الشرع» (١). [م -١١٨٢] وأما ما لم ينص على معياره: فقيل: يحمل على عادات الناس وهذا مذهب أبي حنفية، ومحمد ابن الحسن (٢) وهو مذهب المالكية (٣).

стр. 5104

وجهه: أن ما لم ينص عليه من قبل الشارع كان الرجوع فيه للعرف؛ لأن معرفة ما ليس له حد في اللغة، ولا في الشرع يرجع فيه إلى عرف الناس كالقبض والحرز ونحوهما. وقيل: المرجع في ذلك إلى العرف بالحجاز في عهد النبي ﷺ ، وهذا مذهب الشافعية (١)، والحنابلة (٢). وحجتهم: (ح-٧٤٥) ما رواه النسائي من طريقين عن أبي نعيم، عن سفيان، عن حنظلة، عن طاووس. عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : المكيال على مكيال أهل المدينة، والوزن على وزن أهل مكة. [صحيح] (٣).

стр. 5105

وأما ما لا عرف له في الحجاز، فإن كان مما لا يمكن كيله بحيث يتجافى في المكيال عند كيله، بحيث يرى ممتلئًا وبطنه غير ممتلئ فالمعتبر فيه بالوزن (١). وإن كان مما يمكن كيله: فقيل: يعتبر عرفه في موضعه، وهذا مذهب الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، وقول في مذهب الشافعية (٤)، وأحد الوجهين في مذهب الحنابلة (٥). وقيل: يرد إلى أقرب الأشياء شبهًا به في الحجاز، وهو مذهب الشافعية (٦)، وأحد الوجهين في مذهب الحنابلة (٧). والله أعلم بالصواب. * * *

стр. 5106

المبحث التاسع في بيع المال الربوي بجنسه مجازفة قال ابن عبد البر: «كل ما لا يجوز فيه التفاضل لم يجز بيع بعضه ببعض جزافًا بكيل، ولا جزافًا بجزاف؛ لعدم المماثلة المأمور بها في ذلك، وما جهلت حقيقة المماثلة فيه لم يؤمن فيه التفاضل» (١). وقال أيضًا: «كل ما حرم فيه التفاضل لا يباع منه كيل بجزاف، ولا معلوم بمجهول، ولا مجهول بمجهول» (٢). وقال في بدائع الصنائع: «كل ما جاز فيه المفاضلة جاز فيه المجازفة» (٣). [م -١١٨٣] لا يجوز بيع المال الربوي بجنسه مجازفة؛ لأن التفاضل في الجنس الواحد ممنوع، والمماثلة واجبة، ولا يمكن أن تتحقق المماثلة في البيع الجزاف، وما جهلت فيه حقيقة المماثلة لا يؤمن فيه الوقوع في التفاضل الممنوع. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن ذلك غير جائز إذا كانا من صنف واحد (٤). ومستند الإجماع أدلة كثيرة، منها: (ح-٧٤٦) ما رواه مسلم من طريق أبي المتوكل الناجي. عن أبي سعيد

стр. 5107

الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، يدًا بيد، من زاد أو استزاد، فقد أربى، الآخذ والمعطي سواء (١). فدل الحديث على أنه لا يباع الربوي بجنسه إلا بتحقق المماثلة بينهما وإلا بالتقابض. ولا يمكن أن تتحقق المماثلة في البيع الجزاف؛ لأنه قائم على التخمين والتقدير فيبقى احتمال الربا قائمًا. (ح-٧٤٧) ومنها ما رواه البخاري ومسلم من طريق ابن جريج، عن عطاء. سمع جابر بن عبد الله ﵄ نهى النبي ﷺ عن المخابرة، والمحاقلة، وعن المزابنة. وعن بيع الثمر حتى يبدو صلاحها وأن لا تباع إلا بالدينار والدرهم إلا العرايا. ورواه مسلم (٢). فنهى عن المخابرة: وهي المزارعة ببعض ما يخرج من الأرض. ونهى عن المزابنة: وهي بيع التمر بالرطب. ونهى عن المحاقلة: وهي بيع الحب في سنبله بحب صاف كيلًا. قال ابن كثير: «إنما حرمت هذه الأشياء - يعني: المخابرة، والمزابنة، والمحاقلة - وما شاكلها حسمًا لمادة الربا؛ لأنه لا يعلم التساوي بين الشيئين قبل الجفاف، ولهذا قال الفقهاء: الجهل بالمماثلة كحقيقة المفاضلة، ومن هذا حرموا أشياء بما فهموا من تضييق المسالك المفضية إلى الربا، والوسائل الموصلة إليه، وتفاوت نظرهم بحسب ما وهب الله لكل منهم من العلم ... » (٣).

стр. 5108

(ح-٧٤٨) ومنها ما رواه البخاري من طريق الليث، عن نافع. عن ابن عمر ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة: أن يبيع ثمر حائطه إن كان نخلًا بتمر كيلًا، وإن كان كرمًا أن يبيعه بزبيب كيلًا، وإن كان زرعًا أن يبيعه بكيل طعام، نهى عن ذلك كله. ورواه مسلم (١). وإنما نهى النبي ﷺ ذلك لأنه ينقص إذا جف فيكون مجهول المقدار. والقاعدة في الربويات: أن الجهل بالتماثل كالعلم بالتفاضل. قال ابن جزي: «الجهل بالتماثل ممنوع كتحقيق التفاضل ... » (٢). وجاء في تكملة المجموع للسبكي: «كل جنس اعتبر التماثل في بيع بعضه ببعض، فالجهل بالتماثل كالعلم بالتفاضل، بدليل النهي عن التمر بالتمر جزافًا» (٣). وقال ابن قدامة: «الجهل بالتماثل كالعلم بالتفاضل فيما يشترط التماثل فيه، ولذلك لم يجز بيع بعضها ببعض جزافًا» (٤). وقال ابن تيمية: «فإن الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل في بيع الأموال الربوية بعضها بجنسه، فإن لم نعلم المماثلة كان كما لو علمنا المفاضلة» (٥). (ح-٧٤٩) ومنها ما رواه مسلم من طريق ابن جريج، أن أبا الزبير أخبره.

стр. 5109

قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول نهى رسول الله ﷺ عن بيع الصبرة من التمر لا يعلم مكيلتها بالكيل المسمى من التمر (١). قال النووي: «هذا تصريح بتحريم بيع التمر بالتمر حتى يعلم المماثلة، قال العلماء: لأن الجهل بالمماثلة في هذا الباب كحقيقة المفاضلة، لقوله ﷺ : إلا سواء بسواء، ولم يحصل تحقق المساواة مع الجهل، وحكم الحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، وسائر الربويات إذا بيع بعضها ببعض حكم التمر بالتمر» (٢). * * *

стр. 5110

المبحث العاشر بيع الربوي الرطب بيابس من جنسه العبرة في التماثل في الأموال الربوية هو التماثل الحقيقي المتيقن لا التماثل الصوري، ولا المظنون. جاء في الموسوعة الكويتية: «لا يباع مكيل بمكيل من جنسه مع احتمال عدم المساواة بينهما بالكيل» (١). وقال الخطابي: «كل شيء من المطعوم مما له نداوة، ولجفافه نهاية فإنه لا يجوز رطبه بيابسه» (٢). [م-١١٨٤] اختلف العلماء في بيع الربوي الرطب بيابس من جنسه: فقيل: بالجواز، وهذا مذهب أبي حنيفة (٣). وقيل: لا يجوز، وهذا مذهب المالكية (٤)، والشافعية (٥)،

стр. 5111

والحنابلة (١)، واختاره أبو يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية (٢)، وابن حزم (٣). دليل من قال: بالجواز: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة:٢٧٥]. وقوله عز شأنه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء:٢٩]. فظاهر النصوص يقتضي جواز كل بيع إلا ما خص بدليل، ولم يخص بالنهي إلا البيع في حالة التفاضل، فبقي البيع المتساوي على ظاهر العموم (٤). ويجاب عن ذلك: بأن هذا النظر في مقابل النص، وقد ورد النص في النهي عن بيع الرطب بالتمر كما سيأتي ذكره، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن التماثل بين الرطب والتمر تماثل صوري، لما هو معلوم من أن الرطب ينقص إذا يبس، والمطلوب هو التماثل الحقيقي، وهو متعذر. الدليل الثاني: (ح-٧٥٠) رواه مسلم من طريق أبي المتوكل الناجي. عن أبي سعيد

стр. 5112

الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، يدًا بيد، من زاد أو استزاد، فقد أربى، الآخذ والمعطي سواء (١). وروى مسلم مثله من حديث عبادة بن الصامت ﵁ (٢). قال الكاساني: «وأما السنة المشهورة فحديث أبي سعيد الخدري، وعبادة ابن الصامت ﵄ حيث جوز رسول الله بيع الحنطة بالحنطة والشعير بالشعير والتمر بالتمر مثلًا بمثل عامًا مطلقًا من غير تخصيص وتقييد، ولا شك أن اسم الحنطة والشعير يقع على كل جنس الحنطة والشعير على اختلاف أنواعهما وأوصافهما، وكذلك اسم التمر يقع على الرطب والبسر؛ لأنه اسم لتمر النخل لغة فيدخل فيه الرطب، واليابس، والمذنب، والبسر، والمنقع. وروي أن عامل خيبر أهدى إلى رسول الله ﷺ تمرًا جنيبًا فقال ﵊: أو كل تمر خيبر هكذا؟ وكان أهدى إليه رطبًا، فقد أطلق ﵊ اسم التمر على الرطب. وروى أنه نهى ﵊ عن بيعه التمر حتى يزهو أي يحمر أو يصفر وروى حتى يحمار، أو يصفار. والاحمرار والاصفرار من أوصاف البسر فقد أطلق ﵊ اسم التمر على البسر فيدخل تحت النص» (٣). ويناقش: أولًا: لم يثبت أن عامل خيبر أهدى إلى رسول الله ﷺ رطبًا.

стр. 5113

قال الزيلعي: «قد كشفت طرق الحديث وألفاظه فلم أجد فيه ذكر الرطب» (١). ثانيًا: قوله: «وروى أنه نهى ﵊ عن بيعه التمر حتى يزهو: أي يحمر أو يصفر ... والاحمرار والاصفرار من أوصاف البسر». فيقال: الحديث ليس فيه النهي عن بيع التمر، وإنما فيه النهي عن بيع الثمر (٢)، والثمر: هو حمل الشجر، وهو أعم من الرطب، ولكن لا يطلق على التمر.

стр. 5114

(ح-٧٥١) ولذلك روى البخاري ومسلم من طريق ابن شهاب، عن سالم. عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحه، ولا تبيعوا الثمر بالتمر (١). والمقصود بالنهي عن بيع الثمر بالتمر: النهي عن بيع الرطب بالتمر. قال النووي: «ومعناه الرطب بالتمر، وليس المراد كل الثمار بالثاء، فإن سائر الثمار يجوز بيعها بالتمر» (٢). وجاء في اللسان «لا قطع في ثمر ... وهو الرطب في رأس النخلة، فإذا كبر فهو التمر» (٣).

стр. 5115

الدليل الثالث: واحتج بعض الحنفية بأنهم أجمعوا على جواز بيع الرطب بالرطب، مثلًا بمثل، مع أن رطوبة أحدهما ليست كرطوبة الآخر، بل تختلف اختلافًا متباينًا، فدل هذا على جواز بيع التمر بالرطب. ويناقش من وجوه: الوجه الأول: حكاية الإجماع فيها نظر، فإن الشافعية يمنعون من بيع الرطب بالرطب، وسيأتي إن شاء الله تعالى بحث هذه المسألة في عنوان مستقل. الوجه الثاني: أن هذا قياس في مقابل النص، فيكون فاسدًا. الوجه الثالث: أن الرطب بالرطب وإن تفاوت لكنه تفاوت يسير، فعفي عنه لقلته، بخلاف الرطب بالتمر فإن تفاوته تفاوت كثير (١). الدليل الرابع: قال الحنفية: الرطب لا يخلو إما أن يكون تمرًا، أو لا. فإن كان الرطب تمرًا جاز العقد عليه لقوله ﵇: (التمر بالتمر مثلًا بمثل) وإن لم يكن تمرًا جاز أيضًا لقوله ﵇ (إذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم) (٢).
следующие страницы →