← Фикх общий

Фикх общий · id 14474

المعاملات المالية أصالة ومعاصرة

دبيان الدبيان

Полный текст (10 239 стр.). Показаны 5111–5150 · переход к 5116.

стр. 5111

والحنابلة (١)، واختاره أبو يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية (٢)، وابن حزم (٣). دليل من قال: بالجواز: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة:٢٧٥]. وقوله عز شأنه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء:٢٩]. فظاهر النصوص يقتضي جواز كل بيع إلا ما خص بدليل، ولم يخص بالنهي إلا البيع في حالة التفاضل، فبقي البيع المتساوي على ظاهر العموم (٤). ويجاب عن ذلك: بأن هذا النظر في مقابل النص، وقد ورد النص في النهي عن بيع الرطب بالتمر كما سيأتي ذكره، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن التماثل بين الرطب والتمر تماثل صوري، لما هو معلوم من أن الرطب ينقص إذا يبس، والمطلوب هو التماثل الحقيقي، وهو متعذر. الدليل الثاني: (ح-٧٥٠) رواه مسلم من طريق أبي المتوكل الناجي. عن أبي سعيد

стр. 5112

الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، يدًا بيد، من زاد أو استزاد، فقد أربى، الآخذ والمعطي سواء (١). وروى مسلم مثله من حديث عبادة بن الصامت ﵁ (٢). قال الكاساني: «وأما السنة المشهورة فحديث أبي سعيد الخدري، وعبادة ابن الصامت ﵄ حيث جوز رسول الله بيع الحنطة بالحنطة والشعير بالشعير والتمر بالتمر مثلًا بمثل عامًا مطلقًا من غير تخصيص وتقييد، ولا شك أن اسم الحنطة والشعير يقع على كل جنس الحنطة والشعير على اختلاف أنواعهما وأوصافهما، وكذلك اسم التمر يقع على الرطب والبسر؛ لأنه اسم لتمر النخل لغة فيدخل فيه الرطب، واليابس، والمذنب، والبسر، والمنقع. وروي أن عامل خيبر أهدى إلى رسول الله ﷺ تمرًا جنيبًا فقال ﵊: أو كل تمر خيبر هكذا؟ وكان أهدى إليه رطبًا، فقد أطلق ﵊ اسم التمر على الرطب. وروى أنه نهى ﵊ عن بيعه التمر حتى يزهو أي يحمر أو يصفر وروى حتى يحمار، أو يصفار. والاحمرار والاصفرار من أوصاف البسر فقد أطلق ﵊ اسم التمر على البسر فيدخل تحت النص» (٣). ويناقش: أولًا: لم يثبت أن عامل خيبر أهدى إلى رسول الله ﷺ رطبًا.

стр. 5113

قال الزيلعي: «قد كشفت طرق الحديث وألفاظه فلم أجد فيه ذكر الرطب» (١). ثانيًا: قوله: «وروى أنه نهى ﵊ عن بيعه التمر حتى يزهو: أي يحمر أو يصفر ... والاحمرار والاصفرار من أوصاف البسر». فيقال: الحديث ليس فيه النهي عن بيع التمر، وإنما فيه النهي عن بيع الثمر (٢)، والثمر: هو حمل الشجر، وهو أعم من الرطب، ولكن لا يطلق على التمر.

стр. 5114

(ح-٧٥١) ولذلك روى البخاري ومسلم من طريق ابن شهاب، عن سالم. عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحه، ولا تبيعوا الثمر بالتمر (١). والمقصود بالنهي عن بيع الثمر بالتمر: النهي عن بيع الرطب بالتمر. قال النووي: «ومعناه الرطب بالتمر، وليس المراد كل الثمار بالثاء، فإن سائر الثمار يجوز بيعها بالتمر» (٢). وجاء في اللسان «لا قطع في ثمر ... وهو الرطب في رأس النخلة، فإذا كبر فهو التمر» (٣).

стр. 5115

الدليل الثالث: واحتج بعض الحنفية بأنهم أجمعوا على جواز بيع الرطب بالرطب، مثلًا بمثل، مع أن رطوبة أحدهما ليست كرطوبة الآخر، بل تختلف اختلافًا متباينًا، فدل هذا على جواز بيع التمر بالرطب. ويناقش من وجوه: الوجه الأول: حكاية الإجماع فيها نظر، فإن الشافعية يمنعون من بيع الرطب بالرطب، وسيأتي إن شاء الله تعالى بحث هذه المسألة في عنوان مستقل. الوجه الثاني: أن هذا قياس في مقابل النص، فيكون فاسدًا. الوجه الثالث: أن الرطب بالرطب وإن تفاوت لكنه تفاوت يسير، فعفي عنه لقلته، بخلاف الرطب بالتمر فإن تفاوته تفاوت كثير (١). الدليل الرابع: قال الحنفية: الرطب لا يخلو إما أن يكون تمرًا، أو لا. فإن كان الرطب تمرًا جاز العقد عليه لقوله ﵇: (التمر بالتمر مثلًا بمثل) وإن لم يكن تمرًا جاز أيضًا لقوله ﵇ (إذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم) (٢).

стр. 5116

ويناقش: بما أجاب به بعض الحنفية، بأن الحنطة المقلية إن كانت حنطة فينبغي أن يجوز بيعها بغير المقلية كيلًا بكيل، لقوله ﵇ (الحنطة بالحنطة مثلا بمثل)،وإن لم تكن حنطة فينبغي أن تجوز لقوله ﵇ (إذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم) وقد منع الحنفية بيع الحنطة المقلية بالنيئة. ويقال مثل ذلك في بيع الحنطة بدقيقها، حيث منع منه الحنفية، مع أن الدقيق إن كان حنطة فقد قال ﵇ (الحنطة بالحنطة مثلًا بمثل) وإن كان غير حنطة جاز للاختلاف، وبيع الرطب بالتمر مقيس عليه، ولهذا قال القاضي الإمام في الأسرار (أبو يوسف) وشمس الأئمة في المبسوط ما ذكر أبو حنيفة ﵀ حسن في المناظرات لدفع الخصم، ولكن الحجة لا تتم به لجواز أن يكون الرطب قسمًا ثالثًا، لا يكون تمرًا مطلقًا لفوات وصف اليبوسة عنه، ولا يكون غيره مطلقًا لبقاء أجزائه، عند صيرورته تمرًا كالحنطة المقلية ليست عين الحنطة على الإطلاق لفوات وصف الإثبات عنها بالمقلي، وليست غيرها أيضًا لوجود أجزاء الحنطة فيها، وكذا الحنطة مع الدقيق وإذا كان ذلك كذلك كان الاعتماد على ما ذكرنا أولًا (١). دليل القائلين بالمنع: الدليل الأول: (ح-٧٥٢) ما رواه مالك في الموطأ عن عبد الله بن يزيد، أن زيدًا أبا عياش أخبره. أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن البيضاء بالسلت، فقال له سعد: أيتهما أفضل؟ قال البيضاء، فنهاه عن ذلك، وقال سعد: سمعت رسول الله ﷺ يسأل

стр. 5117

عن اشتراء التمر بالرطب، فقال رسول ا لله ﷺ : أينقص الرطب إذا يبس، فقال: نعم. فنهى عن ذلك (١). [حديث حسن] (٢).

стр. 5118

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5119

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5120

وقد أجاب الحنفية على هذا الاستدلال من وجهين: الوجه الأول: أن الحديث مدراه على زيد أبي عياش، قال أبو حنيفة: لا يقبل حديثه. وقد ترجمت له عند تخريج الحديث، وبينت أن الدارقطني قال فيه: ثقة، وصحح حديثه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم، وأخرج حديثه مالك في الموطأ، وقال فيه ابن حجر: صدوق. الخ ما ذكرناه عنهم. الوجه الثاني: أن الحديث قد رواه أبو داود في السنن (١)، والشاشي في مسنده (٢)، والطبراني في مسند الشاميين (٣)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٤)، وفي مشكل الآثار (٥)، والدارقطني في سننه (٦)، والحاكم في المستدرك (٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨)، وابن عبد البر في التمهيد (٩)، والدولابي في الكنى

стр. 5121

والأسماء (١)، والمقدسي في الأحاديث المختارة (٢)، كلهم من طريق يحيى بن أبي كثير، أخبرنا عبد الله بن يزيد، أن أبا عياش أخبره. أنه سمع سعد بن أبي وقاص يقول: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الرطب بالتمر نسيئة. فصار الحديث في النهي عن بيع الرطب بالتمر نسيئة، وليس في النهي عن بيع الرطب بالتمر مطلقًا. وأجيب: بأن المحفوظ في الحديث عدم زيادة قوله نسيئة. قال الدارقطني: «خالفه مالك وإسماعيل بن أمية والضحاك بن عثمان وأسامة بن زيد رووه عن عبد الله بن يزيد ولم يقولوا فيه نسيئة، واجتماع هؤلاء الأربعة على خلاف ما رواه يحيى يدل على ضبطهم للحديث، وفيهم إمام حافظ وهو مالك بن أنس» (٣). قلت: قد أخرجت جميع هذه الطرق فيما سبق. هذا من جهة، ومن جهة أخرى لو كان النهي عن بيع الرطب بالتمر نسيئة لما كان لقول النبي ﷺ (أينقص الرطب إذا يبس)؟ فائدة، وذلك أن الاستفهام إنما سيق للتنبيه على علة المنع. قال الخطابي: «لفظه لفظ الاستفهام، ومعناه التقرير والتنبيه على نكتة الحكم وعلته ليعتبروها في نظائرها وأخواتها، وذلك أنه لا يجوز أن يخفى عليه ﷺ أن

стр. 5122

الرطب إذا يبس نقص وزنه، فيكون سؤاله عنه سؤال تعرف واستفهام، وإنما هو على الوجه الذي ذكرته، وهذا كقول جرير: ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح ولو كان هذا استفهامًا لم يكن فيه مدح، وإنما معناه أنتم خير من ركب المطايا. وهذا الحديث أصل في أبواب كثيرة من مسائل الربا، وذلك أن كل شيء من المطعوم مما له نداوة، ولجفافه نهاية فإنه لا يجوز رطبه بيابسه ..... ولفظ الحديث عام، لم يستثن فيه نسيئة من نقد، والمعنى الذي نبه عليه في قوله: أينقص الرطب إذا يبس يمنع من تخصيصه، وذلك كأنه قال: إذا علمتم أنه ينقص في المتعقب فلا تبيعوه، وهذا المعنى قائم في النقد والنسيئة معًا ... » (١). الدليل الثاني: قال النووي: «قد اتفق العلماء على تحريم بيع الرطب بالتمر في غير العرايا، وأنه ربا» (٢). وقال ابن نجيم: «أجمعوا على أن بيع الرطب بالتمر متفاضلًا لا يجوز» (٣). والرطب بالتمر لا يمكن المماثلة بينهما، لانفراد الرطب بالنقصان إذا جف، فتقع المفاضلة المحرمة، ولذلك منع الحنفية بيع الحنطة المقلية بغير المقلية (النيئة)، وبيع الحنطة بدقيقها لعدم التماثل في الكيل، وإن حصل التماثل في الصورة، فكذا الرطب بالتمر لا يتماثلان في الكيل، وإنما التماثل المعتبر في حال اعتدال البدلين.

стр. 5123

وناقش الحنفية: بأن المعتبر التماثل في حال العقد حالة الرطوبة، ولا يلتفت إلى النقصان في المآل، وعروض النقص بعد ذلك لا يمنع من المساواة في الحال، إذا كان موجبه أمرًا خلقيًا، وهو زيادة الرطوبة، بخلاف المقلية بغيرها، والحنطة بدقيقها فإننا نحكم في الحال بعدم التساوي، لاكتناز أحدهما بالكيل بخلاف الآخر لتخلخل كثير (١). ويجاب: ربما أن قوله ﷺ (أينقص الرطب إذا جف) ليس إشارة إلى عدم التماثل في المآل، وإنما تنبيه إلى وجود عدم تماثل في الحال، فإن التمر، وهو أحد العوضين قد نقص عندما جف بحيث لو كان رطبًا لكان أقل كمية من الحاصل، وقد عوض نقصه بزيادة في عينه، ليحصل التماثل في الصورة بينه وبين الرطب، فالتماثل القائم ليس حقيقيًا. والله أعلم. الدليل الثالث: (ح-٧٥٣) روى البخاري ومسلم من طريق ابن شهاب، عن سالم. عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحه، ولا تبيعوا الثمر بالتمر (٢). (ح-٧٥٤) وروى البخاري، ومسلم من طريق يحيى بن سعيد، عن بشير ابن يسار. عن سهل بن أبي حثمة أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمر بالتمر ورخص في العرية ... (٣).

стр. 5124

وجه الاستدلال: قال ابن حجر: «استدل بأحاديث الباب، ومنها حديث ابن عمر وسهل ابن أبي حثمة على تحريم بيع الرطب باليابس منه، ولو تساويا في الكيل والوزن؛ لأن الاعتبار بالتساوي إنما يصح حالة الكمال، والرطب قد ينقص إذا جف عن اليابس نقصًا لا يتقدر» (١). وأجاب الحنفية على هذا الاستدلال: بأن المراد في الحديث: بيع المزابنة، وهو بيع الرطب على رؤوس النخل بالتمر، وليس المراد بيع الرطب بعد القطع بالتمر (٢). (ح-٧٥٥) لما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن داود بن الحصين، عن أبي سفيان مولى بن أبي أحمد. عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن رسول الله ﷺ نهى عن المزابنة، والمزابنة: اشتراء الثمر بالتمر في رؤوس النخل (٣). ولأنه لما جاز عندكم بيع العرايا، وهي تمر برطب على رؤوس النخل، لا يقدر على تماثلهما كيلًا إلا بالخرص، كان بيع التمر بالرطب المقدور تماثلهما بالكيل أجوز، وهو من الربا أبعد.

стр. 5125

وأجيب بأن بيع الرطب بالتمر على رؤوس النخل من المزابنة، وهو محرم إلا ما استثني كالعرايا، ولا يصح حصر المزابنة في هذه الصورة، بل المزابنة تشمل بيع الرطب بالتمر مطلقًا، ومنه بيعه وهو على رؤوس النخل، وذكر فرد من أفراد العموم بحكم يوافق العموم لا يقتضي تخصيص العموم، كما ذكره أهل الأصول، وكما في قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [لبقرة:٢٣٨] فذكر الصلاة الوسطى لا يقتضي تخصيص الأمر بالمحافظة وقصره عليها. (ح-٧٥٦) واستدل بعضهم لهذا بما رواه البخاري من طريق مالك عن نافع. عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ نهى عن المزابنة، والمزابنة: بيع الثمر بالتمر كيلًا، وبيع الزبيب بالكرم كيلًا (١). فلما نهى عن المزابنة، وفسرها: بأنها بيع الثمر بالتمر كيلًا، ولما كان كيل ما على رؤوس النخل غير ممكن، علم أن النهي في هذا الحديث وارد فيما الكيل فيه ممكن، وهو بعد أن يقطع الرطب، فصح أن المزابنة: هو بيع الرطب بالتمر مطلقًا، سواء كان على رؤوس النخل، أو كان بعد القطع (٢). لكن قد يقال: إن المقصود في الحديث (بيع الثمر بالتمر كيلًا) أن كلمة (كيلًا) عائدة على الثمن، وليست عائدة على الرطب، أي بيع الثمر بكيل مسمى من التمر، ويدل عليه لفظ الليث عن نافع: (ح-٧٥٧) فقد روى البخاري ومسلم من طريق الليث، عن نافع. عن

стр. 5126

ابن عمر ﵄: قال: نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة: أن يبيع ثمر حائطه إن كان نخلًا بتمر كيلًا، وإن كان كرمًا أن يبيعه بزبيب كيلًا، وإن كان زرعًا أن يبيعه بكيل طعام، نهى عن ذلك كله (١). فقوله: (إن كان نخلًا بتمر كيلًا .. وإن كان زرعًا أن يبيعه بكيل طعام) واضح أن المقصود بالنخل: هو الرطب على رؤوس النخل، وليس بعد القطع، وهذا لا يتأتى كيله. وما يقال فيه يقال بالزرع. وأفضل جواب ما ذكرنا سابقًا أن المزابنة تشمل بيع الرطب بالتمر مطلقًا، ومنه بيعه وهو على رؤوس النخل، وذكر صورة من صور المزابنة لا تعني حصر التحريم فيها فقط. قال ابن حزم: لم ننازعهم - يعني الحنفية - في تحريم بيع الرطب في رؤوس النخل بالتمر كيلًا، وأن هذا مزابنة، وليس في شيء من هذه الأخبار ولا غيرها أنه لا يحرم من بيع الثمر بالتمر إلا هذه الصفة فقط، ولا في شيء من هذا أن ما عدا هذا فحلال، لكن كل ما في هذه الأخبار فهو بعض ما في حديث ابن عمر، وبعض ما في حديث سهل بن أبي حثمة، ورافع، وأبي هريرة، وتلك الأخبار جمعت ما في هذه وزادت عليها، فلا يحل ترك ما فيها من زيادة الحكم من أجل أنها لم تذكر في هذه الأحاديث» (٢). الراجح: أنه لا يجوز بيع الرطب بالتمر لعدم إمكانية التساوي بينهما، والله أعلم.

стр. 5127

المبحث الحادي عشر في بيع الرطب بالرطب [م-١١٨٥] اختلف العلماء في بيع الرطب بالرطب. فقيل: يجوز، وهذا مذهب الحنفية (١)، ومالك (٢)، والحنابلة (٣). وقيل: لا يجوز، وهذا مذهب الشافعية (٤)، واختاره ابن الماجشون (٥). وجه من قال بالجواز: أن المطلوب في مبادلة الربوي بجنسه هي المماثلة، وذلك يتحقق بأن يستوي المالان الربويان رطوبة أو نشافًا، ليتحقق المماثلة المطلوبة شرعًا، ولو كان بيع الرطب بالرطب لا يجوز لجاء المنع منه، كما جاء النهي عن بيع الثمر بالتمر. وجه من قال بالمنع: أن الرسول ﷺ لما نهى عن بيع الرطب بالتمر بين العلة بقوله: أينقص الرطب إذا يبس كما في حديث سعد بن أبي وقاص، وقد سبق تخريجه، فنهى عنه نظرًا

стр. 5128

إلى عدم التماثل في المآل، فكذلك لا يجوز بيع الرطب بالرطب؛ لأنهما في المآل مجهولا المثل تمرًا. قال الشافعي في اختلاف الحديث: «لا يجوز رطب برطب؛ لأن نقصهما يختلف لا يدرى كم نقص هذا، ونقص هذا، فيصير مجهولًا بمجهول، وسواء كان الرطب بالرطب من الطعام من نفس خلقته، أو رطبًا بل بغير مبلول» (١). ويناقش: بأن الرطب بالرطب وإن تفاوت لكنه تفاوت يسير، فعفي عنه لقلته، بخلاف الرطب بالتمر فإن تفاوته تفاوت كثير (٢). وقد يقال: إن قوله ﷺ (أينقص الرطب إذا جف) ليس إشارة إلى عدم التماثل في المآل، وإنما تنبيه إلى وجود عدم تماثل في الحال، فإن التمر، وهو أحد العوضين قد نقص عندما جف بحيث لو كان رطبًا لكان أقل كمية من الحاصل، وقد عوض نقصه بزيادة في عينه، ليحصل التماثل في الصورة بينه وبين الرطب، فالتماثل القائم ليس حقيقيًا، بخلاف الرطب بالرطب فإن التماثل بينهما حقيقي. والله أعلم. وهذا هو الراجح. * * *

стр. 5129

المبحث الثاني عشر في بيع مصوغ الذهب بذهب خالص متفاضلًا قال السرخسي: لا قيمة للجودة والصنعة في الأموال الربوية عند المقابلة بجنسها (١). وقال أبو يعلى: كل ما دخله الربا فإنه يجري في معموله كالذهب والفضة. وقال ابن قدامة: الجيد والرديء، والتبر والمضروب، والصحيح والمكسور سواء في جواز البيع مع التماثل، وتحريمه مع التفاضل (٢). وقال البهوتي: الصنعة المحرمة لا قيمة لها شرعًا (٣). [م-١١٨٦] بيع الذهب بالذهب يشترط فيه شرطان: التماثل والتقابض، لا فرق في ذلك بين جيده ورديئه، ولكن المال الربوي تارة تدخله الصنعة، كالقمح حين يتحول إلى خبز، والذهب إلى حلي، فإذا دخلت المال الربوي الصنعة، فهل يخرج بذلك عن كونه مالًا ربويًا، ويصبح سلعة من السلع، ويخرج بذلك عن الثمنية، أو لا تأثير للصنعة فيه كما أنه لا تأثير للجودة فيه، لكون الذهب والفضة جوهران متعينان لثمنية الأشياء، لا تنفك الثمنية عنهما، وليست طارئة عليهما كالفلوس، ولهما رواج عند جميع الناس، فيجري الربا في الأواني والتبر والحلي وإن لم تكن قيمًا للأشياء؟.

стр. 5130

في ذلك خلاف بين أهل العلم، وقبل الجواب أنبه على بعض المسائل، فأقول: لا خلاف بين أهل العلم في أن جيد الذهب ورديئه سواء، فيشترط التماثل، ويحرم التفاضل، ولا اعتبار للجودة عند مقابلة الذهب بالذهب، سواء كان تبرًا، أو سبائك، أو مضروبًا، نقودًا صحيحة أو مكسرة (١). قال النووي: «قوله ﷺ : (لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الورق بالورق إلا سواء بسواء). قال العلماء: هذا يتناول جميع أنواع الذهب والورق من جيد ورديء، وصحيح ومكسور، وحلي وتبر، وغير ذلك، وسواء الخالص والمخلوط بغيره، وهذا كله مجمع عليه» (٢). أما الدليل على وجوب التماثل فجملة من الأحاديث التي تحرم الفضل بين الأموال الربوية من جنس واحد، منها حديث أبي سعيد الخدري، وحديث عبادة وغيرها، وسبق ذكر أكثرها عند الكلام على ربا الفضل. وأما الدليل على عدم اعتبار الجودة، فأحاديث كثيرة، منها: (ح-٧٥٨) ما رواه البخاري من طريق عقبة بن عبد الغافر. أنه سمع أبا سعيد

стр. 5131

الخدري ﵁ قال: جاء بلال إلى النبي ﷺ بتمر برني، فقال له النبي ﷺ من أين هذا؟ قال بلال: كان عندنا تمر ردي، فبعت منه صاعين بصاع، لنطعم النبي ﷺ فقال النبي ﷺ عند ذلك: أوَّه أوَّه، عين الربا، عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيع آخر ثم اشتره. ورواه مسلم (١). فإذا كان رديء التمر وجيده لا يجوز إلا مثلًا بمثل، فكذلك سائر الأموال الربوية، فرديء البر وجيده ورديء الورق وجيدها ورديء الذهب وجيده لا يجوز إلا مثلًا بمثل. (ح-٧٥٩) وروى أبو داود من طريق أبي الخليل (صالح بن أبي مريم) عن مسلم بن يسار المكي، عن أبي الأشعث الصنعاني. عن عبادة بن الصامت، أن رسول الله ﷺ قال: الذهب بالذهب تبرها وعينها، والفضة بالفضة تبرها وعينها ... فمن زاد أو ازداد فقد أربى، ولا بأس ببيع الذهب بالفضة، والفضة أكثرهما يدًا بيد، وأما نسيئة فلا ... الحديث. [الحديث رجاله ثقات، وهو في مسلم وليس فيه زيادة تبرها وعينها] (٢).

стр. 5132

فدل حديث عبادة على وجوب التساوي عند اتحاد الجنس ذهبًا بذهب، أو فضة بفضة سواء كان تبرًا، وهو الذهب أو الفضة قبل ضربه، أو عينًا، وهو الذهب أو الفضة بعد أن يضرب. كما أن الذهب المصوغ إذا كان ثمنًا تقوَّم به الأشياء فإنه يجري فيه الربا، ويجب التماثل في مبادلته بجنسه؛ لأن الصياغة في الحالة هذه لم تخرجه عن علة الربا، وهي الثمنية. وكذلك إذا كانت الصياغة في الذهب محرمة، فإنه يحرم بيعه بجنسه وبغير جنسه (١). إذا علم ذلك، فما حكم بيع مصوغ الذهب بالذهب الخالص متفاضلًا؟ اختلف العلماء في ذلك. فقيل: لا يجوز، وهذا مذهب الأئمة الأربعة (٢)، وممن قال به من العلماء

стр. 5133

المعاصرين: محمد الأمين بن المختار الشنقيطي (١)، والشيخ محمد بن إبراهيم (٢)، والشيخ ابن باز (٣)، وشيخنا ابن عثيمين (٤)، وصدر به قرار من هيئة كبار العلماء بالبلاد السعودية (٥)، وأفتت به اللجنة الدائمة (٦)، وصدر به قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي (٧). وحكى الإجماع عليه طائفة من العلماء وسوف يأتي ذكرهم عند الكلام على الأدلة. وقيل: يجوز التفاضل في مبادلة المصوغ بجنسه، من غير اشتراط التماثل، ويجعل الزائد في مقابل الصنعة، ما لم تكن الحلي ثمنًا، أو تكون الصياغة غير مباحة. وهذا القول منسوب في الجملة لمعاوية ﵁ (٨)، واختاره من الحنابلة

стр. 5134

ابن تيمية وابن القيم (١)، ومن المعاصرين فضيلة الشيخ عبد الله ابن منيع (٢). وخرج بعضهم القول بالجواز على مذهب الحنفية بناء على مذهبهم في جواز بيع الخبز بالخبز متفاضلًا؛ لأنهم عللوا ذلك بأن الخبز خرج بالصنعة من كونه مكيلًا، فلم يحرم التفاضل فيه (٣). فليكن الحلي خرج بالصنعة من كونه ربويًا، ولا يصح هذا التخريج. ونسب إلى مالك ﵀ أنه قال بجوازه للمضطر، وأنكره أصحابه (٤).

стр. 5135

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5136

ثمرة الخلاف: إذا قلنا باختيار ابن تيمية وابن القيم: جاز بيع حلي الذهب بالذهب متفاضلًا ونسيئة، وجوازه بالفضة من باب أولى، وجاز بيع حلي الذهب بالأوراق النقدية حالًا ونسيئة؛ لأن الحلي حينئذ ستكون سلعة من السلع، لا تختلف عن الثياب وسائر العروض. يقول ابن تيمية في الاختيارات: «ويجوز بيع المصوغ من الذهب والفضة بجنسه من غير اشتراط التماثل، ويجعل الزائد في مقابلة الصنعة، سواء كان البيع حالًا أو مؤجلًا، ما لم يقصد كونها ثمنًا» (١). وإذا أخذنا بمذهب الجمهور: حرم بيع حلي الذهب بالذهب مع التفاضل، وحرم بيع حلي الذهب بالفضة مع النسيئة. وحرم بيع الحلي بالأوراق النقدية مع النسيئة. دليل من قال: لا يجوز: الدليل الأول: الأدلة العامة التي تفيد وجوب التماثل في بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة وهي كثيرة، أذكر بعضها، وقد ذكرت كثيرًا منها في مسألة حكم ربا الفضل، منها:

стр. 5137

(ح-٧٦٠) ما رواه مسلم من طريق أبي المتوكل الناجي. عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : الذهب بالذهب، والفضة بالفضة ....... مثلًا بمثل، يدًا بيد، من زاد أو استزاد، فقد أربى، الآخذ والمعطي سواء (١). (ح-٧٦١) ومنها أيضًا: ما رواه مسلم من طريق أبي الأشعث. عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله ﷺ : الذهب بالذهب، والفضة بالفضة .... مثلًا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد (٢). (ح-٧٦٢) ومنها: ما رواه البخاري من طريق مالك، عن نافع. عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلًا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبا بناجز. ورواه مسلم (٣). (ح-٧٦٣) ومنها: ما رواه مسلم من طريق ابن أبي نعم. عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : الذهب بالذهب وزنًا بوزن، مثلًا بمثل، والفضة بالفضة وزنًا بوزن، مثلًا بمثل، فمن زاد أو استزاد فهو ربا (٤). (ح-٧٦٤) ومنها: ما رواه البخاري من طريق عبد الرحمن بن أبي بكرة قال: قال أبو بكرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا سواء بسواء، والفضة بالفضة إلا سواء بسواء، وبيعوا الذهب بالفضة والفضة بالذهب كيف شئتم (٥).

стр. 5138

(ح-٧٦٥) ومنها: ما رواه مسلم من طريق مالك بن أبي عامر يحدث. عن عثمان بن عفان، أن رسول الله ﷺ قال: لا تبيعوا الدينار بالدينارين، ولا الدرهم بالدرهمين (١). وجه الاستدلال من هذه الأحاديث: قوله (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة مثلًا بمثل ... ) وفي بعضها وزنًا بوزن. ف (أل) في الذهب للجنس، فتعم جميع أنواع الذهب، مثله مثل قوله تعالى ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:٢] عام لجميع الناس ولذلك صح الاستثناء منه بقوله تعالى ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر:٣]. وإذا كان ذلك كذلك فمن أراد إخراج فرد من أفراد الذهب فعليه الدليل من الشارع، فإن النص الشرعي إذا جاء عامًا، أو مطلقًا لا يخصصه ولا يقيده إلا نص شرعي مثله. الدليل الثاني: النصوص الخاصة والتي تعتبر نصًا في الموضوع. (ح-٧٦٦) من ذلك، ما رواه مسلم من طريق علي بن رباح اللخمي يقول: سمعت فضالة بن عبيد الأنصاري يقول أتي رسول الله ﷺ وهو بخيبر بقلادة فيها خرز وذهب، وهي من المغانم تباع، فأمر رسول الله ﷺ بالذهب الذي في القلادة فنزع وحده، ثم قال لهم رسول الله ﷺ : الذهب بالذهب وزنا بوزن (٢). [رواه حنش الصنعاني وعلي بن رباح اللخمي عن فضالة، والأول اختلف

стр. 5139

عليه، والثاني لم يختلف عليه في الحديث، فيقبل من رواية حنش ما وافق رواية علي، وما خالفها، فقد اختلف عليه فيها فيحكم بشذوذها] (١).

стр. 5140

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5141

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5142

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5143

وجه الاستدلال: أن القلادة حلية، وقد اشتريت بذهب، ولو كانت القلادة سلعة من السلع لم يشترط الرسول ﷺ أن ينزع الذهب الذي في القلادة، وألا يباع إلا وزنًا بوزن. جواب القائلين بجواز بيع الحلي بالذهب متفاضلًا: حاول القائلون بجواز بيع الحلية بالذهب متفاضلًا أن يخرجوا من حديث فضالة إما بضعف الحديث للاضطراب، وإما بالتأويل. وقد أجبت عن دعوى أن الحديث مضطرب بأن الاضطراب لم يرد إلا في رواية حنش الصنعاني، عن فضالة، ولم يرد الاضطراب مطلقًا في رواية علي ابن رباح اللخمي عن فضالة. وهي في مسلم، ومن الظلم أن يجنى على رواية علي ابن رباح اللخمي باضطراب غيره، بل المنهج العلمي يقتضي أن ترد رواية المضطرب فقط وتقبل رواية من جوَّد الحديث وأتقنه، وقد ناقشت دعوى الاضطراب بتوسع ولله الحمد، وجعلت هذا الكلام في مسألة (مد عجوة ودرهم) تخفيفًا وحرصًا حتى لا يطول الكلام في هذه المسألة، فانظره هناك. وأما من حاول أن يرد الحديث بالتأويل فقد وقع فيما حاول الخروج منه. فقد رأى ابن تيمية وابن القيم بأن النبي ﷺ إنما منع من هذه المعاملة لأن الذهب الذي في القلادة أكثر من الذهب الذي دفع ثمنًا لها، فصارت المبادلة ذهبًا بذهب مع التفاضل.

стр. 5144

وإذا كان ذلك كذلك كان هذا نصًا منهما على أن الحلية التي في القلادة مال ربوي، ولو كانت القلادة سلعة من السلع لم ينظر إلى مقدار الثمن، سواء كان أقل أو أكثر؛ لأن المعيار بالوزن إنما يشترط في مبادلة الربوي بمثله، وأما غير الربوي فيكفي رؤيته لتنتفي جهالته، مثله مثل الحنطة إذا بيعت جزافًا بدراهم جاز، ولا يشترط أن يعلم مقدارها بالكيل، وإذا بيعت بالحنطة اشترط التماثل بالمعيار الشرعي الذي هو الكيل. قال ابن تيمية: «إذا لم يعلم مقدار الربوي بل يخرص خرصًا مثل القلادة التي بيعت يوم حنين، وفيها خرز معلق بذهب فقال النبي ﷺ : لا تباع حتى تفصل، فان تلك القلادة لما فصلت كان ذهب الخرز أكثر من ذلك الذهب المفرد فنهى النبي ﷺ عن بيع هذا بهذا حتى تفصل؛ لأن الذهب المفرد يجوز أن يكون أنقص من الذهب المقرون، فيكون قد باع ذهبًا بذهب مثله، وزيادة خرز وهذا لا يجوز، وإذا علم المأخذ فإذا كان المقصود بيع دراهم بدراهم مثلها وكان المفرد أكثر من المخلوط كما في الدراهم الخالصة بالمغشوشة بحيث تكون الزيادة في مقابلة الخلط لم يكن في هذا من مفسدة الربا شيء إذ ليس المقصود بيع دراهم بدراهم أكثر منها، ولا هو بما يحتمل أن يكون فيه ذلك، فيجوز التفاوت» (١). وهذا القول من ابن تيمية ﵀ يهدم دعوى أن القلادة سلعة، ويجعل الحلية التي في القلادة مالًا ربويًا، ولذلك اشترط أن يكون الذهب المفرد أكثر من الذهب الذي في القلادة، حتى يكون الذهب بالذهب مثلًا بمثل، وما زاد في مقابلة الخرز، كمسألة مد عجوة ودرهم تمامًا، ومسألة مد عجوة ودرهم لم يقل

стр. 5145

أحد ممن أجازها أو ممن منعها: إنها ليست مالًا ربويًا. فصار قولهما حجة عليهما. ألا ترى إلى قول ابن تيمية «إذا لم يعلم مقدار الربوي بل يخرص خرصًا مثل القلادة التي بيعت يوم حنين .... الخ كلامه، فهذا نص منه على أن الحلية التي مع الخرز هي مال ربوي. ولم يستطع أحد ممن قرأت له في هذه المسألة ممن صحح حديث فضالة أن يخرج من هذا الحديث بجواب مقنع. ومن الأحاديث التي احتج بها الجمهور، والتي تعتبر نصًا في الموضوع، (ح-٧٦٧) ما رواه مسلم من طريق أيوب، عن أبي قلابة قال: كنت بالشام في حلقة فيها مسلم بن يسار، فجاء أبو الأشعث قال: قالوا: أبو الأشعث، أبو الأشعث، فجلس فقلت له: حدث أخانا حديث عبادة ابن الصامت، قال: نعم، غزونا غزاة، وعلى الناس معاوية، فغنمنا غنائم كثيرة، فكان فيما غنمنا آنية من

стр. 5146

فضة، فأمر معاوية رجلا أن يبيعها في أعطيات الناس، فتسارع الناس في ذلك. فبلغ عبادة بن الصامت فقام، فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح إلا سواء بسواء، عينًا بعين، فمن زاد أو ازداد فقد أربى. فرد الناس ما أخذوا، فبلغ ذلك معاوية فقام خطيبا، فقال: ألا ما بال رجال يتحدثون عن رسول الله ﷺ أحاديث قد كنا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه، فقام عبادة بن الصامت، فأعاد القصة ثم قال: لنحدثن بما سمعنا من رسول الله ﷺ وإن كره معاوية - أو قال: وإن رغم - ما أبالي أن لا أصحبه في جنده ليلة سوداء. وجه الاستدلال: احتج عبادة في المنع من بيع الآنية من الفضة بالفضة متماثلًا من نهي الرسول ﷺ عن بيع الفضة بالفضة إلا مثلًا بمثل. ولم ير ﵁ إلى أن الآنية من الفضة قد خرجت بالصنعة من كونها مالًا ربويًا، وفهم الصحابي أولى من فهم غيره، كيف وقد وافقه غيره من الصحابة كما سيأتي عن ابن عمر ﵄، وأبي الدرداء. وأما رأي معاوية فهو لم يحتج لقوله إلا أنه لم يسمع من رسول الله ﷺ شيئًا في النهي، كما قال: (ما بال رجال يتحدثون عن رسول الله ﷺ أحاديث قد كنا نشهده، ونصحبه فلم نسمعها منه)، وكونه لم يسمع ليس حجة على من حفظ وسمع، وعمر وأبو بكر قد تغيب عنهم سنة، ويحفظها غيرهم ممن هو دونهم فكيف بمعاوية رضي الله عن الجميع، فكيف إذا كان معاوية إنما قال ذلك برأيه واجتهاده، وعبادة بن الصامت وأبو الدرداء كما سيأتي احتجا عليه بالسنة المرفوعة، ولذلك أغلظا له في الإنكار، وليس رأي معاوية صريحًا في أنه يرى أن الفضة تخرج بالصنعة من كونها مالًا ربويًا. فقد يكون رأي معاوية من رأي ابن عباس في أن الربا لا يجري إلا في النسيئة، ولذلك أجاز بيع الآنية من الفضة بأكثر من وزنها يدًا بيد. ويحتاج من يريد أن يجعل رأي معاوية في الحلية إلى كلام صريح من معاوية ﵁ في المسألة، فالقصة ليست صريحة في الباب. (ح-٧٦٨) يؤيد ذلك ما رواه ابن ماجه عن هشام بن عمار، حدثنا يحيى ابن حمزة، حدثني برد بن سنان، عن إسحاق بن قبيصة، عن أبيه، عن عبادة ابن الصامت بنحوه. وفيه قال معاوية: يا أبا الوليد ما أرى الربا في هذا إلا ما كان من نظرة (١).

стр. 5147

[منقطع قبيصة لم يلق عبادة] (١). وأجيب عن هذا الحديث: حمل ابن تيمية وابن القيم بأن إنكار عبادة على معاوية إنما هو لبيعه الآنية من الفضة، فهي صياغة محرمة، والصياغة المحرمة يحرم بيعها بجنسها أو بغير جنسها (٢). ويرد على هذا الاعتراض: بأن عبادة لم يحتج على معاوية بأحاديث النهي عن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة، وإنما احتج عليه بالنهي عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة متفاضلًا، فهو يقول في معرض إنكاره على معاوية كما في صحيح مسلم:

стр. 5148

سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة ..... إلا سواء بسواء، عينًا بعين، فمن زاد أو ازداد فقد أربى. فالكلام كله في إنكار بيع الفضة بجنسها متفاضلًا، وليس في بيع آنية محرمة، يُنْهَى عن بيعها مطلقًا كيفما بيعت، وبصرف النظر عن الثمن الذي بيعت به، وقد كان بعض الصحابة ربما اتخذ آنية الذهب والفضة، ولم يأكل بها، والنص إنما ورد في النهي عن الأكل في آنية الذهب والفضة، فقد جاء في الصحيحين أن الصحابي حذيفة ﵁ اقتنى آنية من فضة مع كونه يرى تحريم الشرب فيها. (ح-٧٦٩) فقد روى البخاري ومسلم من طريق سيف بن أبي سليمان، قال: سمعت مجاهدًا يقول: حدثني عبد الرحمن بن أبي ليلى أنهم كانوا عند حذيفة، فاستسقى، فسقاه مجوسي، فلما وضع القدح في يده رماه به، وقال: لولا أني نهيته غير مرة، ولا مرتين، كأنه يقول: لم أفعل هذا، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ... لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة (١). ففي هذا الحديث دليل على اقتناء حذيفة لإناء الفضة (٢). ومن الأحاديث التي احتج بها الجمهور، والتي تعتبر نصًا في الموضوع، (ح-٧٧٠) ما رواه مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار. أن معاوية بن أبي سفيان باع سقاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها، فقال أبو الدرداء: سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن مثل هذا إلا مثلًا بمثل، فقال له معاوية: ما أرى

стр. 5149

بمثل هذا بأسًا. فقال أبو الدرداء: من يعذرني من معاوية، أنا أخبره عن رسول الله ﷺ ، ويخبرني عن رأيه، لا أساكنك بأرض أنت بها. ثم قدم أبو الدرداء على عمر بن الخطاب، فذكر ذلك له، فكتب عمر بن الخطاب إلى معاوية أن لا تبع ذلك إلا مثلًا بمثل، وزنًا بوزن (١). [منقطع عطاء بن يسار يروي القصة، وهي قد حدثت زمن عمر ولم يدرك في ذلك الوقت] (٢).

стр. 5150

ومن الأحاديث التي احتج بها الجمهور، والتي تعتبر نصًا في الموضوع (ح-٧٧١) ما رواه مالك في الموطأ، عن حميد بن قيس المكي. عن مجاهد، أنه قال: كنت مع عبد الله بن عمر، فجاءه صانع، فقال له: يا أبا عبد الرحمن إني أصوغ الذهب، ثم أبيع الشيء من ذلك بأكثر من وزنه، فأستفضل من ذلك قدر عمل يدي، فنهاه عبد الله عن ذلك، فجعل الصائغ يردد عليه المسألة، وعبد الله ينهاه، حتى انتهى إلى باب المسجد أو إلى دابة يريد أن يركبها، ثم قال عبد الله: الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما، هذا عهد نبينا إلينا، وعهدنا إليكم (١). [سنده صحيح] (٢).
следующие страницы →